سر استعصاء الدولة الفلسطينية، جميل هلال - العددان 262-263

سر استعصاء الدولة الفلسطينية

جميل هلال[*]

 

وصول"حل الدولتين"الذي بشّر به اتفاق أوسلو لطريق مسدود، يستدعيمراجعة نقدية للمسار الذي اعتمدته الحركة السياسية الفلسطينية المعاصرة.مشروع إقامة دولة فلسطينية ليس جديدا، فقد طرح قبل العام 1948 في قرار التقسيم (القرار رقم 181) عام 1947 قبل الانسحاب البريطاني من فلسطين،وقبل ذلك من خلال مشروع اللجنة الملكية البريطانية لتقسيم فلسطين (لجنة "بيل" الملكية) عام 1937 على أثر الثورة الفلسطينية الكبرى في العام 1936.ورغم تكرار مساعي نيل الاستقلال منذ قيام منظمة التحرير الفلسطينية إلا أن الطريق بقي مغلقا أمام هذه المساعي. لذا السؤال حول سر استعصاء قيام دولة فلسطينية مستقلة.صحيح أننا الآن بحيازة رموز دولة فلسطينية لكنها رموز حاضرة على الورقوغائبة تماما عن أرض الواقع، وليس أدّل على ذلك من طلب الدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة توفير الحماية لرعاياها من تنكيل الدولة الاستعمارية المحتلة.

التراجع عنتشخيص الحركة الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية عنصرية

لعل أكثر ما يسترعي الانتباه التحول الذي دخل على برنامج منظمة التحريروالذي سار بتسارعملحوظ نحو تبني مشروع إقامة دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين. ويبدو أن هذا تم دون وعي لما يعنيه ذلك من اقتراب في التعاطي مع الحركة الصهيونية كما تطرح هي نفسها كحركة تحرر وليس كحركة استعمارية استيطانية إحلالية.

كما ذكر سالفا تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية طرح، قبل العام 1948 من قوى وهيئات خارجية من مفهوم يقوم على وجود صراع بين حركتي تحرر تتنافسان على الأرض ذاتها؛ حركة تحرر فلسطينية وأخرى يهودية. وهذا الفهم رُفض فلسطينيا وعربيا آنذاك، على أساس أن المطلوب هو دولة فلسطينية تعددية[1].ما طرح في أواخر الستينات من قبل أوساط نافذة في منظمة التحرير (شعار دولة فلسطينية علمانية)[2]ارتكز على وعي للصهيونية كحركة استعمارية استيطانية، ميز بينها وبين اليهودية كدين، وفسح لليهود مكانا في الدولة الديمقراطية الواحدة على أرض فلسطين التاريخية.لكن ما طرح في العام 1974 (البرنامج المرحلي[3] أو برنامج النقاط العشر كما سمي آنذاك) حاول إبقاء الباب مفتوحالدولة ديمقراطية لكنه أعطى الأولويةلدولة (أو سلطة وطنية) على الأجزاء التي تنسحب منها إسرائيل توقعا لتداعيات حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973. أما إعلان الاستقلال للعام 1988 (الذي صيغ في خضم الانتفاضة الأولى التي بدأت في نهاية عام 1987) فقد سيطرت عليه رؤية أن دولة فلسطينية مستقلة باتت على الأبواب.

انطوى اتفاق أوسلو 1993 على تقدير أن إسرائيل بصدد الموافقة على تقسيم فلسطين إلى دولتين. وهناتجدر ملاحظة أن الميثاق الوطني الفلسطيني ينص بشكل واضح وصريح على عدم إجازة برنامج سياسي فلسطيني يجيز تقسيم فلسطين[4]. والجديد هنا أن إجازة تقسيم فلسطين تمت بموافقة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، رغم معارضة داخلية قوية لاتفاق أوسلو، كما للبرنامج المرحلي. وفي الحالتين لم تنجح في منع أو تعطيل أي منهما.

لكنالموافقة على تقسيم فلسطين على أسس وشروط اتفاق أوسلو هيأها عاملان أساسيان؛ الأول، ضغوط الجغرافيا السياسية القاسيةالتي وصلت ذروتها مع خروج المقاومة من لبنان وتشتيت قواتها واندلاع الانتفاضة الأولى؛ وثانيا، تحولات إقليمية ودولية ذات أبعاد مفصلية، أبرزها اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وانهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة الولايات المتحدة، كحليف استراتيجي لإسرائيل، على المنطقة، وحرب الخليج بعد غزو العراق للكويت التي أبرزت تداعي النظام الإقليمي العربي، وفرض عزلة سياسية ومالية على منظمة التحرير.

لكن ما ميّز اتفاق أوسلو عما سبقه من مشاريع لإقامة دولة فلسطينية كان الاعتراف الرسمي والمعلن من قبل قيادة منظمة التحرير بدولة إسرائيل قبل اعتراف الأخيرة بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعلى إقليمها المعترف به.اتفاق أوسلو أنشأ حكما ذاتيا إداريا على أجزاء من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، تاركا للمفاوضات الثنائية (برعاية أمريكية) البت بقضايا التسوية النهائية (القدس، والحدود، واللاجئين، وغيرها). النخبة السياسية الفلسطينية التي أقرت اتفاق أوسلو اعتقدت أن الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة على الأراضي التي احتلت عام 1967، قادمة لا محالة، وهو ما تبين أنه اعتقاد ساذج تماما، وقاد إلى التفريط بالمؤسسة الوطنية الجامعة، بدلا من تعزيز حضورها وتطويره.

الاعتقاد بأن تحقق دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل بات قيد التحقق دفع بالقائمين على سلطة الحكم الذاتي اعتبار المؤسسات الوطنية التمثيلية الجامعة أمورا فائضة عن الحاجة. ولذا انشغل القائمون على السلطة في بناء مؤسسات وأجهزة الدولة التي ستتجسد بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (التي كان من المفترض أن تنتهي في العام 1999). لكن فشل مفاوضات كامب ديفيد في صيف 2000 كشف بأن المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة ليستبصددالموافقة علىتقسيم أرض فلسطين التاريخية إلى دولتين، فهذه بالنسبة للحركة الصهيونية هي أرض الميعاد، أرض إسرائيل. ما تلا ذلك من انتفاضة ثانية وإعادة اجتياح مدن الضفة الغربية وفرض السيطرة الأمنية على مناطق "أ" و"ب" والمستمر حتى اللحظة ومحاصرة مقر رئيس السلطة الفلسطينية، وتشديد الضغوط عليهلتقديم المزيد من التنازلات السياسية لإسرائيل وما تلا ذلك،بات قصة معروفة لا ضرورة لسردها مجددا.

الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية كان قبولها تقسيمأرض فلسطين التاريخية بين الشعب الفلسطيني (ساكن الأرض الأصلي) والحركة الصهيونية ممثلة بإسرائيل (بما هي دولة مستعمرين تولوا تهجير معظم سكان البلد الأصليين وسلب أرضهم). اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل برأها من كونها دولة استعمارية استيطانية وبرأ الصهيونية من سمة العنصرية، وشرّع لها مجال تقديمنفسها عالميا كحركة تحرر.وعلى خلفية هذه الإنجازات للحركة الصهيونية، يتم الآن، مطالبة إسرائيل للفلسطينيين الاعتراف بها كدولة يهودية، أي التخلي عن الرواية التاريخية الفلسطينية لصالح الرواية الصهيونية.

أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية قبل العام 1948 جيدا السمة الاستعمارية الاستيطانية العنصرية للحركة الصهيونية، وعلى ضوء ذلك وقفت بحدة ضد الهجرة الصهيونية لفلسطين.تجدد هذا الوعي بعد ولادة حركة وطنية جديدة (في إطار منظمة التحرير الفلسطينية) في أواخر الستينات.لكن الفعل السياسي المتولد عن هذا الوعي لم يستمر طويلا لأكثر من سبب. من هذه الأسباب ما يعود للجغرافيا السياسية التي باتت تتحكم بأوضاع التجمعات الفلسطينية المختلفة بعد حرب حزيران (يونيو)عام 1967. لقد فرضت الجغرافيا السياسية على الحركة الوطنية الجديدة، موضعة مركزها القيادي-المؤسساتي خارج إقليمها الوطني (حيث تقيم تجمعات فلسطينية لاجئة ونازحة)الذي باتت تحتله إسرائيل بالكامل.

تشييد مركز الحركة الوطنية الفلسطينية خارج إقليمها الوطني جعل مؤسساتها وقواعدها العسكرية والمخيمات الفلسطينية التي شكلت قاعدتها البشرية، عرضة دائمة للغارات العسكرية الإسرائيلية الجويةوالاجتياحات البرية.لكنه جعلها أيضا عرضة لضغوطوتدخلات الدول العربية المضيفة لمؤسسات وأجهزة وقواعد منظمة التحرير.وسبب ذلك يعود، في جانب مهم، للتعارض بين منطق الدولة الوطنية ومنطق حركة التحرر الوطني: منطق الأولى يتجسد في ممارستها السيطرة على حدودها ومعابرها واحتكارها شرعية امتلاك واستخدام السلاح (والعنف) ووسائل السيطرة الأمنية. منطق حركة تحرر وطني (كما كان حال منظمة التحرير آنذاك) يعني مقارعة الدولة الاستعمارية المحتلة،ومقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة لها (ومنها السلاح) وإقامة القواعد العسكرية حيث الضرورة لذلك واختراق الحدود دون أذون إن دعت الضرورة. لذا اتسمت علاقة الدولة المضيفة والمنظمة بتوتر دائم، تطور في لحظات معينة لمجابهات عسكرية. هذا بالإضافة إلى أن الدول "المضيفة" لمؤسسات المنظمة (وفصائلها) وأجهزتها لم تكن مستعدة لتحمّل كلفة الاعتداءات الإسرائيلية الانتقامية ردا أو استباقا لنشاط الثورة الفلسطينية ومقاتليها يمارس على أراضي هذه الدول ومنها.

بدأت غالبية قيادة منظمة التحرير- بعد إخراجها من الأردن وانتقالها للبنان واشتباكها مع الجيش اللبناني بعد فترة وجيزة من وجودها في البلد -تعي صعوبة وضعها كحركة تحرر وطني تقيم مؤسساتها ومعسكراتها وأجهزتها على إقليم دولة أخرى وإن وجد عليها جزء من الشعب الفلسطيني بحكم حالة التهجير التي تعرض لها. وتعزز هذا الوعي بعد تورط المنظمة في الحرب الأهلية اللبنانية، وبشكل صارخ بعد خروج المنظمة من لبنان (في أواخر صيف 1982) بعد اجتياحه من قبل الجيش الإسرائيلي وحصاره لبيروت لثمانٍ وثمانين يوما. وكان لتشتيت قوات منظمة التحرير على عدد من الدول العربية، وعزلها عن قاعدتها الاجتماعية (المخيمات) وعن إمكانية الاشتباك مع الدولة المحتلة، وتدخل دول عربية (ليبيا وسوريا على وجه الخصوص) بشكل مباشر وفج في أوضاعها الداخلية وسياستها،الأثر الأكبر في تغذية تهيئة القيادة السياسية الفلسطينية للبحث عن طرق للانفكاك من حالة المنفى بعد أن فشلت في العثور على "هانوي" عربية. هذا مهم، في رأيي، لفهم سرعة انتقال منظمة التحرير من حالة حركة تحرر إلى حالة سلطة تبحث عن دولة على جزء من وطن شعبها.

وفرّت الانتفاضة الأولى للقيادة الفلسطينيةحيثيات اتخاذ قرار في المجلس الوطني (الدورة التاسعة عشرة، في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1988) يعترف بالقرارين 242 و338، أي موافقتها رسميا على تقسيم فلسطين وفق حدودالعام 1967، ودعت إلىوضع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تحت الوصايةالدولية، تمهيدا لقيام دولة فلسطينية مستقلة عليها[5].

الاعتراف بدولة إسرائيل دون اعتراف مقابل

الخطأ الثاني لقيادة منظمة التحرير كان في توقيع اتفاق معإسرائيل عام 1993،لا ينص بشكل واضح وجلي وموثق دوليا على اعترافها بدولة فلسطينية كاملة السيادة على كل الأرض التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية واستعدادها لتفكيك مستوطناتها في هذه الأراضي، دون الانتقاص من حق العودة، كما نصت قرارات المجلس الوطني في العام 1988. هذا التوقيع كان خطأ استراتيجيا لأنه منح إسرائيل حرية مواصلة مشروعها الصهيوني بدون قيود وشروط ملزمة. وهذا ما تبين تماما خلال السنوات التي تلت توقيع اتفاق أوسلو إذ أن إسرائيل أو بالأحرى الحركة الصهيونية لم تغيّر من سياستها تجاه فلسطين والشعب الفلسطيني؛ فهي واصلت عملية السيطرة على وضم أكبر قدر من الأرض الفلسطينية مع العمل على أن تكون بأقل قدر من الفلسطينيين (السكان الأصليين).

الخطأ الثالث، وهو خطأ على درجة كبيرة من الأهمية، كان تهميش القيادة الفلسطينية للمؤسسات الوطنية الجامعة لصالح بناء مؤسسات حكم ذاتي باعتبار أنها نواة الدولة الفلسطينية التي اعتقدت أنها وشيكة.لقد غاب عن إدراكها أن ما يحرك إسرائيل هي الأيديولوجية الصهيونية وأن اتفاق أوسلو لن يغيّر من مركبات هذه الأيديولوجية. فبعد اتفاق أوسلو اشتدت وتيرة الاستعمار الاستيطاني، واشتدت سيطرة اليمين واليمين الاستيطاني على مراكز القرار الإسرائيلي، وانهمكت في تشييد نظام فصل عنصري وهندسة السكان الأصليين في معازل تسهل السيطرة الأمنية والاقتصادية واللوجستية عليها. لقد استفادت إسرائيل من ميزان القوى المختل تماما لصالحها لإحداث تغييرات جوهرية على الأرض عبر تسمين مستعمراها، وتهويد القدس، والسيطرة على غور الأردن، وبناء الجدار العنصري ومساحات واسعة من الطرق الالتفافية، وفرض حصار خانق على قطاع غزة، ومواصلة هدم البيوت والاعتقالات التعسفية للآلاف من الفلسطينيين، وإقامة مئات الحواجز الثابتة والطيارة. كما تولت إضعاف السلطة الفلسطينيةبخطوات وإجراءات تراكمية عبر السيطرة على الاقتصاد والمعابر والحركة الداخلية وتوليد الاعتماد على الريع والتحويلات الخارجية. كماتحولت النخب السياسية من نخب وطنية (بمعنى حقلها السياسي) إلى نخب محلية بعد تداعي وتفكك المؤسسات الوطنية الجامعة (مؤسسات منظمة التحرير الجامعة ومعها الاتحادات الشعبية والنقابات المهنية).

لا شك بأن النخب السياسية الفلسطينية في الضفة والقطاع تتحمل المسؤولية الأولى عن تدبير الانقسام السياسي-الجغرافي-المؤسساتي الحاصل بين الضفة وقطاع غزة وعن إدامته. ولا شك أيضا بأن هذا الانقسام، وقد فاق عمره الثماني سنوات، قد ساهم في إضعاف الحركة السياسية الفلسطينية وساهم في انكشاف التجمعات الفلسطينية لأشكال مختلفة من المخاطر والتمييز والاضطهاد عبر تفتيت الحقل السياسي الوطني إلى حقول محلية دون حماية وطنية. لقد بات مشهد النخب الفلسطينية وهي تحج إلىعواصم الدول العربية والغربية لأخذ رأيها في الموقف الذي عليها اتخاذه مغاير تماما لما كان يحدث قبل اتفاق أوسلو، حين كانت تذهب إلى هذه العواصم سعيالجمع التأييد لموقفها.

لقد وصل مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على جزء من أرض فلسطين إلى مأزق كلي كما تؤكد بأشكال جديدة،الحراكات الشبابية ضد الاحتلال والاستيطان. ولم تعد استحالة قيام دولة فلسطينية في المدى المنظور خافية على غالبية الفلسطينيين في الضفة والقطاع حسب استطلاعات الرأي في الأشهر الأخيرة[6].لا يعني فقدان الثقة بالمفاوضات الثنائية، كما مورست، وجود ثقة بأن المقاومةالمسلحة كما يفهمها البعض هي الاستراتيجية الأنجع، في مجابهة دولة مدججة بكل أنواع السلاح ولا تتوانى عن استخدامها كما أثبتت، ولا تزال،مئات المرات.وهي"استراتيجية" لا تشرك مكونات الشعب الفلسطيني جميعها، ولا هي، كما هو حال استراتيجية المفاوضات، تستند إلى قوى الشعب الفلسطيني بمكوناته وبفئاته ومؤسساته وأطره وهيئاته المختلفة. كما أنها تخلو من برنامج سياسي واضح ومحدد، مما يفرغها من وظيفتها كاستراتيجية ويحولها إلى تعويذة يكشف تكرارها اليومي خواءها من أي دليل للعمل. صحيح أن امتلاك السلاح والتدريب على استخدامه في قطاع غزة بات رادعاللعدوان الإسرائيلي على القطاع، لكن الصحيح كذلك أنه لم يستطع، حتى اللحظة، فرض فك الحصار عن الشعب الفلسطيني هناك.

 لم تنجح المفاوضات ولا المقاومة المسلحة في وقف الاستيطان، ومنع تجزئة أراضي الضفة الغربية إلى معازل سكانية، ولا منعت تحويل غزة إلى غيتوومعسكر اعتقال جماعي، ولا هي أوقفتما يجري من تهويد للقدس وتهجير لسكانها الفلسطينيينومواصلة فرض التقسيم الزمني على المسجد الأقصى، والسيطرة الكاملة على أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية، بما فيها غور الأردن.كما أنها لم توقف ممارسات التمييز العنصري ضد الأقلية الفلسطينية في إسرائيل ولا هي حمتفئات واسعة من الفلسطينيين في الشتات من التعرض لأوضاع معيشية وإنسانية وتهجيرية صعبة للغاية.

وهناك خشية أن يستخدم الحراك الشبابي الأخير ضد الاحتلال الاستعماري ومستوطنيه من أجل العودةإلى التفاوض الثنائي وعلى أساس ذات الشروط والأسس الإسرائيلية السابقة، أمام موقف أميركي يصر على انحيازه التام وغير الأخلاقي للدولة الاستعمارية العنصرية. وهو أمر قد يدفع باتجاه ترسيخ كيانين سياسيين منفصلين ومحاصرين وهزيلين في غزة وفي الضفة الغربية يبحث كل منهما عما يمكنه من الاستمرار المعاق.

من أين نبدأ؟

لعله آن الأوانلاستعادة فهمناللصهيونية التي تهيمن كأيديولوجية على المجتمعين المدنيوالسياسي في إسرائيل. والحركة الصهيونيةطرحتنفسهاكحركة تحرر وطني خاضت حرب استقلال ونجحت في إقامة دولتها في فلسطين باعتبارها أرض الميعاد، وأن ما تقومبه إسرائيل الآن هو استكمال حرب الاستقلال، والسيطرة على أرض جديدة كجزء من أرض إسرائيل، ومن هناتطرح إسرائيل أن من يقف في وجه توسعها الاستيطاني هو "إرهاب" فلسطيني، وليس حركة تحرر فلسطيني. المشكلة أن السياسات التي تبنتها منظمة التحرير، في الثمانينات وفي التسعينات عززترؤية الحركة الصهيونية لنفسها كحركة تحرر للشعب اليهودي (وهو شعب من اختراع الصهيونية وبتدبير من إسرائيل). هذا كان الخطأ الأهم للحركة الفلسطينية، تلاه خطأ بذات الحجم من الجسامةتمثل بالاعتراف بإسرائيل دون اعتراف هذه بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والعودة والاستقلال على أرضه، وهو أمر يقتضى من إسرائيل ومن الحركة الصهيونية، الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال التام على أرضه،وهذا أحد أبرز مصادراستعصاء الدولة الفلسطينية، وسيبقى كذلكإن لم يجر تحول في بنية الأيديولوجية الصهيونية ينعكس داخل الحقلين السياسي والثقافي في إسرائيل.

هذا التحول يشترط فلسطينيا ما يلي:

أولا، إعادة بناء الحركة الفلسطينية كحركة تحرر وطني على أسس ديمقراطية تمثيلية جامعة لمكونات الكل الفلسطيني لتشملقواها السياسية المختلفة وكل تجمعات الشعب الفلسطيني.وقد كتب الكثير حول هذهالقضية بما في ذلك من كاتب هذا المقال، ولا داعي للتكرار.

ثانيا، حاجة عاجلة لإعادة النظر في حل الدولتين ليس لأنه بات مستحيلابحكم التغييرات الجغرافية والسكانية على الأرض فحسب،بل لأنه ينطوي على إقرار ضمني بالصهيونيةكحركة تحرر وطني، والتراجع عن اعتبارهاحركة استعمارية استيطانية إحلالية.

ثالثا، ما سبق يعني أن على الحركة الوطنية الفلسطينية الجديدةطرح تصور للعلاقة المستقبلية بين الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل تقرير المصير والعودة والتحرر الوطني وبين الشعب الإسرائيلي (والتشديد على الإسرائيلي) بمكوناته الرئيسة (الفلسطينيون العرب،اليهود العرب، اليهود الأوروبيون، واليهود الروس، وأقليات إثنية أخرى). وهذا يحتاج إلىاستراتيجية جديدةخطابا وممارسة وعلاقات، استراتيجية متكاملة تشرك مكونات الكل الفلسطيني،وتخاطب إسرائيل بمكوناتها المختلفة مما يلقي مسؤولية مباشرة على الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، وكذلك على فلسطينيي الضفة والقطاع؛استراتيجيةتخاطب الرأي العام العالمي من موقعها كحركة تحرر تحمل قيما إنسانية قوامها الحرية على قاعدة المساواة والعدالة.

ما سبق يعني أن علينا أن نفكر ونعمل حتى ننتصر لفلسطين أولا، ثم نبحث كيف نجعل فلسطين تنتصر داخل المجتمع الإسرائيلي (بمظاهرات حاشدة في تل أبيب ضد الظلم التاريخي الذي لحق بشعب فلسطين)،وفي العواصم العربية والدولية.

 هذا ما أرى علينامناقشته بهدوء ومسؤولية وشفافية.وأمليأن تبادرمجلة "شؤون فلسطينية" وغيرها منالمنابر الفلسطينيةبفتح صفحاتهالمناقشته.

 

 

الهوامش:


[*]باحث مقيم في رام الله.


[1] وافقت على قرار التقسيم الدول الكبرى (بما فيها الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وفرنسا)، وتحفظت بريطانيا (دولة الانتداب) وصوّت ضد القرار كل الدول العربية ومعها الهند واليونان وكوبا.

[2]انظر/ي مقال د. نبيل شعث، "فلسطين الغد"، مجلة "شؤون فلسطينية"، العدد الثاني، 1971.

[3]التداول في البرنامج المرحلي بدأ قبل حرب تشرين الأول (أكتوبر) وليس بعدها كما يعتقد البعض، وجاء في سياق التفكير في ما العمل بعد خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن، والانقسام اللبناني إزاء وجودها في لبنان. حرب تشرين عام 1973 أعطت دفعا لفكرة إقامة سلطة وطنية على الجزء الذي قد تنسحب عنه إسرائيل في تسوية نهائية.

[4]ينص الميثاق الوطني الفلسطيني في مادته الثانية على أن "فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ"، وحصر في المادة السادسة الجنسية الفلسطينية في"اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها". وجاء في المادة التاسعة عشرة: "تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام إسرائيل باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه ومناقضته للمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدمتها حق تقرير المصير".جاء في المادة العشرين أن "اليهودية بوصفها ديناً سماوياً ليست قومية ذات وجود مستقل وكذلك فإن اليهود ليسوا شعباً واحداً له شخصيته المستقلة". وأكدت المادة الثانية والعشرون: "الصهيونية حركة سياسية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالإمبريالية العالمية ومعادية لجميع حركات التحرر والتقدم في العالم، وهي حركة عنصرية تعصبية في تكوينها، عدوانية توسعية استيطانية في أهدافها، وفاشية نازية في وسائلها، وإن إسرائيل هي أداة الحركة الصهيونية وقاعدة بشرية جغرافية للإمبريالية العالمية ونقطة ارتكاز ووثوب لها في قلب أرض الوطن العربي لضرب أماني الأمة العربية في التحرير والوحدة والتقدم" (التشديد مضاف).

[5]جاء في قرارات المجلس الوطني في دورته التاسعة عشرة ما يلي:

أ-ضرورة انعقاد المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الأوسط، وجوهرها القضية الفلسطينية، تحت إشراف الأمم المتحدة... آخذين بالاعتبار أن المؤتمر الدولي ينعقد على قاعدة قراري مجلس الأمن رقم 242، 338، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني....

ب- انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها في العام 1967 بما فيها القدس العربية.

ت- إلغاء جميع إجراءات الإلحاق والضم، وإزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية والعربية منذ العام 1967.

ث-السعي لوضع الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس العربية، تحت إشراف الأمم المتحدة لفترة محدودة؛ لحماية شعبنا ولتوفير مناخ موات وتحقيق الأمن والسلام للجميع بقبول ورضى متبادلين، ولتمكين الدولة الفلسطينية من ممارسة سلطاتها الفعلية على هذه الأراضي.

ج- حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بهذا الشأن.

ح- ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية في الأماكن المقدسة في فلسطين لأتباع جميع الأديان.

خ- يضع مجلس الأمن ويضمن ترتيبات الأمن والسلام، بين جميع الدول المعنية في المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية.

[6]انظر/ي على سبيل المثال؛ استطلاع الرأي العام الفلسطيني، تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، لمركز العالم العربي للبحوث والتنمية (أوراد). أظهر الاستطلاع أن أكثر من 54% من العينة المستطلعة رأوا أن هدف إنشاء دولة فلسطينية بات أبعد عن التحقيق. كما أن أكثر من 43% باتوا يعارضون حل الدولتين، وإن بقيت نسبة تزيد قليلا عن النصف تفضل حل الدولتين. وفي استطلاع آخر لمركز البحوث السياسية والمسحية (21 أيلول (سبتمبر) 2015، استطلاع رقم 57)، رأى%65 من العينةأنحلال دولتين لم يعد حلاً عملياً بسبب التوسع الاستيطاني فيما قالت ما نسبته 32% أنهلايزالحلا عمليا. كما اعتبر 53% من المستطلعة آراؤهم أن السلطة باتت عبئا على الشعب الفلسطيني مقابل 40% اعتبرها إنجازاً. وأظهر الاستطلاع أن منظمة التحرير الفلسطينية لا تتم تعبثقة الجمهورالفلسطيني حيث أن الأغلبية أوعلى الأقل النسبة الأعظم تفضل عليها السلطة الفلسطينية حتىل وكان ذلك يتعلق بشؤون التسوية الدائمة مع إسرائيل. لا يعني هذا وجود ثقة بالسلطة الفلسطينية فأغلبية طالبت بحلها.

 

الملفات المرفقة

جميل هلال.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website