قراءة في الخيارات الممكنة لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية الفلسطينية - الإسرائيلية - العددان 262-263

قراءة في الخيارات الممكنة لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية

الفلسطينية- الإسرائيلية

 

[*]د. نصر عبد الكريم

 

1.السياسة والاقتصاد في الحالة الفلسطينية

منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994 وفق نصوص اتفاقأوسلو الذي وُقع بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية وجدلية العلاقة بين السياسة والاقتصاد حاضرة بقوة في المشهد الفلسطيني.فبالرغم من أن هذه الاتفاقية منحت السلطة الفلسطينية الوليدة صلاحيات مدنية كاملة في المناطق المصنفة أ و ب، وإدارة الموارد الاقتصادية في تلك المناطق بما ينسجم مع الأهداف والأولويات الفلسطينية، إلا أنها سلبت منها قدراً كبيراً من السيادة من خلال حرمانها من السيطرة على المعابر الحدودية وعلى الأراضي واستخداماتها في المنطقة المصنفة ج (تشكل 62% من إجمالي مساحة الضفة والقطاع في حينه) وعلى معظم الموارد الطبيعية (المياه والفضاء). وفي مقابل هذه الصلاحيات والإمكانيات المحدودة، أصبحت السلطة مسؤولة مسؤولية مطلقة عن تلبية الاحتياجات الحياتية وتأمين الحقوق الأساسية (العمل والمسكن والرعاية الصحية والتعليم والغذاء ومرافق البنية التحتية وغيرها) لجميع المواطنين الفلسطينيين في الضفة وغزة. فكان على السلطة منذ نشأتها أن تعمل وفق هذه المعادلة الصعبة للغاية. ولسدأي عجز أو فجوة محتملة بين الموارد المالية المتاحة والاحتياجات، تم إحداث آليات دولية لتقديم وإدارة المساعداتاستمرت حتى اليوم وإن كانت تتغير في هياكلها ووظائفها من وقت لآخر حسب ما تقتضيه الظروف السياسية والاقتصادية الفلسطينية.

وفيإطار المحددات السياسية والأمنية الواسعة لاتفاقأوسلو المرحلي وُلد بروتوكول باريس الاقتصادي، لينظم العلاقات الاقتصادية بين الطرفين في المجالات التجارية والمالية والنقدية والعمل.وكان من الطبيعي أن يأتي هذا البروتوكول منسجماً في جوهره مع روح ومضمون اتفاقأوسلو. ومن أبرز ملامح هذا البروتوكول أنه ربط الاقتصاد الفلسطيني مع الاقتصاد الإسرائيلي بغلاف جمركي واحد وبالتالي سلب السلطة الفلسطينية القدرة على التحكم بمعدل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية (مكونات هامة من السياسة المالية) لمعظم السلع والخدمات وبالتالي قارب بين مستويات أسعارها في السوقين بالرغم من التباين الكبير في مستويات الأجور والدخول فيهما. وأبقى البروتوكول كذلكوظيفة جباية الجمارك والقيمة المضافة على مستوردات الفلسطينيين بيد إسرائيل والتي أخضعت تحويلها لخزينة السلطة لاعتبارات أمنية وسياسية تعسفية.أما إصدار عملة وطنية فهو مشروط بموافقة إسرائيل مما يعني حرمان سلطة النقد الفلسطينية من استخدام معظم أدوات السياسة النقدية الضرورية لتوجيه الاقتصاد. ووفق البروتوكول تتحكم إسرائيل بمنسوب تدفق العمالة الفلسطينيةإليها بما يخدم مصالحها الاقتصادية واعتباراتها الأمنية. فباختصار أبقى البروتوكول معظم مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني بيد إسرائيل.ورغم عدم التزام الجانب الإسرائيلي بتطبيق نصوص الاتفاق وإطاحته بمعظم بنوده بفعل استمرار سطوة الاحتلال وفرضه وقائع على الأرض تتناقض وروح الاتفاق، ورغم الملاحظات العديدة المسجلة على الاتفاق وعلى الضرر الذي لحق بالاقتصاد الفلسطيني نتيجة استمرار العمل به، إلا أن هذا الاتفاق ظل طيلة الـ19سنة الماضية هو الإطار الناظم للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين.

وساهمت هذه الترتيبات السياسية والاقتصادية المجحفة في استمرار بل ربما في تعميق التشوهات والفجوات الموروثة عن الاحتلال الإسرائيلي الطويل في الاقتصاد الفلسطيني على المستويين الكلي والقطاعي. فبالرغم من الإنجازات الهامة التي حققتها السلطة في مجال بناء مؤسسات الحكم الاقتصادي وإعادة تأهيل مرافق البنية التحتية، وإصدار التشريعات الناظمة لحياة المواطنين في الضفة الغربية وغزة وتنشيط الحركة التجارية والاستثمارية، إلا أن تكلفة تلك الإنجازات كانت مرتفعة نسبيا لأنها تمت في ظل استمرار قيود الاحتلال وسياساته التعسفية، وفي ظل غياب رؤية وبرنامج تنموي شامل تهتدي به السلطة في إعادة الإعمار وهيكلة الاقتصاد الفلسطيني. كما أن التشوهات الموروثة عن الاحتلال والمستجدة بعد قيام السلطة أثرت سلباً على هيكل وإدارة الموازنة العامة للسلطة الوطنية، والتي أظهرت حجم الاعتماد الكبير على المساعدات الدولية وعلى الإيرادات الجمركية المحصلة من قبل إسرائيل، وبالمقابل ضعف مساهمة القاعدة الضريبية للجباية المحلية بسبب تغير تركيبة الاقتصاد الفلسطيني مع مرور الوقت لصالح قطاعي التجارة والخدمات على حساب القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة. فالاقتصاد الفلسطيني أصبح مع مرور الوقت ينكشفأكثر فأكثر على الصدمات الخارجية سواء ذات المنشأ الإسرائيلي أو الدولي.

إذاً فمشكلة الاقتصاد الفلسطيني الأساسيةلا تنبع من نصوص أو تطبيقاتاتفاق باريس فقط وإنما أيضاً منمرجعيته السياسية والأمنية التي جاءت في اتفاقأوسلو. فهذا الاتفاقحتى لو جاء خالياً من النواقص والثغرات الفنية لن يصلح كأساس لإعادة بناء وتطويرالاقتصاد الوطني الفلسطيني على طريق التنمية المستدامة فيظل الترتيبات السياسية والأمنية القائمة. فعزل مسار العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل عن مسار التسوية السياسية ليسممكناً. كما أنافتراض وجود إمكانيةلتطويرعلاقات اقتصاديةمتكافئة وندية بين كيانينأحدهما يحتل الآخر، هو افتراضثبت خطؤه وضعف منطقهعند كل مواجهة سياسية أو ميدانية كانت تحدث بين الطرفين خارج مسار التسوية وفق الفهم الإسرائيلي.فسيكون من السذاجة الافتراض بأن إسرائيل ستسمح للاقتصاد الفلسطيني أن ينمو ويتطور بشكل طبيعي وبما يُمكِن الشعب الفلسطيني من الانعتاق من التبعية لإسرائيل ويُحرره بالتالي من الابتزاز والضغط السياسي. فالاقتصاد من وجهة نظر إسرائيل هو أحد ساحات المواجهة مع الفلسطينيينوعلى هذا الأساس تتعامل معه. هذا إلى جانب عدم صحة افتراض توفر مبدأ حسن النية لدى الجانب الإسرائيلي تجاه عملية التسوية العادلة أصلاً.

هذا التحليل يقودناإلى استنتاجيْن هما:

1) إن تغيير مسار الاقتصاد الفلسطيني من حالة التبعية والانكشاف والهشاشة الراهنة إلى حالة التمكين والانعتاق والتوازن يتطلب تغييراً جوهرياً في قواعد وأسس العلاقات السياسية والأمنية الراهنة مع إسرائيل اولاً. فمسار الاقتصاد يتبع مسار السياسة في الحالة الفلسطينية وليس العكس.

2) إن أي جهد أو مبادرة لتطوير الاقتصاد الفلسطيني في إطار الوضع السياسي والأمني القائم  لن يتوفر له أو لها فرصة للنجاح والديمومة، وحتى لو نجح/ت لن يساهم أو تساهم في الوصول إلى حل عادل وشامل لصراع تاريخي ومعقد مثل الذي هو قائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فهدف الفلسطينيين هو في النهاية الاستقلال والتحرر من الاحتلال وليس الرفاهية الاقتصادية.

وفي كل مرة تتعثر فيها عملية السلام التي طال عمرها وفقدت جزءاً كبيراً من بريقها ودافعيتها،تظهرعلينا طروحات ومبادرات ترمي إلى إحياء هذه العملية وإقناع الطرفين بالعودة إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى حل نهائي وشامل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. والقاسم المشترك بين هذه الطروحات والمبادرات يكمن في محاولة البحث عن حل للصراع من مدخل اقتصادي، أي في تقديم الملف الاقتصادي على الملفين السياسي والأمني، وهي بالتالي كأنها تهرب من الصعب أو شبه المستحيل إلى السهل. وتقوم هذه المبادرات والطروحات على فرضية مفادها أن تمكين الفلسطينيين من الحصول على عوائد اقتصادية منصفة من عملية السلام يجعلهم أكثر تقبلاً لحلول سياسية أقل إنصافاً لهم.

 

ومع مرور الوقت، أصبح جليا أن الحكومة الإسرائيلية غير راغبة ولا مستعدة لدفع استحقاقات السلام العادل والشامل الذي يقوم على أساس حل الدولتين ويضمن حق اللاجئين في العودة والتعويض. فممارساتإسرائيل على الأرض أفرغت الاتفاقات من مضمونها وفرضت وقائع جديدة متمثلة فيتسارع وتيرة الاستيطان وتهويد القدس، تتناقض تماما مع أساس حل الدولتين. فعملية السلام بدأت وفق معادلة الأرض مقابل السلام وانتهت بمعادلة الأمن مقابل الاقتصاد. وبهذا تكون عملية السلام قد وصلت إلى أفق مسدود وأصبح يبدو أن إسرائيل تسير نحو فرض حل للصراع التاريخي من طرف واحد استناداإلى الوقائع الجديدة على الأرض. وفي مقابلانسداد أفق المسار السياسي، استمرمسار العلاقات الاقتصادية بين الجانبين دون تغيير جوهري، بل الأصح فإن إسرائيل هي التي بقيت تتحكم بمسارهذه العلاقات وفقا لمصالحها واعتباراتها الأمنية والسياسية.وكأن إسرائيل تُرغب في الإبقاء على حالة التطبيع الاقتصادي مع الفلسطينيين ولكن دون أن تُقدم أي تنازلات سياسية حقيقية رغبة منها في إبقاء خيار الحل السلمي قائماً ولكن من البوابة الاقتصادية. وهذا هو نموذج السلام الاقتصادي الذي يتبناه اليمين في إسرائيل بقيادة نتنياهو.

 

وأمام هذه المعطيات، بدأت القيادة الفلسطينية التفكير بإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل وخصوصا بعد انتزاع الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة في نهاية 2012. وبدأ هذا التفكير يكتسب جدية أكبر في السنتين الأخيرتين على ضوء الممارسات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة.وتم ترجمة هذا التفكير والتوجه إلى تبني المجلس المركزي لمنظمة التحرير في شهر آذار من عام 2015 لقرار يقضي بإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية مع إسرائيلإلى جانب مطالبة السلطة بوقف التنسيق الأمني. ورغم مرور عام على هذا القرار لم تتم ترجمته إلى فعل حقيقي على الأرض وبقيت هذه العلاقات على حالها. وقد يكمن السبب وراء هذا التلكؤ في إعادة النظر بالعلاقات الاقتصادية مع إسرائيلإما في غياب الإرادة السياسية أو الاستعداد لفتح مواجهة شاملة معها، أو في عدم وجود خيارات حقيقية أمام السلطة لتنفيذ هذه القرارات أصلاً. 

 

نحاول في هذه الورقة فحص الخيارات الممكنة لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل   في ظل المحددات الموضوعية القائمة.

2. المشهد السياسي الفلسطيني الراهن

على صعيد المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، لا يوجد ما يشير في الوقت الراهن إلى إمكانية الخروج من حالة المراوحة في المكان رغم كل المحاولات التي تجري دولياً وإقليمياً خصوصاً على صعيد ما يسمى باللجنة الرباعية المكلفة بمتابعة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. حيث ما زالت إسرائيل تصر على عدم الدخول في مفاوضات ذات مغزى لمناقشة قضايا الحل النهائي – وهي الدولة الفلسطينية والحدود، والمياه، والأمن، والاستيطان، والقدس، والأسرى. وهي في نفس الوقت تواصل بناء المستوطنات في كافة أنحاء الضفة الغربية. ولا زالت إسرائيل تمعن في سياسة تهويد مدينة القدس من خلال محاصرتها بالمستوطنات، وإخلائها من سكانها وإحداث تغييرات ديمغرافية فيها لصالح اليهود لفرض أمر واقع في مفاوضات الحل النهائي.

وفي المقابل، فإن القيادة الفلسطينية أيضا تتمسك بمواقفها الداعية لوقف الاستيطان وربط التفاوض مع إسرائيل على قضايا الحل النهائي بجدول زمني محدد ومعلوم النهايات والنتائج، حتى لا تبقى المفاوضات عبثية وفارغة المضمون. ولكن للأسف فإن الانقسام الآخذ بالتجذر بين الضفة والقطاع على كل الصعد يُضعف الموقف الفلسطيني ويقوّض الجهود المبذولة في السعي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة القابلة للحياة. وتجد العديد من الدول في العالم حتى العربية منها في هذا الانقسام عذرا وذريعة للتنصل من التزاماتها وواجباتها السياسية والاقتصاديةتجاه الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. فالحصار والانقسام عمقا الأزمة والتشوهات الاقتصادية في قطاع غزة وفق كل المؤشرات، وعززا من حالة "الافتراق الاقتصادي"بين الضفة وغزة بالرغم من تشكيل حكومة الوفاق الوطني قبل أقل من عامين.

وعليه فإنه من غير المرجح أن يحدث أي اختراق جدي على صعيد عملية السلام في المنطقة، على الأقل في المستقبل المنظور (خلال العام أو العامين القادمين). وأمام هذا الانسداد في أفق الحل السياسي عبر المفاوضات الثنائية، وفي ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات محلية ودولية أكثر سخونة،وانشغال دول الاتحاد الأوروبي في مجابهة ومعالجة التبعات الاقتصاديةوالاجتماعية الخطيرة التي ولدتها الأزمة المالية العالمية، وفي ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحولات وتطورات سياسية واقتصادية دراماتيكية بما أصبح يُعرف بالربيع العربي، فإن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي سيسعيان للبحث عن بدائل وخيارات أخرى لحل الصراع الذي طال أمده. فالحكومة الإسرائيلية التي يتزعمها اليمين قد تحاول تكريس ما اصطلح عليه بالسلام الاقتصادي، وأمّا القيادة الفلسطينية فقد تحاول تدويل الصراع بإعادة الملف إلى أروقة الأمم المتحدة. وما القرار الفلسطيني بالتوجه إلى الجمعية العامة ونجاحها في الحصول على صفة دولة غيرعضو بعدما فشلت في مجلس الأمن في الحصول على عضوية كاملة إلا أحد التعبيرات عن هذا التوجه الاستراتيجي الجديد.

ولا شك أيضا بأن التغيرات الكبيرة الجارية والمستمرة في المنطقة العربية ستلقي بظلالها على الشأن الفلسطيني خصوصاً على الصعيد السياسي بشقيه الداخلي والخارجي، لأن ما ستنتهي له الأمور سيحمل تداعيات عميقة وطويلة المدى على القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية محورية تقع في دائرة اهتمام القادة والشعوب العربية على حد سواء. فهناك مواقف عربية متفاوتة حول آلية وطبيعة حل الصراع مع إسرائيل ترتب عليها أيضاً تباين في المواقف تجاه المكونات السياسية والتنظيمية الفلسطينية، خصوصاً أن الانقسام الحاصل على الساحة الفلسطينية والذي أدى إلى خلق سلطتين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة انعكس بصورة جلية على مواقف هذه الدول، والتي لم تنجح حتى هذه اللحظة في إنهائه من أجل مواجهة المخاطر السياسية والاقتصادية التي تحيط بالقضية الفلسطينية. وليس من المرجح أن يحصل تقدم ملموس على صعيد المواقف والسياسات العربية تجاه القضية الفلسطينية ولا تجاه المصالحة الوطنية على الأقل حتى تستقر الأوضاع الملتهبة في المنطقة.وبالنسبة للنظام السياسي الفلسطيني، فلا توجد مؤشرات على إمكانية تعافيه من حالة الترهل والتكلس التي يمر بها منذ سنوات وخصوصا مع استمرار الانقسام الذي يحول دون الشروع في عملية ممنهجةوممأسسة لإعادة ترميمه على أسس ديمقراطية.

مع هذا المشهد السياسي ليس من المرجح أن يحدث تغير استراتيجي على المسار الاقتصادي.ولكن هذا لا يعني انعدام القدرة الفلسطينية الذاتية على إعادة ترتيب أوراقها الاقتصادية بما في ذلك إعادة صياغة علاقاتها مع إسرائيل.

3. الصورة الكبرى: اقتصاد مشوه لسلطة منقوصة السيادة

شكلت السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية سبباً أساسياً للتشوهات والاختلالات الهيكلية في البنية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية منذ الاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967. وفي إطار العلاقة غير المتكافئة والقسرية بين الطرفين، عمدت إسرائيلإلى جعل المناطق المحتلة مصدراً للأيدي العاملة الرخيصة المستخدمة في سوق العمل الإسرائيلي وسوقاً استهلاكياً لمنتجاتها، في حين فرضت قيوداً عديدة على مختلف أوجه النشاط الاقتصادي الفلسطيني وخاصة الصناعي منه، واستنزفت الموارد المالية للفلسطينيين من خلال فرضها لسياسة ضريبية تعسفية على الأفراد ومنشآت الأعمال. وقد أدت هذه الممارسات الممنهجةإلى إضعاف فرص الاقتصاد الفلسطيني في النمو وتطوير قواعده الإنتاجية وبالتالي قدرته على امتصاص العمالة الفلسطينية التي كانت تتزايد باستمرار، الأمر الذي حد من قدرة هذا الاقتصاد على تلبية احتياجات السوق المحلي من السلع والخدمات وفرض واقعاً من النمط التبعي الإجباري لسد فجوة الطلب في السوق الفلسطيني عن طريق الاستيراد من إسرائيل. وأصبحت العلاقات التجارية للفلسطينيين محصورة بشكل شبه كامل مع إسرائيل وحُرموا بالتالي  من الاستفادة من فرص التصدير التي كان من الممكن أن تتاح لهم مع الدول العربية والإسلامية، ومن فرص استيراد المواد الخام والمكائن ومستلزمات الإنتاج الأخرى من هذه الدول. هذا إضافة إلى تعمق الفجوة في الموارد الطبيعية المتاحة للاستغلال من قبل الفلسطينيين، حيث تعرضت مختلف هذه الموارد مثل الأرض والمياه لعملية نهب متواصلة من قبل سلطة الاحتلال الإسرائيلية.

وما زاد من عمق هذه التشوهات وتأثيراتها السلبية على المجتمع والاقتصاد الفلسطيني عدم تمكن السلطة الوطنية الفلسطينية بعد تأسيسها في عام 1994 من صياغة وتنفيذ رؤية واضحة للخلاص من هذا الواقع، وعدم تمكنها من لعب دور الرافعة التنموية خلال المرحلة الانتقالية. وقد يكون من أهم أسباب عدم قدرة السلطة على تغيير هذا الواقع فقدانها السيطرة على أدوات السياسات الاقتصادية (المالية والنقدية والتجارية)، وعلى معابرها ومواردها الطبيعية. فهذه السلطة ولدت منقوصة السيادة، وبالتالي لم تستطع الانعتاق من حالة التبعية للاقتصاد الإسرائيلي والاعتمادية الكبيرة على مصادر خارجية وغير ذاتية للنمو (المساعدات الخارجية والعمل في إسرائيل وغيرها). ويذكر تقرير الأونكتاد (2008، ص1) بهذا الخصوص: "من غير الدقيق إرجاع هذا التردي في الاقتصاد الفلسطيني إلى الأحوال السياسية والأمنية وحدها. فالحقيقة أن القضايا الأساسية التي تحدد الآفاق الاقتصادية الفلسطينية لم تتغير خلال العقود الأربعة السابقة بل إنها استمرت وتفاقمت. وأبرز سمة بهذا الخصوص هي ضيق هامش السياسة الاقتصادية المتاح للسلطة بموجب نصوص بروتوكول باريس لعام 1994 والمبني على اتفاقأوسلو المرحلي. فهذا الاتفاق قد ثبت التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الفلسطيني التي بدأت تتراكم مع الاحتلال الإسرائيلي للضفة وقطاع غزة عام 1967".

وبذلك فقد بقيت معظم أدوات السياسات الاقتصادية الرئيسية والموارد الطبيعية في أيدي الإسرائيليين، وتركزت جهود الفلسطينيين على التعاطي والتعايش مع نتائج فقدان السيطرة على هذه الأدوات ضمن منظومة الواقع الاحتلالي. ويرى البعض بأن المشكلة الأساسية تكمن في النموذج التنموي الفلسطيني المطبق من قبل السلطة والمانحين والذي يتوافق مع عملية سلام أوسلو والذي ركَّز على بقاء هذه العملية قيد الحياة أطول فترة ممكنة. ويفترض هذا النموذج بأن الاحتلال الإسرائيلي عامل خارجي أو عامل خارج السيطرة والتحكم، وبالتالي يجب قبول وجوده والتحرك تنموياً ضمن الحيز الذي يسمح به، وكأن سياق الحياة في الأراضي الفلسطينية هو واقع ما بعد الاستعمار. ولهذا نجد المزيد من الدعوات لتبني فكرة تقول بأن التنمية المستدامة تحت الاحتلال غير ممكنة، وبالتالي يجب اعتماد نسق تنموي بديل قادر على تحقيق الاعتماد على الذات ومواجهة الاحتلال وتحقيق العدالة الاجتماعية بهدف التحرير وليس التعايش مع الاحتلال.

فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تم تسجيلها طيلة الفترة التي أعقبت قيام السلطة في عام 1994، تقدم دليلاً على هشاشة الوضع التنموي الفلسطيني واستمرار التشوهات البنيوية في الاقتصاد. وعليه فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي بكافة تجلياته هو المسبب الأول للأزمات الاقتصادية الفلسطينية، وإن أي تغاضٍ عن ذلك سيقود إلى معالجة أعراض ومظاهر المشكلة وليس حل المشكلة نفسها.

ومنذ تأسيس السلطة وحتى عام 2006، تحكَّمت في اتجاهات أداء الاقتصاد الفلسطيني أربعة عوامل متداخلة هي:

1.    اتفاقات المرحلة الانتقالية الموقعة مع إسرائيل.

2.    سطوة الاحتلال الإسرائيلي وفرضه أمرا واقعا على الأرض مس كل الجوانب الحياتية للمواطنين تقريباً بخلاف معظم نصوص الاتفاقات الموقعة معها.

3.    منسوب وطبيعة المساعدات الدولية.    

4.    المنهج والسياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة في إدارة الاقتصاد الوطني.

وفي العام 2006 بدأ المشهد الاقتصادي في قطاع غزة يتأثر بعامل جديد وربما الأهم نسبياً هو الحصار الإسرائيلي المباشر والمحكم. ومما زاد المشهد الاقتصادي الفلسطيني بشقيه تعقيداً الحدث العرضي المؤلم الذي عاشه الشعب الفلسطيني منذ عام 2007 والمتمثل في الانقسامالسياسي والمؤسسي بين الضفة وغزة.

ولإحداث تطور جوهري ومستدام في الاقتصاد الفلسطيني، لا بَّد من إحداث تغيير ملحوظ في واحد من هذه العوامل بدءاً من قواعد وأسس العلاقات السياسية والأمنية مع إسرائيل. وطالما بقيت هذه العوامل على حالها، سيبقى الوضع الاقتصادي الفلسطيني هشاً ومشوهاً ومنكشفاً باستمرار على الصدمات والأزمات الخارجية.

هذا مع التأكيد على أن هذه العوامل تتفاوت من حيث درجة ونطاق تأثيرها على مسار الاقتصاد الفلسطيني وتشكيل خصائصه وملامحه. وليس مستغرباً أن يكون عامل المنهج الاقتصادي المعتمد من قبل السلطة والسياسات المنبثقة عنه أقل هذه العوامل مساهمة في تحديد مسار الاقتصاد المحلي على المستويين العملياتي والاستراتيجي. ويعود ذلك إلى الهامش المحدود الذي تركته الاتفاقات مع إسرائيل للسلطة على صعيد التحكم بمفاتيح حركة الاقتصاد من جهة، وإلى الممارسات التعسفية التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلية بشكل يومي بحق الشعب الفلسطيني وموارده الطبيعية واقتصاده الوطني بخلاف نصوص الاتفاقات على سوئها.

فلم تملك حكومات السلطة المتعاقبة إلا هامشاً محدوداً على صعيد رسم وتنفيذ سياسة تجارية مستقلة عن إسرائيل بحكم ارتباط الاقتصاديْن بغلاف جمركي واحد، أو سياسة نقدية بسبب عدم وجود عملة وطنية متداولة في الأسواق المحلية. أمَّا على صعيد السياسة المالية، فإن الحكومة الفلسطينية تملك هامشاً واسعاً ويكاد أن يكون مطلقاً في مجال إدارة وتوجيه الإنفاق العام وكذلك في تحديد نسب وشرائح الضرائب المباشرة (الدخل والأملاك)، ولكنها لا تملك نفس الهامش في مجال الضرائب غير المباشرة (القيمة المضافة والرسوم الجمركية). ولهذه الاعتبارات، فإن السياسة المالية ربما تكون هي المدخل الواقعي للتـأثير على مسار الاقتصاد الفلسطيني ولو نسبياً في ظل الظروف الراهنة. وقد يكون لتبني سياسات ملائمة ومتوازنة وعادلة في الحالة الفلسطينية لإدارة العملية التنموية أهمية إضافية بسبب القيود الإسرائيلية الثقيلة والتي تحاول أن تقوض أي فرصة أمام الاقتصاد الفلسطيني كي ينمو ويتطور.

وقد يكون من الضروري أيضا فحص الخيارات المتاحة للحد من التبعية الاقتصادية لإسرائيل وإعادة صياغتها على أسس أكثر ندية، تمنح السلطة الفلسطينية هامشاًأوسع للمناورة السياسية وتجعلها أكثر ممانعة للوقوف في وجه أية مخططات إسرائيلية لفرض حل غير عادل للصراع. فطالما استخدمت إسرائيل الورقة الاقتصادية في إطار مقايضاتها السياسية والأمنية.

4. الخيارات الممكنة لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل

إذا سلمنا بأن أزمة الاقتصاد الفلسطيني لا تعود في جوهرها لأسباب فنية أو لخيارات خاطئة وإنما لمحددات سياسية وأمنية مفروضة إما بفعل الاتفاقات أو بفعل ممارسات إسرائيلية تعسفية على الأرض خارج سياق هذه الاتفاقات، فإنه من الطبيعي الاستنتاج بأن إزالة هذه المحددات هو السبيل الوحيد الكفيل بإخراج الاقتصاد الفلسطيني من أزمته جزئياً أو كلياً.وهذا الفهم يقود لا محالة إلى الحكم المبدئي التالي: ليس من المرجح ولا من الممكن أن يتحقق السلام العادل والشامل من خلال المداخل الاقتصادية، وليس من المرجح أن يقود النجاح الاقتصادي حتى لو تحقق إلى سلام عادل وشامل. ولعلنا نجد في التجربة السابقة مع هذه الطروحات الدليل القاطع على صحة هذا الرأي. فمنذ العام 2007 تجاوز الإنفاق الحكومي الفلسطيني بالمتوسط 3.5 مليار دولار سنوياً مُوِّل ما يقارب 50% منها من المساعدات الدولية، وتحققت معدلات نمو عالية نسبياً في الناتج المحلي وانعكس ذلك إيجاباً ولو بشكل محدود على معدلات البطالة والفقر، كل ذلك لم يساعد لا في استدامة الاقتصاد ولا في التقدم على المسار السياسي. والسبب الرئيس في ذلك يكمن في استمرار المحددات السياسية والأمنية الإسرائيلية على حالها. وإذا رجعنا أكثر في تاريخ الصراع، ألم تندلع الانتفاضة الأولى في عام 1987 في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية مريحة في الضفة والقطاع؟ وفي عام 2000 انفجرت الانتفاضة الثانية والأداء الاقتصادي الكلي ومستويات معيشة المواطنين الفلسطينيين في أحسن حالهما بكل المقاييس!! ويبقى أن نؤكد بأن حالة التبعية التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي تجعل المستفيد الأكبر من الانفاق العام كما من المساعدات على اختلاف أنماطها وتوظيفاتها هو إسرائيل. فالتقديرات تشير بأن أي دولار يتم إنفاقه في الأراضي الفلسطينية يتسرب حوالي ثلثيه لمنفعة الاقتصاد الإسرائيلي من خلال قناة التبادل التجاري.

وفي الخلاصة نقول بأن الجهد الفلسطيني، كما الدولي، يجب أن ينصب على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية أولاً، ولكن بالضرورة دون إغفال أهمية مواصلة الجهد الرامي لتصويب المسار الاقتصادي وتعزيز قدرة المواطنين الفلسطينيين على الصمود والممانعة وتوسيع خياراتهم الاقتصادية حيث أمكن ذلك. وعندإنهاء الاحتلال قد لا يكون الشعب الفلسطيني بحاجةلا لمساعداتولا لمشاريع إنقاذ اقتصادية. فالاقتصاد الفلسطيني فيه الكثير من الطاقات والإمكانيات غير المستغلة بسبب الاحتلال وستكون كافية لتحقيق أداء اقتصادي أفضل من دول كثيرة في العالم. وإلى ذلك الحين علينا أن نشرع في برنامج تصحيح اقتصادي يمكّن السلطة والناس من الاستمرار في نضالهم التحرري.

بطبيعة الحال فإن الاتجاه الذي سيذهب به المشهد السياسي الفلسطيني في علاقاته الداخلية وعلاقته مع إسرائيل والمجتمع الدولي، سيكون له بالغ الأثر على الوضع الاقتصادي بشقيه العام والخاص.

اولاً: ما الخيارات الممكنة لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل

إذا ما اتفقنا أولا على أن الوصول إلى علاقات اقتصادية مع إسرائيل تتصف بالندية والتكافؤ وتضمن مصالح الطرفين دون إجحاف يتطلب تغيير الواقع السياسي والأمني الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، وتسلبهم بواسطته معظم مظاهر السيادة على اقتصادهم ومواردهم وسياساتهم ومعابرهم وعلاقاتهم مع العالم الخارجي. وإذا ما اتفقنا على أن معظم العلاقات الاقتصادية القائمة حاليا مع إسرائيل هي قسرية وقائمة بفعل قوة الاحتلال العسكري وليستطوعية استنادا إلى اتفاقات ثنائية قائمة على المنافع المتبادلة. وإذا ما اتفقنا أيضا على أن إسرائيل ليست في وارد إعادة التفاوض حاليا مع الفلسطينيين على اتفاقاقتصادي جديد يحل محل بروتوكول باريس بمعزل عن مسار التفاوض السياسي والأمني، على اعتبار أن إسرائيل تسعى دوما لمقايضة أية تنازلات اقتصادية قد تقدمها للفلسطينيين بمكاسب سياسية وأمنية بما يخدم رؤيتها لحل الصراع. وإذا ما افترضنا أنه ليس بمقدور السلطة الفلسطينية في الوقت الراهن فرض قواعد جديدة على الأرض للعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل من طرف واحد وبالقوة، فإن الخيارات الممكنة والواقعيةلإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل تبدو محدودة في ظل استمرار تمسك القيادة الفلسطينية بمسار المفاوضات ونتائجه والتزامها بالاتفاقات الموقعة. ولكن مساحة هذه الخيارات وطبيعتها تتسع وتتنوع إذا ما قررت القيادة الفلسطينية التخلي عن مسار المفاوضات وإنهاء العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل مما يفتح الطريق أمام المواجهة الشاملة مع الاحتلال الإسرائيلي،وعندها تكون مجمل العلاقات مع إسرائيل على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية مفتوحة على جميع الاحتمالات والاتجاهات.

ونظراً لعدم ترجيح حدوث تغير استراتيجي في الموقف الفلسطيني من عملية التسوية، فإننا نفترض أن الجهد الفلسطيني على صعيد العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل سينصب على تحسين شروطها وانتزاع صلاحيات أكبر لإدارة الاقتصاد المحلي.ويمكن أن نسوق بعض المعطيات الاقتصادية التي تكرست على الأرض في مرحلة ما بعد أوسلو للتدليل على محدودية الخيارات والبدائل للتأثير على مسار العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل استراتيجياً في ظل استمرار التمسك بمسار التسوية عبر المفاوضات.

1)    اختلال صارخ في الميزان التجاري لصالح إسرائيل. فنحن نستورد من إسرائيلأو من خلالها أكثر من 70% من احتياجات السوق المحلي من السلع والخدمات (حوالي 4 مليار دولار سنوياً). وحتىإن الاستيراد المباشر والذي يشكل 3% من حجم الواردات فهو للأسف لا بد وأن يمر عبر المعابر الحدودية التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل مطلق. ومعظم السلع والخدمات التي يتم استيرادها من إسرائيلأو من خلال المعابر التي تسيطر عليها تُصنف على أنها أساسية وحيوية ليس فقط لاستخدامات الاستهلاك وإنما أيضا للإنتاج والبناء.فنحن مضطرون لاستيراد جميع مصادر الطاقة والماء والإسمنت وجزء هام من الخضروات ومواد البناء وغيرهامن إسرائيل. وللأسف يبدو أن السلطة لا تملك خيارات جدية لتعديل الهيكل التجاري الخارجي لفلسطين في الوقت الراهن، ولكن ربما تستطيع السلطة الشروع في تنفيذ خطة استراتيجية للتخفيف من حدة الاعتمادية والتبعية التجارية لإسرائيل من قبيل بناء وتشغيل مشاريع لإنتاج الطاقة البديلة ورفع كفاءة إدارة وتخزين المياه وإعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطينيلإعادة الاعتبار للقطاعين الزراعي والصناعي لزيادة حصة المنتج المحلي في السوق.

2)    استناداً إلى المعطى الأول، فإن حوالي 70% من إيرادات خزينة السلطة يأتي من خلال المقاصة مع إسرائيل، وهي ضرائب قيمة مضافة ومشتريات وجمارك تجبيها إسرائيل على الواردات من الخارج للأسواق الفلسطينية أو على مشتريات الفلسطينيين من إسرائيل وتحولها لخزينة السلطة وفق آلية المقاصة المعمول بها حسب بروتوكول باريس، فهذا يدلل على مظهر آخر من مظاهر الارتهان والتبعية الاقتصادية والمالية لإسرائيل. وبدون أموال المقاصة تجد السلطة نفسها عاجزة عن دفع فاتورة الرواتب والأجور، حتى!!! وفي ظل فشل السلطة في إيجاد بدائل تمويلية أخرى في حال تعطلت آلية المقاصة بقرار فلسطيني أو إسرائيلي، نجد من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل إقدام السلطة على اتخاذ قرارات تقود إلى وقف العمل بآلية المقاصة حاليا. فالعلاقة المالية مع إسرائيليبدوأنها غير قابلة للمس أو التغيير إلا إذا كان ذلك باتفاق الطرفين.

3)    أما التجلي الثالث للتبعية الاقتصادية لإسرائيل فيكمن في حجم العمالة الفلسطينية في الاقتصاد الإسرائيلي وللأسف في المستوطنات أيضا. فعدد العمال الفلسطينيين في المستوطنات زاد من 12000 شخص في عام 2010 إلى حوالي 30000 في عام 2015، هذا بالرغم من المرسوم الرئاسي بقانون الذي صدر عام 2010وجرم العمل في المستوطنات. ويعود السبب في ارتفاع عدد العمال في إسرائيلإلى ضعف القدرة الاستيعابية للاقتصاد الفلسطيني بسبب القيود الإسرائيلية على حركة الأشخاص والبضائع ورأس المال واستمرار سيطرتها على معظم الموارد فوق الأرض وتحتها. ولم تبذل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة أي جهد منهجي ومدروس لمواجهة معضلة البطالة المتفشية بين الشباب وبالتالي تقليل اعتماد الفلسطينيين على العمل في إسرائيل. ومن الممكن أن تتخذ السلطة قرارا بوقف تدفق العمالة الفلسطينية للسوق الإسرائيلي بشكل تام في إطار سعيها لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية معها، ولكن السؤال الكبير الذي بحاجة لإجابة: هل من الممكن فعل ذلك بدون توفير فرص عمل لمن سيفقدون عملهم؟ وهل سيلحق هذا الإجراء الضرر بإسرائيلأم بالفلسطينيين؟ وهل هذا الضرر في حال وقوعه ستقابله مكاسب سياسية؟

 

ومن هذه المعطيات يتضح بأن إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل في ظل استمرار الوقائع السياسية والأمنية على حالها تبدو مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة، إلا إذا قررت القيادة الفلسطينية انتهاج سبيل المواجهة الشاملة مع الاحتلال الإسرائيلي بدون اعتبار لأي أضرار اقتصادية قد تلحق بالفلسطينيين نتيجة لذلك!! ولكن يمكن للسلطة أن تتابع وتتأكد من الالتزام بمقاطعة منتجات المستوطنات كما جاء في القرار بقانون الصادر عن الرئيس قبل سنوات، لأن تنظيف المتاجر الفلسطينية من منتجات المستوطنات ستكون له انعكاسات اقتصادية إيجابية إلى جانب قيمته الأخلاقية العالية. ويمكنهاأيضا أن تدعم ولو بشكل غير معلن حملات المقاطعة الشعبية المحلية والدولية. وكل توفير دولار استيراد من إسرائيل قد يعني جزءاً من فرصة عمل في السوق المحلي ويعني كذلك عوائد مقاصة أقل وجباية محلية أكبر. ومن شأن هذه النتائج أن تفكك العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل ولو جزئياً.

كما يتوجب على السلطة أن تقوم بعدد من الإصلاحات الاقتصادية في ظل الوضع الراهن التي من شأنها أن ترفع من قدرة الفلسطينيين على الصمود والممانعة وتحصنهم ولو قليلا ضد لجوء إسرائيل لمعاقبتهم اقتصاديا في سعيها لابتزازهم سياسياً. ونسرد هذه الإصلاحات الممكنة والتي أيضا ستحضر لتغيير استراتيجي في مسار العلاقات مع إسرائيل عندما يحين الوقت المناسب لذلك.

 

على صعيد السياسة المالية العامة

يجب التأكيد أولاً على أن المساعدات الدولية قد لا تستمر إلى الأبد، على الأقل ضمن الوتيرة الحالية، وبالتالي يجب أن لا تبقى عنصراً دائماً وثابتاً في الاستراتيجية التنموية، بل يجب النظر إليها باعتبارها مؤقتة وغير مضمونة توجب على الفلسطينيين بذل أقصى درجة ممكنة من الحكمة والكفاءة في استغلالها عند توفرها مع مواصلة البحث عن السبل الكفيلة بالتخلص من الاعتماد عليها تدريجياً. وقد بدأت اعتمادية السلطة على المساعدات الدولية فعلاً بالانحسار خلال السنتين الماضيتين. هذا التوجه الحكومي قد يكون مشروعاً ومبرراً سياسيا واقتصاديا، ولكنه لا يحظى بإجماع وطني حيث يرى الكثيرون بأن هذه المساعدات هي ضرورية لتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي تلحق بهم بسبب الاحتلال الإسرائيلي.وبالتالي فإن هذه المساعدات يجب أن تستمر طالما بقي الاحتلال قائما. ووضعت الحكومة لنفسها هدفاً طموحاً وربما غير واقعي يتمثل في الاستغناء عن هذه المساعدات مع نهاية عام 2013،لذلك لميتحقق. ولذا من المتوقع أن تبقى هذه المساعدات الدولية عنصراً هاماً في تمويل العجز الكلي في الموازنة في السنوات الثلاث القادمة.

لماذا البحث عن سياسة مالية جديدة الآن؟

·        التراجع التدريجي في حجم ووتيرة المساعدات منذ نهاية عام 2010، فجَّر أزمة مالية خانقة للسلطة ليس من الصعب تلمس مظاهرها وأبعادها.

·        والأهم أن هذه الأزمة أعادت وبقوة طرح سؤال الاستدامة المالية للسلطة على طاولة الجدل والنقاش من جديد، بل إنها أعادت توجيه بوصلة هذا الجدل نحو البدائل أو الخيارات المتاحة والممكنة لتبنّي سياسة مالية وطنية لمرحلة قادمة قد تغيب فيها هذه المساعدات جزئياً أو كلياً.

·        وتكتسب محاولة إعادة بناء السياسة المالية أهمية خاصة في مرحلة إقامة الدولة الفلسطينية حيث تزداد فيها احتمالات المواجهة مع إسرائيل وربما مع بعض المانحين الرئيسيين.

·        وهناك مخاوف لدى الأوساط الفلسطينية أن تستخدم الدول والجهات المانحة ”ورقة المساعدات“ وتستخدم إسرائيل ورقة ”التحويلات الضريبية“ في هذه المواجهة المفتوحة.

 

ملامح السياسة المالية الممكنة !!

الخيارات المفترضة لأي دولة لحل أزمتها المالية هي:

ü     زيادة الإيرادات المحلية (الضريبية وغير الضريبية) إما عبر توسيع طاقة الاقتصاد المحلي أو عبر تحسين الجباية الضريبية من خلال توسيع القاعدة الأفقية للضرائب أو من خلال الحد من ظاهرتي التهرب والتسرب الضريبي.

ü     التقشف في النفقات العامة، من خلال إعادة جدولتها على قاعدة ”الأولى فالأولى“، أو من خلال تحسين كفاءة الإنفاق ووقف هدر المال العام. ويجب الإشارة هنا إلى أن هناك فرقاً بين ”التقشف“ و“الترشيد“.

ü     الاقتراض الإضافي حسبما تسمح به القوانين والأنظمة النافذة، وذلك إمَّا من خلال السوق المصرفي أو السوق المالي.

ü     استقطاب مساعدات عربية ودولية طارئة.

ولكن السؤال الجوهري هو: أي من هذه الخيارات متاحة وممكنة للسلطة الوطنية الفلسطينية وفق الحالة الراهنة؟

ü     زيادة الإيرادات هو خيار ممكن ولكن بحدود. فلا يمكن أن يصل العبء الضريبي في مناطق السلطة إلى 75% من الناتج المحلي لتمويل كامل النفقات الجارية. والأهم يجب مراعاة قاعدتي ”العدالة“ و“التحفيز الاقتصادي“ عند فعل ذلك. وتأتي التعديلات الأخيرة على قانون ضريبة الدخل في إطار سعي الحكومة لزيادة الجباية المحلية. ولكن لا يمكن أن تؤدي هذه التعديلات إلى زيادة كبيرة في الإيرادات بسبب الاختلال الجوهري في النظام الضريبي الفلسطيني والذي ينحاز في الأساس للضرائب غير المباشرة وتحديدا ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية (على الاستهلاك) على حساب الضرائب المباشرة على الدخل والثروة.

ü     التقشف هو خيار مطلوب وملح وله قيمتان إحداهما اقتصادية والأخرى أخلاقية. ولكن هذا الخيار بشكل عام غير شعبوي وغالباً ما يلقى معارضة شديدة. وفي الحالة الفلسطينية فإن هذا الخيار مقيَّد بخصائص الإنفاق الجاري أيضاً.

ü     الاقتراض الإضافي هو خيار غير متاح حالياً للسلطة لأسباب عدة هي:

1.    أن قانون الدين العام يحدد في مادته الخامسة سقفاً على الدين العام مقداره 40% من الناتج المحلي الإجمالي.

2.    إن التوسع في الاقتراض المحلي له آثار اقتصادية سلبية ناجمة عن مزاحمة القطاع العام للقطاع الخاص على الموارد المالية المتاحة.

3.    إن التوسع في الاقتراض المصرفي المحلي سيزيد مما يُعرف ”بمخاطر التركز الائتماني“.

ü     أما الاقتراض عن طريق إصدار سندات في اكتتاب خاص أو عام قد يكون ممكناً وجذاباً وخصوصاً في أوساط الشتات الفلسطيني الثري. ويمكن لهذه السندات أن تستند إلى أساسيْ العوائد الاقتصادية والمالية معاً. ولكن يستدعي ذلك إما تعديل قانون الدين أو تحقيق نمو اقتصادي كافٍ لذلك.  

ü     استقطاب مساعدات دولية إضافية (منتظمة وطارئة) قد يكون خياراً متاحاً عربياً وإسلامياً ولكنه خيار محدود دولياً في ظل انسداد الأفق التفاوضي وبالمقابل تصاعد احتمالات المواجهة مع إسرائيل.

ü     وقد يكون مفيداً في هذه المرحلة البحث مع اللجنة الرباعية والأطراف الدولية الأخرى عن آلية تضمن انتظام إسرائيل في تحويل المستحقات المالية الشهرية لخزينة السلطة دون مراوغة أو توظيف سياسي. وقد تكون إحدى هذه الآليات حصول السلطة علىضامن أو كفيل دولي (دولة أو مؤسسة) لهذه التحويلات كشرط إضافي للعودة إلى المفاوضات النهائية المباشرة مع إسرائيل.

وعليه، فإذا كانت جميع هذه الخيارات ضرورية لسياسة مالية وطنية مستدامة وكفؤة فإن أياً منها هو قطعاً غير كافٍ بمفرده لتحقيق ذلك.

 

على صعيد السياسات الكلية والقطاعية

·        إصلاح التشوهات في سوق العمل، من خلال استيعاب الجزء الأكبر من الأيدي العاملة الفلسطينية داخل الاقتصاد الفلسطيني، وبالذات داخل القطاع الخاص. ويتطلب ذلك تفعيل دور صندوق التشغيل وتبني سياسات تعمل على زيادة إنتاجية العامل الفلسطيني من خلال التركيز على تصدير السلع والخدمات الفلسطينية ذات القيمة المضافة العالمية بدلا من تصدير العمالة الفلسطينية، من خلال الاهتمام بالتنمية البشرية وتحسين إنتاجية العمل، والاهتمام ببرامج التأهيل والتدريب المهني والتقني وتطور النظام التعليمي الجامعي، بما يتلاءم واحتياجات سوق العمل.

·       تقليص تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع العالم العربي والإسلامي. وفي هذا السياق يبرز إلى السطح سؤال يدور حول مصير اتفاق باريس الاقتصادي فهل يجب تعديل هذا الاتفاق من خلال التفاوض مع إسرائيل؟ أم يجب تجميد العمل به إلى حين الوصول إلى اتفاق جديد؟ أم يجب العمل على مطالبة إسرائيل من خلال اللجنة الرباعية أو أطراف دولية أخرى التزاماً كاملاً بهذا الاتفاقإلى حين الوصول إلى ترتيب نهائي للعلاقات السياسية والأمنية مع إسرائيل في إطار الحل النهائي العادل والشامل أولاً؟. الباحث هو من أصحاب الخيار الأخير، لأن فتح هذا الاتفاق مع إسرائيل لتعديل نصوصهيتطلب مفاوضات مباشرة وينطوي ذلك على أضرار سياسية وتقويض قدرة القيادة الفلسطينية على الاستمرار في موقفها الرافض للمفاوضات دون أن تتحقق الشروط الفلسطينية العادلة لذلك. كما أن المشكلة الأساسية لا تكمن في اتفاق باريس بحد ذاته وإنما في مرجعيته السياسية والأمنية التي جاءت في اتفاقأوسلو. فتعديل نصوص الاتفاق حتى لو كان وفق الرؤية الفلسطينية الخالصة لن تكون له منافع وعوائد اقتصادية ذات مغزى طالما بقيت إسرائيل تسيطر على الأرض والحدود والموارد وتفرض قيوداً على حركة الأشخاص والبضائع داخل مناطق السلطة بذرائع أمنية، فعزل تطور العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل عن تطور مسار التسوية السياسية ليس إطارا صحيحا، فافتراض الطابع التعاوني وإمكانية تطوير العلاقات الاقتصادية، بغض النظر عن التقدم في مسار عملية التسوية السياسية ثبت عدم دقته وبخاصة انكشافه أمام الأزمات، إلى جانب عدم دقة افتراض مبدأ حسن النية الإسرائيلي والذي لم يكن كذلك في كل المراحل.

·        دعم مؤسسات الخدمات والرعاية الاجتما

الملفات المرفقة

نصر عبد الكريم.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website