د.سلام فياض لـ"شؤون فلسطينية" - عدد 248

د.سلام فياض لـ"شؤون فلسطينية"

جاهزية الدولة كانت لإسقاط الذرائع، ومن أجل تجسيد حقيقة الدولة، عبر اعتراف العالم بذلك

 

أجرى الحوار أواسط أيار: د.عبد المجيد سويلم· ود.سامي مسلّم··

 

جرت هذه المقابلة على فترتين، لم يفصل بينهما أكثر من أسبوعين، وتمّت في أوج الأحاديث التي دارت حول إعادة تشكيل الحكومة والآراء المتباينة حول هذا التشكيل، تميّز هذا الحوار بصراحة واضحة.

لماذا نقول الحوار؟

ببساطة لأنّ المقابلة لم تكن مقابلةً بحال، ولم تأخذ شكل السؤال والجواب إلا في بعض الأحيان، وكانت الأسئلة والأجوبة –حتى في هذه الحالة- أقرب إلى الاستدراك منها إلى أيّ شيء آخر. وكان سياق المقابلة من النوع الحواريّ.

فيض الأفكار وتدفّقها وكثافة المعنى والمغزى، فرض نفسه على المقابلة، وكانت تدخلاتنا في معظم الأحيان تبدو كنوع من تنظيم الحوار والمحافظة قدر الإمكان على شكل ما للمقابلة يتماشى مع مقتضيات التحرير.

الأمر لم يخلُ من بعض الاستفسارات والاستيضاحات وأحياناً الاستدراكات التي يمكن اعتبارها "استفزازية"، لكن الدكتور فياض قبِلها وتقبّلها عن طيب خاطر وبرحابة صدرٍ.

كانت رحابة الصدر مدخلنا لصراحة تدخلاتنا، وأحياناً لطرح عدة أسئلة متتالية للحصول على تغطية واسعة للقضايا مدار الحوار.

دولة رئيس الوزراء أهلاً بكم، وإنه لشرف كبير لنا أن نستضيفكم على صفحات "شؤون فلسطينية" لتطلّ من خلالها على جمهور واسع من القراء والمتابعين، ونرجو أن يكون الحوار شاملاً.

دولة رئيس الوزراء، مشروع أو برنامج "إنهاء الاحتلال، إقامة الدولة"، جاهزية الدولة، وأن يكون لفلسطين دولة مؤسسات يمكن أن تساهم في إنجاز مشروع التحرّر الوطني أين وصل اليوم؟

ما الذي حال دون تحقيق هذا الهدف المشروع، وهل ترى عدم التحقق قد جاء بفعل عوامل خارجية أكبر من المشروع، أم أنّ الطرح لم يكن واقعياً أم ماذا؟

ثم ما الذي أُنجز منه وما الذي يمكن انجازه لاحقا؟ نقصد هل مازال المشروع قيد الانجاز؟

شكراً جزيلاً وهذا شرف عظيم لي أيضاً. فالتواصل مع قراء "شؤون فلسطينية" فرصة وواجب.

بدايةً وتعليقاً على ما تفضلتم به، فنحن هنا أمام شقٍ يتعلق بقيام الدولة وأمام شقٍ آخر يتعلّق بالجاهزية لقيامها. ويأتي الأخير في إطار الهدف المرحلي، بمعنى أنه يجب التفريق ما بين عدم انجاز قيام الدولة وما بين انجاز جاهزية الدولة، وأرجو أن يكون المواطن قد لمس ما سأذهب إليه، نحن بالفعل كنا أمام ورشة عمل وطنية جدّية، منطلقة من تحديد معالم وأهداف.

من جهة كان الهدف إسقاط الذرائع التي سيقت من قِبل إسرائيل دائماً ظلماً وبهتاناً للتدليل على عدم قدرة الشعب الفلسطيني على حُكم نفسه، أو عدم أهليته لذلك تمّت مسميات مختلفة، "إرهاباً" أو "فساداً" وصولاً إلى مسمّى عدم الجدارة. كما أكّدتُ في كافة المناسبات فإننا لا نقبل هذا الطرح، لأنّ المسألة تتعلّق بحقنا في تقرير المصير، ولا يجوز أن يكون الشعب الفلسطيني المستثنى الوحيد من الحصول على هذا الحق.

آخر مرّة تمّت ممارسة هذا الحق على الساحة الدولية، كان الاعتراف بدولة جنوب السودان. لم تتردّد القوى المؤثرة في العالم ولا الأمم المتحدة نفسها من الإقرار بهذا الحق، من منطلق إيمانهم به كما نؤمن نحن، ولكن يبدو أنّ هذا الإيمان لا يسير بصورة متماثلة، وباعتباره حقاً مطلقاً وطبيعياً يجب الإقرار به.

قلتُ بأننا لم ولن نقبل بهذا الطرح (عدم الأهلية أو عدم الجدارة) ولكننا مع ذلك بدأنا بمشروعنا لحسم هذه الأمور وانجاز هذه الجاهزية. نحن نتحدّث عن انجاز هذه الجاهزية تحت الاحتلال وفي ظل كل سياساته القمعية والتعسّفية بحق كل مقدراتنا، وبما يشمل كافة مناحي الحياة، وذلك من منطلق أنّ إسقاط هذه الذرائع يصبح مسألة ضرورية وملحّة طالما أنها استُخدمت واستغلّت بهدف عدم تمكيننا من ممارسة حقنا في تقرير المصير. وعلى الرغم من عدم عدالة هذا الامتحان في الأصل، كان لا بدّ من إسقاط الذرائع. من هذه الناحية نجحنا بامتياز. لسنا نحن من شكّك بقدراتنا وإنما العالم، وكان علينا أن نجتاز هذا الامتحان وبالفعل فقد تمّ ذلك.

عندما ننتزع إقراراً دولياً وقبل الموعد الذي حددناه بستة أشهر وكهدف مرحلي مُوجّه، فهذا نجاح كبير. لقد أقرَّ العالم في ربيع 2011 في اجتماع المانحين أنّ السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها باتت تعمل بكفاءة دُول قائمة. أنا أرى أنّ هذه الشهادة في ذلك الوقت هي شهادة ميلاد حقيقة الدولة وليس شهادة ميلاد قيام الدولة، لأن قيام الدولة يحتاج إلى إنهاء الاحتلال. إذن انجاز جاهزية الدولة كان لإسقاط الذرائع ومن أجل تجسيد حقيقة الدولة عبر اعتراف العالم بذلك، وهذا ما حصل.

الناحية الثانية التي نجح فيها البرنامج بصورة خاصة هي استعادة الثقة بالنفس. هنا أريد التأكيد على أنّ الشعب الفلسطيني الذي تعرّض لشتى أنواع الاضطهاد والقمع وتبديد الهوية وتدمير المقدرات والمؤسسات وتواصل هذه السنوات من الاحتلال قد أصابت شعبنا بشيء من الشك في القدرة على تجاوز هذا الواقع.

عندما تأتي أنت وتحدد برنامجاً في ظل هذا الواقع فهذا يُصبح مهماً بحدّ ذاته. هنا تصبحُ أنت أمام استعادة الثقة والعمل على تجاوز الواقع.

 

 

 

إذا ما كان لنا أن ننهي الاحتلال فإنّ علينا أولاً أن ندحر أيّة روح انهزامية في أوساطنا.

كان متوقعاً الكثير من الصعوبات التي واجهناها بالفعل، ولكن همّنا الأساسي هنا لم يكن الوصول إلى نتائج ملموسة أو أهدافٍ بعينها فقط (فهذا طبعاً مهم ومهم جداً)، ولكن وبالإضافة إلى ذلك، وربما قبل كلّ ذلك، كان همّنا هو النهوض بالوعي الفلسطيني من حالة الإحباط ومن الشعور بعدم القدرة واهتزاز الثقة بالنفس إلى مستوى ترسيخ الإحساس بالقدرة.

لنأخذ على سبيل المثال المقولات التي تسرّبت إلى الوعي الشعبي (شو طالع بيدنا نعمل) (الكف لا يلاطم مخرز) وغيرها. هذه الروح الانهزامية وأحياناً بنفس الدرجة والحدّة وأكثر، كانت تجد تعبيراتها في بروز ظاهرة العنتريّة والتي لا شكّ بأنّ خلفيتها الحقيقية هي اليأس والانهزامية والتي نعرف بأنها عاجزة عن المساهمة الجادّة في مشروع التحرر الوطني.

حرصنا على معالجة ذلك في إطار عملي وبحيث يكون الارتباط وثيقاً بصلب التحرر الوطني، وتم الإعلان عن هذه الأهداف حتى تتحوّل إلى مصدر إلهام، ولكي تكون التجربة نفسها طريقنا لدحر الروح الانهزامية والخروج من دائرة عدم القدرة على الإنجاز.

هل تقصد أنّ الإعلان والعلنية كانت جزءاً من التحدي؟

نعم (ميّه بالميّه) فنحن لم نكن أمام مجرّد تجربة. القصة تمّت وأُعدّت على أساس واعٍ وفي إطار فلسفة معيّنة منذ اليوم الأول. وكانت البداية، الخطاب الذي ألقيته في جامعة القدس في شهر حزيران عام 2009. إذا عدت إليه الآن فستجد أنّ العناوين التوجيهية للبرنامج تضمنتها الكلمة. كان لديّ شخصياً أمل بأن تكون العملية نفسها باعثة على الاستنهاض.

من المهم هنا إذن أن نسجّل بأنه إلى جانب هدف إسقاط الذرائع كان لدينا هدف التصدي للانهزامية وعدم الثقة والانطلاق نحو التحدّي والمواجهة.

عندما جاءت الشهادة من معظم الذين استخدموها (ولا أقول كلهم) ومنذ اليوم الأول استشعرت إسرائيل الخطر. بعض الأوساط الإسرائيلية اعتبرت البرنامج واستشعرت به (كخطر كبير) وبعضها تحدّث عن أنّ هذا البرنامج قد يؤدي إلى حرب، وهذا الكلام كله في نهاية العام 2009.

من خلال خبرتكم بالشأن الإسرائيلي وطريقة التفكير الإسرائيلية كيف نظروا إلى هذا البرنامج على أنه خطر كبير؟!!

أولاً المشروع الإسرائيلي الإحلالي والاستيطاني استفاد من الاختباء وراء تلك الذرائع على مدار العقود الماضية وخصوصاً العقد الأخير، وبرز ذلك وتجلّى في هجمة العام 2001 والعام 2002، وقد شُرع آنذاك ببناء الجدار. إذا نزعت من أيدي الاحتلال هذه المسألة –مسألة عدم الجدارة- وعدم تناغم ما يوجهنا من مُثل وقيم وما يصدر عنا من ممارسات، مع قيم ومثل سائدة في المحيط الدولي فكأنك تمكّن الإسرائيليين منك.

إذا عدتَ إلى العام 1974، وهو العام الذي شهد انطلاقة كبيرة في نشاط منظمة التحرير الفلسطينية في المحيط الدولي فستجد أنّ إسرائيل استماتت في حينه لمنعنا من الانخراط في هذا المحيط. منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا، أكثر ما تخشاه إسرائيل هو فشلها في سلخنا عن المحيط الدولي بهدف تجريدنا من أهم الأسلحة التي يمكن أن نمتلكها.

لنأخذ على سبيل المثال "الجدار". الواقع تغيّر فيما خدم المشروع الإسرائيلي. تحت هذا الستار (ستار الانسلاخ عن المحيط الدولي) أمكن لإسرائيل أن تحرّر الكثير من الممارسات التي هي ليست فقط غير قانونية وغير أخلاقية وإنما هي محاولة دائمة للعزل والاستيلاء على الأرض ومصادرة آلاف الدُونمات فيما يستهدف تحويل الأرض الفلسطينية المحتلة، وخاصة القدس والمناطق المسماه "ج"، إلى مناطق طاردة للوجود الفلسطيني فيها.

إذن جواباً على سؤالك، إذا كان مشروع إسرائيل عزلك دولياً فأنت عندما تطرح عكس ذلك وتعمل عليه فأنت تضع نفسك، وكما يجب على مسار مواجهة للمشروع الإسرائيلي، وهذا هو جوهر الفكر الفلسطيني المقاوم لجوهر الفكر الإسرائيلي المعارض لمشروعنا.

هناك جانب آخر لهذه المسألة، وهو متعلق بالمناطق المسماه (ج). نحن الآن أمام واقع جديد. هذه المناطق بدت في الوعي الدولي وكأنها أراضٍ متنازع عليها. عُد بالذاكرة الآن إلى تلك المرحلة عندما طرحنا أنّ التنمية ستشمل هذه المناطق، وعندما أصبحنا نتحدّث بتركيز خاص عن التنمية فيها، أدرك الإسرائيليون أنّ أطروحاتهم عن التواجد الأمني في هذه المناطق أصبح ضرورياً وحيوياً لدرجة أنهم باتوا يصوّرون نزع السيادة الأمنية عنها بمثابة إعلان حرب أو أنّ هذا الأمر سيؤدي إلى الحرب.

في ذلك الوقت استهجنتُ الأطروحات الإسرائيلية، ولكن الفكر هنا مهم وأدوات التنفيذ أيضاً. عندما فكّرنا بذلك وشرعنا بالتنفيذ بدأنا نشعر بالتهديدات الإسرائيلية. بهذا المعنى نجحنا، وإذا كان المجتمع الدولي هو المستهدف في نزع الذرائع، وإذا كان المستهدف من الاستنهاض هو مجتمعنا فقد تمّ ذلك وبدرجة متقدمة من النجاح.

الناس تتحدّث اليوم عن شِعار فلسطيني موحِّد وهو الصمود.

كان لدينا تفكير معمّق (في الإطار الفكري) حول الكيفية التي من خلالها يمكن تعزيز الصمود ولدينا عشرات الأمثلة التي تشعرك بالفخر والاعتزاز لكونك فلسطينياً. هذه درجة عالية من النجاح برأينا. لأنّ الناس لم يعودوا يكترثون بالتصنيفات ما بين (أ) و(ب) و(ج). لقد ساهمت المكونات المختلفة للبرنامج بتكامل فكري بين هذه المكونات، ويعود السبب لهذه التكاملية –كما أرى- لوجود منطلق فكري موجّه وناظم وهو تعزيز الصمود وتثبيت الناس على أرضهم. هذا هو المسوّغ الوطني القومي للفكر التنموي.

أنت تبني هنا تحت الاحتلال، بالرغم من الاحتلال، وفي مواجهة الاحتلال، ومن أجل إنهاء الاحتلال، هذه فكرة متواصلة، لها تجليات مختلفة ولكن لها فكر موجّه واحد.

ساهم كلّ هذا وعزّز الشعور بالقدرة وبأننا نستطيع. وهناك اليوم دول مهمّة دخلت معنا في مذكرات تفاهم لإقامة وتطوير مشاريع في المنطقة (ج)، والبيان الختامي الأخير لاجتماعات المانحين يتحدّث عن ضرورة التنمية في هذه المنطقة، ومؤخراً فإن بيان اللجنة الرباعية في اجتماعها الأخير أشارت بوضوح شديد إلى هذا الأمر ليس فقط باعتبارها حاجة حيوية للمواطنين، بل وأيضاً باعتبارها حيوية للدولة الفلسطينية المستقبلية، الأمر الذي حسم مكانة هذه المناطق في الوعي الدولي بعد أن حاولت إسرائيل أن تظهر هذه المناطق وكأنها متنازع عليها. وبهذا المعنى يتم الحديث اليوم دولياً عن التنمية في القدس الشرقية وما لهذا الأمر من دلالات ومن أهمية.. إذن هناك تناغم.

وهناك الآن تعريف صحيح معتمد بالإجماع من قبل الاتحاد الأوروبي، كما ورد في بيانه في كانون الأول (ديسمبر) 2009، للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وبما يشمل قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس على حدود عام 1967... إذن البرنامج أحدث التلاقي التام والمطلوب ما بين مكونات التعريف السياسي.

حدث تطور في الوعي الدولي وهذا نجاح، وجرى التناغم ما بين أهدافنا المعلنة والموجّهة وما بين الوعي الدولي. التأثير من جانبنا كان بطريقة إيجابية وأسلوبنا كان محبباً ومحبّذاً وسلساً إلى أبعد الحدود.

لنأخذ على سبيل المثال –بالعودة إلى المجلس التشريعي السابق- مسألة المرحلة الانتقالية. كان المفروض أن يكون المجلس مجلساً انتقالياً وما قبل قيام الدولة. عندما جدّدنا للمجلس في حينه فكأننا دون قصد قبلنا بعدم تحديد نهاية للمرحلة الانتقالية، بمعنى أصبحنا أمام مرحلة غير مُعرّفة وغير محدّدة. هنا جاء البرنامج ليقول ودون لغة التهديد والوعيد ودون استفزاز أحد، أنّ هدف البرنامج هو انجاز الجاهزية الوطنية لقيام دولة فلسطين خلال عامين، وهذا ما قبله منّا المجتمع الدولي وأصبح يتقبّل هذه الفكرة وعلى هذا الأساس، وكان يُقال بأننا مع نهاية شهر أيلول (سبتمبر) 2011، سنكون جاهزين كدولة للاستقلال الوطني إذا لم يكن قد تمّ إنهاء الاحتلال.

إذن دون أن نثير حفيظة أحد ودون أيّ تهديد أو وعيد حددنا هدفنا –المتّفق عليه دولياً- وهو تحقيق الجاهزية الوطنية لإقامة الدولة، وأعلنّا أنّ الهدف هو الضغط على العملية السياسية لانجاز إنهاء الاحتلال. المجتمع الدولي قبلَ بفكرة أن نكون جاهزين في غضون عامين وأصبح العالم يتحدّث عمّا سيحدث بعد عامين. أي أننا سرّعنا وضاعفنا الضغوط على المجتمع الدولي من أجل الوصول إلى ذلك، وهنا أيضاً كان النجاح واضحاً. تتذكر عندما وقف سولانا إلى جانبي بعد شهر فقط من إطلاق برنامجنا وأعلن دعمه لهذا البرنامج بصورة قاطعة ودون تحفّظ.

وفي خطاب السيّد الرئيس في الأمم المتحدة وصل هذا الأمر إلى ذروته. لنلاحظ أننا كنّا نذهب إلى الأمم المتحدة في كلّ عام، ولكن خطاب الرئيس في هذا العام كان له أهميّة خاصة لأنّ العالم كان قد أُعدّ لخطاب الاستقلال الفلسطيني وكان الوعي الدولي والإقليمي أيضاً قد تطوّر بصورة ملحوظة خلال العامين المحددين في البرنامج. كان هناك ترقّب دولي جعل من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر أيلول من العام الماضي مختلفاً من وجهة نظر قضيتنا عن أي من الاجتماعات التي سبقته.

إذن كان البرنامج من الناحية السياسية إسقاط الذرائع التي تحدّثنا عنها والضغط على المجتمع الدولي بحلول نهاية العامين، إن لم يكن الاحتلال قد رحل قبل ذلك، وهكذا كان العالم يترقب شهر أيلول (سبتمبر) بعد أن كان قد أصدر شهادة ميلاد حقيقة الدولة.

لم يتحقّق إنهاء الاحتلال وهو الهدف الأهمّ والأسمى، ولكن في ضوء ما تحقّق من نجاح في تحقيق الجاهزية لقيام الدولة، علينا أن نرى الصعوبات أيضاً، فطريقنا لم تكن في يوم من الأيام مفروشة بالورد، ولم نكن نتوقع عند إطلاق البرنامج أن يكون الأمر مغايراً لذلك.

نسمع الآن الأقوال حول عدم تحقق الهدف الأسمى، وبالتالي وفي ضوء ذلك تعالوا لنفتّش عن طريق جديد. هذا أمر خاطئ تماماً حتى على الصعيد الفكري. هذا البرنامج لم يعط أصلاً الفرصة الحقيقية لإحداث النقلة الكاملة في الفكر والوعي.

ماذا تقصد؟

هذا البرنامج ومنذ البداية كان له معارضة سياسية. النظام السياسي الفلسطيني لم يتبنّ هذا المشروع إطلاقاً. نعم كان هناك بعض الأحاديث باستحياء هنا وهناك. ولكن المسألة لم تقف عند هذا الحدّ. فعدم تبنّي النظام السياسي الفلسطيني للبرنامج أمر غير إيجابيّ بطبيعة الحال، لكن المشكلة أنه كان هناك مناوأة لهذا البرنامج وأصبحنا نسمع أحاديث عن أنّ هذا البرنامج هو برنامج الدولة المؤقتة، أو أنّ المشروع إنما يتساوق مع مشروع نتنياهو للسلام الاقتصادي وحتى أنّ البعض أصبح يتحدّث عن عدم أحقية الحكومة في "التدخّل" بالشأن السياسي، وأصبحنا أمام مصطلحات جديدة وتساؤلات عجيبة من نوع (كيف يجوز طرح مثل هذه البرامج؟) أو (يبدو أنّ هناك شيئاً ما خلف أو وراء طرح هذا البرنامج).

إذن المسألة لم تكن مجرّد عدم تبنّي، بل كان هناك تشكيك، مع أنني على يقين بأن المواطن الفلسطيني كان على تماس مع هذا البرنامج، لأنّ التمهيد له كان قد جرى على مدى عدة سنوات سبقت.

لم ندّع منذ تاريخ إطلاق البرنامج أننا نخترع أيّ جديد، لأنّ هدف السلطة الوطنية كان ومنذ البداية هو الذوبان والانصهار في كيان دولة وطنية مستقلة ولكن ليس بمدى زمنيّ مفتوح وغير محدد. ما قمنا به هو وضع هذا الهدف موضع التطبيق الفعلي وتحديد المدى الزمني المطلوب لهذه العملية بالتكامل مع الجهود التي كانت تُبذل على صعيد العملية السياسية وضرورة حشد الطاقات من أجل نجاحها وفق الأهداف الوطنية بمشاركة أو إشراك المجتمع المحلي.

الأسئلة حول جدوى هذا البرنامج تبقى أسئلة مشروعة، شريطة أن لا يعتقد أحد أنه يمتلك وحده الحقيقة السياسية وناصيتها، وأن يكون قادراً على إقناعنا بأنّ هذا البرنامج كان خاطئاً.

الشك والتشكيك بهذا البرنامج أو بنجاعته بسبب عدم تمكّن شعبنا من إنهاء الاحتلال مؤقتاً، يجب أن لا يقودنا إلى اتجاهات مغايرة.

إذن عدم الحماسة لهذا البرنامج ربما تكون أحد نواقصه وأرى أنّ الانخراط به والتعاون لانجازه، هو الخيار الأفضل.

قلنا أيضاً أنّ أحد أهم متطلبات نجاح هذا البرنامج وتحقيقه لكامل أهدافه هو إنهاء الانقسام، وبالتالي فأنّ إحدى نقاط ضعف البرنامج هو بقاء الانقسام قائماً.

قَبل أيام عدة كنّا في ألمانيا وفي البرلمان تحديداً وبوجود كافة الأحزاب. تحوّل الاعتراف بنا أو رفع التمثيل لنا كأنه نوع من الإرضاء، والخشية أن تتحوّل هذه المسألة إلى نوع من البديل عن الالتزامات الدولية تجاه حقوقنا الوطنية. عندما شعرت بذلك قلت لهم بكلّ صراحة ووضوح لا نبحث عن الاعتراف بحدّ ذاته ولا نبحث عن علم ولا عن جواز سفر. لدينا كل ذلك، ما نبحث عنه هو قيام الدولة على الأرض، لم يعد لدينا مشكلة، في عدم توفر رموز السيادة، ولدينا الكثير منها. ولم يعد هاجسنا الهوية ولا العنوان وإنما الدولة.

يجب أن نعيد النظر وبصورة موضوعية ومن باب المراجعة النقدية لتجربتنا، ومن باب النهوض بأداء المؤسسة لدينا، وبنظام الحكم والإدارة أيضاً، لأنّ النجاح لم يكن متماثلاً أو نفس الدرجة في المجالات كافة.

في منظومة الحكم والإدارة هناك الكثير من القضايا. مثلاً الانتخابات الشاملة، لماذا تتحوّل الانتخابات إلى قضايا للمقايضة؟ خذ على سبيل المثال مقولة (إذا سمحت الظروف) أو مقولة (إذا سَمح الاحتلال بذلك) يجب أن نكون على استعداد مبدئي ودائم للحوار حول أدائنا وبكل انفتاح.

إذا أخذت قطاع العدالة كمثال هناك أكثر من سؤال حول مدى النضج عندنا. بعد الاعتقالات التي طالت بعض الصحفيين وغير الصحفيين يبرز سؤال، بل وتبرز أسئلة عديدة حول النضج وحول علاقة النضج بالجاهزية أولاً كتوجّه عام وثانياً على مستوى التنفيذ، بدءاً من النيابة العامة ومروراً بالأجهزة التنفيذية ووصولاً إلى القضاء والمحاكم. أرى أنّ الأداء هنا يتعارض مع قضيّة جوهريّة تتعلّق بسؤال (من نحن؟)، هذه مسألة تتعلق بهويتنا.

يجب أن لا نقبل بأقل من الاحترام التام للرأي الآخر، في هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم.

إنّي أسأل بحساب الربح والخسارة إذا كنا لا نريد الأخذ بحساب المثل والقيم والهوية، ما فائدة أن نلاحق كائناً من يكون لأنه قال كلمة هنا أو أُخرى هناك –مهما كان فيها من شطط- ما فائدة الملاحقة هنا؟. نحن طبعاً مع الحفاظ التام على الحق بالتقاضي، ولكن بحسابات الربح والخسارة الحكمة تقتضي التروي لأنّ المسألة تتعلق بالجواب على سؤال من نحن.

هل تقصد الترفّع؟!

نعم الترفع –هذا تعبير جيد- لأنّ عدم الترفع يتعارض مع جوهر من نحن.

هناك طبعاً إساءة في استخدام الحرية، هذا صحيح، وأعرف ذلك، وهناك من يستخدم هذه الحرية ضدّي شخصياً ولكن أنا أسأل: ما الحل؟ هل الغضب هو الحل؟ هل الانتقام هو الحل؟ هل التهويل هو الحل؟

أنا أرى أنّ الترفّع يجب أن يكون منذ البداية، أي من التوجّه. أنا أنظر بخطورة إلى الإعاقات التي تحول دون تحقيق ما ينبغي أن نكون عليه.

الحلول لا يمكن أن تكون سلطوية، أنا شخصياً ضدّ التقييد. وخصوصاً إذا كانت الأدوات سلطوية، لأنها تؤدي في هذه الحالة إلى ما هو أسوأ من الآثار التي تترتب على عدم التقييد، ليس برغبة منّي أو منك وإنما بسبب طابع الأمور.

إنّ وضع سياج حول حرية التعبير هو في الجوهر قيود على هذه الحرية وفي مطلق الأحوال ليكن هذا نتيجة حوار وتوافق مجتمعي. نحن بحاجة إلى سياسة مفهومة ومنسجمة مع مبدأ أن الانفتاح هو الأساس.

إذا تقدّم أحد بشكوى ضد شخص ما يُصبح ذلك الشخص مطلوباً للتحقيق من قبل النائب العام (هنا أتحدّث عن الموقع وليس الشخص، ولا أتحدث عن النائب العام عندنا). لدى النائب العام شيء هام جداً وهو الصلاحية التقديرية، فيما إذا كان الحجز الاحترازي ضرورياً. مثلاً هل يشكل المشتكى عليه أيّ خطر على المجتمع أو على نفسه؟ إذا كان الجواب نعم، فمن الطبيعي أن يتم التوقيف الاحترازي، ومن الطبيعي أن تحدّد فترة اعتقاله، وهذا أمر حدده القانون على أي حال. أما إذا كتب أحدهم مقالاً، أو أعد تقريراً صحفياً فقضية الاعتقال حتى وإن كانت جائزة من حيث الشكل القانوني إلا أنها تضرب قيمة الصلاحية التقديرية. هذه الصلاحية يجب أن تمارس على أساس تقييم موضوعي، وعلى أساس درجة الضرورة، وعلى أساس نوع الخطر، والأصل هنا هو التروي والحكمة، وقضية الصلاحية التقديرية لا تتعلق بقرار النائب العام فقط بل تتعلق ويجب أن تتعلق بكل مراحل التقاضي وصولاً إلى مرحلة النطق بالحكم بل وحتى الاستئناف فيما بعد.

الكيفية التي تمارس بها الصلاحية التقديرية هي من بين ما يميز أسلوب حكم عن آخر، لأنه وبقدر ما تستخدم هذه الصلاحية بصورة حكيمة ومتروّية وبترفّع، فإنها توحي وتولّد الشعور بالأمان والكرامة والإنصاف. وشعور المواطن بكل ذلك مسألة في غاية الأهمية. وحتى عندما تحدث أخطاء في استخدام الحق الشكلي للقانون فإنّ الصلاحية التقديرية في كل حلقات التقاضي تتيح تلافي وتجاوز الأخطاء. وعندما نخطئ، فهذه ليست نهاية العالم طالما كان ذلك نتيجة اجتهاد قابل للتصويب، المهم أن تتوفر كافة الضمانات لممارسة هذه الصلاحية التقديرية بحكمة، ويجب أن لا نكابر أبداً. نحن نستطيع أن نطوّر منظومة العدالة لدينا، وهذا مطلوب بإلحاح، لأننا سلطة من الناس ولهم، لا سلطة عليهم، وهذا يتصل تماما بمفهومي لجوهر من نحن..

د.فياض كيف تقيّم تجربة هيئة مكافحة الفساد؟

مجرّد وجود الهيئة هو عامل إيجابي كبير. وأعتقد أنّها ساهمت في زيادة الوعي واستحداث الهيئة كان عاملاً ضرورياً صائباً وهي أداة وقائية ضد الفساد بكلّ تأكيد.

د.فياض، لقد تحدثنا بتوسع حتى الآن عن برنامج الحكومة والانجازات والعوائق والمشكلات. الآن جاء دور السياسة الاقتصادية. كيف تقيّمون خلفية السياسة الاقتصادية والاجتماعية لدينا، وكيف ترى تداعياتها ومشكلاتها؟

الموضوع واسع للغاية، جوانب هامة ترتبط بالحديث عن البرنامج. إذا كان المنطلق هو إنهاء الاحتلال وخلق الظروف المواتية لتحقيق ذلك وإلى أن يتحقق ذلك يجب أن يبقى الشعب الفلسطيني صامداً على أرضه وأنّ كلّ ما لدينا من أدوات تدخّل يجب أن تُسخّر لهذا الغرض وخاصة في الشأن الاقتصادي والمعيشي.

إذا كنّا نتحدّث عن التنمية في جوانبها المختلفة بما في ذلك الموازنة فالمرتكز الأساسي في هذا كله هو بقاء الناس وصمودهم.

برامج التنمية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية منذ البداية (بداية قيام السلطة الوطنية في فلسطين) كان يطغى عليها الشكل التقليدي لإعداد الموازنات. أما في السنوات الأخيرة (الأربعة أو الخمسة الأخيرة) بُذلت جهود لتغيير هذا المسار وإضفاء طابع مختلف على إعداد الموازنة وهو اتجاه تركيز الجهود لإنهاء الاحتلال وباتجاه التركيز على صمود المواطنين على أرضهم وزيادة قدرتهم على ذلك وهذا ينسجم مع القضايا التي تحدثنا عنها في البرنامج.

هناك جوانب تتعلق بتقنيات العمل وقد شهدت هذه الجوانب تقدماً كبيراً على صعيد تطوير القدرات، آليات الحكم والإدارة وتطوير الإمكانيات في إدارة الشأن الاقتصادي المالي أسوق لك مثالاً للدلالة على ما تحقق هنا.

ما تحقق هو انضمام فلسطين إلى قائمة الدول المنضوية تحت معيار متقدم لإدارة البيانات الإحصائية المدارة من قِبل صندوق النقد الدولي.

ماذا تقصد دولة رئيس الوزراء بالمعيار المتقدم؟ هل أصبحنا من مصاف الدول المتقدمة على هذا الصعيد؟؟

نعم وسأشرح الأمر. في إطار المناقشات التي دارت في صندوق النقد الدولي بعيد أزمات التسعينات وبعد جدل طويل تمّ التوصّل إلى أهمية أن يكون لدى الدول جميعها الاستعداد والجاهزية لإعطاء البيانات الإحصائية حيث أُعتُبر سد هذا النقص متطلباً أساسياً لمعالجة الأزمات. في النهاية تمّ اعتماد معيارين؛ الأول مخفف ويقضي بقيام الدول بتزويد الصندوق بعدد محدود من البيانات وبدون درجة عالية من التشدّد، أما المعيار المتقدم فمتطلباته أكثر بكثير لجهة عدد المتغيرات التي يجب تزويد الصندوق ببيانات عنها ولجهة الاستعداد للالتزام الدوري بإصدارها ووفق مواعيد محددة صارمة ونشرها. الدول التي استطاعت تأمين ذلك في البداية كانت معظمها من الدول المتقدمة، ولكن فيما بعد بدأت دول أخرى من البلدان النامية أو متوسطة التطور بالانضمام إلى تلك القائمة حتى وصل عدد تلك الدول إلى سبعين دولة من أصل أكثر من 190 دولة من الدول الأعضاء في الصندوق، وبذلك أصبحت  فلسطين العضو الواحد والسبعين على قائمة الأعضاء في معيار النشر المتقدم.

هذا يعني الكثير. طبعاً نحن كما نعرف جميعاً لدينا جهاز للإحصاء المركزي وهو جهاز ممتاز، ولكن مهما كانت درجة جودة وتطور الجهاز المركزي للإحصاء فإنه لا يستطيع أن يعمل وفق المعايير المشار إليها إلاّ إذا كانت المؤسسات الوطنية قادرة على تزويده بصورة منتظمة بالبيانات، والمؤسسات لا يمكنها أن تقوم بهذه المسألة إلا إذا كانت بلغت درجة معينة من النضج المؤسسي والقدرة. فجهاز الإحصاء لا يخترع البيانات وإنما يقوم بجمعها وتبويبها ونشرها. إذن هنا نحن أمام حالة من النضج المؤسسي ودرجة عالية من التقدم في العمل الإحصائي، وبما وضعنا في مصاف الدول التي تعتمد الممارسات الفضلى في هذا المجال. وإذ أبدو مبتهجاً  جداً بهذا الانجاز، فذلك لأنني أعرف جيداً قيمته ومغزاه، وذلك، وأقولها بتواضع، من واقع خبرتي الطويلة المتصلة بعملي في صندوق النقد الدولي.

إذن نحن أمام جهود منظمة لإدارة الشأن الاقتصادي. هذا كلّه من جهة، أما من جهة أخرى فالأمر يتعلق بالفكر الاقتصادي الذي تم تبنّيه وهنا أيضاً نحن نتحدث عن قدرات معينة على صعيد التخطيط وعلى صعيد القدرة على التنفيذ.

هنا سوف تلاحظ أن التركيز قد تمّ بالفعل على المناطق المهمشة، ومنها المناطق المصنفة (ج). وينسحب ذلك طبعاً على القدس الشرقية.

هذه المسائل لا شك أنها كانت موجودة في الوعي ولكن التعبير عنها في إطار السياسات والخطط مسألة أخرى. يعني أنّ المسألة هنا تحولت إلى منطق تنموي سياسي، وبشكل مباشر.

من هنا يمكن الدخول إلى الخطة التي استهدفت تطوير المؤسسات وإلى تطوير البرامج التي أنجزت على صعيد المناطق التي أشرنا إليها.

بالنسبة للسياسة المالية، فكما تعرفون هنا نتحدث عن تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. وقد وضعت السلطة الوطنية السياسات  في هذا المجال، بما ينسجم مع الأهداف الموجِّهة لخطط التنمية وإعداد الموازنات.

على درب هذا كله بدأت عملية تحوّل فعلية في اتجاه أن يُصبح الاقتصاد الوطني أكثر قدرة على المقاومة، ليس قادراً بعد ولكنه أكثر قدرة بالرغم من المصاعب المالية والتي اتخذت طابع الأزمة. إلا أنّ درجة الاعتماد على المساعدات الخارجية بدأت تنخفض وبالتالي فإننا في اللحظة التي سنتمكّن فيها من الإيفاء بالمستحقات المتراكمة متأخرة السداد لكافة المتعاملين مع السلطة الوطنية، فإننا سنصل إلى توفير المتطلبات التي تجعل من قدرتنا على الاعتماد على مواردنا الذاتية أكبر فأكبر مقابل انخفاض الاعتماد على المساعدات الخارجية خصوصاً فيما يتعلق بالنفقات الجارية.

هذا جزء من الفكر الموجِّه للسياسات الاقتصادية والاجتماعية. من سنة الذروة لجهة الاعتماد على المساعدات الخارجية، وهي سنة (2008) كنّا أمام احتياج للمساعدات الخارجية بحدود مليار وثمانمائة مليون دولار، أما اليوم فنحن أمام احتياج لمليار دولار فقط.

الأزمة المالية لم تحصل بسبب ذلك وإنما بسبب عدم وصول المساعدات في الوقت المناسب وحسب ما هو مبرمج. ولولا ممارسات الاحتلال لأمكن تجاوز هذا الواقع بكل سهولة.

عدم التمعّن في الأمر يؤدي إلى التشكيك فيما أنجزناه، كما فعلت إسرائيل في الاجتماع الأخير للمانحين حيث شكّكت بجاهزيتنا ومنجزاتنا من زاوية وجود أزمة مالية لدينا علماً بأن دولاً عريقة وقائمة منذ قرون لديها أزمات مالية، ليس هذا مقياساً على الإطلاق.

الرؤية كما تعرفون قائمة على أساس إعطاء القطاع الخاص الفرصة والمجال بأن يستثمر ويعمل ويشغّل، وتوفير الإطار القانوني الذي يضمن تكافؤ الفرص، وبما يحمي الحقوق مع الحرص الكامل على وجود  برامج متكاملة للحماية الاجتماعية بهدف دعم الفئات والقطاعات غير القادرة على الانخراط في سوق العمل وفي العملية الإنتاجية أو التي لا تقوى على توفير الحدود المطلوبة للعيش الكريم بالمعنى النسبي طبعاً، هذا بالإضافة إلى رعاية أسر الشهداء وذوي الأسرى. كما أنّ للسلطة الوطنية التزامات خارج حدود الدولة –لا أقصد هنا السفارات والبعثات والملحقيات والمعارض- وإنما قطاعات واسعة من شعبنا تعيش في المنافي وهي بأشد الحاجة إلى برامج رعاية ودعم خاص. ونحن الآن أمام دراسة قانون للضمان الاجتماعي وكذلك الجهود التي بُذلت لإقرار الحد الأدنى للأجور والاستعاضة بالتمكين عن الإغاثة وتحوّل البرامج إلى ما يساهم في الانخراط في العملية الإنتاجية.

أقول للمداعبة، كانت حكومتنا توصف من قِبل البعض، والبعض اليساري خاصة، بأنها حكومة القطاع الخاص، ولكن عندما حاولنا إجراء التعديلات على الشرائح الضريبية فإذا بنا نفاجأ بموقف معارض من القطاع الخاص ومن اليسار معاً!.

ما يُميّز سياسة السوق، كما تعرف، هو إفساح المجال للمبادرة والريادية مع الحرص على ضمان تكافؤ الفرص، ولكن كل هذا في إطار يوفر الحماية الاجتماعية اللازمة للفئات الأقل حظاً. كما وينبغي التنويه إلى أن مفهومنا لاقتصاد السوق لا يعني بالضرورة عدم التدخل من قبل القطاع العام. نتدخل حيث وجب ذلك، ولكن بالاستناد إلى أدوات تدخل فاعلة، ولا تؤدي إلى تشوهات بنيوية.

د.سلام ألا ترى معنا أنّ الاقتصاد الإعاني يخضع لما يُسمّى بالاقتصاد الاجتماعي في نهاية الأمر؟

نعم نحن بصدد شيء من هذا القبيل. وفي مطلق الأحوال يجب أن نعمل كل ما في وسعنا من أجل أن يكون لدينا اقتصاد مقاوم، اقتصاد يوفّر للناس ما يساعدهم على البقاء والصمود. يجب أن نُمكَّن من التعامل مع القضايا الملحة مثل احتياجات التجمعات السكنية النائية، بما فيها التجمعات البدوية في الأغوار وغيرها.

كيف لنا أن نخلق اقتصاداً مقاوماً دون تدخل فعال من قبل حكومة السلطة الوطنية؟؟ في كثير من الأحيان نحتاج إلى تقديم مساعدات نقدية مباشرة لبعض التجمعات ولبعض المهددين من قبل الاحتلال، وهذا بالضبط ما نحتاج للدعم المالي العربي من أجله.

لكن يا دكتور الناس تشجعوا للعمل في المناطق "ج" وغامروا وفي معظم الأحيان تأتي سيارة إسرائيلية وتدمر كل شيء. ثم ما صحة ما يقال عن هروب المستثمرين؟

أنا أعتقد أنّ الاشتباك في المنطقة (ج) كان له أثر إيجابي، لم تعد هذه المنطقة في الوعي شيء يشبه المستحيل وإنما هي شيء ممكن وأحياناً ممكن جداً.

في بيان الرباعية الأخير دليل على فشل السياسة الإسرائيلية التي كانت تعمل على عزل هذه المناطق والتركيز على اعتبارها مناطق متنازع عليها. لم تعد مناطق (ج) في الوعي الدولي كما كانت عليه وفي هذا تحول كبير.

الاشتباك مع الاحتلال وعبر المقاومة الشعبية تحوّل في هذه المناطق إلى مردود إيجابي وأصبح الناس في هذه المناطق يدافعون عن هذه المناطق من منطلق حقهم فيها.

أما بخصوص هروب المستثمرين، وفيما يتجاوز ما هو متصل منه بالاحتلال وممارساته، فلديّ معطيات. هذه المقولة الإشاعة رُبطت بقضايا الضريبة وبالبورصة والأسهم تحديداً والضريبة على الودائع أيضاً.

أولاً ومن حيث المبدأ لا يوجد أي منطق يبرر فرض ضريبة على دخل مصنع لتصنيع مُخلّل الخيار ولكن يعفي الدخل المتحقق على الاتجار بالأسهم. بالعكس، أنت إذا فرضت ضريبة على هكذا مصنع وأعفيت المضارب فكأنك تشجّع الناس على الهروب من قطاع الإنتاج إلى الاتجار بالأسهم والمضاربة فيها. ولا يوجد مبرر لفرض ضريبة على مصنع أحذية في حين يعفي من يودع أمواله في البنوك ويجلس للتفرج عليها، لأنه في هذه الحالة أيضاً كأنك تشجع الناس على إيداع أموالهم في البنوك بدلاً من استثمارها في الإنتاج.

أما الحديث عن هروب المستثمرين فهو غير صحيح على الإطلاق. وعلى العكس من ذلك فإن الودائع تزداد لدينا.

القيمة السوقية لمجموع الأسهم في فلسطين في نهاية العام 2011 كانت 2.8 مليار دولار. أما مجموع المحافظ الاستثمارية، فهي لا تزيد عن 13 دولار. فعن ماذا نتحدث؟ أحياناً يتم الخلط، وأحياناً تشعر أنك أمام محاولة استسهال الحديث دون التأكد من صحته أو التدقيق فيه.

 

 

لكن يا دكتور أليس لدينا كساد في النهاية!!؟

نحن نمر الآن في مرحلة تباطؤ في النمو الاقتصادي، وليس في مرحلة كساد. وعلى مستوى الاقتصاد الكلّي كان هذا متوقعاً، وذلك لأن تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية يترتب عليه انخفاض في القدرة التحفيزية من قبل القطاع العام، والرهان في هذه الحالة على القطاع الخاص لأن يزيد من الاستثمار لتعويض النقص.

ولكن على الأرض، لم تتغير السياسات الإسرائيلية. ولذلك لم يتحفّز القطاع الخاص لمزيد من الاستثمارات والعكس تماماً هو الصحيح. خذ مثلاً مدينة روابي، حتى الآن لم نتمكن من الحصول على موافقة إسرائيلية لفتح طريق لا يزيد طولها عن 3-4 كيلومترات، والتي يعتمد نجاح المشروع على شقها، علماً بأن هذا هو أكبر مشروع استثماري في تاريخ الاستثمار في فلسطين!!! هذا هو الواقع، وذلك بالرغم من تدخل مكثف من قبل جهات عدة من المجتمع الدولي، ولكن دون جدوى لغاية الآن.

ويضاف إلى التأثير السلبي لتلاشي تأثير التحفيز المالي المشكلة الأكبر المتمثلة في عدم تمكن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها للموردين للسلع والخدمات في الأوقات المحددة لذلك. وعندما لا تتمكن السلطة، وهي المستهلك الأكبر للسلع والخدمات في الاقتصاد الوطني، من الإيفاء بالالتزامات المالية فإن كامل الدورة الاقتصادية يتعرض للاهتزاز والتباطؤ.

هناك اجتهادات مختلفة بشأن التأثير المحتمل لانخفاض القدرة التحفيزية على النشاط الاقتصادي. اجتهادنا نحن هو أن نستمر في بذل كل جهد ممكن لتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية، وذلك بهدف تحصين استقلالية قرارنا الوطني، وتعزيز منعته في مواجهة أي ابتزاز محتمل. من الأهمية بمكان هنا الإشارة إلى المناقشات والحوارات التي دارت حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية. تشكل لدينا الآن ما يُمكن اعتباره إطاراً دائماً للحوار الاجتماعي والاقتصادي، وقد تعزز هذا الإطار، وكانت الحوارات وطنية ومسؤولة وجادة وأمكن بسبب ذلك الوصول إلى حلول توافقية.

قيمة ذلك ليس في التسويات التي تم الوصول إليها، وإنما، فيما له من دلالة لجهة، نضج المجتمع ومسؤوليته ومساهمته في الحوار المسؤول، وهذا بالنسبة لي أكثر أهمية من أي شيء آخر وهو إنجاز بحدّ ذاته وعلى درجة عالية من الأهمية.

د.فياض هل ترى ذلك جزءاً من الجهد التنموي والمسؤولية والمصداقية من كل الأطراف؟

نعم بكل تأكيد وقولوا لي بالله عليكم أين يحدث هذا، وهل يحدث حتى في الدول المتقدمة؟ الحوار بهذا المعنى اكتسب أهمية كبيرة، وفي وقت أُسيءَ إلى مصطلح الحوار في بلادنا كثيراً وخصوصاً في الحقل السياسي.

د.سلام فياض أحياناً لا نشعر بأن المشاريع التي تنجز تتابع بما يكفي وهناك أمثلة كثيرة منها، نوعية الخدمة الصحية ومنها نظافة المرافق الصحية وأحياناً مشاريع بأكملها ما رأيك؟

جوابي بأن هذه الملاحظات عموماً هي ملاحظات صحيحة وأن المتابعة ربما تكون دون المستوى المطلوب وتحتاج إلى آليات تطوير.

يلاحظ يا دكتور أن حركتك في الإطار العربي أقلّ بكثير منها في الإطار الدولي. هل من تفسير!!؟

قد تستغربون، فأنا مقلّ في الحركة، وليس فقط على مستوى المنطقة. وبالنسبة للدول العربية، وخصوصاً المانحة منها، فإن التواصل معها يزداد صعوبة في ضوء عدم وجود ممثلين لهذه الدول في فلسطين. أما بالنسبة للسفر إلى البلدان العربية فإن العلاقات بشكل جوهري وبحكم توزيع الأدوار، فإن سيادة الرئيس هو الذي يتولى هذا الدور، وأعتقد أنّ علاقاتنا بالعالم العربي جيدة مع بعض العتب فيما يتعلق بالدعم المالي المطلوب. فهي على هذا الصعيد ليست على ما يرام، وبالتالي فالمسألة ليست عزوفاً عن التحرك في الدائرة القومية، وأنا، كما تعرفون، لطالما أكدت على أهمية البعد العربي للقضية الفلسطينية.

أتألم كثيراً لغياب المشروع العربي، وأشعر بالأسى وأنا أرى عالمنا العربي تتقاذفه المشاريع الدولية، والإسرائيلية، والإيرانية والتركية أو غيرها. وآمل في مرحلة ما بعد الربيع العربي أن تشهد المنطقة صحوة في الوعي بالحس القومي العربي، وبما يحمينا من الأطماع والمشاريع الخارجية ويدعم مكانة الأمة العربية.

د.فياض جرى في الآونة الأخيرة لغط كبير حول موضوع رسالة سيادة الرئيس. فهلا شرحت لنا المسألة.

لا يوجد ما يمنع التوضيح طالما أنّ المسألة خرجت إلى العلن، كما تم تداولها في وسائل الإعلام. أقول ببساطة، إنّ موضوع الرسالة في البداية ارتبط بمسألة ما كان يُردد حول حلّ السلطة وأنتم تعرفون رأيي في هذا الموضوع. وعندما تم تجاوز هذه المسألة كان لديّ اجتهاد بأن مسألة الرأي العام ليست مسألة ثانوية، وكنت لذلك أخشى من إصابة المواطنين بحالة من الإحباط بعد أشهر من الترقب، وعلى خلفية تصريحات متتالية بأنه سيكون لدينا ما نقوله في حال عدم انصياع إسرائيل لمتطلبات الشرعية الدولية. وبصراحة أكبر، كنت أخشى أن يكون رد فعل مواطنينا على الرسالة، وهذا منطقي بعد كل هذا الترقب، "أهذه هي؟" هذا يقود إلى الإحباط. بالإضافة لذلك، كنت أخشى  من أن يتخابث علينا نتنياهو بأن لا يردّ علينا أصلاً أو أن يردّ علينا بما ورد على لسانه في خطاب بار إيلان في عام 2009. وفي مطلق الأحوال، إذا كانت رسالتنا شكوى، فالأجدر أن توجه لجهة ثالثة (للرباعية، على سبيل المثال، أو للأمم المتحدة) وليس إسرائيل.

كما أنني وبكل صراحة أقول إن الخشية تبقى قائمة بأن يأتي الأمريكيون والأوروبيون ليقولوا لنا ولهم تعالوا لنجد حلاً وسطاً ما بين الرسالتين. هنا نكون أمام استمرار ما أعتقد أنني ركزت عليه وربما كنت أول من طرحه حول تآكل مرجعية عملية السلام، وذلك لأن الموقف المطروح في رسالتنا يمثل الشروط المرجعية الدولية للعملية السياسية. ولكن، بتبادل الرسائل ومن ثم الدعوة للتفاوض على أساسها تكون المرجعية الدولية قد أصبحت مجرد موقف فلسطيني يُتفاوض عليه، لا الأساس الذي يحتكم إليه الفريقان. وبهذا يصبح حتى مبدأ حدود عام 1967 أمراً مفتوحاً للتفاوض، في الوقت الذي  لا يجوز أن يتمنن علينا بها أحد. أذكر أن الرئيس بوش الابن، ولدى استقباله للرئيس أبو مازن في العام 2005، كان قد أتى على ذكر خطوط الهدنة للعام 1949 وبكلام مكتوب. ثم نأتي اليوم، ويتوقع منا العالم أن نتفاوض على هذا المبدأ. ؟ هذه هي حدود اجتهادي ورؤيتي. أما ما قيل حول أنني قلتُ في حينه بأنني لست مراسلاً لحركة فتح، فهذا الأمر عارٍ عن الصحة، لأن فتح أولاً ليست هي الطرف الذي أرسل الرسالة، وثانياً أنا مستعد لأن أكون مراسلاً لأي فلسطيني إذا رأيت أن هذا يخدم قضيتنا.

واللغط دار حول من يحمل الرسالة ومن يوصلها، وهذا أمر مؤسف. فهذه المسألة في النهاية ليس لها أي أهمية. الأهمية تكمن في الجوهر، وهذا ما نحتاج للالتفات إليه بروية.

 

د.فياض هل أنت مع التعديل الجزئي أم التغيير الأشمل والأكبر؟

أنا مع أوسع تعديل ممكن وحتى التغيير الشامل بما في ذلك تغيير رئيس الحكومة. هناك بعض الوزراء وأنا من ضمنهم بات لهم في الوزارة وقتاً طويلاً.

ثم بصراحة أنا أميل أنّ ثمة معالم جديدة بما فيها الانسداد السياسي وغيرها من المتغيرات التي تقتضي فلسفة ما للحكومة الجديدة، وفي مطلق الأحوال لا أرى أن التغيير الشامل أو الموسع يحول دون المصالحة. فالمصالحة لم تأت رغم عدم قيامنا حتى بترميم الوزارة وإشغال الشواغر. إذا أتت المصالحة فلا يوجد أسهل من استقالة الحكومة، مهما كانت موسعة ومهما جرى من تعديلات عليها، وأميل إلى أهمية تحديد صلاحيات الحكم بما في ذلك الحكومة وفق منطوق القانون الأساسي. فالمسألة لا تتعلق بأي شيء خارج إطار أصول الحُكم، ونحن يجب أن ننافس بالنموذج الديمقراطي وبأصول الحكم لصالح وبتميز الإدارة.

-          د.فياض باسم الهيئة المشرفة على "شؤون فلسطينية" نشكركم جزيل الشكر.


·  رئيس قسم الدراسات العربية المعاصرة – جامعة القدس.

··  مدير معهد الدراسات الإقليمية – جامعة القدس.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website