مصائر، كونشترتو الهولوكوست والنكبة، نادية عيلبوني - العددان 262-263

مراجعة كتاب

مصائر، كونشرتو الهولوكوست والنكبة

[*]نادية عيلبوني

 

يختار الكاتب ربعي المدهون لروايته، ”مصائر، كونشرتو الهولوكوست والنكبة“، الصادرة عن ”مكتبة كل شيء“ في حيفا في العام 2015،أسلوباً مركبا وصعباً وغير مألوف في الراوية العربية، فهل جاء اختياره هذا صدفة، أم أنه أراد أن يحاكي من خلاله تعقيد وتركيب موضوع الرواية نفسه،الذي استنزفه أسلوب السرد التقليدي للرواية الفلسطينية؟ وهل أراد الكاتب بانتهاجه لهذا الأسلوب إبعاد القارئ عن الملل الذي قد تتسبب به طريقة السرد التقليدي للرواية، وفتح أبواباً جديدة لمقاربة المأساة الفلسطينية، من خلال فتح أكثر من نافذة للإطلال على صيرورة المشهد الفلسطيني بعد 68 عاماً من النكبة وتتبع آثارها في حيوات شخصيات ظلت غائبة أو مغيبة بقصد أو دون قصد لدى الروائيين الذين تناولوا الموضوع نفسه؟

ربما كان من الصعب الإجابة عن تلك الأسئلة، دون الدخول إلى متن الرواية نفسه التي اختار صاحبها أن يخوض منذ البداية،في أعماق مياه عكرة وراكدة في آن معاً، إلا أن طريقته في تحريكها تظهر إلى حد بعيد الكثير من المخلفات التي دفنت فيها!

لا يبدو أن اختيار المدهون للشق الثاني من عنوان الرواية ”كونشرتو الهولوكوست والنكبة” اعتباطيا،ذلك أن كلمة الهولوكوست وحدها دون ربطها بالمخلفات التي نتجت عنها: ”النكبة“،كانت كفيلة بأن تثير حساسية عالم لا يزال موسوما بعار تلك المرحلة. فالعالم الذي تسبب بالمحرقة وشارك بها بشكل أو بآخر، بدا وكأنه قرر مرة واحدة وإلى الأبد أن يطوي تلك الصفحة، ولكن ليس قبل اعتبارها ماركة مسجلة باسم اليهود حصرا ودون منافس، كي يُعمّي قصدا عن محرقة أخرى تسببت بها هذه المرة الضحية ذاتها لتنال من وجود شعب آخر، دفع ويدفع ثمنها دون أن أي ذنب اقترفه بحق الضحية!

لم يكن الكاتب في وارد إنكار المحرقة ولا هو سعى إلى التشكيك بها، بل نراه يؤكدها من خلال أحداث روايته وسلوك بعض شخصياتها، مثل ”افيفا“ اليهودية جارة الفلسطيني ”باق هناك“ التي ظلت أسيرة حالة الرعب الذي اختبرته في معسكرات الاعتقال النازية، وظلت على نوباتها الهستيرية الناتجة عن كوابيس المرحلة التي عاشتها، إلى حد دفعتها كوابيسها وحالات نوباتها الهستيرية إلى صب ”الكيروسين”على "حائط" بيت جارها الفلسطيني وإشعال النيران به،ظنا منها أنها تقاوم وتدافع عن نفسها أمام من تسببوا في إيذائها في الماضي. صحيح أن ذلك السلوك يمكن أن يُقرأ برمزيته التي تشير إلى قيام الضحية بالاعتداء على وجود وحياة آخرين لا علاقة لهم بمن تسبب بمأساتها، ولكنها أيضا، تشير إلى الاعتراف بما حدث، ليس بقصد الاعتراف بحد ذاته فقط بل أيضا لتشير كيف للضحية أن تخلق ضحايا آخرين!

الرواية تنفتح على مشهد جولي ابنة إيفانا ردكيان ”وهي تحاول إتمام وصية والدتها الأرمنية الفلسطينية -العكاوية التي تزوجت من ضابط بريطاني بعد قصة حب عاصفة، ودون رغبة أهلها، الذين رفضوا اقتران ابنتهم من ضابط محتل قبل النكبة بعامين، لترحل معه بعد انجاب ابنتها، إلى بلده لدى إجلاء القوات البريطانية عن فلسطين، “إيفانا التي رفض أبواها كل محاولاتها للمصالحة حتى بعد أن أصبحا لاجئين في لبنان. جولي الابنة التي تذهب خصيصا مع زوجها وليد إلى عكا محملة بزجاجة تضم حفنات من رفات والدتها إيفانا التي أوصت بأن يحرق جثمانها بعد وفاتها ليوزع بالتساوي بين بريطانيا ومسقط رأسها في بيت عائلتها في عكا.

هل اختار الكاتب شخصية ”إيفانا“ الأرمنية - الفلسطينية عبثا أو من قبيل الفاتنازيا بقصد إضافة عنصر تشويق على الرواية؟ربما كان من التسرع إصدار حكم مسبق على هذا الخيار،ذلك أن فلسطين عشية النكبة كانت تعيش حالة فريدة من التنوع الديني والعرقي، وحالة فريدة من التعايش والتسامح والاعتراف المتبادل جعلت الجميع يعتبرون أنفسهم فلسطينيين، فوالد إيفانا هُجر بدوره وأصبح لاجئا في مخيم جسر الباشا في لبنان شأنه بذلك شأن جميع مكونات فلسطين، وهو أيضا رفض أن تتزوج ابنته الوحيدة من ضابط من قوات الاحتلال، كما رفض حتى بعد لجوئه كل محاولات ابنته للمصالحة، محاكيا بسلوكه هذا سلوك الأكثرية من أبناء شعبه، وهذا ليس بالأمر الغريب على أية حال! ليس هذا فحسب، بل إن تصرف إيفانا كما جاء في وصيتها بأن يستقر رفاتها في بيت عائلتها في عكا دلالة على ارتباطها بوطنها، إن لم يكن هذا متعذرا في الحياة، فأقله في مماتها!

الرواية تستعرض الكثير من مشاهد الحياة اليومية للفلسطينيين، وتستخلص منها الكثير وذلك من خلال رواية ”جنين“ ابنة ”باق هناك“ قريبة وليد.خصوصا لأولئك الذين بقوا داخل الخط الأخضر وقامت إسرائيل بمنحهم الجنسية الإسرائيلية، إلا أنها برغم ذلك عجزت عن دمجهم في مجتمعها، فهي وإن كانت قد منحت جنسيتها للذين بقوا متشبثين في أرضهم، كما غيرت من طابع البلاد وأطلقت أسماء عبرية على شوارعها. وهودت الكثير من مدنها وقراها، وأدخلت كل وسائل الحداثة إلى ذلك المجتمع،إلا أن المكون الفلسطيني ظل عصيا على الدمج إلى حد كبير،لا بسبب بنيوي رافض بطبيعته لهذا الاندماج،إلّا بقدر ما هو ناتج عن سياسة استعلائية وعنصرية تنظر إلى الفلسطيني كجسم غريب في جسد الدولة ينبغي التضييق عليه ليترك تلك البلاد الأمر الذي قابله ارتداد المكون الفلسطيني لثقافته القبلية.

الأدلة على عجز إسرائيل هذا، تجسدت في كثير من مناحي الحياة، فالتحضر الذي تدعي دولة إسرائيلأنها جاءت لنشره في هذه البلاد، لم يؤد كما هو مفترض إلى أي تغيير ذي شأن في عادات وتقاليد الفلسطينيين، وخصوصا تلك السلبية منها، فقد ظلت المرأة في الثقافة العامة للمجتمع الفلسطيني رمزا للشرف في معتقداتهم، وظل أسلوب قتل المرأة بدواعي الشرف قائما وفي تزايد مستمر، هذا على الأقل ما أفصحتعنه جنين ”ابنة” باق هناك“ في روايتها والتي كانت تطرح واقع الفلسطينيين وتكتبه دون تزويق ودون أيديولوجيا والذي تناولته في أدق القضايا الاجتماعية حساسية، ألا وهي طريقة النظر للمرأة!

رواية داخل الرواية

إلا أن الروايتين تتقاطعان وتندمجان لتمثلا رواية واحدة ولكن بوجوه مختلفة. رواية جنين دهمان قريبة وليد دهمان الذي نشأ في مخيمات اللجوء وتشتت في الكثير من المنافي التي أخذته معها الثورة الفلسطينية إليها والذي استقر في النهاية في بريطانيا، تحكي فصولا من الهولوكوست الفلسطيني. وجنين هي ابنة ”الفلسطيني التيس“ كما تطلق عليه في روايتها، والتيس هو رمزي،معبراً عنه في والد جنين العنيد، الذي كان رافضا منذ البداية الخروج من المجدل والذي وجد نفسه مع زوجته وابنته الرضيعة لاجئا في مخيم خان يونس، والذي لم يطق الابتعاد عن الوطن الأم، وقفل عائدا وحده بعد أن رفضت زوجته مرافقته ولكن ليس إلى المجدل التي محيت، بل إلى حيفا، حيث تزوج من حسنية وبنى عائلة أخرى بعد أن عجز عن لم شمل زوجته وابنته، وظل متشبثا في أرضه.

جنين تطرح في روايتها محرقتها التي وإن بدت خاصة جدا، إلا أنها عامة أيضا، ويشترك بها أي فلسطيني يعيش داخل الخط الأخضر إذا ما فكر بالارتباط أو الزواج ممن لا يحملون الجنسية الإسرائيلية، حتى وإن كان الشريك من المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1967،وزواجها بات مهددا بالفشل من باسم ابن بيت لحم الذي جمعتها به قصة حب في الولايات المتحدة، ليقررابعدها الارتباط والعودة للعيش في حيفا، إلا أن إسرائيل تتجاهل هذا الحق الطبيعي وترفض انضمام الزوج إلى زوجته قانونيا، ويغدو هذا الزواج مهددا، فجنين لا تريد أن تترك حيفا. وهي لا تتخيل العيش في مكان آخر حتى ولو كان ينتمي جغرافيا إلى فلسطين،ففي حيفا بنت كل أسس حياتها ورسمت مستقبلها، وهي إضافة لهذا ترفض أن تستجيب لمن يريد إرغامها على المغادرة ليحل محلها. معاناة استمرت لسنوات إلى أن انتقل باسم للعمل في الضفة الغربية، وبقيت جنين في حيفا تجمعهما العطلات الرسمية للزوج ولها!

تستعرض ”جنين“ محرقتها الخاصة مشفوعة بمحرقة الفلسطيني، سواء ذاك الذي بقي في أرضه، أو ذاك الذي لا يزال يئن تحت الاحتلال، ولكن دون أن تنسى أن تفتح نافذة أخرى نطل منها على مشاهد الترحيب باليهود القادمين الجدد من شتى أنحاء العالم، ليحصلوا في غضون أيام قليلة على كل ما حرمت منه وهي ابنة البلاد، من حقوق المواطنة الطبيعية والكاملة، في حين يستعرض وليد دهمان قريبها حياة اللجوء التي عاشها، والمنافي التي تقاذفته، وحتى بعد أن أصبح بريطانياً، فهو يظل بسبب ولادته وبسبب الاسم الذي يحمله محل شبهة، وسببا لتحقيق السلطات الإسرائيلية معه وإذلاله في محاولتها معرفة أصله وفصله، واسم أمه واسم والدأمه وجدها، وقصة حياته كلها في الوقت الذي تترك زوجته البريطانية الأصل، تماما كما فعلت السلطات المصرية معه في مطار القاهرة عندما سمحت لزوجته بالدخول، وفتحت ملفه العائد إلى أكثر من أربعين سنة لتقررأنه ممنوع من الدخول، لأنه كان على قائمة المسفرين والممنوعين من دخول البلاد بتهمة رفضه لمشروع روجرز في فترة حكم عبد الناصر!

رواية ربعي المدهون، رواية فلسطينية بامتياز، ليس فقط لأنها نجحت في توصيف وجع الفلسطيني ومأساته بأبعاد جديدة وبتقاسيمها المتنوعة، بل أيضا لأنها نجحت في إعطاء بعد آخر للهولوكوست مادته هذه المرة الفلسطيني الذي كان ضحية الضحية!

 

 

 


[*]كاتبة فلسطينية.

 

الملفات المرفقة

مراجعة كتاب-نادية.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website