اغتيال القائد علي حسن سلامة "أبو حسن"، محمود الناطور - العددان 262-263

اغتيال القائد علي حسن سلامة "أبو حسن"

 

محمود الناطور (أبو الطيب)

 

كان مطلع عام 1979م كارثياً على قوات الـ17، ففي يوم الاثنين 22/1/1979م تمكن عملاء الموساد الإسرائيلي من تفجير موكب قائد قوات الـ17 علي حسن سلامة "أبو حسن" وباستشهاده كانت بداية مسؤولية جديدة لي.

لقد اعتقد قادة إسرائيل أنهم باغتيال الشهيد علي حسن سلامة، قد أزاحوا من طريقهم خصماً سبق وأن أفشل مخططاتهم، وأنزل القصاص بعملائهم، وأنه كان القائد المؤهل لتشكيل قوة الحماية للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وأن قوة أمن الرئاسة التي أنشأها ستلعب دوراً مهماً في التصدي لأنشطة الموساد على الصعيد الخارجي وفي داخل لبنان.

أطلقت عليه رئيسة وزراء العدو غولدا مائير لقب "الأمير الأحمر" فأصبح هذا اللقب يميزه لدى المراقبين السياسيين والإعلاميين للحركة الوطنية الفلسطينية أيضا.

 

البدايات النضالية لأبو حسن سلامة:

ولد علي حسن سلامة "أبو حسن" في العراق بتاريخ 1/4/1941م حيث سبق لوالده الشيخ حسن سلامة أحد القيادات الفلسطينية التي برزت في قيادة النضال ضد العصابات الصهيونية اليهودية للفترة من 1936–1948م، أن اضطر لمغادرة فلسطين عام 1941م بسبب مطاردة القوات البريطانية له فلجأ إلى العراق واستقر هناك للتدريب والانخراط في الجيش العراقي حيث ولد ابنه "علي" خلال تلك الفترة، وفي عام 1945م انتقل إلى لبنان وعاد إلى فلسطين حيث استشهد في معركة رأس العين بتاريخ 1/6/1948م، وبعد قيام الثورة المصرية عام 1952م انتقلت أسرته إلى مصر.

أنجبت زوجة علي حسن سلامة مولودها الأول في القاهرة بتاريخ 1/6/1966م في الذكرى الثامنة عشرة لاستشهاد جده المجاهد الشيخ حسن سلامة، وهي مناسبة مباركة أثارت هياجاً عاطفياً عظيماً في نفوس الأسرة، فموجة الفرح الغامر بقدوم المولود الجديد لم تمنع الجميع من ذرف الدموع لهذا التوافق العجيب بين ذكرى استشهاد الجد ويوم مولد الحفيد، وكأن روح المجاهد الشهيد الشيخ حسن سلامة قد انبعثت من جديد في ذلك اليوم. يقول أبو حسن سلامة: "هذا الإرث النضالي الذي ورثه عن والده قد سبب له مشاكل شخصية لأنه نشأ في عائلة كانت تعتبر النضال جزءا من تراثها تحمله جيلا بعد جيل، ويضيف حتى وأنا طفل اتبعت نمطاً معيناً من السلوك، كانوا يذكروني باستمرار أنني ابن حسن سلامة وعليّ أن أكون قدر المسؤولية".

انتقل أبو حسن إلى القاهرة لإكمال تعليمه هناك، وفي عام 1964م انتقل إلى الكويت حيث التحق هناك بحركة فتح عن طريق خالد الحسن "أبو السعيد" وأدار دائرة التنظيم الشعبي في مكتب (م.ت.ف)، ثم اختير عام 1968م ضمن مجموعة من عشرة أشخاص لدورة أمنية في القاهرة، وبعد عودته عمل نائبا لمفوض الرصد المركزي لحركة فتح صلاح خلف، واستقر في العاصمة الأردنية ممارسا لمهماته النضالية حتى خرج إثر معارك أيلول برفقة القائد ياسر عرفات مع اللجنة العربية العليا التي كانت مكلفة بالوساطة بين الأردن والفدائيين، ومنذ ذلك الخروج أصبح ظلا لأبي عمار ومكلفاً بحمايته، وهو أول من تم تعيينه قائدا لقوات الـ17.

ومنذ ذلك التاريخ كان علي حسن سلامة الأقرب إلى ياسر عرفات وعنه يقول "أبو حسن": "لأبي عمار "الختيار" عندي قدسية معينة، وأنا كمقاتل فلسطيني قد أستطيع المزايدة على أي مقاتل آخر ولكني لا أستطيع أن أزايد على "أبي عمار" إنه لا يجد ولو برهة يتمتع فيها بحلاوة العيش، هذا الرجل يجد متعته وسعادته عندما يحقق انتصاراً سياسياً أو عسكرياً للقضية، إن "أبو عمار" إنسان لا يرتاح ولا يشعر بالاستقرار، ونعرفه على حقيقته عندما نكون في مأزق، ندرك ما يعاني من القلق مع الصبر والإيمان والشجاعة في مواجهة الأحداث، ونعرفه عندما نخرج من المأزق وكيف يشعر بالفرح والاعتزاز، وهو قائد كبير يقاتل مثل أي عنصر في أخطر المعارك وأدقها، بالرغم أنه يستطيع أن يكون في مركز القيادة لأن القائد يجب أن يكون دائماً بعيداً عن الخطر، إلا أن "أبا عمار" يرفض ذلك كونه يعيش مع المقاتلين في أحلك اللحظات، أما رفقتي له فقد بدأت في معارك أيلول (سبتمبر) سنة 1970م حين كنا سبعين مقاتلاً معه، وبقينا تسعة فقط، وهكذا فقد كانت رفقتي له هي رفقة حياة أو موت، إن "أبو عمار" هو المحارب الوحيد الذي لا يعرف استراحة المحارب".

 

أبو حسن والعمليات الخارجية:

فور انتقاله إلى بيروت أسندت إليه قيادة العمليات الخاصة ضد العدو الصهيوني في جميع أنحاء العالم، وارتبط اسمه بالعديد من العمليات النوعية. كما ارتبط اسمه بالاتصالات السرية التي كانت تجريها الثورة الفلسطينية مع الكثير من الأطراف في الساحة اللبنانية والدولية.

وأذكر أنه في أثناء الحرب الأهلية، وأثناء التصدي لقوات الكتائب في الشياح حيث كانت المعارك على أشدها، فوجئت أن سيارة أبو حسن قادمة نحو موقعي في الشياح، وعندما وصلت طلب مني السائق (جميل) أن أرافقه لمقابلة أبو حسن للضرورة، فتوجهت مع السائق إلى حيث يوجد أبو حسن.. وهناك وجدت أبو حسن يطلب مني أن أرافقه في مهمة عاجلة. سألته إلى أين؟ فقال لي إن هناك لقاء مع بشير الجميل وكريم بقرادوني من قادة حزب الكتائب، وأنه يريدني أن أكون برفقته في هذه المقابلة التي كلفه به الأخ أبو عمار لإجراء الاتصالات مع الكتائب للتوصل إلى هدنة ووقف الهجوم على مخيم تل الزعتر.. إلا أنني وبحركة لا إرادية رفضت ورجعت بسرعة إلى السيارة في حين كان أبو حسن ينادي عليّ طالباً العودة ولكني لم أستمع إليه وصعدت إلى السيارة آمراً السائق بإعادتي من حيث أتيت، وحينما وصلت إلى موقعي وسط المقاتلين، شعرت بقيمة الموقف الذي اتخذته.

أبدى أبو حسن غضبه الشديد على موقفي، ومنذ ذلك الحين ولأول مرة حصلت بيننا قطيعة وخصام استمر نحو شهرين، رغم تبرير أبو حسن لموقفه أن الاتصالات مع الكتائب كانت بتعليمات القيادة ولمصلحة شعبنا المحاصر في تل الزعتر، إذ أنه من المطلوب أن نبحث كل الطرق لإنهاء أزمتهم. فهم أخي أبو حسن من تلك الحادثة أنني شديد الالتزام بموقعي وقيادتي الميدانية لقوات الـ17، ولذلك توقف كلياً عن إطلاعي على مهماته الخارجية أو اتصالاته، وفي الوقت نفسه التزمت أنا بذلك.

وبدأ أبو حسن بالفعل في التفرغ للقضايا الأمنية والاتصالات مع مختلف القوى والجهات التي كلف بها من قبل أبو عمار وخاصة تلك المتعلقة بالعمليات الخارجية والتي كان ولضرورات العمل يفضل الحفاظ على سريتها، ولذلك لم يوثق أبو حسن أية أوراق أو ملفات لدى قيادة الـ17، لهذا فإن ما تطرقت إليه من أسرار تلك العمليات الخارجية، كان على لسان منفذيها وربما هناك العديد من العمليات التي خطط لها ونفذها أبو حسن ولم أكن مطلعا عليها لأن ملفاتها كانت في منزل أبي حسن وبعد استشهاده قامت زوجته بتسليمها للأخ أبو عمار، ولهذا قد تكون بعض العمليات التي نفذها أبو حسن لم أتطرق إليها لعدم معرفتي بها.

 

أبو حسن سلامة والاتصالات الفلسطينية الأميركية:

رافق أبو حسن سلامه الرئيس عرفات خلال زيارته التاريخية للأمم المتحدة عام 1974م، وخلال المباحثات الأميركية–الفلسطينية التي جرت بداياتها في فندق "والدورف استوريا" وتم بموجبها التنسيق الأمني المشترك، أوكل الرئيس عرفات إدارة هذه المهمة إليه، حيث ترجم هذا التعاون الأمني خلال الحرب الأهلية عامي (1975–1976م) ثم دعي بعدها "أبو حسن" إلى زيارة الولايات المتحدة الأميركية حيث اجتمع في واشنطن مع كبار قادة أجهزة المخابرات سعياً وراء تأكيد الاعتراف الأميركي بمنظمة التحرير، أما فيما يتعلق بدوافع ياسر عرفات لتكليفه بهذه المهمة التي تعتبر في غاية الأهمية فكانت لتكريس الاعتراف الدولي والعالمي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، في حين اعتبرت إسرائيل القائد الشهيد أبو حسن سلامة منذ تكليفه بالاتصالات مع الإدارة الأميركية قد أصبح أكثر خطورة عليها، فليس من المصلحة الإسرائيلية أن يكون هناك أي تقارب بين (م.ت.ف) والإدارة الأميركية، لذا أصبح "أبو حسن" الهدف الأكبر أهمية لإسرائيل والذي يجب اصطياده[1].

وطبقا للمصادر الأميركية فإن ياسر عرفات انتدب علي حسن سلامة في حين انتدب البيت الأبيض أكبر خبير في الشرق الأوسط وهو "بوب آيمز" الذي كان يعمل في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وأن تكون قناة الوساطة بين بوب آيمز وعلي حسن سلامة هو مصطفى الزين الذي كان ناشطا في منظمة الطلبة العرب في أميركا[2].

ويذكر أن علي حسن سلامة (أبو حسن) قام بزيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية بدعوة من جورج بوش الأب الذي كان آنذاك مديراً للمخابرات المركزية الأميركية، الأمر الذي أثار غضب إسرائيل بانكشاف أكاذيبها على الإدارة الأميركية بشأن الوضع الفلسطيني، لذا قررت الانتقام من (بوب) باغتياله عن طريق تفجير السفارة الأميركية في بيروت يوم 18/4/1983م وللأسباب الآتية:

1.    مسؤوليته عن فتح العلاقة مع البيت الأبيض وياسر عرفات منذ سنة 1975م.

2.    قيامه بترتيب الزيارة الرسمية لـعلي حسن سلامة إلى واشنطن خلال شهر (12/1976م) بدعوة من جورج بوش الأب الذي كان آنذاك مديرا للمخابرات المركزية الأميركية[3].

3.    إن روبرت آيمز هو الذي أعد للرئيس الأميركي رونالد ريغان مبادرته للسلام في الشرق الأوسط عام 1983 والتي تسلمها عرفات قبل خروجه من بيروت، واعتبر مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل آنذاك تلك المبادرة بأنها (خنجر ضرب في قلبي).

4.    إن روبرت آيمز حصل على نسخة من شريط الفيديو الذي صورته شبكة (ABC) عن مذبحة صبرا وشاتيلا والذي يكشف دور القوات الإسرائيلية في تلك الجريمة الإنسانية البشعة، وقام بتسليم شريط الفيديو إلى مناحيم بيغن الذي اتخذ قراراً بوقف العمل السياسي منذ ذلك الحين كون الشريط يفضح وزير الدفاع في حينه أريئيل شارون ويشكل سابقة خطيرة لكتلة الليكود وجماعة اليمين الإسرائيلي، وبموجب ذلك فإن زعماء كتلة الليكود لم يغفروا لروبرت آيمز (بوب) ما فعله، وعليه فقد قتلوه بتفجير السفارة الأميركية وقتلوا معه جميع مدراء محطات المخابرات المركزية الأميركية في الشرق الأوسط والذين كانوا في ذلك الحين متعاطفين مع (م.ت.ف).

 

أنا وصديقي أبو حسن:

ها أنا بعد كل السنوات التي مرت على استشهاده أكتب عن قائدي وأخي وصديقي "أبو حسن" ذلك المناضل الذي أوفى لسيرة والده الشهيد حسن سلامة، فأكمل المشوار، مقدما دمه لشعبه ليفيض شلال الدم الفلسطيني برهانا على نضالات هذا الشعب الذي لا ولن يستكين ما لم يستعد حقوقه الوطنية المشروعة ويُقِم دولته المستقلة "فلسطين" بعاصمتها القدس الشريف.

وكثيرة هي الأحداث التي جمعتني بأبو حسن طيلة حقبة زمنية نضالية تشهد له بأنه الذي صدق الوعد، وصدق لنهج والده المقاتل والمجاهد الذي سبقه إلى قافلة الشهداء، وصدق بوفائه لرئيسه ياسر عرفات ولإخوانه في حركة فتح والفصائل الفلسطينية، وصدق بعطائه لشعبه، وقد كنت صديقه وحبيبه ورفيق دربه، وما أصعب أن يكتب الإنسان عن فقدان أخ وصديق وحبيب، لكنه الوفاء الذي يملي علي أن استجمع الذاكرة وأكتب أيضاً بعضاً من وقائعها.

بتاريخ 12/1/1979م أي قبل استشهاده بأحد عشر يوما استدعاني أبو حسن، فذهبت إليه في منزله، وما أن جلست بجواره حتى أخرج من جيبه ورقة، ودفع بها إلي قائلاً.. إقرأ!! كانت الورقة عبارة عن رسالة من كريم بقرادوني يخبره فيها بأن لديه معلومات مصدرها رئيس حزب الكتائب بشير الجميل تفيد بأن إسرائيل سوف تقوم بتنفيذ عملية لاغتياله خلال عشرة أيام. بعد أن قرأت الرسالة وضعتها أمامي وقلت له: لا بد من التعامل مع هذه المعلومة بمنتهى الجدية لأن مرسلها على علاقة وطيدة مع إسرائيل، وهو صديق لك.

أجاب أبو حسن: وما الذي تراه..؟

قلت: إن اللجوء إلى السفر خارج لبنان غير وارد، فنحن لسنا بصدد مغادرة لبنان كلما جاءنا خبر حول نوايا الإسرائيليين، فلو سلكنا هذا الأسلوب فلسوف يبقى كل القادة خارج لبنان، لكن الحل الأمثل حسب خبرتي هو تنفيذ الاحتياطات الأمنية بأسلوب "التمويه".. وشرعت أشرح له خطة التمويه لمثل التعاطي مع هذه المعلومات فقلت:

أولاً: أنه بدلاً من تلزيم حارس في الطابق الأرضي من البناية، لا بد من تلزيم حارس بالدوام أمام الشقة مباشرة وبافتراض أن أي شخص قد يأتي لتنفيذ عملية فإن الحارس في الطابق الأرضي لن يستطيع منعه، فربما يبرر صعوده إلى الطوابق العليا بالتمويه وكأنه "مكوجي" ويرغب في إيصال الملابس لأحد الشخصيات في البناية، أو يحمل باقة ورد ويدعي الزيارة للبعض، أو يحمل قالب "كاتو" لاحتفال بعيد ميلاد أو ما شابه ذلك لأحد الساكنين، لذلك فإن وجود حارس على باب الشقة يعطيه الحق بأن يسأل أي شخص يقصد الشقة بالذات.

ثانياً: لا بد من تغيير السيارات المستخدمة وسوف أزودكم بسيارتين من السيارات العاملة عندي في قيادة قوات الـ17 بالإضافة إلى سيارة لأحد ضباطنا من أجل التمويه.

أقر أبو حسن بالبند الأول من الخطة، لكنه رفض البند الثاني وأصر على أن تكون تحركاته بالسيارات نفسها، عندها طلبت منه إجراء تغيير في روتين حياته اليومية على النحو الآتي:

1.    كنت في بعض الأحيان أذهب معه إلى نادي الإنترناشونال الرياضي والذي كان يرتاده في أكثر الأيام للتدرب على الكاراتيه، سبق أن حصل على جميع الأحزمة وترأس نادياً للكاراتيه وكان نائبه الشهيد سلامة الأسمر، لذلك طلبت منه الامتناع عن الذهاب إلى النادي أو تشديد الحراسات في حالات الضرورة القصوى.

2.    عدم تركين السيارات في الشارع أمام البناية، وضرورة تركينها في الكراج أسفل البناية ذلك أن معظم بنايات العاصمة بيروت مصممة على أعمدة حيث يترك الطابق الأرضي كراجاً للسيارات، والهدف من وراء ذلك عدم إعطاء أي أحد يراقب البناية فرصة مشاهدة من يركب بالسيارة.

جرى بعد ذلك نقاش حول الخطط التي يمكن أن تلجأ إليها إسرائيل لتنفيذ عملية الاغتيال، فاستقر الرأي أنها ستلجأ إلى زرع عبوات ناسفة على الطريق التي يسلكها الموكب مما جعل أبو حسن يقر بتركين السيارات أسفل البناية "ويا ليته التزم بذلك"!! فقد كان أبو حسن "قدرياً" يؤمن بقضاء الله وقدره بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى، فكثيرا ما كنت أذهب وإياه لشراء ملابس، وكنا نشتريها من محلات "جورج" أسفل سينما السارولا، وأثناء رجوعنا من رحلة الشراء كان يقول لي: يا أبا الطيب هل تعتقد أننا سنظل أحياء لنشهد أولادنا عندما يكبرون ونذهب برفقتهم لشراء الملابس؟؟ ثم يجيب هو على السؤال قائلاً: لا أعتقد.. لا أعتقد فنحن مشروع شهادة يا أبا الطيب.. ولهذا لم يفكر أبو حسن يوما في شراء منزل، لقد كانت حياته يوما بيوم.. وعندما كان أحدهم ينتقده لعفويته وتعامله اليومي مع الحياة كان يقول لزوجته: اتركيني أتمتع بهذه الأيام القليلة الباقية لي!!

كان أبو حسن يعرف تمام المعرفة أن القوى المعادية تسعى إلى اجتذاب مناضلي العمل السري إلى دائرة الضوء ليسهل عليها ضربهم، لهذا كان التشديد على الالتزام الصارم بالقواعد الأمنية، فالدنيا صعبة ومغرياتها كثيرة، ومن يسلك طريقاً كالذي اختاره عليه أن يتمتع بأعلى درجات اليقظة والحذر، أحيانا كنت أجلس معه ونتطرق في الحديث لموضوعات متعددة، وأكثر ما كان يعجبه الحديث عن الحياة الاجتماعية، تلك الحياة التي أسهمت بالإيقاع به، كونه يحب الحياة ويميل إلى بناء العلاقات.

رسم الإعلام المعادي عن أبي حسن صورة "الإرهابي" الذي يدير من الظل العديد من العمليات بمشاعر قاسية لا تعرف الرحمة، حين وصفوه بالأمير الأحمر كان أبو حسن محاربا صاحب قضية، كان رجلاً صادقاً يستمع إلى محاوره بانتباه وشغف، يتكلم ببساطة ومن دون تعقيدات، وكان قلبه قلب طفل.. وسلوكه سلوك عملاق وجبار.. لكنه رغم ذلك حنون وحساس للغاية.. صفات كثيرة اجتمعت فيه.. كان سخيا وكريما بلا حدود.. وهو وفي وصادق، يفي بعهده إذا عاهد، ليس لديه للمال قيمة إلا بمدى ما يفيد منه الأصدقاء والأصحاب والفقراء والمحرومون، وإذا كنا نتحدث عن أبو حسن وشخصيته بالعامل الذاتي، هو القوة الجسدية النابغة، وقد اقترنت تلك القوة الجسدية بالإقدام والجرأة والشجاعة الخارقة، وكانت شخصيته تميل بطبيعتها إلى الانطلاق والتحرر وكسر القيود، فكانت الحرية الجسدية تجد تعبيراتها الصادقة والعفوية بين أحضان الطبيعة، كان يقول دائما (إذا طال الزمن وبقي علي حي يرزق –يقصد نفسه- وفي نهاية عمره يتمنى أن تكون له مزرعة ليعيش بها). وكان يحب ويعشق البحر وحبه لهذه الأشياء كان لها تأثير كبير في تكوين شخصيته، وقد ظهرت بوادر هذه القوة الجسدية وقوة العضلات الجسمية في مراحل الشباب ووجدت منطلقها في ممارسة شتى أنواع الرياضة، غير أن هذه القوة الجسدية وكما يؤكد جميع الذين رافقوه وعاصروه من أصحابه ومعارفه لم تستخدم إطلاقاً من أجل ممارسة الاعتداء على أحد أو تخويف الآخرين أو ابتزازهم أو السيطرة عليهم، لم يحدث أن اعتدى عن سابق إصرار وتصميم على أحد من رفاقه وأنداده، بل بالعكس كان ينصفهم جميعا ويزيد في اهتمامه بالضعيف منهم، ومنذ مراحل الشباب والفتوة كان عامل استقطاب وانجذاب وتآلف حوله، مما أضفى على جانب القوة الجسدية تألقا في شخصيته إضافة لكرمه وسخائه لمن صادق وصاحب، فقد كانت حياته مع الرفاق أقرب إلى الحياة الجماعية كأب وصاحب، كل ما في جيبه لأصدقائه وأصحابه، لم يكن ينسى أن والده شهيد من الشهداء.. وقد فتح بيته لكل المقاتلين.. وللضيوف.. مما حمّل عائلته تبعات ثقيلة.

قبل ستة أيام من اغتياله جاءني أحد المرافقين الذين فرزتهم حسب الخطة وأبلغي أن "أبا حسن" ما زال يركن السيارات في الشارع العام، فاتصلت به هاتفياً لاستعلم عن الأمر فدعاني إلى الحضور لمنزله، وهناك فاجأني بقوله: يا أبا الطيب لقد ناضلنا.. وقدنا.. وتعرضنا لكثير من المحن.. وكثير من الأخطار.. وأنت تعلم كم قذيفة سقطت علينا في معارك تل الزعتر وفي الشياح.. وأنا اليوم قررت أن أعيش حياتي العادية دون إجراءات، والمكتوب على الجبين لازم تشوفه العين!! أردت أن أتكلم رداً على ما تقدم به لكنه قاطعني قائلاً: يا أبا الطيب أنت تعلم كم أنا أحبك.. وإذا كان الله عز وجل لم يكرمني بأخ شقيق فقد كنت أنت أخي، والله على ما أقول شهيد، فإذا جاءت منيتي فلن آسف أو أندم على شيء سوى فراقكم أنت وعائلتي.. وأرجوك يا أبا الطيب لا تتحدث معي عن خطط أمنية ولا عن خطط عسكرية.

كنت خلال حديثه أختلس النظر إلى عينيه وتعابير وجهه، فلم أشاهد أي تغيير في تقاسيم وجهه رغم أن عينيّ قد اغرورقتا بالدموع، ومثلي كما يقول الشاعر لا يبان له دمع، لقد كان أبو حسن في حديثه ينعى نفسه، ويعزينا عن ذاته، فاستأذنته بالخروج وتوجهت إلى مكتبي محدثا نفسي بعدم إحراجه بالحديث عن ضرورة الالتزام بالخطة الأمنية، فقد كنت أحبه وكم يضعف الإنسان أمام من يحب!!

في ليلة الاغتيال طلبني على الهاتف وأراد أن أزوره في شقته بالطابق الخامس في بناية بضاحية الجنزير، فتوجهت فوراً إلى هناك وعندما قرعت الجرس فوجئت أنه يفتح الباب بنفسه، ونظرت إلى الصالون فوجدت لديه ضيوفاً يزيد عددهم عن (خمسة عشر ضيفاً) فأشرت لهم بالسلام، لأن "أبو حسن" شدني من ذراعي نحو الشرفة، وبدأ حديثه معي بشكل عاطفي مثير، فاستأذنته أن يذهب لمجاراة ضيوفه فرفض قائلاً: يا أبا الطيب صحيح أن الجالسين في الصالون هم أصدقاء لي، لكن أنت أخي وموضع ثقتي والمكوث معك أهم عندي من كل الناس. ودام وقوفنا بعد ذلك على الشرفة حوالي الثلث ساعة، استأذنته بعدها بالخروج، فأصر أن يرافقني حتى باب المصعد ثم أمطرني بقبلات الوداع على أمر لم أعهده منذ أن عرفته عام 1968م، وقبل أن أغلق باب المصعد قال لي: تعال غدا لتأخذني.

حوالي الساعة الثالثة والربع عصر اليوم التالي ذهبت بسيارتي ووقفت عند مدخل البناية مستفسراً من الحارس عما إذا كان موجوداً في الشقة، فأفاد بأنه موجود ولديه ضيوف بينهم صديقه جورج قازان، فآثرت العودة قائلاً للحارس أبلغه بحضوري وأنني سوف أعود بعد ذهاب جورج قازان وأصحابه، وتصرفت كذلك كوني لا أحب الصعود بينما يكون أبو حسن عنده أصدقاء، وبالفعل قفلت راجعاً، وبينما كنت في الطريق قبيل الوصول إلى مكتبي سمعت دوي انفجار هائل، لم يخطر لي أنه تفجير لموكب أبي حسن كوني تركته مع جورج قازان وأصدقائه في الشقة، وما أن صعدت إلى المكتب حتى بدأ الهاتف في الرنين، وعندما رفعت السماعة سمعت صوت بكاء وفهمت أن الانفجار في موكب أبي حسن وقد تم نقله إلى مستشفى الجامعة الأميركية، سرت مسرعاً في غفلة عن حشود زحمة الشارع وإشارات المرور، عابراً الطريق مخالفاً الإشارات الضوئية الحمراء دون اكتراث، كنت أحاول التفكير بماذا حصل.

دارت بي الدنيا ولا أدري كيف وصلت إلى غرفة الطوارئ في مستشفى الجامعة الأميركية، حيث تزامن وصولي مع وصول عصام اللوح، كان "أبو حسن" ممداً على سرير الطوارئ، اقتربت منه ووضعت يدي على رأسه الذي كان كقطعة من العجين، فأدركت أن منيته قد دنت ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لم يكن أبو حسن قائداً لمقاتلين، وإنما كان أخاً وصديقا للجميع، فإذا كان أحد العناصر بحاجة لمساعدة ما يجد أبو حسن في خدمته، وعندما كان يعلم بمظلمة لأي عنصر كان يتدخل فورا لإنصافه، أذكر يوما أن مسؤول الإدارة في العمليات المركزية قد دفع قيمة فاتورة التليفون لعامل السنترال نقداً كي يذهب ويسددها، وبدلاً من تسديد الفاتورة قام بدفع أجرة منزله، على أمل أن تصرف له مساعدة كان قد طلبها مسبقاً فيعيد المبلغ، إلا أن كتاب المساعدة تأخر وهاتف العمليات انقطع، وانكشف عامل السنترال، فقام مسؤول الإدارة بتحويله إلى السجن. وعندما علم أبو حسن بالقصة دفع المبلغ من جيبه الخاص موبخاً مسؤول الإدارة بغضب قائلاً: إن عامل السنترال ليس سارقاً، لقد كان بحاجة لسداد أجرة منزله، لقد كان أبو حسن يفرق تماما بين الخطأ والخطيئة لذلك يغفر الخطأ لكن لا يتغاضى عن الخطيئة.

كان يوم 22/1/1979م هو "يوم الاثنين الحزين" في تاريخ الثورة الفلسطينية، وهو يوم مفعم بالأسى ونوبات الألم القاتلة في حياة كل من أحب القائد الشهيد علي حسن سلامة ذلك الإنسان الموسوم بطباع المحبة التي تدخل إلى قلوب الجميع، وكما يقول الشاعر "لا يعرف الشوق إلا من يكابده" لذا فلا يعرف المحبة الصادقة لأبي حسن إلا أولئك الذين عايشوه، وكابدوا معه مشقة الخوض في غمار دهاليز الموت الذي كان ينتظرهم في كل لحظة، في انتصارات القوة 17، في لحظاتها الحرجة، كان طيف أبي حسن يسكن وما يزال في أسطورة عشق وطني لشعب الاغتراب، ولو قدر الله أن يجمع أحاسيس المحبة الموجودة في قلوب الذين عرفوه، أو عاصروا مقارعته لأجهزة المخابرات الإسرائيلية، أو أولئك الذين أحبوه عشقا بالوطن، لشهدت الدنيا اندفاع نهر عظيم يفوق كل الأنهار.. هو نهر المحبة لأبي حسن وريث شلال الدم الفلسطيني الذي تفجر مطلع القرن العشرين دفاعا عن عروبة فلسطين، لقد عشقت روح "أبو حسن" النضال إرثا عن والده الشيخ حسن سلامة أحد قادة الجهاد المقدس الذي استشهد في معركة رأس العين يوم 1/6/1948م.

تفاصيل عملية الاغتيال:

كانت سماء العاصمة اللبنانية صباح يوم 22/1/1979م ملبدة بغيوم ماطرة تتصارع مع أشعة الشمس التي تحاول أن تزرع الدفء عبثا في الأجواء، فلبنان في مثل هذه الأيام من فصل الشتاء يكون عرضة لموجات من البرد والصقيع، وربما هطول الثلج على المرتفعات الذي يبدأ موسمه قبيل أعياد الميلاد ليستمر حتى نهاية الشهر الأول من كل عام.

وصل مرافقوه حوالي الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر في سيارتين أولاهما من طراز "شيفروليه– ستيشن" والثانية جيب من طراز "لاندروفر" وعندما خرج "أبو حسن" من شقته بعد مغادرة جورج قازان ومن معه، هرع حارس الشقة ليفتح له باب المصعد.. وما أن أطل بطلعته المهيبة من باب المصعد حتى ركض أحد مرافقيه إلى فتح باب سيارة الشيفروليه ليصعد إلى داخلها أبو حسن إلى جوار السائق، ثم يتبعه في المقعد الخلفي مرافقان آخران.. في حين صعد المرافقون الأربعة في سيارة المرافقة.. استغرق ذلك دقيقتين.. تحرك الموكب.. عبر شارع فردان وسط زحمة سير شبه مربكة.. كانت على جانب الرصيف سيارة الموت تنتظر.. سيارة من طراز فولكسفاغن من نوع جولف.. لم يكن وجودها بجانب الرصيف مثيراً لأي شبهة، فهي كغيرها من عشرات السيارات مصفوفة على جانب الرصيف، لقد كانت سيارة الموت محشوة بكمية كبيرة من المتفجرات "50 كلغم" تكفي في حال انفجارها بتذكير المحيطين بنيران جهنم.. وما أن وصلت سيارة الشيفروليه بمحاذاة سيارة الفولكسفاغن حتى دوى الانفجار الهائل تمام الساعة الثالثة و37 دقيقة من بعد ظهر ذلك اليوم المشؤوم.

وقد كان للقدر دوره في واقعة اغتيال الشهيد أبو حسن، حيث نجا مرافقوه الذين كانوا في السيارة الثانية بأعجوبة، وذلك عندما انعطفت سيدة بريطانية تدعى سوزان ويرهام العاملة في السفارة البريطانية ببيروت لتفصل بين السيارة التي يستقلها الشهيد أبو حسن وسيارة المرافقين الثانية، وحين وقع الانفجار دمرت سيارة الشهيد أبو حسن وسيارة السيدة البريطانية فيما نجا المرافقون في السيارة الثانية وقد نعت السفارة البريطانية السيدة سوزان ويرهام في بيان قالت فيه إنها كانت في طريقها إلى منزلها عندما أودى بحياتها الانفجار حيث قتلت.

نقل أبو حسن المثخن بالجراح ورفاقه الشهداء الأربعة وهم: الشهيد علي عيسى عبد الرزاق، والشهيد خليل أحمد حسين عوده، والشهيد جميل حسن الرمحي (جميل صلاح)، والشهيد بدر موسى زايد إلى مستشفى الجامعة الأميركية، لكن روحه الطاهرة صعدت إلى السماء كما ذكرت لحظة وصولي إلى غرفة الطوارئ بعد أن رفرفت في أجواء بيروت وفلسطين لتعانق أرواح قوافل الشهداء الذين كانت أرواحهم تصطف في استقبال روحه، ولو كنت أعلم بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله لشاهدت في مخيلتي الحفل الروحاني المهيب في استقبال روح الشهيد أبو حسن حيث روح والده الشهيد في مقدمة المستقبلين.

 

الموساد ينفذ الجريمة:

وفق المعلومات فقد تم تفجير سيارة الفولكسفاغن بإشارة لاسلكية من قبل إحدى مجندات الموساد، سبق أن استأجرت شقة مطلة على شارع فردان بعد أن وصلت إلى بيروت تحت اسم "أريكا ماري تشامبرز" بجواز سفر بريطاني صادر عام 1975م.

وكانت أريكا التي كان يعرفها جيرانها باسم PENELOPE تقعد يوميا على شرفتها العالية تزاول هواية الرسم الزيتي ولكن في حقيقة الأمر كانت تراقب العمارة التي كان يسكنها علي حسن سلامة لكي ترصد أوقات خروجه منها ودخوله إليها مع مجموعة الحراسة الأمنية التي كانت ترافقه دوما، فلاحظت الروتين الذي كان يداوم عليه علي سلامة بعد خروجه من العمارة التي كان يسكن فيها مع زوجته الثانية، وزيارته العمارة القريبة التي كانت تسكنها زوجته الأولى مع ولديه حسن وأسامة، وهكذا قررت أريكا وضع السيارة المفخخة على الطريق بين العمارتين لتنفيذ خطة الاغتيال.

أما من أدار العملية واستأجر تلك السيارة اللعينة فهو عميل الموساد الإسرائيلي الذي دخل إلى لبنان عن طريق المطار تحت اسم "بيتر سكرايفر" بجواز سفر بريطاني مزور رقم (260896) ونزل بفندق ميدترينيان في غرب بيروت، أما باقي أفراد مجموعة الاغتيال فقد وصلوا إلى بيروت يحملون جوازات سفر إنجليزية وجواز سفر كندياً وهذا الجواز كان باسم Ronald Kolberg وكان طالبا جامعيا يدرس في تل أبيب، لقد سرق الموساد جواز سفره واستعمله في عملية الاغتيال، هذه المجموعة أقامت في فنادق متفرقة في بيروت وهم الذين استأجروا سيارة فولكس فاجن التي كانوا قد خططوا لتفجيرها أثناء مرور موكب علي حسن سلامة بجانبه خلال خروجه من سكن زوجته الثانية والذهاب لزيارة سكن زوجته الأولى وأولاده.

بيتر سكرايفر بدأ مهمته باستئجار سيارة الفولكسفاغن عن مكتب "رينت كار" وعن طريق عملاء للموساد كانوا قد سبقوه، ثم تأمين كمية المتفجرات التي زرعت في السيارة التي قادها سكرايفر بهدوء ليركنها في المكان المخصص على طريق ذهاب وإياب القائد الشهيد أبو حسن سلامة إلى شقته التي أصبحت لأول مرة عنوانا ثابتا.

وتحدد يوم الاغتيال في تاريخ 22/1/1979م، وهكذا كان والذي كبس على زر التفجير من المجموعة كانت أريكا تشامبرز الواقفة على شرفتها المطلة على سيارة فولكس فاجن المركونة على جانب الطريق الذي مرّ به موكب علي سلامه في طريقه إلى شقة زوجته الثانية. ونوع المتفجرات كان من مادة HEXAGANE التي كان يبلغ وزنها حوالي 11 كلغم.

توجهت الفرقة إلى بيروت الشرقية بعد الانفجار مباشرة وفي الليل تم نقلهم بوساطة زورق أوصلهم إلى البارجة الحربية الإسرائيلية[4].

وبينما كان هذا الكتاب قيد الإعداد فإن ضابط الموساد "رافي إيتان" الذي كان مستشاراً لشؤون الإرهاب لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن إبان عملية الاغتيال، تقاعد عن العمل ويعيش الآن في ضاحية "افيكا" قرب تل أبيب، قد أدلى باعترافات أسبغ فيها الفضل لنفسه باغتيال أبو حسن سلامة، حيث أفاد أن عميلة الموساد "أريكا ماري تشامبرز" قد زودت جهاز الموساد بمواقيت تحركات موكب أبو حسن والشوارع التي يسلكها في العادة، لذلك قام هو شخصياً بزيارة بيروت منتحلاً شخصية رجل أعمال يوناني وتمكن من رصد شقة أبو حسن وتصوير العمارة والشارع الذي يسكن فيه ثم عاد إلى تل أبيب حيث أمر ثلاثة من ضباط الموساد بالسفر إلى بيروت بجوازات سفر مزورة حيث استأجر أحدهم السيارة، في حين قام الثاني بتفخيخها، والثالث استلمها وركنها في المكان المطلوب، وأعطيت العميلة "تشامبرز" جهاز التفجير، وأعطيت تعليمات بالمراقبة المستمرة إلى حين مرور موكب أبو حسن ثم تفجيره لاسلكيا[5].

ردود الفعل على جريمة الاغتيال:

أصيب الرئيس ياسر عرفات بحالة من الحزن والألم الشديد لفقدان "أبو حسن" فقد كان ذراعاً يمنى له، وكان حامياً لأمنه، وموفدا خاصا لمهماته الضرورية، لكنه رأى في رعاية ولديه حسن وأسامه العزاء الأكبر فاحتضنهما، وكان لهما أبا بحنان أبيهما "أبو حسن".

أما القائد صلاح خلف "أبو إياد" فقد قال عنه: من الصعب على الكلمات أن لا تموت في فمي، فقد عرفته منذ سنوات طويلة يوم كان طالباً في القاهرة، عرفته وكنت أحمل لوالده في قلبي أسمى معاني الشجاعة والبطولة التي عرفناها عن قادتنا السابقين، وبدأت أفتش عنه، فوجدته يعمل في الكويت في مكتب منظمة التحرير، وكانت الثورة التي كلفتني لأول مرة ببناء جهاز لأمن شعبنا فكان واحداً من عشرة من رفاقه ذهبوا في دورة القاهرة ليؤسسوا أول جهاز لأمن الثورة، ورغم صغر سنه وقع اختياري عليه ليكون نائباً لي في هذا الجهاز، وكان في كل مرة تزداد قناعتي في اختياري لأبي حسن فقد كان في مكانه الصحيح، حيث كنت أشعر أنه رجل الأزمات دائماً، ومرت السنوات الطويلة وفي كل مرة كانت تواجه هذه الثورة أزمة أو محنة كان أبو حسن معنا في تلك الأزمات وتلك المحن، كان معنا شجاعاً بطلاً لم يكن يتهرب من واجبه، بل من أخطر المهمات التي كنا نكلفه بها وفي أزماتنا الداخلية كان شهما وكان يؤمن بوحدة هذه الحركة "فتح" ويسعى دائما لتبقى قوية ومنيعة.

 

[Description: Description: Description: D1 المخطط الهيكلي لخطوات تنفيذ عملية اغتيال الشهيد ابو حسن]

 

[Description: Description: Description: D2 تفصيل عملية اغتيال الشهيد ابو حسن]

كان الدور المهم الحيوي الذي لعبه أبو حسن في تطويق احتجاز داني شمعون في مستشفى الجامعة الأميركية أثناء زيارته للسفير السعودي، وفي تأمين سلامة شمعون وضمان الإفراج عنه من غير سوء من آخر مآثره في سبيل الحفاظ على تقاليد الفروسية في الخصام وقد تبدى شعور التقدير لأدواره في أن زعماء الجبهة الانعزالية اللبنانية قد سارعوا إلى التعزية به، مشيدين به وبخصاله، وكانت جنازته "حالة من الإجماع العام" على ما له من مكانة في نفوس الجميع.

وروى الصحافي اللبناني نبيل خوري قصة تدل على ما كان يتميز به "أبو حسن" من معان إنسانية سامية فقال: في قمة التوتر بين بيروت الغربية والشرقية، ألقي القبض على سائق يقطع طريق المتحف وبحوزته كمية كبيرة من المأكولات وكمية أكبر من البطانيات، وجيء بالسائق إلى أبي حسن، ولدى سؤاله قال السائق: إنه يحمل المأكولات والبطانيات لأطفال ونساء الحي الذي يقطنه، فالبرد والجوع يكادان يقضيان عليهم، وعلى الفور أمر أبو حسن بالإفراج عنه ومرافقته إلى سيارته حتى يمر من المتحف قائلاً: نحن لا نقاتل الأطفال والنساء وواجبنا الإنساني يحتم علينا مساعدتهم[6].

بعد هذه الثورة من الذكريات عن قائدي وصديقي وأخي "أبو حسن" بقي أن أقول إنه كان مولعاً بالقراءة ويلاحق الكتاب الجيد أينما كان، فقد كان يقول "إن كل كتاب هو حياة أخرى لي أحياها دون أن أعيش أيامها".. وكان آخر كتابين قرأهما هما: "الجذور" ثم كتاب "الانهيار عام 1979م" دون أن يعلم أن آخر أيامه سيكون في الشهر الأول من ذلك العام.

وقد اتفق خبراء الأمن والإرهاب والسياسيون جميعهم أن اغتيال أبو حسن سلامة كان بسبب نجاحه في إقامة علاقات قوية مع المخابرات المركزية الأميركية، حيث كشف لهم زيف المعلومات التي كانت تقدمها إسرائيل، وبذلك فقد أصبح يشكل خطراً على العلاقات الإسرائيلية الأميركية وصار لا بد من اغتياله لقطع الطريق على الانفتاح الأميركي على (م.ت.ف). وعلق كريم بقردوني على الاغتيال فقال: "خطورة أبو حسن سلامة، أنه كان هو خط الاتصال مع المسيحيين، وكانت المخابرات الإسرائيلية يهمها أن تقطع هذا الاتصال، وخط اتصال سري مع الأميركان، وكان الأخطر أن علي سلامة استطاع كشف زيف إسرائيل في إغراق الرأي العام الأميركي والأوروبي بسيل المعلومات المغلوطة التي تشوه صورة العرب والمسلمين وتعزيز صورة إسرائيل باعتبارها تمثل قوى الخير والفضيلة في هذا العالم. واستطاع أبو حسن أن يغير وجهة نظر أميركا وأوروبا بالنسبة لـ(م.ت.ف) فعملت إسرائيل على وقف هذا الاتصال وقامت باغتياله.

وعلق عمر العيساوي{C}[7]{C}على اغتيال أبو حسن فقال: "حاول بشير الجميل تحذير سلامة من خطر على حياته قبيل اغتياله.

لقد اعتقدت إسرائيل أنها باغتيال الشهيد علي حسن سلامة تنفذ أسلوباً يحقق لها عدة أهداف أهمها إبقاء المقاومين في حالة من التفكير في أنفسهم وعدم توقف البحث عن مخابئ مما سيشغلهم عن التخطيط لتنفيذ عمليات المقاومة، ومع ذلك فإن تحليلاً منطقياً لسياسة الاغتيالات أظهر كم هي فاشلة في وقف المقاومة نهائياً، فقد قال المراسل العسكري الإسرائيلي "أمير بار شالوم": لقد خاب أمل جنرالاتنا، اعتقدوا أن عمليات التصفية التي تعرض لها القادة الفلسطينيون ستؤدي بهم إلى أن يهتموا بأنفسهم، وأن يسعوا للحفاظ على حياتهم، وأن يتركوا التخطيط للعمليات وتنفيذها ضدنا، لقد ثبت أنهم كانوا حالمين فلم تؤدِّ هذه العمليات إلا إلى تعاظم عملياتهم المدمرة ضدنا". كما عقّب المفكر الإسرائيلي (بي ميخائيل) على عدم جدوى الاغتيالات بقوله: "إن عمليات التصفية لم تؤد إلا إلى تعاظم الخسائر الإسرائيلية وتوافر الأسباب للمقاومة لمضاعفة عملياتها وجعلها أكثر ضراوة، إن عمليات التصفية لا توفر دماء الناس وإنما تزيد منها". فيما أكد الخبير العسكري زئيف شيف: "إن عمليات التصفية كالوقود الذي يؤجج نار المقاومة وجعل عملياتها أكثر خطورة وأشد تصميماً؟

 

قوات الـ17 بعد فقدان القائد أبو حسن سلامة:

بعد استشهاد أبو حسن أصبحنا جميعا في الجهاز كالأيتام، وفعلاً تخيل أن تنام بالمساء وتقوم بالصباح لتجد نفسك بدون أب ولا أخ ولا صديق.. كانت ظلاله كشجرة السنديان.. كان الضباط والأفراد أكثر حيرة؛ لأنه كان أمام أعينهم نماذج في حركة فتح لم تعد للأسف تجمع حركة فتح.. مبادئها ولا برنامجها ولا حتى نظامها الداخلي.. أصبحت فتح لأشخاص فمثلاً تقول جماعة أبو عمار – جماعة أبو جهاد – جماعة أبو إياد – جماعة أبو علي إياد – جماعة أبو يوسف النجار– جماعة ماجد أبو شرار.

وأصبح كل اسم من هذه الأسماء هو الحامي لجماعته، وإذا استشهد أي من هؤلاء الأسماء وغيرهم ذهبت جماعتهم في مهب الريح.. هكذا حصل بعد استشهاد أبو علي إياد حين انشق أبو يوسف الكايد، وهكذا حصل بعد استشهاد أبو يوسف النجار كانت صبرا مركز الثقل كمقر وأشخاص، بعد استشهاده تبعثرت الكوادر ولم تعد صبرا مركزاً لشيء.. من هنا كان تخوف ضباطنا وأخذت الإشاعات تنتشر من يحل مكان أبو حسن لقيادة الجهاز، وأول من أوكلت إليه المهمة (اللواء أحمد عفانة) أبو المعتصم، وحين عرض عليه الموضوع رفض وقال بالحرف الواحد لأبي عمار إن جيل الـ17 جيل شباب، وأبو الطيب خير من يقوم بقيادتهم ولا داعي لجلب أي أحد.. أنا شخصياً كنت أتمنى أن يكون أبو المعتصم لأنه كانت تربطني به علاقة جيدة من أيام الأردن، وعندما تكاثرت الإشاعات جمعت كل ضباط الـ17 وتحدثت معهم وقلت لهم صحيح أننا فقدنا أعز الناس وأنا أقدر مشاعركم.. لكنني أريد أن أقول لكم ثلاثة أشياء:

أولاً: لا تقلقوا من إشاعات من يتسلم مسؤولية هذا الجهاز بعد الشهيد أبو حسن، لا تقلقوا لأن كرسي الـ17 كرسي دماء وتضحية، فمن الصعب أن يأتينا شخص للجلوس عليه طمعا بالشهادة.

ثانياً: لقد عوضنا الله بأبي حسن بالأخ العميد سعد صايل (أبو الوليد) حيث ذهب إلى أبي عمار وقال له لا أحد يتدخل في الـ17 وأنا سوف أقوم بالإشراف عليها، وعملياً كان أبو الوليد يشرف علينا حتى أثناء وجود أبو حسن وكان بالنسبة لنا أباً وليس مجرد قائد.

ثالثاً: نريد أن نعوض الفراغ الذي تركه أبو حسن، وأنا أعرف أن المهمة صعبة، لكن حتى نثبت أننا على قدر المسؤولية، إذا كنا نعمل 14 ساعة في اليوم، لا بد لنا الآن من العمل 18 ساعة في اليوم.

طبعاً كانت رعاية أبو عمار وتوجيهاته لنا هي التي فتحت الطريق أمامنا، ولا أنكر أن أخي وصديقي محمد جهاد قائد القوات الخاصة في ذلك الوقت لم يبخل علينا بشيء سواء في الدعم بالسلاح أو التدريب أو الإرشاد..

 

 

 

الهوامش:


[1] حضرت للقاهرة عام 1969م بعثة فيشر وقابلت أمين عام الجامعة العربية السيد/ عبد الخالق حسونة بحضور مسؤول إدارة فلسطين السيد/ عمر النابلسي وحضر اللقاء السفير سعيد كمال الذى تسلم تقريراً عن دراسة قدمها ألفريد فيشر بخصوص إقامة دولة فلسطينية على كامل الضفة والقطاع، وبعد حرب تشرين عام 1973م تم أول لقاء في منزل وزير الخارجية إسماعيل فهمي وكانت د.ليلى تكلا هي صاحبة فكرة حضور سعيد كمال للقاء السفير الأميركي بالقاهرة هيرمان ايلتس، وطلبت د.ليلى تكلا من سعيد كمال عدم التعريف عن اسمه كمندوب لـ(م.ت.ف) ويتم الاكتفاء بذكر الاسم، السفير هيرمن ايلتس صديق لهنري كيسنجر يذكر أن لقاء أبو حسن سلامة مع الأميركان عام 1976م كان محادثات رسمية سرية حيث سافر إلى أميركا وقابل بوش الأب الذي كان مسؤول الـCIA في واشنطن، وجرت بعد هذا اللقاء عدة لقاءات في بيروت وكان مندوب الـCIA في الشرق الأوسط بوب إيمز الذي قتل في تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983م هو قناة الاتصال، وجرى اتصال مع الأميركان بتاريخ 17/11/1988م بعد إعلان الدولة في الجزائر وفي لقاء بين سفير دولة فلسطين بتونس حكم بلعاوي والسفير الأميركي بتونس روبرت بليترو وبعدها تم تشكيل لجنة للتباحث مع السفير نفسه واللجنة تتألف من كل من الإخوة: ياسر عبد ربه عضو اللجنة التنفيذية لـ(م.ت.ف)، وعبد اللطيف أبو حجلة (أبو جعفر) مدير عام الدائرة السياسية لمنظمة التحرير، وحكم بلعاوي سفير فلسطين في تونس، وبين الحين والآخر كانت تجري لقاءات مع صلاح خلف، واللقاء الأول عام 1990م ذهب سعيد كمال إلى واشنطن بتكليف من ياسر عرفات وتم الاجتماع في الخارجية الأميركية وقابله وكيل أول وزارة الدفاع الذى انتقل نشاطه إلى الخارجية الأميركية وهو السيد ريتشارد أرميتاج. المصدر: مقابلة مع سعيد كمال.

[2] لقد قال Bruce Riedel مدير دائرة التحليلات الاستراتيجية في وكالة الاستخبارات الأميركية CIA الآتي: لقد كان علي سلامة في علاقة سرية مع الأميركان أسس فيها صداقات متينة فاعتبر الإسرائيليون أن هذه العلاقة هي الخطوة الأولى التي ستقود عرفات إلى البيت الأبيض ولهذا السبب فقط أرادوا قتله.

[3] جاء في كتاب إرث من الرماد (تاريخ CIA) من تأليف تيم واينر، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2010، ص522: المعلومات التي قدمها علي حسن سلامة شكلت غصن الزيتون الذي رفعه عرفات إلى الولايات المتحدة الأميركية، تفاوض سلامة وايمز على تفاهم محوره ألا تقوم (م.ت.ف) بمهاجمة أميركيين. لقد اختفى هذا من تقارير المخابرات المركزية الأميركية عندما اغتالت الاستخبارات الإسرائيلية علي سلامة.

[4] انظر: كتاب المؤرخ الأميركي كاي بيرد عن حياة روبرت إيمز رجل الاستخبا

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website