منظمة التحرير الفلسطينية الواقع الراهن وآفاق تطويرها - علي بدران - عدد 248

منظمة التحرير الفلسطينية الواقع الراهن وآفاق تطويرها

علي بدوان ·

تدخل منظمة التحرير الفلسطينية العام التاسع والأربعين من عمرها، وقد سجلت عبر مسيرتها المديدة انجازات شتى استطاعت من خلالها إعادة استحضار الشخصية الوطنية والكيانية المعنوية للشعب العربي الفلسطيني، وحماية هويته الوطنية من التبديد والاندثار والاقتلاع. كما شهدت خلال عمرها المديد إخفاقات وانتكاسات جاءت بفعل الأهوال الكبرى التي اعترضت مسيرة العمل الوطني الفلسطيني بحلقاته المتتالية منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح في الفاتح من كانون الأول/يناير 1965([1]).

كما تدخل منظمة التحرير عامها التاسع والأربعين، وهي تواجه معضلات هائلة في مرحلة جديدة من حياتها السياسية والتنظيمية المضطربة، فيما تواجه العملية الكفاحية للشعب الفلسطيني سدوداً من التعقيدات التي باتت تلف المنطقة بأسرها بعد اصطدام عملية التسوية بجدران السياسات "الإسرائيلية" المعروفة، وبعد سلسلة من التحولات التي اعتملت خلال العقدين الماضيين وتصاعدت في السنوات الأخيرة.

فكيف نرى واقع المنظمة الحالي وآفاق تطويرها والارتقاء بدورها، وإعادة إحياء مؤسساتها الوطنية باعتبارها الكيان الجامع والموحد لعموم الشعب الفلسطيني في الداخل وفي دياسبورا المنافي والشتات...؟

مقدمات لا بد منها

في البداية، لابد من القول بأن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بقرار عربي، كان نتاجاً منطقياً للوقائع الموضوعية، وللحالة الفلسطينية التي بدأت تعتمل بعد سنوات من النكبة والضياع. فمجموع الوقائع والتطورات التي حفرت أخاديدها في الوسط الفلسطيني، وإرهاصات الكيانية الوطنية، وتلمس ضرورات الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني أمام عمليات الاقتلاع وتذويب الهوية الوطنية، دفعت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للسعي من أجل تبني قرارٍ عربي رسمي بتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث اتخذ ذلك القرار في مؤتمر قمة الإسكندرية العربية عام 1964، في الوقت الذي تواصل فيه نمو وتعاظم الإرادة الفلسطينية لفتح الدروب أمام العمل الفدائي المسلح.

وهكذا، وبالذات صباح 28/5/1964، افتتــح المرحوم القائد الفلسطيني أحمد الشقيري، بحضور الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال أعمال المجلس الوطني الفلسطيني الأول في دورة اجتماعاته التي عقدت داخل قاعة فندق إنتركونتنـنـتال في مدينة القدس بعد تحضيرات واسعة وخطوات تمهيدية بدعم كامل من الرئيس جمال عبد الناصر، وبحضور أكثر من مئتي عضو يمثلون التجمعات الرئيسية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة (دون قطع مع الداخل المحتل عام 1948) بالإضافة إلى الشتات. وانتهت أعمال تلك الدورة للمجلس الوطني بإعلان  أحمد الشقيري عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ككيان سياسي يعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني في كل مكان، ويمثله على الصعد كلها، ويحمل طموحاته وتطلعاته الوطنية([2]).

المؤتمر الذي تحول إلى البرلمان الموحد لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، شكل بحضوره الواسع الاجتماع الفلسطيني الأول لممثلي ومندوبي كل تجمعات ومواقع الفلسطينيين بعد أن انهارت وأجهضت عربياً تجربة حكومة عموم فلسطين التي أُعلن عن قيامها في تشرين الأول/ أكتوبر1948 في قطاع غزة على يد مفتي فلسطين المرحوم الحاج محمد أمين الحسيني، وأحمد حلمي عبد الباقي، وجمال الحسيني… فكان انعقاد الدورة الأولى للمجلس التأسيسي للمنظمة بمثابة المدماك الأول على طريق إعادة بناء وبعث الكيانية الوطنية الموحدة لعموم الشعب الفلسطيني بعد حالة الانهيار والتبديد والاقتلاع القومي أثناء وما بعد نكبة 1948.

إن التحول المشار إليه أعلاه بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني، وبدايات العمل الفدائي المسلح، دفع نحو توليد سلسلة من التطورات النوعية في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وقد توجت بانطلاق فصائل العمل الفلسطيني المسلح قبل وبعد حزيران/ يونيو1967 في الشتات وامتداداتها داخل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وحتى داخل المناطق المحتلة عام 1948، وصولاً لاندماج الفصائل المقاتلة في إطار منظمة التحرير عام 1968 في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في القاهرة، بعد استقالة المرحوم أحمد الشقيري في 24/12/1967 وتعيين يحيى حمودة خلفاً له لفترة انتقالية مؤقتة لم تزد على الثلاثة أشهر وولادة ائتلاف المنظمة.

لقد أدرك أحمد الشقيري بحسه الثاقب، وخبرته الطويلة، وقدرته على تقدير المواقف، أن مرحلته في قيادة منظمة التحرير قد انتهت، وأن الفرصة باتت للفصائل والقوى التي بدأت في ممارسة الكفاح المسلح لتحتل موقع قيادة منظمة التحرير([3])، وعليه قدم استقالته للمجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابعة، وبدأ التحوّل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح (ائتلافاً وطنياً) يضم جميع الفصائل والقوى والفعاليات والاتحادات الشعبية والنقابية والمهنية([4]). واتخذت في الدورة الرابعة المشار إليها للمجلس الوطني، قرارات سياسية وتنظيمية مهمة تستجيب للمرحلة الجديدة، منها: إحداث تعديلات في بعض بنود النظام الأساسي، وعدّ المنظمة (تجمعاً للقوى الفلسطينية في جبهة وطنية من أجل ثورة مسلحة لتحرير الأرض)، وتعديل اسم الميثاق القومي ليصبح الميثاق الوطني الفلسطيني. وهذه المتغيرات في بنية منظمة التحرير مهّدت لمرحلة ما بعد هزيمة 1967 ودخول ستة  فصائل فلسطينية وتسلمها قيادة المنظمة (حركة فتح، منظمة الصاعقة، الجبهة الشعبية…) وانتخاب ياسر عرفات رئيساً لها من الدورة الخامسة (شباط/فبراير 1969) حيث استند ائتلاف منظمة التحرير إلى السيبة الثلاثية التي كرستها الفصائل الثلاث المذكورة بشكل رئيسي في أغلب المراحل السياسية والكفاحية من عمر المنظمة([5]).

وفي المحصلة، لم يكن قيام منظمة التحرير، في الإطار الرسمي العربي، وبترحيب منه ودخول القوى المقاتلة إلى عضوية وقيادة المنظمة وتحويلها إلى ائتلاف للجميع، ليأتي دون مقدماته الكفاحية الفلسطينية، ودون إجماع شعبي فلسطيني ملموس استجابة مباشرة وعملية لحالة قائمة ونامية في الوضع الفلسطيني ذاته آنذاك. فكل التطورات والتفاعلات داخل فلسطين في مناطق الضفة والقدس والقطاع، وحتى داخل المناطق المحتلة عام 1948، وعموم مواقع اللجوء الفلسطيني كانت تشير إلى مجموعة من الحقائق الحسية التي تنذر بالمخاض، والمخاض العسير لولادة الكيانية التمثيلية للشعب الفلسطيني بعد سلسلة من التحولات التي أفضت إلى الانتقال من واقع الذوبان الفلسطيني في الإطار القومي العام وتحت سقف الشعارات القومية دون فعل ملموس إلى الجمع بين (الوطني/ والقومي) أي (العام/ والخاص) بين (الخصوصية الفلسطينية/ والقومية) وبما يحفظ الهوية الوطنية لشعب فلسطين ويظهرها أمام العالم بأسره نقيضاً لمشاريع أسرلة الفلسطينيين في مناطق 1948، وتقاسم ما تبقى من الأرض، وتهجير وتوطين اللاجئين في منافي ودياسبورا الشتات.

مساعي شطب المنظمة ودورها

لقد قطعت منظمة التحرير الفلسطينية زمناً مديداً من التحولات العميقة السياسية والفكرية والتنظيمية في بناها وهياكلها وبرامجها، وبعد أن اجتازت عشرات المنعطفات والمطبات الهائلة التي كادت أن تقضي عليها وأن تطيح بها كعنوان رئيسي معنوي و(كياني/ تمثيلي) وسياسي وكفاحي للشعب العربي الفلسطيني وذلك على امتداد العقود الماضية التي شهدت غلياناً مستمراً على جبهة الحضور الفلسطيني في الصراع مع الاحتلال ومع المشروع الصهيوني على أرض فلسطين.

وما يهمنا في هذا الجانب، أن منظمة التحرير الفلسطينية التي خرجت عن طوق التأسيس الرسمي العربي، باتت بعد دخول المنظمات الفدائية لعضويتها بمثابة الإطار الكياني التمثيلي للشعب العربي الفلسطيني، وهو ما أكدته قمة الرباط العربية عام 1974، واعترفت به كافة الهيئات الدولية حين عبرت المنظمة البحار ووصلت إلى الأمم المتحدة عندما ألقى الرئيس الراحل ياسر عرفات خطابه الشهير والذي اختتمه بالعبارة الشهيرة (جئتكم بغصن الزيتون وبندقية الثائر... فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي... لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي)([6]).

إن نظرة موضوعية، متفحصة، تظهر أمام الملأ، كم من العثرات والأخطاء والإرباكات التي وقعت، وكم من الإنجازات والتراكمات والنجاحات التي تحققت بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية على صعيد إعادة حضور الشعب الفلسطيني إلى خارطة العالم.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن مسيرة منظمة التحرير الفلسطينية وبالرغم من انجازاتها الضخمة، وفي اعتبارها الإطار الكياني التمثيلي الموحد للشعب الفلسطيني، لم تكن على نسق متكامل من النهج والبرنامج، والاشتقاقات، ومن الرؤية والتكتيك، فانتقلت المنظمة عبر مسيرتها من مفترق إلى آخر، وبالتداخل مع تشابكات الحالة العربية والإقليمية، والتداعيات السلبية لتقع في حالة التهميش، والتفكك التي تعاني منها كافة مؤسساتها منذ العام 1993، وتحولها إلى منظمة شكلية، بهيئات منفوخة وغير فاعلة، فقد تم إغراق المجلس الوطني بأكثر من (800) عضو ليصبح أكبر برلمان في العالم لشعب لا يتجاوز تعداده إحدى عشر مليون نسمة، فضلاً عن تعويم المجلس المركزي وهو الهيئة الوسطى بين اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني([7]).

إن المتتبع لمسار وسياسات المنظمة، يدرك أن الكثير من الإلتواءات قد وقعت في مسارها، وأن الكثير من الأمراض الخطيرة كادت أن تودي بها، مع التراجع العام لدورها في مواقع ومناطق الشتات الفلسطيني، ومع تراجع دور مؤسساتها الوطنية، وبروز الدور الأساسي لمؤسسات السلطة على حساب دور ومؤسسات المنظمة. حتى ضاعت في تلك الزحمة ماهية التمايز والتفريق بين السلطة الوطنية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من المنظمة، وبين المنظمة التي بدت كتابعة للسلطة الوطنية تستحضر وقت الضرورة.

إن عملية النقد القاسية لأوضاع منظمة التحرير الفلسطينية تنبع بالأساس من الحرص عليها وعلى دورها باعتبارها الكيانية التمثيلية التعبيرية، والمرجعية التي توحد كل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وباعتبارها الوعاء الحاضن لعموم قوى وفصائل العمل الوطني الفلسطيني. فالسلطة الفلسطينية في الداخل تمثل جزءاً من الشعب الفلسطيني (القدس والضفة الغربية وقطاع غزة) أما منظمة التحرير فتمثل كل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات وحتى داخل الأرض المحتلة عام 1948. كما أن المرجعية المفترضة للسلطة الفلسطينية هي منظمة التحرير وليس العكس حيث حلت السلطة عملياً مكان المنظمة، التي تراجع دورها وبات دوراً شكلياً استخدامياً لا أكثر ولا أقل.

 لقد شهد العقدان الماضيان عملية تهميش لمنظمة التحرير الفلسطينية بشكل تراكمي، ولعملية الحط من مكانتها باعتبارها الوعاء الحاضن والموحد للشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات. فقد تحولت المنظمة وهيئتها القيادية الأولى المسماة باللجنة التنفيذية إلى مجرد أداة ووسيلة فقط يتم استحضارها عند الضرورة لتمرير قرارات وتوجهات سياسية محددة فيما افتقدت دورها الوطني العام الجامع في إطار قيادة مجموع الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني.

وعلى الضفة المقابلة، استمرت محاولات وأد المنظمة دون انقطاع خصوصاً بعد انطلاق تسوية (مدريد/ أوسلو) عام 1991 وبعد توقيع اتفاق أوسلو الأول في أيلول/ سبتمبر 1993، حين طالبت "إسرائيل" بالقفز عن منظمة التحرير الفلسطينية وعن دورها التمثيلي والتعبيري لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وإحلال السلطة الفلسطينية مكانها وبالتالي شطب الشتات الفلسطيني بالكامل، وهو ما كرره اسحق رابين بعيد توقيع اتفاق أوسلو الأول في أيلول/ سبتمبر عام 1993حين شبه المنظمة بالوكالة اليهودية التي انتهت مع قيام الدولة العبرية الصهيونية على الجزء الأكبر من مساحة أرض فلسطين التاريخية([8]).

وبالتأكيد، فإن المسعى "الإسرائيلي" من وراء الدعوة لشطب منظمة التحرير تكمن في شطب المعاني التي تحملها المنظمة باعتبارها الوعاء الحاضن لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وباعتبارها السلطة العليا المسؤولة عن الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وأن مرجعية السلطة الفلسطينية هي منظمة التحرير بالذات.

وعليه، يمكن للمتابع أن يدقق جيداً مسار الضغوط الكبرى التي مورست على الشعب الفلسطيني من أجل إنهاء صيغة منظمة التحرير الفلسطينية خلال العقدين الماضيين، واستبدالها بصيغة السلطة الوطنية الفلسطينية، مع شطب وإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يشكل الأساس الراسخ لوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة قضيته الوطنية وترابه الوطني وامتداده وعمقه العربي والإسلامي والمسيحي([9]).

 فقد بلغت تلك الضغوط درجات غير مسبوقة، عندما دفع الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون) وضغط من أجل عقد دورة للمجلس الوطني الفلسطيني في غزة عام 1996 والقدوم شخصياً إلى غزة وحضور اجتماع من حضر من أعضاء المجلس من أجل إقرار إلغاء أكثر من (15) مادة من مواد الميثاق الوطني الفلسطيني، وبالتالي إفراغ منظمة التحرير الفلسطينية من مضمونها ومن معناها الحقيقي الذي قامت عليه واستندت إليه.

إضافة إلى ذلك، فإن الهجمة الكبرى التي شنت من الطرف "الإسرائيلي" من أجل شطب وإنهاء المنظمة ومعناها التمثيلي والتعبيري وإلغاء مكانتها مازالت مستمرة وقد ترافقت (للأسف) مع إهمال فلسطيني أو تراجع في الاهتمام الفلسطيني الرسمي تجاه أوضاع المنظمة، حيث أصيبت مؤسساتها المختلفة بالتهميش، والترهل، وعدم الانتظام في أعمالها، وطغيان دور السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله على دورها المناط بها كإطار قيادي أول لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وقد تحسّس أبناء الشعب الفلسطيني خارج فلسطين هذا التراجع في دور المنظمة، وانعكاساته على أوضاعهم، خصوصاً في لبنان حيث يعاني ويكابد الفلسطينيون هناك من الأوضاع الراهنة التي تحكم وجودهم في لبنان بشكل غير مسبوق جراء ما يحيط بهم من حالات الحرمان التي يعانون منها نتيجة القوانين اللبنانية التي أصابتهم بالظلم والتعسف والإجحاف كالحرمان من العمل في غالبية المهن، وغير ذلك.

المنظمة في موضوع المصالحة

لم يشغل الساحة الفلسطينية موضوع مستديم منذ سنوات طويلة كالعنوان المتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية وأوضاعها ومؤسساتها بشكل عام. فقد مضى عقدان ونيف من الزمن ومازال انبعاث الأصوات متواصلاً من داخل فصائل المنظمة وقواها المشكلة لها، ومن حناجر العديد من الشخصيات التاريخية التي لعبت دوراً مهماً في تأسيس وبناء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، من أجل إعادة النظر بأوضاعها وانتشالها من سباتها العميق. ومع صدقية أصحاب هذه الدفوع وسلامة دعواتهم، إلا أن أصواتهم التي بحت لسنوات طويلة ظلت بلا أصداء حقيقية وبلا فعل ملموس، وكانت النتيجة هي استصغار وإهمال لأوضاع المنظمة على حساب بروز دور السلطة الفلسطينية في تقرير وصوغ الشأن الفلسطيني على المستوى الرسمي العربي والدولي.

إن منظمة التحرير الفلسطينية التي شكّلت رافعة تاريخية في المسار الكفاحي للشعب الفلسطيني بحاجة ماسة الآن لإعادة بنائها وإصلاحها، ورد الاعتبار إليها، كما نصت على ذلك كل وثائق الحوارات الوطنية الفلسطينية التي جرت خلال السنوات الأخيرة، ومنها وثائق اتفاق المصالحة الموقع في القاهرة في أيار/مايو 2011، ووثائق إعلان الدوحة الموقع بين حركتي فتح وحماس([10]).

ومع ذلك، وبالرغم من حضور الملف المتعلق بأوضاع منظمة التحرير الفلسطينية على طاولة الحوارات الفلسطينية التي لم تنقطع عملياً منذ عدة سنوات([11])، فإن ملف المنظمة مازال موضوعاً إشكالياً وشائكاً، بل ويراوح مكانه دون تحقيق تقدم ولو بسيط على صعيد إعادة بناء مؤسسات المنظمة وتفعيلها، وتوسيع صفوفها بقوى التيار الإسلامي التي باتت تشكل مكوناً أساسياً من مكونات الحياة السياسية والمجتمعية للشعب العربي الفلسطيني في الداخل والشتات. فلماذا المراوحة في المكان بالنسبة لملف المنظمة رغم تعالي الأصوات المنادية بالالتفات إليه وإعطائه ما يستحق من جهد وعمل، وهل من أفق ممكن لرؤية ربيع فلسطيني بإرادة شعبية، يتم من خلاله إعادة تجديد حياة المنظمة وعموم المؤسسات الفلسطينية التي تكلست وتقوقعت على ذاتها منذ زمن طويل.

ومن الواضح عبر مسيرة الحوارات الفلسطينية التي تتالت فصولها منذ العام 2005 في العاصمة المصرية، أن موضوع منظمة التحرير وملفها الشائك تتنازعه وجهات نظر مختلفة داخل أطر العمل السياسي الفلسطيني، حيث سبق وأن تم وأد كل المحاولات التي جرت خلال العقود الأربع الماضية لخلق أطر بديلة أو موازية للمنظمة من قبل بعض الأطراف الفلسطينية، كما سقطت معها كل مشاريع ما أسماه البعض بـ(هدم الخيمة) وإعادة بناء خيمة جديدة([12]).

فالنقد القاسي لأوضاع منظمة التحرير ولحالة التهميش التي تعرضت لها كل مؤسساتها، لا يعني إهالة التراب عليها، ولا يعني أيضاً الحديث عنها بشماتة، بل إن الحديث عنها وعن أوضاعها ينبع من الحرص عليها وعلى نضالات الشعب الفلسطيني وتضحياته. كما لا يعني النقد القاسي والجذري أن نطلق السهام لتدميرها أو وأدها . فالشعب الفلسطيني لا يملك ترف بناء الكيانات السياسية وهدمها واستبدالها أو الإكثار أو الإقلال منها واستدعاء النصرة لها، بمجرد الإرادة الذاتية. فبقدر ما كانت المنظمة انجازاً وطنياً جامعاً بقدر ما تلح الضرورة الآن والغيرة الوطنية من اجل إعادة تصحيح أوضاعها بشكل جذري، والانتقال من مفردات التذمر والنقد الكلامي إلى انتهاج مواقف عاقلة، تغادر فيها جميع القوى منطق التمسك بالمكاسب الذاتية لهذا الطرف أو ذاك، واعتماد قاعدة انتخابية ديمقراطية بانتخابات عامة لمجلس وطني فلسطيني توحيدي حيثما أمكن، بحيث تتمثل القوى السياسية والمجتمعية في فلسطين والشتات وفقاً لوزنها في الشارع الفلسطيني، وبالتالي مغادرة منطق المحاصصة القديم.

وبالطبع، فإنّ منطق المحاصصة واقتسام الكعكة بين عموم القوى، أو حتى بين القوتين الأكبر والمقصود حركتي فتح وحماس، بات أمراً متقادماً خصوصاً في مناخات وأجواء الحراكات الواسعة في عالمنا العربي وعالم ما بعد ثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات التي فتحت الأبواب أمام الناس وأمام رقابتهم المباشرة وأمام دورهم، فلم يعد منطق المحاصصة أمراً مقبولاً على الإطلاق، ويعاكس منطق الحياة وطبيعة الأشياء، فمن يريد فعلاً إعادة بناء وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عليه أن يسير باتجاه إدخال إصلاحات جوهرية عليها وعلى عموم مؤسساتها، وصولاً لصياغة برنامج ائتلافي وطني يمثل الموقف المشترك لعموم القوى السياسية ذات التلاوين والأطياف الأيديولوجية والسياسية المختلفة في الساحة الفلسطينية، والوصول إلى المشاركة الحقيقية والتامة في صياغة القرار الوطني وإدارة دفة العمل السياسي الفلسطيني ببعده التكتيكي والاستراتيجي. وبالطبع فان هذا المطلب وهذا الموقف لا يلغي ولا يشطب مبدأ الأوزان وحضور القوى وفاعليتها في الشارع، وبالتالي ضرورة تمايز دورها في صياغة وتقرير الموقف واتخاذ القرار، فالقوى الموجودة والراسخة على الأرض وذات الامتداد الجماهيري تستطيع أن تقرر موقفها ورأيها بطريقة ديمقراطية عبر صندوق الاقتراع لانتخاب المجلس الوطني الذي عليه أن يقرر تركيبة المنظمة ومؤسساتها وفقاً لأوزان القوى وبالتالي في تقرير سياسات العمل الفلسطيني وبرنامج الإجماع الوطني، وصياغة التكتيكات والاستراتيجيات وتحديد الأولويات في مسار العمل الوطني الفلسطيني.

إن كل حوارات المصالحة الفلسطينية/ الفلسطينية، تضمنت عنواناً رئيسياً تمثل بالعمل من اجل إعادة بناء وإحياء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتوسيع إطارها الائتلافي ليضم إليه حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى مجموع القوى التي تشكل الآن ائتلاف المنظمة وهي (حركة فتح، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية/ القيادة العامة، جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، جبهة التحرير العربية، جبهة التحرير الفلسطينية، الجبهة العربية الفلسطينية، حزب الشعب الفلسطيني، حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني/فدا، منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية/الصاعقة، الجبهة الديمقراطية) إضافة لحل مشاكل المنظمة المستعصية والتي تراكمت خلال السنوات الطويلة الماضية([13]).

وبديهي أن العنصر الأساسي لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وبلورة قيام القيادة السياسية العليا للشعب الفلسطيني من رحم المنظمة وإعادة الاعتبار لدورها التاريخي، يتطلب العمل على انجاز برنامج سياسي متفق عليه، ويحظى بتأييد القوى الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القوى الاجتماعية الفلسطينية حيثما وجدت.

فالبرنامج الوطني، الائتلافي الموحد، هو الذي يشكل المدخل لإعادة تكوين وبلورة القيادة السياسية للشعب الفلسطيني، داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وبمشاركة جميع قوى الشعب الفلسطيني. ومازال هذا الأمر موضع نقاش واستعصاء بالرغم من كل ما اتفق عليه في الحوارات الفلسطينية، بما فيها وثيقة الأسرى الشهيرة التي شكّلت العنوان السياسي العريض الذي قامت عليها الحوارات الفلسطينية التالية([14]).

من هنا، إن الحديث عن التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية، كمرجعية وطنية كما هي في واقع الحال، يقتضي التحرك والعمل لإعادة بنائها لتقوم بدورها الحقيقي والتاريخي، بتمثيل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، وبتأكيد وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة أرضه، واعتمادها قولاً وعملاً كمرجعية عليا للشعب الفلسطيني، وكمرجعية عليا مسؤولة عن السلطة الفلسطينية. فالسلطة الفلسطينية تمثل فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1967، أما منظمة التحرير فتمثل كل الشعب الفلسطيني على امتداد أرض فلسطين التاريخية وفي الشتات الذي يضم أكثر من نصفه.

رياح التغيير وصاداتها

إن التيار الحقيقي المعبر عن نبض الشارع الفلسطيني، وعن مواقف الناس المتأثرين بالحراكات الجارية في العالم العربي، ينحو نحو الدعوة إلى العمل من أجل إيصال رياح التغيير إلى الساحة الفلسطينية، عبر إحالة الحالة والمعادلة الفلسطينية الداخلية المتقادمة والتي تآكلت خلال العقود الماضية على التقاعد، وبناء معادلة داخلية فلسطينية جديدة عمادها مشاركة كل القوى مهما تعاظم أو صغر حضورها، ومشاركة الناس في الداخل والشتات في بناء الخيارات الوطنية الفلسطينية بما في ذلك انتخابات منظمة التحرير ومجلسها الوطني ووقف سياسات التعيين والكوتات لصالح النزول عند إرادة الناس وصندوق الاقتراع، وبالتالي في إنهاء ضعف المنظمة وتفككها وغيابها وتآكل سفاراتها ومكاتبها ومنظماتها الشعبية، وإجراء مراجعة جذرية شاملة للحالة الفلسطينية، تبدأ بالاتفاق الوطني على إصلاح منظمة التحرير جذرياً، وإعادة انتخاب هيئاتها القيادية بواسطة صندوق الاقتراع للشعب الفلسطيني في الداخل وحيثما أمكن في الشتات.

وفي هذا السياق، فإن تشكيل إطار قيادي فلسطيني مؤقت، وانطلاقته في اجتماعات عمله بمشاركة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، يشكل خطوة متواضعة وأولية على طريق إعادة بناء منظمة التحرير وإحداث ثورة ربيع حقيقي داخلها وداخل مؤسساتها بعد سنوات طويلة من التهميش ومن حالة السبات العميقة التي مازالت غارقة فيها.

فاجتماعات الإطار القيادي المؤقت للمنظمة، لا يعني بأن الأمور باتت على سكة الإصلاح والتطوير بالنسبة لمنظمة التحرير، فالقلق المشوب بالحذر مازال سيد الموقف في الشارع الفلسطيني نظراً للتجارب المريرة التي عاشها ومر بها الشعب الفلسطيني، حيث لم تستطع حتى الآن كل الحوارات واللقاءات والاتصالات أن تخطو خطوة جديدة مقنعة بالنسبة لمشروع إعادة بناء المنظمة ومؤسساتها، وإعادة بناء الائتلاف الوطني العريض داخل أطر الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

وبالطبع، فإن الشعب الفلسطيني يعي بان الأمور تحتاج لإرادة وطنية تتغلب على المصالح الفئوية الضيقة لهذا التنظيم أو ذاك، وتتغلب على نزعات الاستحواذ والهيمنة ورفض الرأي الأخر، ورفض النزول عند رغبات الناس والشارع الفلسطيني.

إن، الشعب الفلسطيني بحسه الفطري والعفوي، صاحب خبرات وتراكمات، وصاحب أطول عمليات كفاحية وانتفاضية شهدها التاريخ الحديث والمعاصر للإنسانية برمتها منذ إضرابه واعتصامه التاريخي في العام 1936 (الاعتصام والعصيان المدني المعروف بإضراب الستة أشهر زمن الانتداب البريطاني)، وبالتالي فمن المنطقي القول بان وجود أعضاء في القيادات العليا الفلسطينية كبعض الأمناء العامين للعديد من القوى والفصائل ومنها فصائل منظمة التحرير واليسارية منها على وجه الخصوص الذين مازالوا في مواقعهم منذ أربعة عقود ونيف، أمر لم يعد يحتمل ولا ينسجم مع إرادة الشعب الفلسطيني وربيعه المنشود، ولا ينسجم مع أجواء ومناخات التطوير والتغيير التي تكتسح العالم والعقل البشري([15]).

وفي هذا السياق، فإن رياح التغيير لم تنأى بنفسها عن الساحة الفلسطينية لكن هناك (صادات) كبيرة وواسعة قد اعترضتها، فالمعيقات التي حدّت من انطلاق ربيع فلسطيني حقيقي، تمثلت بعدد من العوامل التي جاءت على خلفية الخصوصية الفلسطينية ووجود الشعب الفلسطيني في الداخل تحت السيطرة الفعلية للاحتلال، ووجود فلسطينيي الشتات تحت ظروف استثنائية. فلو كان الشعب الفلسطيني على بقعة جغرافية واحدة وخارج سيطرة الاحتلال، وخارج تداخلات النظام العربي على من هم في الشتات من الفلسطينيين، لشهدنا ثورة الربيع العربي في فلسطين قبل أي قطر عربي أخر. من دون شك، إن الشعب الفلسطيني يؤثر ويتأثر بمحيطه العربي، وبالتحولات السياسية والفكرية التي تعتلج كل يوم في بيئتنا العربية من المحيط والخليج. فالشعب الفلسطيني لا يعيش معزولاً أو منعزلاً في جزيرة (روبنسون كروزو) في أصقاع المحيط الهادي، بل يعيش في قلب المنطقة العربية وفي لجاجها العميق، في الموقع الحيوي الأساسي الذي يجعل منه يتلقف كل التحولات والحراكات ويتأثر بها سلباً وإيجاباً، وبالتالي فإن حراكات ما يسميه البعض بـ"ثورة الربيع العربي" وجدت أصداءها العميقة في الساحة الفلسطينية في الداخل والخارج، حيث كان فلسطينيو الشتات وخصوصاً منهم فلسطينيو سوريا ولبنان، هم الأكثر تأثراً بها نظراً لحالة اليأس وطبقات الإحباط التي عمت الشتات الفلسطيني خلال العقدين الماضيين وقد أعطت تراكماتها السلبية رويداً رويداً، وحالة العزل والإقصاء التي باتوا يشعرون بها بعد انتقال ثقل العملية الوطنية الفلسطينية للداخل منذ نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية.

إن طريق التحول الديمقراطي الهادف لصياغة وإنتاج البديل للفصائل وللمنظومات السياسية الفلسطينية القائمة (بعجرها وبجرها) من داخل الأطر القائمة دون اللجوء للخيارات الانشقاقية المدمرة أو خيارات البدائل التي عفت عنها وتجاوزتها التجربة القاسية والمريرة للشعب الفلسطيني، إن هذا الطريق يمكن تعبيده وفتحه بالنفس الصبور، والروح المثابرة، وهو وحده الطريق السليم لتفعيل حضور العنصر الجديد من هذه الأجيال الصاعدة التي نمت في ميدان العمل الوطني في الداخل والشتات ولم يتسنَّ لها أن تأخذ دورها الريادي والقيادي في صفوف الشعب والمنظمة وداخل المعادلة الفلسطينية، وهو وحده الطريق الممكن للتخلص من العقليات والسياسات والبرامج القديمة التي حكمت مسار معظم الفصائل الفلسطينية التي شاخت بقدها وقديدها، بقياداتها وبرامجها وسياساتها.

استخلاصات واقتراحات

وخلاصة القول، إن فتح الدروب أمام إعادة بناء العقد التاريخي الوطني للحركة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، يفترض خروج الناس والقوى من عبء الأطر التنظيمية الضيقة لصالح الفضاء الوطني الأوسع، وكسر الأنانيات والعصبويات التنظيمية المقيتة، كما يقتضي:

· العودة لإحياء المنظمة ومؤسساتها كافة، وإعادة توحيد عملها بين الداخل والشتات، ورد الاعتبار لوحدة كل الشعب الفلسطيني، وتفعيل مؤسساتها في الشتات الفلسطيني، فالشتات الفلسطيني حمل على أكتافه عبء العقود الثلاثة الأولى من حياة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، لكنه وجد نفسه مهمشاً دون حضور في ميدان الفعل والتأثير في القرار الفلسطيني، بل وجد نفسه خارج العملية السياسية بالرغم من كل الصراخ والعويل الذي يطلق من حين لأخر بالنسبة لقضية حق العودة باعتبارها (لباب) القضية الفلسطينية.

· دخول كافة القوى الفلسطينية إلى الإطار الائتلافي للمنظمة بما في ذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي. فالوقائع التي تشكلت بعد انطلاق الانتفاضة الكبرى الأولى باتت تفترض إعادة النظر بخارطة ووجود القوى في الساحة الفلسطينية.

·  حل مشكلة القوى المنشقة على ذاتها والتي باتت تعمل بأسماء مختلفة أو تحت نفس الاسم، وذلك بطريقة ديمقراطية تحفظ مشاركة وإسهام الجميع([16]).

· تخفيض عدد أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، بشكل لا تزيد عضويته عن نحو (300) عضو بين الداخل والشتات، فعملية النفخ في عضوية المجلس وعدم ضبطها، وتجاوز اللوائح دون رقابة وفق النظام الأساسي لعمل المنظمة ومؤسساتها لا يساعد على إعادة بناء وتجديد المنظمة ومؤسساتها الوطنية، بل يسهم في إعادة تعويمها.

· اعتماد مبدأ الانتخابات حيث أمكن، والتوافق الوطني حيث تصعب الأمور، في بناء المجلس الوطني الفلسطيني باعتباره السلطة التشريعية العليا للشعب والمنظمة، وبالتالي إلغاء مبدأ الكوتا والمحاصصة واقتسام الكعكة. فالأساس في تشكيل المجلس الوطني يفترض أن يقوم على الانتخابات وفق التمثيل النسبي الكامل والتوافق حيثما يتعذر ذلك.

· إن تحقيق انتخابات ديمقراطية نزيهة لتشكيل المجلس الوطني، يفضي بالضرورة باتجاه ولادة مؤسسات وطنية ائتلافية قادرة على صياغة وتقرير برنامج سياسي يمثل الإجماع الوطني الفلسطيني، برنامج يأخذ بعين الاعتبار إعادة توحيد وتفعيل عوامل القوة في الوضع الفلسطيني وتثميرها باتجاه الهدف الوطني الأسمى.

· باحث مقيم في دمشق

([1]) وإن سبقتها بعض التشكيلات الفدائية الفلسطينية في القيام ببعض الأعمال الفدائية هنا وهناك، كجبهة التحرير الفلسطينية بقيادة الضابط الفلسطيني أحمد جبريل (من قرية يازور قضاء يافا)، ومجموعة شباب الثأر التي كانت حينها بمثابة الجناح العسكري لحركة القوميين العرب بقيادة الشهيد الدكتور وديع حداد (من مدينة صفد)، والتي أسسها الراحل جورج حبش (من مدينة اللد)، وقد تحولت بعد ذلك إلى العمل تحت عنوان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع نهاية العام 1967، وللتوسع أكثر يمكن العودة لكتاب صفحات من تاريخ الكفاح الوطني الفلسطيني، الصادر في أيار/مايو عن دار "صفحات" للنشر والتوزيع بدمشق.

([2]) تم في الاجتماع المذكور تشكيل أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بطريقة أقرب للانتخاب وعدد أعضائها أربعة عشر عضواً، إضافة لرئيسها أحمد الشقيري، وكان أعضاؤها كلاً من: خالد الفاهوم، فاروق الحسيني، قصي العبادلة، حيدر عبد الشافي، حامد أبو ستة، عبد المجيد شومان، وليد قمحاوي، اللواء وجيه المدني، عبد الرحمن السكسك، قاسم الريماوي، عبد الخالق يغمور، نقولا الدر، فلاح الماضي، بهجت أبو غربية، وقد عقدت أول اجتماع لها في القاهرة يوم 2/9/1964.

([3]) بالرغم من أن الشقيري كان قد أسرع الخطا في تشكيل قوات فدائية خاصة تابعة للمنظمة وتحت جناح جيش التحرير تحت مسمى قوات التحرير الشعبية، والتي لعبت دوراً مهماً في تصعيد العمل الفدائي، وقد انتهت صيغتها بعد الخروج الفلسطيني المسلح من الساحة الأردنية.

([4]) من العوامل الإضافية التي سّرعت حركة الشقيري لاتخاذ قراره بالاستقالة، رغبة الرئيس جمال عبد الناصر بتسليم قيادة المنظمة لحركة فتح والفصائل الفلسطينية المقاتلة كالجبهة الشعبية التي كان ينظر باحترام شديد لقائدها الدكتور جورج حبش، إضافة إلى وقف صرف مستحقات دوائر المنظمة من أموال الصندوق القومي.

([5]) بدأ ائتلاف منظمة التحرير يتشكل رويداً رويداً منذ شباط/فبراير 1968 بسيبة تاريخية ثلاثية أساسية كانت من (فتح، قوات الصاعقة، الجبهة الشعبية) لكن التحول الأساسي الذي طرأ قد وقع عام 1974 عندما علقت الجبهة الشعبية عضويتها في اللجنة التنفيذية للمنظمة مع تشكيل جبهة الرفض الفلسطينية (الجبهة الشعبية، القيادة العامة، جبهة النضال، جبهة التحرير العربية) لتصبح السيبة الائتلافية الثلاثية الأساسية داخل المنظمة مؤلفة من (فتح، قوات الصاعقة، الجبهة الديمقراطية)، واستمر الحال إياه حتى الدورة الرابعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت بدمشق عام 1981 حيث انفرط عقد جبهة الرفض الفلسطينية، وأعادت الجبهة الشعبية تنشيط دورها في المنظمة واللجنة التنفيذية، فبدت المنظمة على سيبة متعددة الحوامل وأوسع رسوخاً، وكان من فصائلها الأساسية (فتح، قوات الصاعقة، القيادة العامة، الشعبية، الديمقراطية) إلى حين الخروج الفلسطيني المسلح من لبنان، وما أدى إليه هذا الخروج من ولادة معطيات جديدة انعكست على المنظمة ككل وهي تحتاج لنقاش مطول لا مجال للسرد فيه.

([6]) خطاب ياسر عرفات الشهير في الأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 1974.

([7]) أي أكبر من برلمان الهند، واكبر من برلمان جمهورية الصين الشعبية، على سبيل المثال.

([8]) حدا بالبعض لتشبيه الموقفين الأمريكي والإسرائيلي من المنظمة بدور ذكر النحل، فهي معنية بإسباغ الشرعية على المفاوضات وعلى قيام السلطة ومن ثم لابد من رحيلها.

([9]) هذا لا يعني بان النصوص مقدسة، وان الميثاق نص رباني، لكن المعنى الأعمق من ذلك أن هذا الميثاق يحدد ثوابت إجماع وطني تكاد (نقول تكاد) لا ترقى إلى الشك، وأن أي تغيير أو تعديل يحتاج إلى إجماع أو على الأقل إلى شبه إجماع وطني شعبي وفصائلي.

([10]) جاء توقيع إعلان الدوحة الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس يوم السادس من شباط/فبراير 2012، ليضع حداً كما هو مفترض لعنوان استعصائي طالما بقي مثار خلاف واختلاف في مسار المصالحة الوطنية الفلسطينية، وتحديداً بالنسبة لاختيار رئيس الوزراء لحكومة الوحدة الوطنية المنشودة.

([11]) اتفاق القاهرة الموقع عام 2005، إلى وثيقة الوفاق الوطني الموقعة عام 2006، إلى اتفاق مكة الموقع عام 2007، إلى إعلان صنعاء عام  2008، إلى الورقة المصرية التي تم التوقيع عليها  عام 2009، إلى اتفاق المصالحة الموقع من قبل جميع القوى في القاهرة منتصف العام 2011، وصولاً لإعلان الدوحة الموقع في شباط/فبراير 2012.

([12]) منها المحاولات التي جرت من قبل بعض أطراف ما كان يعرف بالساحة الفلسطينية بجبهة الرفض عام 1974، والمحاولات التي جرت بعد الانشقاق الذي وقع في صفوف حركة فتح والمنظمة عام 1983. 

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website