الاقتصاد الفلسطيني المجني عليه باتفاقية باريس الاقتصادية، محمد قرّش - العددان 262-263

الاقتصاد الفلسطيني المجني عليه باتفاقية باريس الاقتصادية

 

[*]محمد خضر قرش

 

مضى على توقيع اتفاقية باريس الاقتصادية نحو اثنين وعشرين عاما[1]. فوفقا لما جاء في الديباجة المتفائلة والواعدة جدا والتي كتبت على عجل للاتفاقية "فإنها ستشكل أرضية العمل لتقوية القاعدة الاقتصادية للجانب الفلسطيني ولممارسة حقه في اتخاذ القرار الاقتصادي وفقا لخطته الخاصة للتنمية وأولوياته". كما أنها "ستؤسس للاتفاق التعاقدي الذي سيحكم العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، خلال المرحلة الانتقالية المؤقتة البالغة خمس سنوات والمرتبطة باتفاقية أوسلو وكجزء منه" وكلاهما انتهى في شهر نيسان (أبريل) من العام 1999. ومن الصعوبة بمكان تناول اتفاقية باريس الاقتصادية أو كما اصطلح على تسميته ببروتوكول باريس دون معرفة الأرضية والبيئة والمناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلاقات المتداخلة والمتشابكة والتي هي غاية في التعقيد والذي سيتم تطبيق الاتفاق في ظله، بسبب قيام الاحتلال الإسرائيلي بفرض وقائع مادية على الأرض طيلة الفترة الممتدة من حزيران (يونيو) 1967 وحتى توقيع الاتفاقية محل البحث. ومن المؤكد كما تبين لاحقا، أن رئيس الفريق الفلسطيني الذي وقع الاتفاقية ببنودها ومقيداتها وملاحقها العديدة كان غير ملم أو مطلع بما يكفي، على حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في الضفة الغربية والقطاع مما حال بينه وبين التدقيق والتمحيص ببنود الاتفاقية بحجة أنها مؤقتة وأنه من غير المعقول أن نعطل أو نؤخر توقيع اتفاقية أوسلو بسبب أمور ثانوية أو غير ذات أهمية. وبناء عليه لم يتم الوقوف طويلا أمام الكوارث والسلبيات والمصائب العديدة التي تضمنتها الاتفاقية والتي بدأت بالظهور ميدانياً على الأرض حتى قبل انتهاء فترة السنوات الخمس الانتقالية. لقد كانت اتفاقية باريس الاقتصادية بمثابة مصيدة محكمة الصنع ولجتها منظمة التحرير الفلسطينية بشكل متسرع وبدون تفكير بالعواقب المستقبلية التي ستترتب على ذلك فيما بعد. فتسرع المفاوض الفلسطيني وعدم خبرته في التفاوض مع المحتل وخاصة في الجوانب والقضايا الاقتصادية والفنية، لم تمكنه من رسم أو وضع طريق للخروج من المصيدة حال ظهور تطورات مفاجئة بسبب موافقته أو لامبالاته بترك التحكم بباب المصيدة بيد عدوه دون أن يكون له حق الاحتفاظ بنسخة احتياطية يستخدمها وقت الطوارئ. فهو يعلم تمام العلم أن عدوه يتصف بالرعونة والصلف والخبث والخالي من كل العواطف والانسانية وعدم استعداده لتقديم أي شيء مجانا حتى لو كان العالم كله شاهدا على توقيعه، فلا توجد لديه تواريخ مقدسة. لقد ربط المفاوض الفلسطيني مستقبل فلسطين كلها وليس اقتصادها فحسب بيد سلطات الاحتلال التي، وبحكم التجارب المريرة والقاسية معها، أغلقت بسرعة نافذة الأمل الضيقة التي سادت أو رافقت لحظة التوقيع. ولم يمض وقت طويل حتى اكتشف المفاوض الفلسطيني أنه لم يحصل على شيء سوى الوهم، لقد رأى سراباً بقيعة أمامه فظنه ماء فاتجه نحوها ولم يلتفت إلى التحذيرات العديدة التي أطلقتها العديد من القوى والفصائل والخبراء بخطورة التوقيع. فالمفاوض الفلسطيني كان ظمآن جدا فظن السراب ماء. وقد تأكد له ذلك بعد مسيرة أكثر من عقدين دون الوصول إلى المراد والغاية المنشودة، وبالأدق، التي كان يحلم بها. ورغم كل ذلك وللأسف الشديد، فإن البعض ما زال مؤمنا أو مقتنعا بأن ما يراه أمامه ليس مجرد سراب، وعليه؛ لا يمانع من الاستمرار على نفس الطريق، ربما لربع قرن آخر قادم من السير وراء وهم التسوية أو الحل. 

 

مقيدات بروتوكول باريس

المطلع أو المتفحص على بنود اتفاقية باريس الاقتصادية سيجد أنها بمثابة عنق الزجاجة للاقتصاد الفلسطيني حيث تحول دون انطلاقته نحو التنمية الحقيقية. فقد قيدته وربطته بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي وبالمصالح المباشرة للاحتلال وشركاته الخاصة، مما يصعب الانفكاك منه. فالقرار النهائي بكل ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية الفلسطينية بات مرتبطا بالموافقة الإسرائيلية السياسية منها والمهنية والأمنية. فتقدير احتياجات السوق الفلسطيني وكميات الاستيراد من البضائع والسلع يجب أن يكون متفقا عليه بين الجانبين وفقا للمعايير الإسرائيلية وعلى ضوء المعلومات والتفاصيل المتوفرة عن الاستهلاك والإنتاج والاستثمار والتجارة الخارجية والنمو السكاني والارتفاع في معدل الناتج المحلي والدخل القومي. ليس هذا فحسب بل وربطت النظام المالي والنقدي برمته والتجارة الخارجية ونسب تقدير وتحديد ضرائب القيمة المضافة، وأسلوب تحصيلها، ونظام ومعايير الاستيراد والتفتيش والجمارك، والتأمين والتعويض في حوادث الطرق، واستيراد المشتقات النفطية بأنواعها وأسعارها، بالقرار الإسرائيلي. فاللجنة الاقتصادية المشتركة بين الطرفين والمشكلة من عدد متساو من الأعضاء وأية لجان فرعية أخرى يمكن تشكيلها تحولت إلى اسم فقط وأدخلت إلى ثلاجة درجة برودتها تزيد على 50 درجة تحت الصفر ولم يعد لها أي سلطة أو تأثير على مجمل العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية بين الجانبين. فإجراءات الاستيراد والتخليص والتفتيش على السلع والبضائع تحت الرقابة والموافقات الإسرائيلية، وضمن الغلاف الجمركي الموحد، دون النظر إلى مستوى النمو والتطور في الاقتصاد الفلسطيني بالمقارنة مع الإسرائيلي. فضريبة القيمة المضافة تحدد من قبل الاحتلال مع إعطاء هامش لا يزيد على 2% للسلطة الفلسطينية زيادة أو نقصانا. وفيما يتعلق بتحويل الشواكل الفائضة إلى عملات دولية عن طريق "بنك إسرائيل" والمصارف التابعة له، والناجم بالأساس عن الاختلال الكبير والملموس في الميزان التجاري (الصادرات والواردات) لصالح الاحتلال وعن عدم الأخذ بعين الاعتبار لحركة التجارة مع القدس والتهريب من المستوطنات الكثيرة والمتعددة بما في ذلك نقل الأموال بين القطاع والضفة الغربية. وقد غاب عن المفاوض الفلسطيني في هذا الجانب، ثلاث نقاط فنية في غاية الأهمية هي: أولا كمية الكتلة النقدية التي كانت متداولة في الضفة والقطاع قبل توقيع الاتفاقية والتي كان يجب تقديرها من قبل بنك إسرائيل وإدخالها في المعادلة (أي حق الفلسطينيين في تحويلها إلى عملات أجنبية متى رغب الفلسطينيون في ذلك بدون  قيود) لكونها التزاما سابقا لإنشاء السلطة الوطنية وأن طرحها بالتداول كان قرارا إسرائيليا. فالاحتلال وحده من يتحمل مسؤوليتها القانونية بما في ذلك استبدالها. وثانيا غياب أي تقدير عن حركة تدفق وانسياب العملة الإسرائيلية من قبل فلسطينيي عام 1948 والقدس والمستوطنات. وثالثا: عدم الاتفاق مع سلطات الاحتلال للحصول على ما يعرف بالسينيوريجSeignorage والمتمثل بحصة فلسطين من تداول الشيكل في الأرض الفلسطينية وهي عبارة عن العائد أو الإيراد المتحصل من إصدار العملة الإسرائيلية[2]. وقد قدرتها الدراسة المنوه عنها أدناه بنحو 60 مليون دولار كمتوسط سنوي حتى العام 2009 وهناك تقدير آخر، ذكر بأن قيمة السينيوريج تزيد على 80 مليون دولار كمتوسط سنوي، وبذلك حُرمت الخزينة الفلسطينية منذ عام 1995 وحتى نهاية عام 2014 من 1200-1600 مليون دولار. لقد تبينت لاحقا أهمية العنصرين الأول والثاني في تكوين الفائض من الشيكل الإسرائيلي في السوق الفلسطيني بالإضافة إلى الاختلال المزمن في الميزان التجاري بين الجانبين. علما بأن كل الشواكل المتداولة في السوق الفلسطيني يجب أن تبدل بالعملات الدولية من المؤسسات المصرفية الإسرائيلية متى رغب الفلسطينيون بذلك دون قيود لكونها التزاما قانونيا يتوجب على سلطات الاحتلال القبول الفوري لكل الشواكل المقدمة إليه لمن يريد استبدالها. فلا يجوز لبنك إسرائيل وضع سقوف أو قيود أو شروطٍمن أي نوع  لكميات الشواكل المراد تحويلها إلى عملات أجنبية أو إيداعها في البنوك الإسرائيلية وهذا ما كان يجب أن ينص عليه في الاتفاقية. لقد ابتزت سلطات الاحتلال سلطة النقد الفلسطينية في:

أ- حق حرية تحويل السيولة إلى قطاع غزة وبالعكس بدون سقوف أو قيود أو تقديم تقارير أو تبريرات أو إحصاءات. فتدفق وانسياب السيولة بكل العملات وخاصة الشيكل بين جناحي الوطن يجب أن يتم بحرية تامة باعتبار القطاع والضفة الغربية يشكلان وحدة جغرافية واحدة (كياناً واحداً).

 ب- وضع سقوف لما يستطيع بنك إسرائيل قبوله من الشواكل بما في ذلك المصارف التجارية العاملة تحت إمرته، بحجة أن هناك عمليات تبييض للأموال تتم فوق الأرض الفلسطينية. وقد تأكدت سلطات الاحتلال فيما بعد من خلال اجتماع غير قانوني وغير مصرح به (سري)، عقد في شهر نيسان (أبريل) من العام الماضي (2015). في بيت إيل، وبدعوة مباشرة من الحاكم العسكري (وهنا خطورة الموضوع) حضره المدراء العامون والإقليميون لبعض المصارف الكبيرة وممثل عن سلطة النقد، (والتي لم يكن لديها علم مسبق بذلك ولم يتم التنسيق معها ولم تمنعه أو تطلب من المصارف عدم حضوره)، تأكد لها (سلطات الاحتلال) أن معظم السيولة الفائضة ناتجة عن قيام المواطنين الفلسطينيين من عام 1948 بإنفاقها في السوق الفلسطيني وخاصة في شمال الضفة الغربية والقسم الآخر ناتج من تجارة التهريب مع المستوطنات المنتشرة بأكثر من انتشار السرطان والآفات المعدية بالإضافة إلى العلاقة التجارية مع القدس.

 

النتائج المدمرة الناجمة عن اتفاقية باريس الاقتصادية

على الرغم من وجود نص في الاتفاقية بأنها مؤقتة، لمدة خمس سنوات، وأنه بإمكان أي طرف إعادة فحص الترتيبات والإجراءات الواردة بعد عام من توقيعها ووضعها موضع التنفيذ، إلا أن الجانب الفلسطيني لم يقم بذلك كما أن اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة لم تعقد ربما سوى اجتماعين أو ثلاثة، وبعد ذلك جمدت كليا وخاصة بنهاية عام 2000، حيث تم إلغاء التواجد الفلسطيني الأمني والجمركي في المعابر كليا في خرق واضح وجلي ليس لبروتوكول باريس فحسب وإنما لاتفاقية أوسلو كلها. لقد وضعت اتفاقية باريس، الاقتصاد الفلسطيني داخل دائرة يحيط بها الاحتلال من كل جانب وفتحت معابر (مداخل ومخارج) لإدخال المواد والبضائع والسلع المراقبة جيدا، مما حدّ من إمكانية تطوير الاقتصاد الفلسطيني وحصر نموه في قاع وأرضية الزجاجة ولم تسمح له بالانطلاق من عنقها أو الخروج خارج الدائرة المحددة له والمحاصرة جيدا. فاتفاقية أوسلو جعلت 62% من مساحة الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية بالكامل والتي أطلق عليها اسم (ج) مما يحول دون تنميتها والتعمير فيها، فهي محظورة على الفلسطينيين بالكامل. كما جعلت المناطق (ب) خاضعة أمنيا وعسكريا لسلطات الاحتلال وهي القرى والبلدات والتجمعات الرئيسة مع إخراج الأراضي التابعة لها وضمها للمنطقة (ج) أما المنطقة (أ) والتي لم تزد مساحتها في أحسن الأحوال عن 21% فهي التي تركز فيها النشاط الاقتصادي والسكني والعمراني[3].

 

لقد نتج عن كل ما سبق ما يلي:

أ- حصول نمو وهمي خادع بالاستناد إلى مقياس غير دقيق (معدل دخل الفرد ونسبة النمو في الناتج المحلي) لا يمكن تطبيقه على فلسطين لكونها تحت الاحتلال وليست دولة مستقلة ذات سيادة. وقد أخذت المؤسسات الدولية هذا المقياس وراحت تطبل وتزمر وتهلل به وتبشر بنجاح الحل الاقتصادي بعيدا أو بمعزل عن الحل السياسي والوطني. وفي الحقيقة فقد تسبب ذلك بحدوث فروقات هائلة واختلالات كبيرة في هيكلية الدخول زادت نسبتها عن 30 إلى 1، مما أدى تدريجيا إلى تدهور وضع ونفوذ وتأثير الطبقة الوسطى الفلسطينية على مجريات الأوضاع السياسية والاقتصادية.

ب- وحقيقة الأمر أن النمو، الذي تتحدث عنه المؤسسات الدولية وسلطات الاحتلال، ليس أكثر من نمو وتمدد لمساحة المدن وسكانها في المناطق المصنفة (أ) وليس للاقتصاد الفلسطيني ككل، حيث تشكل المنطقة (ج) نحو ثلثي مساحة الضفة الغربية والتي بقيت خالية من أية مشاريع تنموية أو سكانية فلسطينية حتى تاريخه.

ت- وقد نتج عن النقطة (ب) تركز المشاريع في المدن الكبيرة وخاصة محافظة رام الله/البيرة مما نجم عنه الهجرة من القرى والمخيمات وباتت هناك اختلالات هيكلية ملموسة في التركز السكاني والذي أحدث بدوره ضغطا هائلا على مرافق البنية التحتية وأوجد جيوبا من الفقر حول ووسط المدن تهدد ما تم بناؤه.

ث- وليس غريبا أن يترتب عما سلف انتشار البطالة في فلسطين والتي بلغت أكثر من 40% في القطاع ونحو 20% في الضفة الغربية، قابلة للزيادة في ظل تراجع فرص الاستثمار، والحصار المفروض على قطاع غزة، والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأرض، وفرض الحكم العسكري على كل المدن الفلسطينية، والحواجز المنتشرة على مداخل المدن والقرى، والاقتحامات للمصارف والمؤسسات الاقتصادية، وشبه الدورية، للمخيمات والأحياء في المدن المختلفة.

ج- انتشار المستوطنات في الضفة الغربية بحيث بات من النادر وجود مساحة خالية من الأراضي تزيد عن خمسة كيلومترات بدون مستوطنات. لقد خلت اتفاقية أوسلو وباريس من أي إشارة بضرورة وقف أو تجميد التوسع الاستيطاني أثناء الفترة الانتقالية. لقد صادر الاحتلال مساحات شاسعة من الأراضي العامة والخاصة، بحجج وتبريرات كثيرة، أقام عليها مستوطنات ومرافق وخدمات لها، وحوَل الضفة الغربية إلى كانتونات محاصرة لا تملك مقومات الاستمرار والنمو. لقد شكلت المستوطنات عائقا اقتصاديا طبيعيا لنمو الاقتصاد الفلسطيني كما حالت دون إقامة المشاريع بل ودون توسيعها في المناطق ب.

ح- الاقتصاد الفلسطيني لا يستطيع التعامل أو الاستيراد أو التصدير من دول لا تقيم إسرائيل علاقات سياسية أو تجارية معها أو في حالة حرب معها، وبالتالي فالاتفاقية تحرمه من التعامل أو الارتباط مع نحو 48 دولة في العالم قد تكون سلعها أرخص وأفضل[4].

خ- لا يستطيع الاقتصاد الفلسطيني التعامل أو التوسع تصديرا واستيرادا بمستلزمات ومتطلبات قطاع الخدمات (الكهرباء والاتصالات)، دون الحصول على الموافقات المسبقة من قبل إسرائيل. فهي تمنع-ومارست ذلك عمليا– قيام مؤسسات القطاع الخاص من استيراد أو تركيب أو نقل المعدات اللازمة لإنتاج الكهرباء وشبكة الاتصالات بدون موافقتها. وما زالت تعطل إدخال معدات لإحدى شركات الاتصالات الخلوية إلى قطاع غزة، كما لم توافق على تزويد الشركات الفلسطينية بأجهزة الجيل الثالث. فعلى الرغم من حصول فلسطين على رقم دولي خاص بها إلا أنه بإمكان أي متصل من خارج فلسطين الاتصال بأي رقم في فلسطين عن طريق الرقم الدولي الإسرائيلي أيضا.

د- الاقتصاد الفلسطيني والسياسات التجارية التي يمكن اتباعها أو وضعها محكومة مسبقا بسقف اتفاقية أوسلو وعلى وجه الخصوص ملحقها الاقتصادي (بروتوكول باريس).

ذ- كافة المعابر والحدود، والاستثمار الخارجي، وحركة التنقل التجاري والفردي، من وإلى فلسطين، تتحكم بها إسرائيل بالكامل (عدا ما حصل في قطاع غزة بعد عام 2007 من خلال الأنفاق).

ر- الاقتصاد الفلسطيني صغير ومحدود جدا، وليس له القدرة على المنافسة بالأسواق الخارجية، في ظل الظروف السائدة حاليا، نظرا لارتباطه بشكل أساسي بالاقتصاد الإسرائيلي.

ز- تخضع التجارة الخارجية الفلسطينية للمعايير والمواصفات الإسرائيلية بالكامل، فلا يمكن للمستثمرين والمستوردين والمصدرين على حد سواء، التعامل التجاري بأي سلع وبضائع لا تنطبق عليها المواصفات الإسرائيلية.

س- حدود التوسع في القاعدة الإنتاجية مقيد ومحصور بالمنطقتين "أ و ب"، بينما يحظر على المستثمرين والقطاع الخاص مد أنشطتهم الإنتاجية والتجارية إلى المنطقة "ج"، علما بأن مساحة الأخيرة تشكل نحو 62% من مساحة الضفة الغربية كما ذكرنا آنفا.

ش- الاقتصاد الفلسطيني محروم، بل ومحظور عليه، إقامة وبناء موانئ بحرية أو إنشاء مطارات، أو ما يطلق عليها مرافق البنية التحتية للاقتصاد. فكل السلع والبضائع تصدر وتستورد من خلال الموانئ والمطارات الإسرائيلية وتحت مراقبة وتحكم وتفتيش السلطات الإسرائيلية في المعابر والجسور في الضفة الغربية والقطاع[5].

ص- الاقتصاد الفلسطيني محظور عليه التعامل بحرية مع القدس، إنتاجا وتصديرا واستيرادا، حيث ينطبق عليها ما ينطبق على بقية مدن فلسطين المحتلة عام 1948. وخطورة هذه النقطة تنبع من كون محافظة القدس تساهم بنحو 15% من الناتج المحلي الفلسطيني تقريبا،

ض- تخضع التجارة الخارجية الفلسطينية لغلاف جمركي واحد مع إسرائيل، مما يؤثر على أسعار المنتجات في السوق المحلي. فالسلع والبضائع المستوردة لفلسطين يفرض عليها نفس الرسوم والجمارك والضرائب التي تفرض على المستوردات الإسرائيلية. وخطورة هذا الأمر تتأتى من أن هناك فوارق كبيرة بمستويات المعيشة والدخول بين إسرائيل وفلسطين، مما يعكس نفسه على ضعف حركة الشراء والاستهلاك والرواج في السوق الفلسطيني، وبالتالي على عملية التنمية الاقتصادية بمجملها وفي مقدمتها حركة التجارة الخارجية. 

ط- تقوم إسرائيل بجباية وتحصيل الإيرادات الجمركية على البضائع والسلع مباشرة وتبقيها لديها قبل تحويلها فيما بعد إلى خزينة السلطة بعد خصم 3% مقابل رسوم تحصيل وإدارة. وفي العديد من الحالات تجمد هذه الأموال لديها وترفض تحويلها بحجج مختلفة لا أساس قانونياً لها.

ظ- التجارة الخارجية الفلسطينية غير مقيدة بالمواصفات والمقاييس الإسرائيلية فحسب، وإنما في الكميات أيضا. فلا يحق للفلسطينيين استيراد كميات من السكر والأرز والزيوت وغيرها من السلع الغذائية فوق سقف معين يناقش كل ستة شهور من قبل اللجنة الفرعية.

ع- اتفاقية باريس الاقتصادية تخلو تماما من أي بند يعطي الفلسطينيين حق إعادة التصدير للسلع والبضائع والآليات التي يمكن اتباعها في سبيل ذلك.

غ- تخضع المستوردات والصادرات الفلسطينية لإجراءات أمنية وجمركية غاية في التعقيد، مما يؤخر عمليات التجارة مع العالم، ويجعلها أكثر كلفة من حيث المبالغ المالية والفترة الزمنية التي تستغرقها، حتى وصول السلع والبضائع إلى وجهتها النهائية، مما يدفع رجال الأعمال والتجار إلى الاستيراد والتصدير من وإلى إسرائيل فحسب، لتجنب التعقيدات غير العادية التي تخضع لها التجارة الخارجية الفلسطينية. لقد كرست إسرائيل أساليب وعادات وإجراءات وقواعد، لعمليات الاستيراد والتصدير جعلت من الصعوبة بمكان أن يتجه الفلسطينيون إلى الدول الأخرى لاستيراد السلع منها أو التصدير إليها، وهذا ما عكس نفسه في قيم المستوردات والصادرات الفلسطينية من وإلى إسرائيل بالمقارنة بالدول الأخرى. فليس غريبا بعد كل ما تقدم أن يكون متوسط الواردات الفلسطينية من إسرائيل 68% بينما تبلغ نسبة الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل نحو 90% للفترة الممتدة من 1996 وحتى نهاية 2014.

ف- كل مساوئ وسلبيات الاقتصاد الإسرائيلي وخاصة التضخم تنتقل مباشرة إلى الاقتصاد الفلسطيني بدون وجود أو توفر إمكانية للحد منها أو لتخفيف آثارها ومضارها.

 

الأزمة اقتصادية واجتماعية ولكن حلها سياسي بامتياز

عقدت في فلسطين والخارج عشرات المؤتمرات الاقتصادية والمالية والتي خصصت كلها، كما قيل، لتطوير البنية التحتية وخلق فرص للاستثمار وزيادة نسبة التشغيل، حضرها العديد من الشخصيات الاقتصادية والسياسية المرموقة ورجال الأعمال والمؤسسات الدولية. وقد خرجت هذه المؤتمرات بقرارات وتوصيات ومقترحات في غاية الأهمية ولكنها لم ترَ النور ولم تسلك أو تأخذ طريقها نحو التطبيق والتنفيذ الميداني على الأرض لأسباب عديدة، لعل أهمها وأولها تلك المتعلقة بالاحتلال. فكل شيء يجب أن يمر من خلاله وأن يحظى على بموافقته، بما في ذلك الحصول على التأشيرات أو الإقامة والدخول والخروج واستيراد المواد الخام. فالعديد من المستثمرين عربا كانوا أو أجانب حينما يدركون هذه الحقائق ويطلعون عليها يغادرون فلسطين ويعزفون عن الاستثمار. فالاستثمار كما هو معروف يحتاج إلى استقرار وأمن وسلام ووجود تسهيلات تجارية وجمركية وحرية تدفق رؤوس الأموال. لقد شنت سلطات الاحتلال حروباً عدوانية عديدة على الضفة والقطاع بعد توقيع اتفاقية أوسلو وباريس، ودمرت مرافق البنية التحتية بما فيها محطة توليد الكهرباء في قطاع غزة التي كانت شركة إينرون الأميركية تساهم بنسبة 33% من رأسمالها ورغم ذلك قصفتها قوات الاحتلال[6].فعلى امتداد الفترة الممتدة من عام 1996 وحتى تاريخه لم تشهد فلسطين استقرارا وأمنا وسلاما يدفع المستثمرين للمخاطرة بالمجيء إلى فلسطين.فجيش الاحتلال يقوم باقتحام المصارف والشركات والمؤسسات الاقتصادية وتخريبها، وإتلاف معداتها،ومصادرة حواسيبها،واعتقال الموظفين، وإغلاق بعضها بالشمع الأحمر، ورفض تجديد اقامات المستثمرين،أو عدم الموافقة علىمنح العديد منهم تأشيرات، كل ذلك أجبرهم على عدم التفكير بالحضور. وإذا أضفنا إلى ما تقدم حصار قطاع غزة بالكامل وحرمانه من متطلبات الحياة الكريمة بل والعادية جدا نصل إلى نتيجة مؤداها أن الاحتلال الإسرائيلي ليس المعيق للتنمية فحسب بل والمدمر لمرافق البنية الاقتصادية الفلسطينية وكل مقومات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية،علىالرغم من أن الجانب الفلسطيني سنَ وشرع قوانين لتشجيع الاستثمار يمكن اعتبارها الأفضل في منطقة الشرق الأوسط.لقد سقطت وجهة نظر مدرسة كانت تقول بأنه يمكن حصول تنمية رغم الاحتلال والتي عبرت عن نفسها بسلسلة دراسات وبحوث تحت عنوان "تنمية رغم الصعاب" حيث تم استبدالكلمة الاحتلال بالصعاب لإضفاء طابع مهني،وهذه المدرسة متسقة تماما مع فكر ومحتوى ومضمون اتفاقية باريس الاقتصادية وأوسلو بل وكانت من المنظرين لهما والمبشرين أو المتفائلين بنتائجهما.لقد اقتنع قطاع كبير من الاقتصاديين الفلسطينيين حتى الذين سبق لهم وعملوا في المؤسسات الدولية أن لا مجال لحل أو معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المستعصية التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني بدون الحل السياسي والقاضي بإنهاء وزوال الاحتلال كليا عن الأرض الفلسطينية.لقدألجمت اتفاقية أوسلو وشقيقتها باريس الاقتصادية القدرة التفاوضية للفلسطينيين وبات من الصعوبة بمكان فتح أي منهما أو وقف العمل بهما أو بإحداهما.لقد أضرت الاتفاقيتان بمستقبل فلسطين واقتصادها بأكثر مما فعلته كل الحروب العدوانية الإسرائيلية، برهنها فلسطين واقتصادها بالقرار الإسرائيلي وحرمت الفلسطينيين من بناء دولة مستقلة. فالاتفاقيتان شرعتا بشكل رسمي وقانوني التدخل الإسرائيلي بالسياسة الاقتصادية الفلسطينية.فالذين رفعوا شعار "تنمية رغم الصعاب" ربما أدرك بعضهم أنه كان متسرعا ولا ينسجم أو يتوافق مع الحروب العدوانية التي تشنها سلطات الاحتلال بشكل دوري منذ عام 1996 (أحداث النفق). إنالإبر التي يتم حقنها في الجسم الاقتصادي والمسكنات والمساعدات القليلة التي يتم تحويلها بشكل متقطع بين الفترة والأخرى لن تحل مشاكله ولن تحدث تنمية وازدهاراً حقيقيين، حتى بافتراض أن كل السياسات الاقتصادية التي اتبعت كانت سليمة وصحيحة وتتوافق مع المهنية. فهذه الجرعات قد تعالج سلبية في هذا القطاع أو ذاك أو تخفف من حدة المشكلة،ولكنها من المستحيل أن تعالج جذور مشاكل الاقتصاد الفلسطيني المستعصية بدون زوال الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني.فالحل لكل مشاكل الاقتصاد الفلسطيني هو سياسي ووطني بامتياز.لقد آن الأوان لوقف سياسات الترقيع وحقن التسكين عبر المساعدات المالية البسيطة والتي ينحصر تأثيرها بتأجيل الانهيار الاقتصادي فحسب.وجملة أخيرة:فقد أصبحت كلا الاتفاقيتين غير صالحتين ليس بسبب الثغرات والنواقص الكبيرة التي تضمنتها فحسب، ولكن بسبب خرق الاحتلال الإسرائيلي لهما وعدم اعترافه ووقف العمل بهما من جانب واحد.

 

 

 

الهوامش:


[*] باحث اقتصادي مقيم في القدس.


[1]تم التوقيع عليها في باريس بتاريخ 29/4/1994من قبل أحمد قريع  وأبراهام شوحط / وزير المالية الإسرائيلي الأسبق.

[2]راجع د.عزمي وصفي عوض، آفاق ومحددات إصدار العملة الوطنية في ظل مجلس النقد، جامعة الأزهر، المجلد 13،العدد 1B، 2011.

[3]وفيما بعد،لم يعد هناك مناطق أ وب فباتت كلها ج  خاضعة بالكامل لسلطات الاحتلال.

[4]راجع: محمد خضر قرش،أثر اتفاقية باريس الاقتصادية على التجارة الخارجية الفلسطينية،ورقة بحث مقدمة لمؤسسة فريدرشناومان الألمانية،2013.

[5]باستثناء ما يجري حاليا في الأنفاق بقطاع غزة والتي زادت بعد الانقسام عام 2007.

[6]كانت الشركة قد حصلت على تعهد من سلطات الاحتلال بالحفاظ على مولدات المحطة وعدم قصفها.

 

 

الملفات المرفقة

محمد قرش حذف جاهلا1.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website