تموز 1995، زهيرة زقطان - العددان 262-263

تموز 1995

[*]زهيرة زقطان

 

-الفتى الذي غنى على مسرح مدرسة في بيروت الغربية في الذكرى الثالثة لمذبحة -تل الزعتر)

-أذكر يوما كنت بيافا - 

(الفتى -البوريني - الذي غنى للبحر والمراكب  لن يعبر الجسر عائدا كما عدنا

 

(1)

في الطريق إلى رام الله

أنا يمامة سيدة الأربعاء من أين أبدأ؛ من الحافلة أم من نص الأربعاء؟

سأبدا من الحافلة،

من لون المقاعد الأحمر ومن وقفة الحافلة في المنتصف؛ على الجسر بين شاطئين من خشب نصف عربي وآخر محتل.

الحافلة التي ستقطع المسافة إلى الجهة الأخرى من النهر؛ حمولتها بعض العائدين إلى الضفة الغربية؛ في ظهيرة يوم أربعاء معي تصريح دخول إلى الوطن صارخ التوقيع والختم،

لم تكن الحافلة ممتلئة؛ عدة عائلات وبعض الأفراد العائدين مثلي وحدهم؛ في صحبة تموز الذي يغلي في الحافلة المغلقة وفي غياب (تموز) العاشق الذي ينام في العتمة السابعة في مملكة سوداء بالتالي لن أكون طائفة  -تموز- في قصصي القصيرة البطلة التي تريد أن تستعيد الحبيب بالطواف؛

لا متسع على الجسر للاحتفاء؛ لا نساء يبكين تموز ولا أرض لتينة قديمة فوق تلة النساء ليعلقن عليها بقايا أقمشة معبئة بالأدعية وأزرار قمصان الغائبين؛ ذلك الطقس القديم الذي مارسته جداتي حين كان الرجال يذهبون إلى حراسة الحدود أو صيد الأيائل، 

--ممنوع فتح النوافذ؛

كان هذا صوت السائق ينبه رجلا يجلس أمامي استجاب الرجل لتنبيه السائق فأبعد طفله عن النافذة؛

غير هذه الملاحظة لم أسمع شيئا؛ الصمت فقط يسود ركاب الحافلة؛

كان الوقوف الأول على نهر الأردن وكنت أجلس إلى النافذة برغبة أن أرى النهر وسأجد قناة رفيعة ضحلة مثل أرض هزمها العطش. 

أين النهر؟

لا أتذكر هل سألت بصوت مرتفع أم صوت داخلي نشج بالسؤال أين النهر؟

عندما غادرت رام الله سنة 1967 كان الماء يصل حافة الجسر الخشبي كان حزينا وقويا وقلت وأنا ابتعد :

ما أقوى النهر ولوحت لدفلى صامتة خبأت بهجتها عن أعين الخارجين،

أين سأجد النهر وبهجة الدفلى؟

رغبت في الحديث مع أي عائد في الحافلة؛ كنا غرباء نجلس كتلاميذ الصباح في الحصة الأولى وجل وصمت وخوف أيضا لا أجد له لونا لأصفه

العودة على بعد قوسين أو أدنى ولكل عائد منا غائب أو أكثر جئنا دونه وتركناه وحيدا مع أحلام بردت  بفعل الموت،

أنا يمامة لممت أحلامي وأحلامك ورميتها عليك في الجنازة،

تلك التي خرجنا بها اثنين وانتهينا فرادى ما الذي يفاجئني إذن في غياب النهر؟

الأنهار تنهزم تشيخ يغزو الشيب جدائلها تهرم وتموت أيضا.

 

تحركت الحافلة ببطء لتأخذ دورها في نقطة تفتيش إسرائيلية؛ كان السائق يشرح لنا خارطة الرحلة؛ الآن

تسليم الحقائب ثم إلى القاعة؛ هناك يتم ختم الموافقة على الدخول من الطرفين؛

ستكون الإجراءات رتيبة وبطيئة والانتظار مكسور بالصمت أمام واقع حقيقي لعودة مختلفة؛

  وأتذكرك كما لم أتذكرك يوما، 

كيف لي أن لا اتذكرك هنا؟

محاضراتك الطويلة عن التوازن؛ والنتائج المفتوحة على كل الاحتمالات؛ إذن عليّ أن أتوازن أن أعبر بخسارة واقعية وكل ما سيأتي مفتوح على الاحتمالات ولي في المجهول قسمتي من خوف وقلق بخسارة واقعية العمق قناعة ناقصة،

أتفرج على الأثيوبيات يتجولن في القاعة في انتظار دوري،      
أدفع ورقة التصريح لشاب يرتدي الزي العسكري ويحمل شارة السلطة الفلسطينية يدفع التصريح بدوره داخل درج يذهب إلى مجندة وجهها يختفي   
خلف زجاج معتم       
ستعطي الإشارة بنعم أو العودة من حيث أتيت فكل الاحتمالات قائمة؛

يا يمامة 

اتركي الأسئلة الآن سيكون لديك وقت طويل للأسئلة    
أنت امرأة وحيدة بلا حقائب وينقصك ميت كان قويا وقادرا أن يسند هزائمك بالتوازن وأن يمحو نص الموت من أيامك     
أنت الآن (كابن زياد) حين أحرق المراكب ليس في الخلف حبيب لتعودي إليه وليس أمامك أيضا بيت تعودين إليه ولا أخت في انتظارك؛      
توازني كما كنت تحت القصف متوازنة وخائفة تعدين النبض دقة دقة حتى يعود إلى مساءاتك؛

كان في السرير متسع لعاشقين ومخدة مطرزة بأسراب من طيور الحمام وكتابة مائلة وغير واضحة للقراءة طرزتها أمك بإبرتها كي يحفظ إلهُنا نومك

أمك يا يمامة التي لا تجيد الكتابة طرزت على مخدتك لك هدأة البال يا ابنتي    
وسأصدق أدعية الأمهات للأبناء وأن طريق السماء مفتوحة لأدعيتهن؛ ونمت على مخدة إلهنا سنوات غربتي أقاوم غربة المنفى بالأدعية       
 في كل البلاد التي لم تكن وطنا حملت مخدة أمي؛     
كانت مساحة الوسادة تكفي اثنين والأرض مفتوحة على رحلتنا في الحياة ونعرف أن الرحلة ستكون أطول من غارة جوية ومن بناية تنسف أو سيارة تتفجر بركابها أو شهيد يرحل

.... منذ متى توقفت عن النوم؟
من تلك الليلة التي قصفت فيها الطائرات البناية وطردت طيور الحمام عن وسادتي ليأتي نهار ضيق لا متسع فيه لاثنين؛ الليلة التي أصبحت فيها وحدك بلا وهم بالخلود بلا بطل يمحو نص الموت من أيامك
 منذ ذاك الصباح سأكون وحيدة ولا أنام ككل نساء الرجال الذين أوغلوا في الذهاب وتركوا الزوجات يتقلبن في نصوص قلقة عن الموت

في موتك أعذبك وكنت تعرف أني سأعذبك

 

(2)

نشرب عصيرا أسود في الفكهاني

آخر جدار عربي استندنا إليه وأعطيناه ما تبقى من أحلامنا شارعنا الأخير قرب الأمهات الجميلات في الأغنية وهن يصطففن متجاورات في انتظار الأبناء الشهداء هنا عند الجدار الأخير كنت معي وكان الفقد أقل ألما

سأتذكره ذاك الصباح الفكهاني

سأتذكره دائما يغير طعم كوب العصير وتصبح الفاكهة سوداء في الكوب

سنشرب تفاحا أسودَ وبرتقالا أسودَ؛ ومانجا، وعنباً وكرزاً غامقين؛ وأتداعى بانسياب مع ذاكرة تموز وأهبط أرضا كطابقي البناية التي تردم الآن

صباح الأحد

بعد العاشرة بدقائق في المطبخ أنظف بقايا الأمس من الأكواب والصحون في المجلى حين دب صوت الطائرات عابرا النافذة

لا ذاكرة لردة الفعل الأولى لا أعرف إن سقط من يدي شيء

لا أعرف حتى هل خفت أم ذهلت ما أعرفه أني وجدت نفسي في الممر بين الشقق الأربع في الطابق الخامس وصوت الانفجارات يتتالى والعائلات تهبط بأطفالها إلى الطوابق السفلى حيث ملجأ البناية؛ لكن فوبيا الأماكن المغلقة ستمنعني من دخول الملجأ رغم أن الخوف أقل

وبقرار لاإرادي وقفت مع الكثيرين في مدخل البناية

الطائرات رؤيا العين أمامنا منخفضة أدرك فيما بعد أننا عشنا شعورا واحدا بأنها تصطدم برؤس العمارات فوقنا وربما تحسس كل واحد فينا رأسه ليتأكد أنها لم تمسه بعد وأن رؤوسنا لا تزال سليمة

هدف الهجوم -بناية رحمة- قصفت تحت أعيننا في ساعة حرب طويلة؛ 

ما أطول زمن القصف وساعة الحرب؛ وانتظارنا قبل أن تأتي أسنان الرافعات تنبش شرايين البناية لتخرج من رحمها أولادها الميتين

كان جسد -رحمة- مستباحا ومكشوفا للناظرين ونتف اللحم عائدة مع رجال المطافيء والدفاع المدني وهم يهبطون من السلالم عائدين بما تبقى

- أنا لا أريد أن أكون وحيدة تحت القصف

لا أريد أن أشبه زوجات البناية وأمهات الأطفال

 كنت ألقي عليك جملي من طرف واحد ونحن نمشى خلف الجنازات والتوابيت الفارغة في الثاني 

لا أريدك بطلا؛ رايتي دونك مهزومة ومحنية 

 كنت أعذبك بي وكنت تسميه حبا

(3)

جسد -رحمة- المكشوف

 أمام رحمة المكشوفة تعرفت على الموت سلمت عليه بيدي  وبعيني حاولت أن أجمع الأجزاء الخارجة من الردم لأحباء أعرفهم       
ذاك النهار عرفت الحرب في يد كنت أعرفها هي الآن دون صاحبها وقدما بحذاء ورأس محروقة لا معالم تدل عليها وشبيبة  يجمعون النتف في أكياس سوداء

من كل الأعمار كانوا تحت القصف أيهم أكثر وجعا: الأطفال الذين في الأسرة منتشين برائحة الحليب والبكاء أم الأمهات؟؛

لم يكن لدي ابن أو ابنة لكني أقول وسأقول دائما الأمهات

في البناية عائلات وأولاد وأزواج في مهمات بعيدة

في البناية طلبة جاءوا لامتحاناتهم في البناية حضانة أطفال في الطابق الأول

الموت الجماعي الإيجابية الوحيدة في موتهم 

الموت الجماعي يعطي إحساسا بالمشاركة بتوزع الفجيعة فلكل حصته وإن تفاوتت في الحجم

الموت الجماعي أفضل من موت وحيد لفرد ثم إن المعركة مع الطائرات واضحة النتائج في كل غارة تربح الطائرات، وتنهزمُ

الأمهات ثم تنهزم البيوت والنوافذ وحيطان الصور وخزانة الثياب ودمى الأولاد والكتب المدرسية والممحاة ودفتر الواجبات؛

علب الألوان وقوارب البحر في دفتر الرسم، وتموت الأميرة البيضاء النائمة في قصة البنت لن يأتي أي أمير إلى غابة الفكهاني لينقذها وستبقى التفاحة عالقة في حلق النائمة في مصير لم يخطر على بال المؤلف.

 

(4)

كأني كنت أعرف

الآن يا يمامة 

خطوتان بين الانتهاء من الإجراءات وحافلة أخرى ستذهب بالعائدين إلى استراحة أريحا 

أنت إلى أين؟

 حربك مع الحياة أمامك؛ إرثك خلفك وحقيبة واحدة في الكتف؛

في الاستراحة ستنتظرني صديقة لأخي ايطالية الجنسية لتأخذني إلى رام الله المدينة التي عشت فيه أكثر عمري قبل حزيران؛ وكبرت فيها وتوهمت بالحب فيها وارتديت أول حذاء بكعب مرتفع لأمشي في شوارعها وكتبت فيها أول قصة قصيرة ستنشر في جريدة فلسطين وفيها كتبت عن الحب ووضعت نهاية تصلح لبكاء الطالبات زميلاتي دون أن أعرف الحب

لماذا كنت أنحاز في ذلك العمر إلى النهايات الحزينة؟

ما الذي كان يحزنني تلك الأيام؟

هل كنت أعرف أني سألتقي بك وأحبك وتموت؟

كنت أصغر من أن أحمل قضية أو ألم بما حولي من حراك سياسي؛ وحتى حين ذهب أبي إلى السجن فترة قصيرة ثم صودر ديوان شعره لم أكن أعي تماما؛

ما الذي جاءني بالحزن وأنا لم أتجاوز السادسة عشرة وأدرس في رام الله في معهد داخلي مهني للطالبات اللاجئات

كنت أعرف أني سأراك وأني سأنهزم مرتين في الحرب والحب

ولن يتذكر أحد ماريا   
ماريا التي استعرت اسمها لقصتي الأولى كم كبرت لم تعد تفتن أحلام الطالبات ولا كاتبة القصة ولعلها لا تقيم في ذاكرة أحد

أعرف أني لن أكون هنا؛ ولولا قبر قرب مخيم صبرا ربما لم أكن أيضا هناك

ما الذي عدت به أو سأعود إليه وأنا التي لمست نتوءات الطرق بعشرة أصابع وقالت لي النتوءات:
الشوارع في المدن لا تميز الخطوات ولا تحفظ غناء من مرّوا     
وتلك الطالبة التي كبرت وكانت تأتي متأخرة إلى موعدها؛ حين عادت بعد عشرين سنة أو أكثر 

ستصل متأخرة.


[*] شاعرة وقاصة، وفنانة فلسطينية.

الملفات المرفقة

زهيرة زقطان (2).doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website