قراءة في استراتيجية الجيش الإسرائيلي "غدعون"، عليّان الهندي - العددان 262-263

قراءة في استراتيجية الجيش الإسرائيلي "غدعون"

"

المؤلف والناشر: الجيش الإسرائيلي، تل أبيب، 2015، 33 صفحة

 

[*]عليان الهندي

 

لأول مرة في تاريخه، ينشر الجيش الإسرائيلي خطته الاستراتيجية "غدعون"

 

[1]

. وتتكون الخطة من شقين (سري وعلني)، يتحدث فيها الشق العلني عن الحرب والسلام وعلاقات المستوى العسكري مع المستوى السياسي، ودور الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المدنية والعسكرية لدولة إسرائيل، وفي أفضل السبل لمواجهة التهديدات التي ستتعرض لها إسرائيل.

وتشمل استراتيجية الجيش الإسرائيلي مقدمة موقعة من رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي الجنرال غادي أييزنكوت ومن خمسة فصول هي:الإطار الاستراتيجي، والبيئة الاستراتيجية والتنفيذية، واستخدام قوة الجيش الإسرائيلي، ونظرية القيادة والسيطرة، وتنظيم الجيش الإسرائيلي للحرب، وبناء القوة في الجيش الإسرائيلي. وتتضمن الفصول الخمسة خمسين عنوانا فرعيا تصب في نفس الإطار.

 

التسمية

سميت الخطة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي على اسم غدعون بن يوئاش (قائد عسكري يهودي حكم نابلس ويعتبر القاضي الخامس من قبيلة مينشه) الذي تعتبره الرواية التوراتية منقذا لإسرائيل من القبائل المدية والعمالقة (قبائل كنعانية). وباستثناء المصادر العبرية لا يوجد ما يؤكد هذه الرواية.

ويلاحظ من التسمية ثلاثة أمور أساسية هي: الأول، التهديدات التي تَدعِي إسرائيل أنها تواجهها، هي تهديدات داخلية مثل مواجهة الخطر الفلسطيني وكيفية التغلب على هذا الخطر، كما نجح غدعون بن يوئاش في ذلك. والثاني، إعطاء بعد ديني توراتي للصراع مع الفلسطينيين والعرب، خاصة التنظيمات التي تحمل أسماء إسلامية مثل الجهاد الإسلامي وحماس وحزب الله وأنصار بيت المقدس وغيرها من التسميات. والثالث، مؤشر بأن الصراع مع دولة إسرائيل ومؤسساتها سيتركز في المرحلة المقبلة على مستقبل الضفة الغربية والقدس، التي أشارت معظم التحليلات الإسرائيلية خلال الفترة الماضية أن الأوضاع فيهما ستنفجر عاجلا أم آجلا.

أهداف نشر الخطة

بعد التوقيع على اتفاقيات سلام مع مصر ومن بعدها الأردن (ساحة تهديد من جبهة شرقية) أدركت إسرائيل أنزمن الحروب الشاملة مع الدول العربية ولّى إلى حين. ما دفعها إلى وضع تعريف جديد للتهديدات والجهات التي تهددها مثل منظمة التحرير وحزب الله وحركة حماس، وغيرها من الفصائل التي لا تتطلع إلى احتلال أراض لعدم امتلاكها القدرة على ذلك. بل، إلى إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والمعنوية في صفوف الإسرائيليين، ضمن حروب استنزاف طويلة الأمد، تؤدي إلى انهيار إسرائيل على المدى البعيد.

وكَون الرؤية المذكورة أعلاه سيطرت على الفكر السياسي والعسكري الإسرائيلي، كان الهدف الأول لخطة الجيش الإسرائيلي الاستراتيجية، هو الرد على مخططات الفصائل المذكورة، من دون أن تتجاهل بناء قدرات عسكرية لمواجهة حروب تشن عليها من عدة دول مجتمعة. 

وكان الهدف الثاني من نشر الخطة بشكل علني هو، بعث رسالة موجهة للفصائل المذكورة بأن جل الموارد البشرية والعسكرية الإسرائيلية مستثمرة في مواجهتها، وإشعارها بحجم الخسائر البشرية والمادية التي ستتكبدها في حال شنت عمليات ضد إسرائيل، كالدمار الذي تعرض له لبنان (2006) في إطار "نظرية الضاحية" التي وضعها رئيس الأركان الحالي غادي أييزنكوت التي تنص على التدمير الممنهج للبنى التحتية في لبنان والضاحية الجنوبية أحد أهم معاقل حزب الله في لبنان، والضفة الغربية وقطاع غزة في الانتفاضة الثانية (2000) التي شنها ضد الفلسطينيين الجيش الإسرائيلي بقيادة وزير الدفاع الحالي ورئيس الأركان السابق موشيه يعلون ضمن نظرية "الوعي والكي" التي تقول إن "من لا يأتي بالقوة، يأتي بمزيد من القوة"، التي دمر خلالها كل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في المنطقتين، والتي توجت باغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أو في قطاع غزة  ضمن ما أسمته إسرائيل (بعد عام 2007) "جولات قتالية وتهدئة" أي قتال وتخريب وتدمير من قبل إسرائيل وتهدئة من حماس. 

الهدف الثالث من نشر الخطة هو توعية الرأي العام الإسرائيلي، إلى المخاطر الجديدة التي بدأت تواجهها الجبهة الإسرائيلية الداخلية، المتمثلة بإطلاق صواريخ بعيدة المدى على قلب المدن الإسرائيلية مثل تل أبيب والقدس وحيفا من كيانات لا تمثل دولاً.

 

الأهداف الوطنية

حددت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الأهداف الوطنية لدولة إسرائيل بأربعة أهداف هي:

أ‌.         المحافظة على وجود دولة إسرائيل، والدفاع عن سلامتها الإقليمية وعن أمن مواطنيها وسكانها.

ب‌.   المحافظة على قيم دولة إسرائيل وطابعها كدولة يهودية وديموقراطية، وكبيت للشعب اليهودي.

ت‌.     ضمان حصانة دولة إسرائيل الاجتماعية والاقتصادية.

ث‌.    تعزيز مكانة دولة إسرائيل الدولية والإقليمية، مع التطلع إلى سلام مع جيرانها.

ويلاحظ من صياغة الأهداف الوطنية لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي أنها لا تتضمن فقط أهدافاً عسكرية، بل أهدافاً سياسية، ما يشير إلى أمرين هامين هما:الأول، دور الجيش في وضع أهداف دولة إسرائيل، ودوره في عملية اتخاذ القرار، بغض النظر عمن يحكم إسرائيل إن كان يمينا أو يسارا. والثاني، دور الجيش في المجتمع الإسرائيلي.

 

تطورات الخطة

باستثناء مذكرة كتبها دافيد بن غوريون عام 1953، التي سميت فيما بعد بنظرية "جز العشب"، لم تصغ في إسرائيل وثيقة أمنية وعسكريةاستراتيجية، بل أضيفت تعديلات على الوثيقة الأصلية التي صاغها بن غوريون، مثل التعديلات التي أدخلت عام 1986 من قبل لجنة ترأسها عضو الكنيست السابق دان مريدور. والتعديلات التي أُدخلت عام 2006 من قبل لجنة خبراء في الأمن القومي الإسرائيلي من العسكريين والأكاديميين ترأسها أيضاً عضو الكنيست حينها دان مريدور، بهدف وضع استراتيجية أمن قومي إسرائيلي. وبعد عامين من العمل قدمت اللجنة توصياتها في أكثر من 250 صفحة حملت صفة السرية، كان من أهمها إدخال عنصر الدفاع على الاستراتيجية القديمة.

وخلاصة استراتيجية بن غوريون هي، أن إسرائيل دولة صغيرة محاطة بعدد كبير من الأعداء سيواصلون عداءهم لها في العقود القادمة، وكونها دولة صغيرة من حيث المساحة والسكان، فإنها لن تستطيع فرض السلام على العرب، أو حسم المعركة معهم مرة واحدة. وبالتالي، فإن أفضل طريقة للبقاء هي، المحافظة على قدرة الردع في مواجهة العرب بواسطة إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية في صفوفهم، بهدف تثبيط معنوياتهم كي تطول فترة الهدوء القادمة[2].

وكان للتطورات التكنولوجية الهائلة والعولمة دور في إيجاد ساحتي حرب جديدتين بالنسبة لإسرائيل هما: الأولى، فيمجال الحرب والقرصنة الإليكترونية. والثانية، الصراع من أجل كسب تعاطف الرأي العام العالمي، الذي حصرته إسرائيل بالولايات المتحدة بشكل خاص، والغرب بشكل عام.

والأمر المؤكد في الاستراتيجية الجديدة، أنها جاءت امتدادا للاستراتيجية القديمة، مع إدخال بعض التعديلات التي تتلاءم مع تغير التهديدات والجهات المعادية وفق الرواية الإسرائيلية.

مصادر التهديد

على الرغم من توقيع اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، ظلت استراتيجية التسليح الإسرائيلية تأخذ بعين الاعتبار أن السلام مع هذه الدول هو هدنة طويلة ليس أكثر، ما يعني أن هاتين الدولتين ربما تتحولان في أية تطورات إقليمية مستقبلية إلى عدو محتمل، وبالتالي يجب المحافظة على تفوق الجيش الإسرائيلي نوعيا لتحقيق "الانتصار" في عدة جبهات قتالية، تشمل هاتين الدولتين.

لكن خروج مصر المؤقت (وفق الرؤية الإسرائيلية) من ساحة الحرب، دفع إسرائيل إلى تحديد مصادر التهديد القادمة من دول بعيدة (إيران) وقريبة (لبنان) وفاشلة أو في طريقها للتفكك (سوريا)، أو من تنظيمات وكيانات تحكم رقعة جغرافية من دون أن تكون دولة (حزب الله وحماس)،ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية (المسيطرة نوعا ما على أجزاء من الضفة الغربية التي تضم معظم السكان تقريبا) التي تناضل ضدها في ساحات العمل الدبلوماسي والمقاومة الشعبية، بما تسميه إسرائيل بالحرب الناعمة، ومن منظمات "إرهابية" لا تسيطر على رقعة جغرافية أو على مجتمع معين (الجهاد العالمي والجهاد الإسلامي الفلسطيني وأنصار بيت المقدس وداعش وغيرها).

 

عناصر الخطة

تضمنت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة العناصر التقليدية في نظريتها الأمنية المتمثلة:

1.    الردع– ينقسم الردع وفق المفهوم الإسرائيلي إلى قسمين هما: الأول، يتعلق بردع الدول العربية ومنعها من شن حرب على إسرائيل،بواسطة المحافظة على التفوق العسكري على الدول المحيطة بها نوعيا، بما في ذلك المحافظة على عدم الوضوح النووي، الذي تتحدث مصادر موثوقة ومتنوعة عن امتلاك إسرائيل قنابل نووية لمواجهة حرب تسميها هي "حرب يوم القيامة". والثاني، متع

الملفات المرفقة

عليان الهندي.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website