تأثير إسرائيل ومجموعات الضغط التابعة لها في الإعلام السويدي، رشيد الحجة، العدد 264

تأثير إسرائيل ومجموعات الضغط التابعة لها في الإعلام السويدي

[*]رشيد الحجة

 

من الشائع عند العرب بأن الإعلام المؤثر في بلاد الغرب، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وكندا وحتى أستراليا ونيوزيلاندا، يتمحور في أيادي اليهود رغم قلة عددهم بالنسبة لمجموع سكان تلك البلاد.  وهناك جزء منهم مؤيدون للمشروع الصهيوني في احتلال فلسطين وأراض عربية والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بشكل أو بآخر.

وبما أن الجاليات اليهودية هي التربة الخصبة والرئيسة التي استفادت منها الحركة الصهيونية عند نشوئها، وبما أن هذه السطور ستتحدث عن السويد، وهي واحدة من الدول التي تعتبر جزءا من المنظومة الغربية وينطبق عليها القول أعلاه، فلا بد من العودة لمعرفة موجات قدوم اليهود لهذا البلد.

بدأ اليهود بالهجرة إلى السويد، حسب ما ورد في الكتب السويدية، منذ نهايات القرن الثامن عشر، كأفراد، بعد أن سمح المجلس الاستشاري الملكي السويدي، في عهد الملك جوستاف الثالث، عام 1772، بدخول اليهود آملاً بتحسين الاقتصاد وتقوية الصادرات السويدية إلى الأسواق الأوروبية حيث كان لليهود باع طويل في هذا المجال. دخل على إثرها آرون إسحق 24 حزيران (يونيو) من عام 1774 كأول يهودي إلى العاصمة استوكهولم. وتزايدت أعداد اليهود تباعا من 150 فردا عام 1787 إلى حوالي 20 ألفا في يومنا هذا.

تقسم موجات قدوم اليهود إلى السويد إلى خمس. الأولى بين عام 1860 و1917 وكان معظمهم من أوروبا الشرقية وروسيا القيصرية، والثانية ما بين عام 1932 و1940 وجاءوا من ألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا هربا من النازية، والثالثة التي أشرف عليها الأمير فولكه برنادوت بعملية منظمة سميت "بالباصات البيضاء" عند انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، والرابعة ما بين عام 1968 و1970 وغلب عليها يهود بولندا هربا من الاضرابات التي عمت بولندا، والخامسة بدأت مع نهايات عهد السوفييت عام 1989 الذين اتجهوا بأغلبيتهم إلى فلسطين بمساعدة كنيسة "كلمة الحياة" الأكثر صهيونية.

ما قبل سبعينات القرن الماضي

بنشاط واجتهاد الجالية اليهودية، حيث كان كبير الحاخامات في السويد ماركوس إيهرينبرايس، اليد اليمنى لزعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمن، من جهة أولى، ووجود حكومات اشتراكية ديمقراطية آمنت بأن المشروع الصهيوني في فلسطين هو تطبيق مثالي للاشتراكية من جهة أخرى، وتأييد مطلق من الأحزاب البرجوازية والشيوعية في آن واحد، وكذلك الكنيسة الرسمية من جهة ثالثة، وغياب التأثير العربي من جهة رابعة، كل ذلك أدى إلى سيطرة عائلات يهودية مثل فالينباري وبونير وغيرها على كثير من المؤسسات الإعلامية كالصحف ودور النشر ومؤسسات صناعة الأفلام، وكذلك المؤسسات الكبرى المالية كالبنوك، والصناعية كصناعة السيارات بأنواعها والأسلحة وغيرها.

فأكبر الصحف في السويد، النهارية مثل "سفنسكا داج بلاديت" صحيفة النهار السويدية، وجريدة "داجنز نيهيتّر" أخبار اليوم، والمسائية مثل "إكسبرسّن"، إضافة إلى العديد من الصحف المحلية في المحافظات تم امتلاكها من قبل عائلة فالنباري. وهذه وغيرها لعبت دورا كبيرا منذ نشوء الكيان الصهيوني في خلق رأي عام مؤيد للفكرة الصهيونية، ومبررة لمعظم أعمال إسرائيل العدوانية ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة في لبنان وسوريا والأردن ومصر وغير المجاورة مثل تونس.

هذا وقد عينت هذه الصحف لها مراسلين يهود صهاينة في فلسطين المحتلة؛ فصحيفة النهار السويدية "سفنسكا داج بلاديت" ومراسلتها الصهيونية كورديليا أرفيدسون- التي غيرت بعض توجهاتها بسبب ما شاهدته شخصيا من أفعال إسرائيل أثناء الانتفاضة الفلسطينية عام 1987-، وصحيفة أخبار اليوم "داجنز نيهيتر" ومراسلها الصهيوني ناتان شخَر، وجريدة "أكسبرسّن" ورئيس تحرير شؤونها الخارجية الصهيوني أرنيست كلاين، والمحلية مثل جريدة أوبسالا الجديدة "أوبسالا نيّا تيدنينج" ورئيس تحريرها هوكان هولمباري، الأكثر صهيونية من اليهود أنفسهم، إضافة للصحف التابعة للتنظيمات الدينية مثل جريدة النهار "داجن" التابعة لكنيسة العنصرة "بنكست" أو للتنظيمات والأحزاب السياسية، وكذلك الصحف والمجلات التي تصدر تحت اسم التنظيمات أو الجالية اليهودية مثل كرونيكا اليهودية "جويش كرونيكا" و"مينورا". ويدعم تلك التوجهات العديد من الكتاب الصهاينة ومؤيديهم أمثال السياسي والكاتب بير ألمارك.

أما دور النشر فقد كانت حتى بداية السبعينات من القرن الماضي مغلقة تماما أمام الأقلام المؤيدة للحق الفلسطيني.

وأفضل مثال يمكن ذكره هو أن كتاب "إنجلترا وفلسطين" لمؤلفه يرت فينش، الذي صدر في عام 1940 ويتحدث عن ثورة 1936 في فلسطين، قد تم سحبه من السوق السويدية بقرار من البرلمان السويدي، لتعريته ما قامت به بريطانيا والحركة الصهيونية في فلسطين ضد الشعب الفلسطيني في مدنه وقراه. واعتبر سحب هذا الكتاب من السوق ومنعه سابقة سويدية لم تتكرر حتى يومنا هذا.

وفي محاولة فردية لإصدار أول كتاب عن فلسطين باللغة السويدية تحت عنوان "لمن الحق بفلسطين" لمؤلفه الدكتور مفيد عبد الهادي في أول ستينات القرن الماضي تعرض عبد الهادي لصعوبات واعتراضات جمة من قبل دور النشر التي لم تتجرأ على نشر فكر جديد على الرأي العام السويدي.

وبذلك كان كل من أراد، خطيا من خلال الكتب أو المقالات أو حتى شفويا، تغيير الدفة الإعلامية عن مسارها المؤيد للهدف الصهيوني، وأن يسبح عكس التيار، يتلقى الصدمات القاسية من قبل اللوبي الصهيوني على الساحة السويدية. وأقل ما كان يقال، ويقال فيه حتى يومنا هذا، بأنه كاره لليهود "لاسامي" مستخدمين عقدة الذنب الأوروبية التي تشكلت بعد ما سمي بالهولوكوست اليهودي على أيدي النازية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها.

هذا وقد تشكلت، بعد تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، التنظيمات اليهودية التي زاد عددها عن 60، منها حوالي 20 صهيونية الهوى، إضافة إلى التنظيمات السويدية، والسويدية-اليهودية، المؤيدة للفكرة الصهيونية، لتكوّن بمجموعها أدوات ضغط "لوبيات" إسرائيلية لتدافع عن كامل أفعال إسرائيل وسياساتها.

ومن المفيد ذكره هنا بأن السفارة الإسرائيلية نشطة على مستوى العلاقات الفردية للاستفادة منها، وفي الوقت نفسه لها عيون ساهرة لكل ما يصدر من تصريحات سياسية، أو مقالات، أو كتب، بخصوص النزاع  الفلسطيني أو العربي الإسرائيلي لترد الصاع صاعين، إذا كانت تلك التصريحات لا تصب في خانة محبة إسرائيل أو الدفاع عنها أو التغاضي عما تقوم به ضد الشعب الفلسطيني، كما تقوم السفارة بتوزيع المواد الإعلامية على المؤسسات التعليمية.

وفي المقابل غاب الإعلام العربي كليّاً عن الساحة السويدية وخاصة قبل سبعينات القرن الماضي. واستمر الوضع على هذا الحال إلى أن قامت إسرائيل باحتلال أراض عربية وأصبحت توصف بسلطة احتلال، وبدأت بعض الأقلام، السويدية طبعا، والمصورين بمحاولات عسيرة في تغيير الرأي العام، وكان على المرء ولا زال أن يسبح ضد التيار. ولا بد هنا من ذكر بعض المحاولات للتوضيح.

منذ السبعينات

بعد أن احتلت إسرائيل الكثير من الأراضي العربية، وضمها الجولان والقدس، وبنائها المستعمرات، واستقدام مستوطنين يهود من دول العالم وتسليحهم لقتل الشعب الفلسطيني وتشريده، فتحت الكثير من عيون العالم على حقيقة إسرائيل ولم يكن لإسرائيل وأدواتها في السويد أن تقف أمام هذا التيار الجديد. ففي استطلاع للرأي أجري في عام 2004 تبين بأن 80 بالمائة من السويديين ينتقدون ما تقوم به إسرائيل من إجراءات في المناطق المحتلة.

وبدأت بعض دور النشر بفتح المجال أمام طباعة الكتب الموضوعية في مضامينها ونشرها. كما بدأت الصحف تفسح المجال للمقالات الناقدة لإسرائيل، وواكبت ذلك التوجه الشاشة الصغيرة في عرض الأفلام الوثائقية لما يجري على أرض فلسطين داخل الخط الأخضر وخارجه. وقد أصبحت ردة فعل محبي إسرائيل على الساحة السويدية أكثر شراسة في حربهم لكل من تسول له نفسه أن يفضح إسرائيل وسلوكها العنصري والإقصائي تجاه سكان فلسطين الأصليين.

ومن أوائل الأمثلة على ذلك إصدار أحد كتاب "الحزب الشيوعي اللينيني الماركسي–الثوريين" ستيفان بيكمان عدة كتب، في بداية السبعينات، يفضح فيها المشروع الصهيوني كمشروع استعمار استيطاني إمبريالي على حساب الشعب الفلسطيني وتبعته كتب صدرت عن الكنيسة التبشيرية.

نضجت الأجواء تدريجيا أمام الكتاب وصناع الأفلام وكان أحد أهم الكتب وأقواها هو الذي صدر في عام 2012 لواحد من كبار الكتاب السويديين في السياسة السيد إنجمار كارلسون تحت عنوان "العروس جميلة لكنها متزوجة" يفضح فيها نوايا الحركة الصهيونية وخططها من ألفها حتى يائها بما فيها التعاون النازي مع الصهاينة. وكان من الطبيعي أن تتهجم أدوات اللوبي الصهيوني في السويد على الكتاب ومؤلفه.

لم تستطع الصحف الكبرى حجب الأصوات الجديدة الفاعلة أدبيا وسياسيا وفنيا وحتى دينيا وأكاديميا في المجتمع السويدي، وخاصة اليهودية منها التي كان لها أثر أبلغ من غيرها في التأثير على الرأي العام، والتي وحدت لها مكاناً على صفحاتها لترد على المقالات الصهيونية.

كما فتح التلفزيون الرسمي شاشته للأفلام الوثائقية كان بدايتها فيلم لبيهو هولمكفيست "القدس مدينة بلا حدود" بمناسبة أعياد الميلاد لعام 1979. الفيلم الذي أغضب الجمهور الصهيوني وتصدرت المقالات ضده على معظم الصحف الكبرى وتمت مهاجمته برفع دعوى قضائية ضده على أنه غير موضوعي ومنحاز لوجهة النظر الفلسطينية، ونجحت الدعوى بسبب الضغط الصهيوني الشديد. لكن الباب قد فتح فيما بعد للعديد من التقارير والأفلام الوثائقية من الأراضي المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية.

خاتمة

يمكن القول بأن إسرائيل وأدواتها استفادت من التوظيف الجيد لمقدرات الجالية اليهودية وأصدقائها على الساحة السويدية لتعمل في مجال الإعلام على جبهتين الأولى الساحة السويدية، حيث يتابعون كل ما يُكتب أو يُعرض في المجتمع السويدي ومؤسساته الإعلامية والأكاديمية وحتى على مستوى المدارس بكل مستوياتها التعليمية. وكانت آخر ردة فعل لأدوات إسرائيل وفي مقدمتهم سفيرها في ستوكهولم، في أيار (مايو) من عام 2015 حيث حاولوا بتهمة الانحياز واللاسامية، منع عرض فيلم تعليمي للمدارس تحت عنوان "حتى الموتى لهم أسماء" يحكي عن معاناة المشاركين في "أسطول الحرية" عام 2011 لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وذلك من خلال الحديث مع طبيب الأطفال اليهودي هنري أشّر، واليهودي الذي تخلى عن جنسيته الإسرائيلية السيد درور فيلر.

وعلى المستوى الصحافي تتابع السفارة بدقة توجهات كافة الصحافيين الذين يودون السفر إلى فلسطين المحتلة، وهي واحدة من المناطق الأكثر تغطية صحافية في العالم، قبل منحهم تراخيص العمل الصحافي هناك، وتتابعهم وتضيق عليهم فيما لو كانوا موضوعيين في تغطياتهم للأحداث. وقد كتب الباحث اليهودي الإسرائيلي يوهانّس فالستروم في مقالة له في صحيفة "فولكِت إي بيلد" أي: "الشعب في الصورة" بتاريخ 28 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2005:

"تقوم السفارة في استوكهولم برقابة ما كتبه الصحافي سابقا، بينما يقوم جهاز المخابرات بفحص انتمائه السياسي، بعد ذلك يتم منحه بطاقة صحافة إسرائيلية.... وعند الحصول عليها يتوجب على الصحافي أن يوقع على موافقة يسمح من خلالها بعرض مادته الإعلامية لرقابة الدولة".

وبعد حصر ردود الأفعال، كالاتصال الهاتفي أو الرد عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل الخطية أو رفع الدعاوى القضائية أو رفع بلاغات للجنة الرقابة، يقول مراسل وكالة الأنباء السويدية "تِ تِ" ستيفان يرتين الذي جمع ملفا لكافة المقالات الحوارية ومقالات القراء التي كتبت ضده وضد وكالة الأنباء ت ت:

تبين بأن أسماء الذين كتبوا هم من مجموعة الضغط الصهيونية ولا يزيد عددهم عن 22 معظمهم معروفون على الساحة الإعلامية السويدية بأنهم إسرائيليون أو أصدقاء لإسرائيل.

هذا وقد تعرضت مراسلة الإذاعة السويدية الجريئة سيسيليا أودّين للوقوف أمام مجلس إدارة الإذاعة السويدية محاولين طردها بتهمة أنها منحازة في تقاريرها. وتقول أودين:

ليتمكن المرء من وصف النزاع بأمانة يتوجب عليه أن ينحاز للطرف الأضعف– وتقصد أودين الفلسطينيين.

وبالطبع يحرص الصحافي السويدي النزيه، حتى يومنا هذا، على اختيار الكلمات والتعابير والصور بحرص شديد حين يصف أعمال الإسرائيليين حتى لا يقع في شباك الاتهام باللاسامية والملاحقات والتهديدات بالقتل كما حصل مع الصحافي دونالد بودستروم الذي افتضح سرقة أعضاء الجرحى والشهداء الفلسطينيين في مقالاته وكتبه. وتقول مراسلة داجنزنيهيتر لوتّا شولكفيست: الاتهام باللاسامية هي كسكين تمسك به إسرائيل رقبة أوروبا.

والجبهة الثانية: في فلسطين المحتلة حيث يُمنع الصحافيون في كثير من الأحيان، أو تصادر كاميراتهم بحجة الأمن، من دخول مناطق يريدون رفع تقاريرهم منها. ويقول في هذا المجال الصحافي التلفزيوني بيتر لوفجرين:

أن تعمل في إسرائيل هو كمن يعمل في نصف ديمقراطية ونصف آخر في ديكتاتورية عسكرية، لقد تعرضت شخصيا لإطلاق النار عدة مرات من قبل الجيش الإسرائيلي، وعندما يهاجمني المستوطنون يقف الجنود مكتوفي الأيدي.

 

 

المراجع:

-       أطروحة ماجستير للباحث الصحافي يوهانيس فالستروم: نشأ وتنقل فالستروم في يافا وموسكو وستوكهولم. وبعد حصوله على درجة الماجستير بالإعلام في السويد عاد إلى فلسطين المحتلة وقام بالتعاون مع الفلسطينيين وبعض الإسرائيليين وقوى دولية بإنشاء وكالة أنباء هناك. وبصفته مواطناً إسرائيلياً تم منعه من متابعة عمله بتلك الوكالة في بيت لحم، عاد في عام 2005 ليقطن في السويد ويكتب بشكل منتظم في جريدة "أورد فرونت" أي "جبهة الكلمة"، المؤيدة للحق الفلسطيني.

-       كتاب "لمن الحق بفلسطين" تأليف مفيد عبد الهادي.

-       كتاب "سلطة إسرائيل في السويد" تأليف أحمد رامي.

-       كتاب "العروس جميلة لكنها متزوجة" تأليف إنجمار كارلسون.

-       مجلة فلسطين الثورة، التي صدرت في قبرص العدد 897 بتاريخ 5 تموز (يوليو) 1992.

-       عدة مقالات صحافية باللغة السويدية.

 

 

 

 


[*] باحث فلسطيني مقيم في السويد.

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website