الاستيطان والهجرة في الفكر الصهيوني - سميح شبيب - عدد 248

الاستيطان والهجرة في الفكر الصهيوني

1864-1939

سميح شبيب·

يُشكل الاستيطان، حجر الزاوية في الفكر الصهيوني، وأساسا من أسس بناء الدولة العبرية. ويختلف الاستيطان الصهيوني، اختلافا جوهريا عن غيره من الأنماط الاستيطانية الأخرى التي شهدها العالم. ذلك أنه يرتكز على أبعاد عدة، يأتي في مقدمتها الدين والأسطورة. وبالتالي محاولة خلق حقائق كيانية داخل التجمعات الفلسطينية العربية، بغية مضايقتها ومن ثم طردها.

لعله من المفيد، محاولة إعادة قراءة الفكر الاستيطاني الصهيوني منذ بداياته، ذلك أن تلك البدايات لا تزال قائمة في شكل أو آخر، داخل الأطر والمناهج السياسية الإسرائيلية المعاصرة.

البدايات

من الممكن اعتبار مرحلة طرد اليهود من إسبانيا سنة 1492، نتيجة من نتائج الصراع الديني القائم هنا بين اليهودية والمسيحية، فاليهود الذين طردوا من إسبانيا (وهم الذين عرفوا فيما بعد باسم اليهود السفارديم – نسبة إلى سفارد- (إسبانيا بالعبرية) ويطلق عليهم عامة اسم اليهود الشرقيين، الذين توجهوا إلى المناطق التي كانت خاضعة للحكم العثماني في أوروبا وآسيا، بينما وصل بعضهم إلى فلسطين.(1)

كان اليهود في فلسطين، حتى منتصف القرن التاسع عشر، وقبل وصول طلائع المهاجرين الصهيونيين من روسيا ورومانيا إليها، أقلية ضئيلة بين السكان العرب، تعيش في نحو عشرة أماكن مختلفة من فلسطين. ويعود وجود اليهود في فلسطين في العصور الحديثة، إلى نهاية القرن الخامس عشر، أي بعد وصول السفارديم إليها.

ووفقا لما ورد في الكتاب السنوي الإسرائيلي، فإنه كان في فلسطين سنة 1822 ما يقارب 24 ألف يهودي. (2)

ويبدو أن هذا الرقم قريب من التقدير العثماني، ذلك أن السلطات العثمانية، لم تقم بإحصاءات رسمية للسكان يمكن الاعتماد على نتائجها، لكن ومع ذلك، فقد بلغ عدد سكان فلسطين، وفقا للإحصاءات التقديرية في منتصف القرن التاسع عشر نحو نصف مليون نسمة، 80% عرب مسلمون، و10% عرب مسيحيون، وربما 5%-7% يهود. (3)

ونظراً لقلة عدد اليهود في فلسطين، فقد أخذت الأفكار الصهيونية تتبلور خارج فلسطين والمنطقة العربية عموماً، منذ نهايات القرن الثامن عشر، وبدأت الدعوات لاستيطان فلسطين وتشجيع الهجرة اليهودية إليها، تظهر بوضوح. وفي هذا السياق، وضع زفي هيرش كاليشرKalisher H.Z (1795-1874) كتاب "السعي لصهيون". وجاء فيه: إن خلاص اليهود لا يكون على يد مسيح منتظر، وإنما عن طريق الجهد البشري اليهودي، لتخليص أنفسهم بالمبادرة إلى بناء مجتمع يعتمد على ارتباط اليهودي بأرض يزرعها تكون بمثابة وطن قومي له، ولا يتم ذلك إلا في فلسطين". (4)

ولتحقيق فكرته، قام كاليشر بخطوات عملية، فطلب من الممولين اليهود المساهمة في تكوين جمعية هدفها استثمار فلسطين، وبالتالي تشجيع يهود شرقي أوروبا وألمانيا على الهجرة إليها. وقد استطاع كاليشر، من خلال جهده الدؤوب، تأسيس "جمعية استثمار أرض إسرائيل" سنة 1864. وكانت متعاونة مع الأليانس الإسرائيلي العالمي، وأقامت أول مدرسة زراعية يهودية في فلسطين عند مدخل مدينة يافا سنة 1870، وعرفت باسم مدرسة نِتر "Netter". ومنذ إقامتها، قام الفلاحون الفلسطينيون بمعارضة إنشائها، وحدثت مشاكل حول حدودها، ذلك أن الفلاحين الفلسطينيين لم يرحبوا بوجود مؤسسة أجنبية تتوسط قراهم. (5)

وفي سنة 1882، وضع د.ليو بنسكر (1812-1891) –واسمه الحقيقي يهوذا لايب، كتاب التحرر الذاتي "Auto Emancipation" طالب فيه بحل المشكلة اليهودية، وقال: "أن اليهود أينما وجدوا ينظر إليهم على أنهم غرباء، ومن أجل ذلك كانوا يحتقرون، وأن التحرر الحقيقي هو في خلق قومية يهودية للشعب اليهودي، ليعيش هذا الشعب على أرض موحدة ومحددة".

وطالب بنسكر بعقد مؤتمر يهودي عالمي، هدفه شراء أرض تستوعب استيطان ملايين عدة من اليهود، دون أن يحدد فلسطين مكانا لها. (6)

ونظراً لأهمية كراس "التحرر الذاتي"، فقد اعترف ثيودور هرتزل بقيمته ودوره، وذكر بأنه لم يطلع عليه، إلا بعد نشر دعوته لقيام الدولة اليهودية عام 1896 وأضاف، أنه لو اطلع عليه من قبل لما وجد هناك مبرراً لنشر آرائه المشابهة في كراس "الدولة اليهودية". (7)

وعملياً، فقد بدأت الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين، سنة 1881، وكانت شديدة العنصرية وضعيفة التنظيم، وجاءت، تلك الهجرة، بعد اغتيال قيصر روسيا اسكندر الثاني في آذار (مارس) 1881، وكنتيجة لاشتراك يهود فيها تبعتها هجرات، اتجهت في غالبيتها العظمى إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة، وهاجر بعضها إلى فلسطين، وأطلق اسم "هواة صهيون" أو "أحباء صهيون" حوفيفي تسيون Lovers of Zion على حركة المهاجرين اليهود من روسيا وبولونيا ورومانيا إلى فلسطين، وهم الذين أنشأوا المستوطنات اليهودية الأولى في البلد، وفق أسلوبهم السياسي، وذلك عبر الهجرة الأولى 1881-1904. (8)

وفي بريطانيا، تأسس اليانس إسرائيل Anglo Jewish Association سنة 1870. وفي العام 1873، تأسس اليانس إسرائيلي في ألمانيا. وتمكن يهود من الأليانس المذكور، بالتعاون مع يهود من القدس، من شراء مساحة من الأرض، أقاموا عليها مستعمرة بيتح تكفا Peta Tekivah (أي بوابة الرجاء) في اللغة العبرية، وذلك في العام 1878.

في السياق ذاته، نجح رئيس الأليانس، أدولف كريميه –النائب اليهودي في مجلس النواب الفرنسي سنة 1868، في الحصول على ميثاق من السلطان العثماني عبد العزيز، يمنح الأليانس أرضاً مساحتها 2600 دونم بالقرب من يافا، وذلك بموجب عقد إيجار مدته 19 عاماً لإنشاء مدرسة زراعية، وقد تم بناء المدرسة عام 1870، بالتعاون مع البارون إدموند روتشيلد، وعرفت باسم مدرسة مكفيه إسرائيل "أمل إسرائيل".

في سنة 1871، أسس الحاخام يهودا شيلوم حاي القلعي جمعية لاستعمار الأراضي في القدس، وكان يهدف من وراء ذلك إلى تخليص اليهود من الشتات، باعتبار أن فلسطين هي السبيل الوحيد أمام اليهود، ذلك أن الهجرة إليها تعني التوبة، والتوبة لا تعني فقط العودة إلى الله، وإنما العودة إلى الأرض أيضاً، والبحث عن صهيون.

إلى هذا قام روتشيلد، بتمويل عمليات الاستيطان، وساعد اليهود منذ العام 1877، بواسطة الزعيم الروسي واينبرغ، الأمر الذي أسهم في بناء المستعمرات الخمس الأولى، ومدها بالأموال.

في رومانيا، أسست أول جمعية لهجرة اليهود في بوخارست، سنة 1880، وتمكنت سنة 1882 من شراء 270 دونماً في الجاعونة، وأسّسوا مستوطنة روش بينا (رأس الزاوية). وفي 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1882، أقام مهاجرون من رومانيا مستوطنة زماين (زخرون يعقوب). وفي خلال السنوات 1882-1884 وصل عدد المستوطنات التي أسستها طلائع الهجرة الأولى في فلسطين إلى ثمانية. وهكذا بدأ التسلل الاستيطاني الصهيوني إلى فلسطين، وبذلك يمكن اعتبار عام 1882، نقطة تحول هامة في تاريخ فلسطين خلال القرن التاسع عشر، حيث سجلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أولى خطاها المنظمة، ذات الأغراض السياسية من أوروبا إلى فلسطين.

وفقاً للمصادر البريطانية، فقد تمكن اليهود منذ سنة 1882، وحتى سنة 1914، من شراء ما مجموعه 420,600 دونماً من أراضي فلسطين. وكانت وسائط الشراء الأساسية، المؤسسات والأفراد الذين حصلوا على 404,200 دونماً منذ الهجرة الأولى وحتى الحرب العالمية الأولى، والصندوق القومي اليهودي (الكيرن كايمت)، الذي حصل سنة 1914 على 16,400 دونماً كما يوضحها الجدول رقم 1. (9) الاستيطان الزراعي اليهودي 1882-1914 (10).

جدول رقم (1)

العام

الأراضي المشتراة بواسطة الصندوق القومي اليهودي (بالدونم)

المستوطنات الزراعية بواسطة الآيكا والأفراد (بالدونم)

المجموع (بالدونم)

عدد المستوطنات

السكان

1882

--

25.000

25.000

5

500

1890

--

107.100

107.100

14

2.770

1900

--

220.70

220.700

22

4.950

1914

16.400

404.200

420.600

47

11.580

المستوطنات اليهودية في فلسطين قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول 19-21/8/1897 بازل –سويسرا كما يوضحها الجدول رقم (2)

جدول رقم (2)

الرقم

الاسم

سنة التأسيس

1

مكفيه يسرائيل

1870

2

بيتح  تكفا

1878

3

روش بينا

1882

4

ريشون ليتسيون

1882

5

زخرون يعقوب

1882

6

يسودها هامعليه

1883

7

نس تسيونه

1883

8

عقرون (مزكيرت باتيه)

1883

9

غديره

1884

10

بيتر طوفيا

1887

11

بات شلومو

1889

12

ميئر شافيه

1889

13

مشمار هايردن

1890

14

رحوفوت

1890

15

الخضيرة

1890

الموقف العثماني

تنبهت السلطة العثمانية لمخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة مستوطنات فيها منذ بدايات الحركة الاستيطانية. وعليه أصدر الباب العالي سنة 1855 قانوناً يمنع الأجانب بموجبه من الاحتفاظ أو شراء الأراضي في فلسطين. وفي سنة 1869، أصدر الباب العالي قانوناً آخر عرف باسم نظام استملاك التابعية الأجنبية للأملاك. وفي شباط (فبراير) 1887، صدرت أوامر جديدة في شأن الهجرة اليهودية وجهت إلى متصرفي القدس ويافا، تعلمهما بأنه سيسمح لليهود بدخول البلاد كحجاج أو زوار فقط، وعلى كل يهودي يصل إلى يافا أن يدفع 50 ليرة تركية لقاء تعهده بمغادرة البلاد خلال 31 يوماً. (11)

وفي سنة 1882، أصدر الباب العالي قوانين عديدة خاصة بالهجرة اليهودية إلى الدولة العثمانية، ومع ذلك استمرت جهود اليهود، بغية إقناع السلطان عبد الحميد بضرورة العدول عن هذه القوانين. وفي هذا السياق، حاول الزعيم الصهيوني هرتزل، إقناع السلطان عبد الحميد، بفوائد الهجرة اليهودية إلى فلسطين عبر وسائل شتى، لكن جهوده لم تثن السلطات العثمانية عن التمسك بقانون منع اليهود من الإقامة في.

فلسطين. (12)

لكن تلك القوانين والتشريعات، لم تَحل دون استمرار الهجرة وتأسيس المستوطنات، ذلك إن جمعيات الاستثمار اليهودية، كانت تواصل أنشطتها في فلسطين، عبر الأساليب غير القانونية، معتمدة على شراء الأراضي من الإقطاعيين، منتهجة أسلوب الرشوات مع الإدارة التركية الفاسدة، كي تتغاضى عن عمليات الشراء. وكانت أسرة سرسق تملك وحدها مساحات شاسعة في فلسطين تتاجر بها وتستثمرها. يقول هرتزل في يومياته "جمعية الاستمثار اليهودي تتفاوض مع عائلة رومية اسمها سرسق، من أجل شراء سبعة وتسعين قرية في فلسطين ويعيش هؤلاء الروم في باريس، وقد خسروا أموالهم في القمار وهم يريدون بيع ممتلكاتهم وهي 3% من مساحة فلسطين". (13)

ومنذ بدء الاستيطان. لاقت الجهود الصهيونية معارضة رسمية وشعبية واضحة، وفي هذا السياق أرسل سيلاميرل، القنصل الأميركي في القدس، في العام 1891، تقارير إلى حكومته، يشرح فيها الوضع السياسي وموقف الحكومة العثمانية من المهاجرين اليهود، ورد فيها: "أن تركيا المسلمة لن ترضى بإقامة مملكة لليهود في فلسطين، وأن فلسطين بلد فقير، وإذا ظلت الهجرة اليهودية في تدفقها الحاضر، فإن النتيجة ستكون وبالاً على اليهود وعلى سكان البلاد الأصليين معاً، وأن المسلمين لن يسمحوا لليهود بإنشاء دولة في فلسطين". (14)

وإزاء ذلك، كانت الحركة الصهيونية، تلجأ إلى الأساليب الملتوية وغير الشرعية لإقامة المستوطنات، ومن الأمثلة على ذلك، أن الحكومة التركية، سبق لها وأن عزمت على بيع قطعة أرض تابعة لقرية عيون قارة، جنوب مدينة يافا (12 كلم). وذلك بسبب عجز أصحابها عن دفع الضرائب المستحقة عليهم. وحينذاك، حاولت "كتيبة طلائعي يسودها معليه" وهي كتيبة تنظيم روسية تعمل على شراء الأرض، لكن والي القدس رفض بيعها لليهود، فتدخل نائب قنصل بريطانيا في يافا، وتمكن من شراء المساحة المعروضة للبيع، وكانت مساحتها زهاء 3.340 دونماً، وقام بتحويلها إلى المهاجرين اليهود، وفي آب (أغسطس) 1882، وصلت عائلات روسية إلى فلسطين، ووضعت الأسس لقيام مستوطنة، أطلق عليها اسم ريشون ليتسيون (الأولى لصهيون) (15)، ويذكر في هذا السياق، إدراك الباب العالي، ومنذ البدايات، لأبعاد المخاطر السياسية الكامنة وراء الاستيطان. ولعل ما كتبه السلطان عبد الحميد في مذكراته(16)، من شأنه الكشف عن ذلك، يقول السلطان عبد الحميد: "إن الصهيونية لا تريد أراض زراعية في فلسطين لممارسة الزراعة فحسب، ولكنها تريد أن تقيم حكومة ويصبح لها ممثلون في الخارج. إنني أعلم أطماعهم جيداً، وإنني أعرف هذه السفالة لأنهم يظنون أنني لا أعرف نواياهم، ولن أقبل بمحاولاتهم، وليعلموا كم فرداً في إمبراطوريتنا يكنّ لليهود من الكراهية، طالما هذه نواياهم، وأن الباب العالي ينظر إليهم مثل هذه النظرة، وأنني أخبرهم أن عليهم أن يستبعدوا فكرة إنشاء دولة في فلسطين، لأنني لا زلت أكبر أعدائهم".

ولعل في ذلك ما يفسر دور اليهود وحركاتهم في ثورة 1908، وخلع السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1909. (17)

وعلى الصعيد الشعبي قام الفلاحون الفلسطينيون من أبناء قرية (الجاعونة) قضاء صفد، بالهجوم على مستعمرة روش بينا سنة 1883، وفي السياق ذاته، شن الفلاحون المطرودون من أرضهم في الخضيرة وملبِّس، هجوماً على مستوطنة "بيتح تكفا"، وذلك في آذار 1886. وفي أواخر تشرين أول (أكتوبر) 1888 شهدت مستوطنة غديرة هجوماً عليها، كما شهدت مستوطنة رحبوت في آذار (مارس) 1893 هجوماً مماثلاً، وكذلك مستوطنة بيئر طوفيا، سنة 1896، وفي سنة 1901 ضد الخضيرة.

وعلى الصعيد السياسي، أبرق وجهاء القدس في العقد الأخير من القرن التاسع عشر إلى الصدر الأعظم، يعبرون عن تخوفهم من دخول أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود، يطالبون بمنعهم من دخول فلسطين، نظراً لعدم مقدرة المسلمين من السكان على منافسة المهاجرين اليهود لهم، في النواحي الاقتصادية، مما ينجم عنه سوء الحالة الاقتصادية للسكان. (18)

وعقب إقرار برنامج بال سنة 1897، تركزت الجهود الفلسطينية على الحيلولة دون تسرب أراضِ أخرى للصهيونية، ومن أجل هذا ترأس مفتي القدس، محمد طاهر الحسيني، هيئة محلية ذات صلاحيات حكومية مهمتها التدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية القدس، الأمر الذي أسهم في الحيلولة دون حصول اليهود على أراضِ زراعية جديدة لسنوات عديدة، كما أسس الفلسطينيون في يافا سنة 1897 الحزب الوطني لمحاربة الصهيونية، وعدّ الحزب التعامل مع الصهيونية جريمة قومية. (19)

مأسسة الاستيطان

انطلقت الحركة الصهيونية بزعامة ثيودور هرتزل، ووفقاً لبرنامج مؤتمر بازل، لتعزيز أنشطتها في السبل الثلاثة التالية: التنظيم، الاستيطان، الدبلوماسية، وللدلالة على أهمية مؤتمر بازل وبرنامجه في حياة اليهود، فقد عبّر هرتزل عن ذلك بقوله: "لو طُلب تلخيص مؤتمر بازل في كلمة واحدة، وكان عليّ تلفظها بصوت منخفض، لكانت هي: في بال أسست الدولة اليهودية، ولو قلت ذلك بصوت عال لضحك مني الجميع، ولكن ربما في خمس سنوات على وجه التقريب، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد، سيعلم كل واحد بالأمر"، ولعل هرتزل في قوله هذا، يشير في شكل خفي إلى ما تضمنته قرارات المؤتمر، على صعيد بلورة مؤسسات الهجرة والاستيطان. ذلك أن أولى قراراته نصت على:"تسعى الصهيونية إلى إقامة وطن لليهود في أرض إسرائيل، معترف به وفقاً للقانون العام، ولتحقيق هذا الهدف يتخذ المؤتمر إجراءات عدة، أولها، تطوير أر        ض إسرائيل، بشكل منظم بواسطة توطينها باليهود المزارعين والحرفيين والمهتمين". (20)

وبواسطة تلك الإجراءات، دخل فلسطين خلال السنوات 1904-1914، ضمن موجة الهجرة الصهيونية الثانية، نحو 35-40 ألف مهاجر يهودي(21)، ووضعت الهجرة الثانية أسس الكيان الصهيوني في فلسطين، والتي قامت عليها الدولة العبرية فيما بعد، حيث خرج من أبناء هذه الهجرة، عدد من الزعماء الصهيونيين، في مختلف مجالات العمل الصهيوني، لعبوا أدواراً مهمة في تاريخ الصهيونية في فلسطين أو خارجها. ومن بين هؤلاء، دافيد بن غوريون، سكرتير الهستدروت (1921-1935)، ورئيس الوكالة اليهودية (1935-1948) وأول رئيس حكومة في إسرائيل ووزير دفاعها (1948-1953 و 1955-1963)، ويتسحاق بن تسفي، رئيس (هافاعاد هليئومي) اللجنة القومية، وهي اللجنة التنفيذية للمجلس المحلي اليهودي في فلسطين "كنيست يسرائيل" (1931-1948)، وثاني رئيس لإسرائيل (1952-1963)، وليفي أشكول، من كبار العاملين في مجال الاستيطان الصهيوني في فلسطين، من خلال فترة الانتداب، وثالث رئيس حكومة في إسرائيل (1963-1969)، ويوسف سبرنتساك، سكرتير الهستدروت (1945-1948) ورئيس الكنيست (1949-1959)، وبيرل كاتسنلسون، مؤسس صحيفة دافار (1925)، ودار النشر "عام عوفيد"، والمفوض الثقافي للمستوطنين العمال في فلسطين، ويتسحاق طابنكين، منظر حركة الكيبوتسات وزعيم حزب أحدوت هاعفودا (1954-1968)، وأباهام هارتسفيلد، كبير منفذي برامج الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ منتصف العشرينات، وشموئيل دايان (والد موشي دايان)، أحد مؤسسي المستوطنات من صنف الموشاف، وعيده يسمون (نيشمال) إحدى مؤسسات حركة العاملات.(22)

وفي أية حال، فقد شهد المسرح السياسي والاقتصادي في فلسطين، مع نهاية القرن التاسع عشر، بداية الهجرة الصهيونية، وقيام مشروع الصندوق القومي اليهودي Jewish National Fund، كما كان معداً للصراع بين المهاجرين الجدد وسكان فلسطين الأصليين.

كما وشكل انعقاد المؤتمر الصهيوني الخامس، في مدينة بال بسويسرا، في الفترة الممتدة من 16 إلى 20 كانون الأول (ديسمبر) عام 1906، نقطة تحول مهمة، حيث اتخذت فيه مقررات جوهرية على الصعيد الصهيوني، وكان أهم قرار في هذا المؤتمر، حول مستقبل فلسطين، هو إنشاء الصندوق القومي اليهودي (الكيرن كايمت)، لشراء الأراضي في فلسطين، وجعلها أراضي ذات ملكية جماعية وليست خاصة، وتشغيل العمال اليهود دون غيرهم، وتهويد الأرض المقدسة من جديد، وقد أوضح الصندوق أن الشروط التفضيليّة تمنح للفلاح اليهودي، الذي يستخدم العامل اليهودي فقط في أرضه.

ورغم قرار المؤتمر الخامس الصهيوني بإنشاء الصندوق، فتح مكتب له في مدينة فينا، إلا أنه بقي بلا وضع قانوني، إلى أن سُجل رسمياً في انكلترا في نيسان (إبريل) 1907، وتسببت في هذا التأخير الخلافات في شأن أساليب الاستعمار اليهودي لفلسطين، ودور الصندوق فيه، وأنشطته مع هدفه المحدد، وهو شراء الأراضي في فلسطين وسوريا. (23)

في الواقع، فقد كان الشيء الوحيد الذي فعله المؤتمر الخامس الصهيوني، في صدد الصندوق القومي اليهودي، هو تبنيه قراراً، وفقاً لخطاب كان قد ألقاه هيرمان شابيرا، في المؤتمر الصهيوني الثاني في آب (أغسطس) 1898، وهو: "يعلن المؤتمر أنه من حيث المبدأ، يعتبر إنشاء صندوق قومي، وتأسيس مصرف يهودي أمراً أساسياً، وهو من أجل ذلك، سيقوم بانتخاب لجنة الأعمال التي ستقدم بدورها خطة معدة بعناية إلى المؤتمر التالي. وبعد المؤتمر الثاني الصهيوني بثمانية أشهر، توفي شابيرا، وهكذا فإنه لم يقدّر له أن يرى تأسيس الصندوق القومي لليهود، ولا تزال الأدبيات الصهيونية، تعتبره، "أبو الصندوق القومي اليهودي".

قام الصندوق القومي اليهودي بنشاط ملحوظ مع القوى الصهيونية الأخرى مثل الحالوكا، والخالوتزيم، لتحسين أوضاع اليهود في فلسطين، على أن أهمية الصندوق تكمن في شرائه الأراضي من اليهودي، وتحويلها إلى ملكية جماعية، كما نجح بشراء أراض واسعة المساحات في سهل حطين، ووادي الأردن، وتمكن الصندوق من شراء نحو 15 ألف دونماً من الأراضي في منطقة يافا، والجليل، في عام 1905. (24)

وعلى رغم أنشطة الصندوق، بعد تسجيله قانونياً في انكلترا، لكنه لم يأخذ دوره الفاعل، ويمارس أنشطته الواسعة في فلسطين، إلا بعد أن فتح له مكتباً عُرف باسم مكتب فلسطين، تنفيذاً لقرار المؤتمر الصهيوني الثامن، في آب (أغسطس) 1907. وبدأ المكتب أعماله بشراء الأراضي والتوسع الزراعي في أوائل سنة 1908 في يافا، بإدارة آرثر روبين(25)، وترافق ذلك مع تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية شركة لشراء الأراضي وتطويرها في فلسطين، كي تكون وكالة مركزية تشتري الأرض، ولما كان محظوراً على الصندوق أن يقوم بهذا العمل، الذي بدا أن الحاجة إليه تتزايد، فقد اعتبر قيام تلك الشركة أمراً أساسياً. وبهذه الوسيلة أملت المنظمة بأن تحد من تزايد أسعار الأرض ومن تزايد المضاربة، ومن عمليات الشراء غير المنظمة والعشوائية لقطع أرض صغيرة أو مبعثرة، وسجلت الشركة، سنة 1909، في انكلترا، باسم تطوير أراضي فلسطين المحدودة، برأس مال مقداره 50.000 جنيه إسترليني(26) (Development Company of Palestine Land).

أنشأت الحركة الصهيونية، العديد من المؤسسات الاقتصادية، التي مارست نشاطها الاستثماري في فلسطين. وعلى سبيل المثال لا الحصر أنشأت معظم تلك الشركات في لندن، ومن ثم فتحت لها فروعاً في فلسطين، ولم تكن تلك الشركات أكثر من شركات استثمارية مشتركة صهيونية-بريطانية، في آن معاً.

أما على صعيد الحركة المصرفية، فقد أقر المؤتمر اليهودي الثاني، 1898، اقتراحاً يقضي إقامة مصرف باسم "البنك الكولونيالي اليهودي"، على أن يسجل في لندن كشركة مساهمة(27). وفي العام 1902 تأسّست في لندن، الشركة البريطانية-الفلسطينية، التي تعاملت مع البنك الكولونيالي اليهودي، Jewish Colonial Trust، وتحولت بالتدريج إلى المصرف المركزي لتمويل أعمال الاستيطان في فلسطين. (28)

ومن خلال عمل الصندوق القومي ودور البنك الكولونيالي اليهودي، إضافة إلى أنشطة شركة تطوير أراضي فلسطين المحدودة، تضاعف عدد اليهود في فلسطين، بين عامي 1882-1900، حيث بلغوا عام 1882 نحو 24000، ثم ارتفع عددهم عام 1900 إلى 50,000، وفي العام 1914 أصبحوا 85.000، في حين لم يتجاوزوا الستة آلاف عام 1839. (29)

ومع اندلاع الحرب الكونية الأولى في أواخر تموز (يوليو) 1914-1918، دخلت معطيات جديدة على معادلة الموازنات الدولية، وانعكاساتها في منطقة بلاد الشام، وجاءت هذه المعطيات في معظمها، خدمة للتوجهات الصهيونية. ذلك أنه أولاً، وقبل أي شيء آخر، تغيرت خارطة التحالفات الدولية، وتبلور ذلك في بدء المفاوضات بين دول الحلفاء الثلاث: بريطانيا، فرنسا وروسيا، وذلك بهدف تقرير مصير المناطق الخاضعة للحكم التركي، الأمر الذي أسهم بدوره في رفع قبضة القوانين والإجراءات العثمانية الخاصة بالحد من الهجرة والاستيطان. ونظراً لدور بريطانيا المركزي في السياسة الدولية، آنذاك، انتقل مركز الثقل الصهيوني إلى لندن. وبدأت علائم النشاط الصهيوني، وتعاونه مع السلطات البريطانية، تظهر بوضوح عبر مراسلات حسين-مكماهون. وعندما توجه سايكس وبيكو، إلى روسيا للتفاوض في شأن المشرق العربي، كانت بريطانيا قد تعهدت بوضوح بإقامة الوطن القومي اليهودي، وبعد الإعلان عن اتفاقية سايكس-بيكو، بعام واحد، صدر تصريح بلفور، متضمناً بوضوح، تعهد بريطانيا بإقامة الوطن القومي اليهودي، وجاء التصريح في صيغة رسالة، بعث بها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، إلى اللورد روتشيلد الثري الصهيوني. وجاء فيها: "أن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وستبذل أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يسمح بأي إجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها المجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو بالمركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى"(30). وقد جاء هذا التصريح، واصفاً الشعب الفلسطيني في بلاده، بالمجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين. رغم أن عدد سكان فلسطين عند صدوره كان نحو 670 ألف نسمة، منهم نحو 60 ألف يهودي فقط، وسنة 1920 كان عدد اليهود في فلسطين يقدر بـ 85 ألفاً، بينما ذكر تقرير الإدارة العسكرية قبل ذلك بأن عددهم يقارب 55 ألفاً. (31)

وترافق تصريح بلفور مع انضمام 150 متطوعاً يهودياً للجيش البريطاني، وأصبحوا نواة للفيلق اليهودي سنة 1917. وكان ذلك نتيجة لنشاط جابوتنسكي. وبتاريخ 11 كانون الأول (ديسمبر) 1917، أي بعد مرور 40 يوماً على إصدار تصريح بلفور، دخل الجنرال اللنبي، قائد القوات البريطانية إلى مدينة القدس فاتحاً بذلك عهداً جديداً في فلسطين.

الاستيطان في ظل الانتداب البريطاني

كان واضحاً منذ إعلان الانتداب على فلسطين، بأن بريطانيا عازمة على تحقيق تصريح بلفور، وتهويد فلسطين تمهيداً لإنشاء الوطن القومي اليهودي. ولعل ما عُرف بمذكرة تشرتشل المؤرخة في 1/7/1922، يمثل أول إفصاح رسمي بريطاني في هذا الشأن. فقد نصت المذكرة، بوضوح على أن تصريح بلفور "غير قابل للتغيير"، حتى يكون للطائفة اليهودية، أفضل التوقعات للتنمية الحرة، وأن تقدم فرصة كاملة للشعب اليهودي لإظهار قدراته. ومن الضروري ضمان إنشاء وطن قومي يهودي، ضماناً دولياً والاعتراف رسمياً بأنه يستند إلى صلة تاريخية قديمة، ومن الضروري لأجل تطبيق هذه السياسة، من تمكين الطائفة اليهودية في فلسطين من زيادة عددها بالهجرة، بحيث لا تكون هذه الهجرة كبيرة، إلى حد يزيد، في أية ظروف كانت، على ما تكون عليه قدرة البلاد الاقتصادية –آنذاك-على استيعاب قادمين جدد"(32)

ووفقاً لهذا التوجه الرسمي، تتالت الإجراءات البريطانية، المساعدة على دفع المشروع الصهيوني في فلسطين إلى الأمام، وذلك على ثلاثة صعد أساسية، وهي: تسهيل الهجرة اليهودية، والتضييق على الفلاحين الفلسطينيين، ومنح الامتيازات الكبرى لليهود الصهاينة. وقد تم الاستناد، فيما كانت تسنه السلطات الانتدابية، على صك الانتداب خصوصاً في مادته الثانية والمتضمنة أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية، تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي، أما المادة الرابعة، فنصت على الاعتراف بالوكالة اليهودية، كهيئة ملائمة عمومية، تشير وتعاون في إدارة فلسطين.

كما نصت المادة الحادية عشرة من الصك على أنه يجوز لإدارة البلاد أن تتفق مع الوكالة اليهودية على أن تقيم أو تستمر، بشروط العمل والإنصاف الأعمال والمصالح العمومية، وترقي مرافق البلاد الطبيعية، حيث لا تتولى الحكومة هذه الأمور بنفسها. (33)

تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين

منذ أن اعترفت سلطات الانتداب البريطاني بشرعية الوكالة اليهودية، أصبحت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، تأخذ طابعاً قانونياً، ففي السادس والعشرين من آب (أغسطس 1920) فرض أول قانون للهجرة إلى فلسطين، وبموجب هذا القانون، أُعطي المندوب السامي حق تحديد عدد المهاجرين، من آن إلى آخر، بناء عل ظروف ومتطلبات البلاد، وإصدار القواعد التي تسمح للفئات التالية الهجرة إلى فلسطين، وهي:

1. الأشخاص الذين تضمن المنظمة الصهيونية وسائل إعالتهم، لمدة عام.

2. الأشخاص الذين تتوافر لديهم الموارد المستقلة، أو الذين يقدمون الدليل على قدرتهم على إعالة أنفسهم.

3. رجال الدين الذين تتوفر وسائل إعالتهم في فلسطين. (34)

إلا أنّ التغيير الجدي في ميزان الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بدأ منذ النصف الثاني من سنة 1928، حيث سنّت حكومة الانتداب البريطاني قانوناً جديداً للهجرة، تم بموجبه تصنيف المهاجرين المسموح بدخولهم إلى البلاد، وقد اعتمد القانون الجديد الوضع الاقتصادي للمهاجر.وحددت الفئات المسموح لها بالهجرة كما يلي:(35)

أ‌. الأشخاص الذين يملكون مبلغاً لا يقل عن ألف جنيه إسترليني، وعائلاتهم.

ب‌.  ذوو المهن الذين يملكون 500 جنيه على الأقل.

ت‌. الصناع الماهرون، الذين يملكون 250 جنيهاً على الأقل.

ث‌. الأشخاص الذين لهم إيراد ثابت لا يقل عن أربعة جنيهات في الشهر.

ج‌. الأيتام القادمون إلى ملاجئ في فلسطين.

ح‌. الرجال والنساء الذين يتعاطون الأشغال الدينية والمضمونة معيشتهم ومعيشة عائلاتهم.

خ‌. الطلبة المضمونة معيشتهم.

د‌. العمال من الرجال والنساء.

ذ‌. الأشخاص الذين يعتمدون في معيشتهم على أقرباء لهم في فلسطين، وكان هؤلاء الأقرباء بحالة تمكنهم من إعالتهم.

ورغم أن هذا القانون يسمح بهجرة أعداد كبيرة، فقد تمكنت الحركة الصهيونية من التحايل عليه، وإدخال المزيد من المهاجرين، وكان من شأنه إحداث خلل جديد في البناء الديمغرافي الفلسطيني، الأمر الذي أدى بدوره إلى وقوع هبة 1929.

واتخذ التحايل على القانون وسائل وطرائق مختلفة، منها دخول فلسطين، بعد استيفاء الشرط المالي، من الفئات (أ، ب، ت)، ومن ثم إعادة المبلغ إلى الخارج، لإدخال مهاجرين جدد.

وكذلك دخول البلاد لمدة عام، وعدم الخروج منها، فضلاً عن الزواج الصوري ما بين يهود من خارج فلسطين وداخلها، إضافة إلى انتحال صفة رجال الدين استيفاء لاشتراط هذه الفئة من المهاجرين. وإلى جانب تلك الطرائق، كانت الهجرة السرية، وهو ما أشار إليه تقرير لجنة بيل Peel الملكية بوضوح، فقد ورد في التقرير: "إن الهجرة اليهودية غير المشروعة، كانت تسير مع الهجرة المشروعة، جنباً إلى جنب، وتتم بدخول البلاد خلسة واجتناب مراكز المراقبة على الحدود، أو بقاء المسافر، الذي دخل البلاد بصورة مشروعة في البلاد، بعد انتهاء المدة المصرح بها، أو بزواج صوري"(36).

من جهة أخرى، فقد سمح للوكالة اليهودية، وفقاً لإجراءات الانتداب، ممارسة دور كبير في تشجيع هجرة اليهود، والإشراف عل اختيارهم، فكانت تصاريح الهجرة تسلم إلى الوكالة اليهودية التي توزعها على مكاتبها في الخارج، دون أي إشراف أو رقابة. كما منحت كذلك حق اعتبارها صاحب عمل، وتمكنت بذلك من جلب المزيد من العمال اليهود على ضمانتها، وبذلك، بلغ عدد المهاجرين سنة 1922، (7844) مهاجراً منهم (3310) عمال، وبلغ عدد المهاجرين سنة 1925 (33801) منهم (16161) عاملاً. (37)

التضييق على الفلاحين الفلسطينيين

كان الفلاح الفلسطيني، غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى، يعاني من أزمات تلك الحرب وويلاتها، ولعل همه كان في ثقل ديونه، وكان معظم الفلاحين يقترضون المال من البنك الزراعي العثماني. وما أن وضع الانتداب بدايات تشريعاته في فلسطين حتى قام بإلغاء البنك العثماني، في (19/3/1921)، حارماً بذلك الفلاحين من نيل القروض بفوائد معتدلة، ولم تكتف سلطات الانتداب بذلك، بل أخذت تطالب الفلاح، بدفع قروض "البنك العثماني الزراعي"، والتي كان قد اقترضها قبل الاحتلال البريطاني. (38)

كما نص دستور فلسطين على أنه يحق للمندوب السامي، التصرف بالأراضي العمومية، وله سلطة ممارسة تلك الحقوق على تلك الأراضي، لأنه أمين عن حكومة فلسطين، وأعطت المادة 13 من الدستور صلاحية مطلقة للمندوب السامي في أن يهب أو يؤجر تلك الأراضي، أو أي معدن أو منجم، وله أن يأذن بإشغال هذه الأراضي، واشترطت تلك المادة، على أن يجري المندوب السامي كل هبة أو إيجار أو تصرف لهذه الأراضي، وفقاً لمرسوم، أو قانون. (39)

كما جرى تأكيد ذلك، بعد معاهدة الصلح مع تركيا، سنة 1925، حيث نصت المادة 60 من المعاهدة على أن للدول المنسلخة أراضيها عن المملكة العثمانية، بمقتضى هذه المعاهدة، الحق في امتلاك جميع ما فيها من الأموال والممتلكات العائدة للسلطة العثمانية، دون دفع قيمتها. (40)

وتأسيساً عليه، سنت سلطات الانتداب في العام 1926، قانون نزع الملكية، الذي يبيح للسلطات البريطانية، نزع ملكية الأرض عن طريق فرز الأراضي المشاع في القرى ومراجعة قيود الأملاك، وانتزاع ما لا تثبت ملكيته من الأراضي، وتسجيلها باسم حكومة الانتداب، ومن ثم التصرف به، لإقامة المشاريع العامة. (41)

كما لجأت سلطات الانتداب إلى فرض الضرائب الباهظة على الأراضي ما أثقل كاهل الفلاحين، الذين كانوا يبيعون أرضهم، تخلصاً من الديون والضرائب.

ولعل أبرز إجراءات الانتداب في هذا المجال هو تشريعاته التي كان من شأنها مضاعفة الضرائب على الأراضي والمنتجات الزراعية، وبالمقابل عدم تقديم أية خدمات تتناسب مع تلك الضرائب، والتي كان من أبرزها:

- ضريبة العُشر.

- ضريبة الويركو·.

-  ضريبة تعداد المواشي. (42)

وترافقت تلك الضرائب، مع إجراءات أخرى مرافقة، أبرزها المسارعة في جمع الضرائب المتراكمة على الفلاحين، وذلك ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما خلفه العثمانيون من مصاعب جمة.

كما قامت السلطات البريطانية، بالإهمال عمداً، في فتح الطرق إلى القرى، وربطها بالمدن، كذلك أهملت السلطات الانتدابية نشر الوعي الزراعي بين الفلاحين، أو تنظيم وسائل تصدير منتجاتهم، بل إنها قامت في فترة الحكم العسكري بمنعهم من التصدير. (43)

ومن الجدير ذكره، في سياق الضرائب أنها طبقت على المزارع اليهودي كما العربي، إلا أن نظرة متفحصة للأمر، ترينا بأن المزارع اليهودي في المستعمرات التي أقيمت في فترة الانتداب، يستفيد من كون ضريبة العشر المستبدلة، كانت قد بنيت على أساس الإنتاج المتدني للمزارعين العرب، الذين كانوا قلة، ويكون من السهل تحمل عبء الضرائب من المزارع اليهودي حيث كان دخله الصافي الإجمالي كبيراً جداً لدرجة أنّ ما يدفعه من الضريبة على ذلك الدخل يساوي ضعف الدخل الإجمالي للمزارع العربي من المساحة نفسها. (44)

ولعل ما يؤكد ذلك، ما ورد في تقرير الوكالة اليهودية، لعام 1937. حيث يقول: "فبينما دونم الأرض اليهودي المزروع قمحاً يعطي محصولاً وزنه 110 كغم، والمزروع عنباً يعطي ما وزنه 450 كغم، وبينما البقرة الواحدة الحلوب عند اليهود تعطي سنوياً 3500 لتراً من الحليب، فهي عند العرب لا تعطي زيادة عن 500 لتراً من الحليب. (45)

منح الامتيازات الكبرى للمؤسسات اليهودية

لجأت سلطات الانتداب البريطانية في فلسطين واستناداً لما تضمنه صك الانتداب، وخاصة المادة الحادية عشرة، التي تنص على إمكانية اتفاق الحكومة مع الوكالة اليهودية بشأن إنماء وتطوير الموارد الفلسطينية، إلى التعاقد مع شركات صهيونية، ومنحها الامتيازات الكبرى الأساسية في البلاد، وكان أبرزها:

شركة كهرباء فلسطين

أسست شركة كهرباء فلسطين رسمياً في 1923، بعد اتفاق بنحاس روتنبرغ، مع المندوب السامي في فلسطين، هربرت صموئيل، سنة 1921، وتعاقد الانتداب مع روتنبرغ في شأن استخدام مياه حوض العوجا، لتوليد الطاقة الكهربائية، وتوريدها للري والإنارة في قضاء يافا. تطور هذا الامتياز، في آذار (مارس) 1926، ليشمل استخدام مياه الأردن واليرموك لتوليد الطاقة الكهربائية ولمدة سبعين عاماً. (46)

كما قدمت السلطات الانتدابية تسهيلات عديدة للشركة، منها حق نزع ملكية الأراضي والمباني اللازمة لها. كما قدمت لها قرضاً بقيمة 250.000 جنيه إسترليني بكفالة وزارة الخزانة البريطانية، كما أن روتنبرغ حصل على الجنسية قبل حصوله على الامتياز، وقد أتاح هذا المشروع لليهود التوسع في الأراضي، وجلب المزيد من المهاجرين وتشغيلهم.(47) ذلك أنّ المادة (10) من الامتياز، تنص صراحة: "على المندوب السامي، بناء على طلب الشركة وعلى نفقتها أو في حالات تعذر الشراء باتفاق متبادل لقاء تعويض توافق عليه الشركة، أو تعذر الاتفاق، أن ينزع ملكية العقارات أو الأراضي أو الأبنية".(48) وبالفعل تم تمليك هذه الشركة 18 ألف دونم، إضافة للأراضي التي شغلتها مباني المشروع.(49)

وفضلاً عن تس

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website