الرصاصة الأولى أغضبت النظام الرسمي العربي، عزيز العصا - العددان 262-263

 

الرصاصة الأولى أغضبت النظام الرسمي العربي..

 

[*]عزيز العصا

 

صدر في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 عن مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية برام الله، الطبعة الثانية مذكرات المرحوم "شفيق الحوت"، بعنوان: بين الوطن والمنفى: من يافا بدأ المشوار"، علمًا بأن الطبعة الأولى من هذه المذكرات صدرت عن دار الريّس للنشر والكتب في بيروت، سنة 2007. يقع هذا الكتاب في (548) صفحة من القطع الكبير، يتوزع عليها (30) عنوانًا، تتطرق إلى أكثر القضايا سخونة من وجهة نظر "الحوت"؛ وهي تتمحور حول القضية الوطنية، وما مر به الشعب الفلسطيني، وفق مشاهدات "شفيق الحوت"، خلال الفترة الممتدة بين النكبة، التي شاهدها في طفولته المبكرة، حتى تاريخ إنجاز مذكراته هذه في العام 2006. وسوف يتطرق هذا المقال إلى واحدة من تلك القضايا، وهي: البعد القومي للقضية الفلسطينية، وفق ما ورد في مذكرات "الحوت" قيد النقاش، وما آلت إليه الأمور في نهاية المطاف.

القومي والوطني: من الارتباك إلى تنظيم الصفوف

من أجمل ما تتمتع به مذكرات شفيق الحوت، أنها سيرة ذاتية لكاتب كرسها للشأن الوطني الفلسطيني، أو لنقل جعل الأحداث العامة والرئيسية هي التي توجهها، حتى خرجت بالشكل الذي هي عليه؛ إنها وثيقة وطنية بامتياز، بدءًا من لحظة الشتات الأولى وحتى آخر سطر كتبه فيها في العام 2006. وعبر "الحوت" عن البدايات الأولى للتشتت، بالقول:

"بدأت مرحلة التيه في حياة الشعب الفلسطيني": هذا يبحث عن مأوى، وذاك يفتش عن بقايا أسرته، وثالث يبحث عن مورد رزق. لكن الجميع يحيون على أمل العودة القريبة: شهر، شهران، ثلاثة أشهر على أقصى تقدير لمتشائم. حتى أن والدي كان يصر على استئجار "المنازل المفروشة"! (ص: 44)

وإذا كان لا بد من تفسير ذلك، فإنه يعود إلى أن هناك إعلامًا كان "يشيع" بأن العودة حتمية، وأن "إسرائيل" زائلة، رغم أنها أنشئت بقرار التقى فيه الشرق والغرب، والتي امتلكت منذ لحظات المخاض التي سبقت ولادتها، أعتى أنواع الأسلحة البريطانية، في ظل تأييد مطلق أميركي، ومباركة سوفياتية. وفي ظل ضعف وتشتت عربيين.

بناءً عليه، فإن الفلسطينيين وقعوا في حيرة وارتباك شديدين. كما أن الشباب العربي المخلص لقوميته، والذي يعتبر القضية الفلسطينية قضيته الأولى، لم يكن أقل ارتباكًا. إلا أنه بعد زوال أثر الصدمة وانكشاف أمر المؤامرة بدأ الحراك السياسي، فيصف "الحوت" كيف صعّدت النكبة من نشاط حزب البعث، والحزب السوري القومي الاجتماعي، والحزب الشيوعي. وكان الصراع على أوجه بين تلك الأحزاب، وكان "الفلسطيني متلهفًا أكثر من غيره للبحث عن طريق تعيده إلى البلاد وتعيد البلاد إليه؛ فكان (الفلسطيني) في كل تلك الأحزاب". كما يتحدث الحوت عن محاولات جادة لإنشاء مؤسسات أو حركات تجمع الفلسطينيين على الساحة اللبنانية مطلع الخمسينات، مثل: نادي فلسطين{C}[1]{C}، عقد مؤتمر المشردين{C}[2]{C} الفلسطينيين. وفي الحالتين تصدت "الهيئة العربية العليا" لأنشطة الشباب الفلسطينيين، وأحبطتها.

أما الساحة القومية، فتشهد في العام 1952 الثورة على الملكية في مصر، والتي بدأت تأخذ مجدها في العام 1956؛ بتأميم القناة، ثم العدوان الثلاثي على مصر. ويسجل "الحوت" قول أحد الدبلوماسيين الكويتيين بأن الخليجيين يخشون الفلسطينيين "خوفًا من الثورة وحرصًا على الثروة". هنا، بدأت الإرهاصات القومية تعم الوطن العربي، والدعوة إلى النضال من أجل فلسطين. وأما "بيروت" فكانت أشبه بمنتدى للحياة العربية العامة، وملتقى الأجيال السياسية المتصارعة". إلا أن "الشعبة الثانية" اللبنانية كانت تتجبر في الفلسطينيين، ومارست البطش بحق المئات منهم، حتى استقر الوضع بتولي الأونروا المسؤولية عن الوثائق الفلسطينية؛ كالمواليد ووثائق السفر وغيرها.

من ناحية أخرى، يرى "الحوت" أنه حتى أوائل الستينات لم تكن قد برزت لدى الفلسطينيين أي عقدة قطرية، ولا تثير حساسيتهم القيادات العربية الأخرى لهم، مثل: عز الدين القسام (السوري)، وفوزي القاوقجي (اللبناني)، وأحمد عبد العزيز (المصري)، فآلمهم الانفصال الذي تم للجمهورية العربية المتحدة في العام 1961، وهنا يقول الحوت: كان للوحدة أخطاؤها، أمّا الانفصال فقد كان خطيئة، بل خطيئة كبرى. فبدأت أوائل الستينات تشهد تحركات سياسية تمهد لمرحلة جديدة، سرعان ما برزت أهمية إيجاد "التنظيم الفلسطيني"، لبعث "الكيان الوطني الفلسطيني الثوري"، وإعادة الروح إلى "الشخصية الوطنية الفلسطينية". وكان ذلك طبيعياً نتيجة لانحسار "القومي" وصعود "القطري" أو الوطني. وشملت هذه التحركات جميع الأوساط الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، ومخيمات الفلسطينيين في سورية والأردن ولبنان، ومراكز تجمعاتهم في المملكة العربية السعودية والكويت وغيرهما من دول الخليج، كما عكست هذه التحركات نفسها على من اغترب بعيداً في الأميركيتين.

ولا شك في أن نجاحات الثورة الجزائرية التي بدأت تثير إعجاب الدنيا كلها قد ساهمت في دفع هذه التحركات، وطرحت الثورة نفسها نموذجاً جديراً بأن يُقتدى به. لذلك، لم يكن من المستغرب أن تلقى مثل هذه "الفكرة" هوى حتى لدى بعض الملتزمين في أحزاب الصف القومي من بعثيين وحركيين وناصريين، ولم يجد هذا البعض أي تناقض بين انتمائه الحزبي وبين الانتماء إلى "التنظيم" فلسطيني جديد. والواقع أن هذا البعض كان بدأ مثل هذا التوجه داخل هيكليات أحزابهم، فصاروا يطالبون بترتيبات تنظيمية خاصة بهم كفلسطينيين.

نظرية التوريط: من الفكرة إلى الواقع على الأرض

يشير "الحوت" إلى أن حقبة (66 و67) شهدت تحركاً فلسطينياً مكثفاً، وتعددت التنظيمات حتى بلغت سبعة عشر تنظيماً، وكانت في معظمها تتشابه في أهدافها وبرامجها حول تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وكانت "فتح"، بين هذه التنظيمات، أكثرها إثارة لفضول المراقبين إذ إن أحداً لم يكن قد سمع بعد بأسماء قادتها من قبل، وكان معظم ما تسرب عن معظمهم أنهم قادمون من خلفيات يمينية تابعة للإخوان المسلمين أو لحزب التحرير الإسلامي. وكانت مجلة "فلسطيننا"، التي تنطق باسمهم وتصدر في بيروت، تعزز هذه الأخبار وتؤكدها.

كان هناك من يتفهم جدلية العلاقة بين القضية الفلسطينية والنضال القومي. فظهرت نظريتان تتعلقان بهذه العلاقة: الأولى: تقول بأن قرار الحرب والسلم ضد العدو لا بد أن يكون قرارًا قوميًا وخاضعًا لاستراتيجيا عربية موحدة، وتديره قيادة على هذا المستوى. الثانية: "نظرية التوريط"، التي كان "خالد الحسن" أول المنظرين لها؛ وتعني ضرورة توريط الأنظمة العربية في الحرب ضد "إسرائيل". وبين هاتين النظريتين وقع الخلاف والاختلاف حول "الكفاح المسلّح". ويتحدث "الحوت" عن لقاء، في أواسط العام 1961، جمعه بالشهيد "خليل الوزير" الذي كان يرى بأن "الثورة ستفرض أفكارها ونظرياتها من خلال الممارسة وعبر التجربة"، كما التقى في نفس السنة مع "أبو عمار" الذي زاره في مكتبه في مجلة الحوادث، واقترح أن يكون "أبو إياد/ اليافاوي" صلة وصل بين الطرفين.

في ذلك إشارة إلى أن حوارًا جادًا ومتواصلًا كان بين أصحاب النظريتين. ولم يكن عبد الناصر متحمساً على الإطلاق لإقامة تنظيم له في الساحة الفلسطينية. غير أنه كان يدعم كل من يطلب مساعدة لوجستية، ولا سيما في مجال التدريب. مما يدفع "الحوت" إلى الإشارة إلى ما يشبه النظرية "الثالثة" التي تقول: "المطلوب من العمل الفدائي هو شيء يفوق الصفر ويحول دون التوريط". وفي العام 1964 انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التأسيسية الأولى في 28/05/1964م، برئاسة الملك الحسين، في القدس، ويعلن عن قيام "منظمة التحرير الفلسطينية" برئاسة "أحمد الشقيري".

يرى " الحوت" أن قيام م. ت. ف هو بداية الرد الاستراتيجي الجاد على النكبة[3]. وحتى اللحظة، فإنها أهم إنجاز وطني حققه الشعب الفلسطيني. وبعد إنشاء م. ت. ف بنحو ستة أشهر انطلقت "رصاصة فتح الأولى" في 1/1/1965، فغضب العرب (أي النظام الرسمي العربي)؛ باعتبار أن ذلك يصب في "نظرية التوريط" الموصوفة أعلاه، التي تعني أنه لا بد من تنسيق المواقف العربية وانسجامها حتى يتقرر إطلاق الرصاص على إسرائيل أم لا!

كما يرى "الحوت" أنه في العام 1967، ونتيجة لسوء تقدير المنظمة وسائر القوى الفلسطينية للإمكانات العربية الرسمية في التصدي لإسرائيل، وإلى انعدام التنسيق فيما بينها، حصل "التوريط"، وحصدنا الهزيمة. ولعل الذروة تكمن فيما يصفه "الحوت": "اللغز" الذي لم أستطع تفسيره حتى الآن، هو كيفية وقوع عبد الناصر في فخ حرب 1967، وهو الذي قال حرفيًا، قبل ثلاثة شهور أنه لن يخوضها إلا لينتصر، وأنه بحاجة إلى ثلاثة أعوام لتوفير شروط هذا النصر". ورغم ذلك، بقي الإصرار على أن التصدي لإسرائيل يبقى مهمة قومية.

بعد الهزيمة البشعة سنة 1967، وقبول الأنظمة العربية بوقف إطلاق النار انصياعاً لقرار مجلس الأمن رقم 242، جاء رفض التنظيمات الفلسطينية المسلحة لهذا القرار ليعطيها مداً جماهيرياً هائلاً، واستعيد الحديث من جديد عن ضرورة استبدال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة جديدة تتمثل فيها القوى الفلسطينية المقاتلة. وأخذت التنظيمات تتسابق إلى عبور نهر الأردن في الأغوار. أما الشقيري، رحمه الله، فينهي دوره في المنظمة بتقديم استقالته للشعب الفلسطيني، عبر الإذاعة في 25/12/1967م، بعد أن تبدلت أربع لجان تنفيذية في عصره.

أخذت الأحداث تتسارع حتى معركة الكرامة في آذار/1968، التي انتهت باندحار الجيش الإسرائيلي المعتدي على الأراضي الأردنية بتلاحم فلسطيني-أردني رائع، فارتفع بيرق التنظيمات المسلّحة، بخاصة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وأصبحت ذات كلمة مسموعة أكثر من أي صوت آخر. وخلال الفترة: 10-17/07/1968م، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة، في جلسة استثنائية انبثق عنه قراران هامان، هما:

الأول: انتخاب لجنة تنفيذية{C}[4]{C} انتخبت "ياسر عرفات" رئيسًا لها، علمًا بأن تيارًا في فتح كان يرفض الانضمام إلى المنظمة.

الثاني: تعديل ميثاق المنظمة، بدءًا من اسمه، "الميثاق القومي" الذي صار "الميثاق الوطني".

منذ ذلك الحين انطلقت م. ت. ف تقود الكفاح الفلسطيني، وفق الميثاق الوطني، ويجلس رئيسها (ياسر عرفات) إلى جانب ملوك ورؤساء الدول العربية والأجنبية، في المؤتمرات والمحافل وعلى المستويات كافة. ويذكر "الحوت" أن العام 1969 كان (إعلاميًا) سنة العمل الفدائي والفدائيين.

هكذا؛ خاض الشعب الفلسطيني، بقيادة المنظمة، صراع الهوية والوجود المعنوي مع دول الطوق؛ الأردن، وسوريا ولبنان. وكان الأمر يتطلب قائدًا كياسر عرفات لكي يدير الدفة، بما يقلل من خسائر الشعب الفلسطيني، الذي أصبح في حالة صراع استخباري وعسكري مباشر مع تلك الأنظمة. فكانت كارثة أيلول/ 1970 التي انتهت باتفاقية تخرج على إثرها قوات الثورة إلى لبنان، وتم توقيع "اتفاقية القاهرة" مع لبنان، التي نظمت الوجود الفلسطيني في لبنان والعمل الفدائي من الأراضي اللبنانية، والتي ألغيت من قبل لبنان سنة 1987.

تتوالى الأحداث على منظمة التحرير الفلسطينية، عبر السبعينات وحتى استقالة "الحوت" من لجنتها التنفيذية بعيد اتفاقية أوسلو في العام 1993، مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية، والقتال الفلسطيني-اللبناني، واجتياح الليطاني، وتل الزعتر، وعدوان 1982 الذي قاده شارون على لبنان، والذي انتهى بمذابح صبرا وشاتيلا، ثم يمر على موقف المنظمة من حرب الخليج الثانية في العام 1991، التي شنتها أميركا ومعها عشرات الدول على العراق. ولعل أكثر الحقائق إيلامًا ما يشير إليه "شفيق الحوت" من أنه في العام 1976، كان التدخل العسكري السوري في لبنان، بضوء أخضر أميركي، واعتراض عربي خجول، وترحيب من الجبهة اللبنانية. ثم يتوقف "الحوت" عند أوسلو التي رأى فيها مأساة وطنية بكل المعايير.

وأخيرًا؛ يقر شفيق الحوت، ومن منطلق واجبه الأخلاقي، بأنه "لولا أحمد الشقيري لما وُجدت منظمة التحرير الفلسطينية، وسيبقى هذا الرجل علماً من أعلام فلسطين البارزين، وثاني ثلاثة ممن اعتبرهم الشعب الفلسطيني من زعمائه: من قبله الحاج أمين الحسيني، ومن بعده الأخ أبو عمار"، كما يترحم "الحوت" على وديع حداد وجورج حبش، ويعترف لهما بالصفاء والطهر والتفاني في سبيل قضية فلسطين، وأما أبو جهاد، فيقول فيه "الحوت": "أحسست بأصالته وصفائه وبساطته".

هذه هي مذكرات "شفيق الحوت" التي توثق لنحو سبعة عقود من عمر فلسطين وشعبها، الذي عانى مرارة التشرد والتيه، ليس على مستوى فقدان الوطن وحسب، وإنما اشتدت المرارة والألم نتيجة الحرب الموجعة التي اشتعلت نيرانها من الشقيق أيضًا، فكانت النهاية التي نحن عليها الآن؛ من حرب شرسة يتعرض لها الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافة، تستهدف هويته الوطنية ووجوده السياسي على الأرض.   

 

 

الهوامش:

{C}
{C}

{C}[*]{C}

{C}
{C}

{C}[1]{C} توجهوا إلى الهيئة العربية العليا، بقيادة "الحاج أمين الحسيني"، فأبلغهم أنه لا يستطيع مساعدتهم (ص: 47).

{C}[2]{C} استخدموا مصطلح "مشردين" بدل لاجئين؛ لما يرتبط بها من معاني الذل والمهانة (ص: 48).

{C}[3]{C}هنا، انقسم الموقف العربي بين من تعامل مع المنظمة بجدية، بخاصة مصر والجزائر والعراق الذي بادر بتقديم الدعم المالي، ومن حاول جعلها مجرد "يافطة" لفلسطين يمتطيها متى شاء.

[4]تألفت هذه اللجنة من ياسر عرفات؛ خالد الحسن؛ أحمد الشهابي؛ حامد أبو ستة؛ إبراهيم بكر؛ محمد يوسف النجار؛  كمال ناصر؛ ياسر عمرو؛ يوسف البرجي؛ فاروق القدومي؛ عبد المجيد شومان لرئاسة الصندوق القومي.

الملفات المرفقة

عزيز العصا-للعدد262.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website