الفكر السياسي الفلسطيني -سميح حمودة-261

فيصل حوراني، الفكر السياسي الفلسطيني 1964-1974، دراسة للمواثيق الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية، رام الله، الطبعة الثانية 2015، 256 صفحة.

{C}[*]{C}مراجعة سميح حمّودة – جامعة بيرزيت

 

يعتبر كتاب فيصل حوراني هذا، والذي صدرت طبعته الأولى عن مركز الأبحاث ببيروت في العام 1980م، رائداً في حقل الدراسات الفلسطينية النظرية، فهو أول عملٍ بحثي ظهر عربياً يتناول بالدراسة والتحليل قسماً هامّاً من الفكر السياسي الفلسطيني[1]، وهو القسم الذي تبلور بعد النكبة، وفي فترة التفكير بمسألة تأسيس كيان فلسطيني يمثِّل الفلسطينيين ويقودهم خلال كفاحهم من أجل استرداد أرضهم، والذي نتج عنه تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف.) والإعلان عن قيامها في حزيران من العام 1964م. ويقتصر الكتاب على دراسة طروحات المنظمة وممارساتها خلال عشر سنوات من حياتها (1964-1974م) ومواقف عدد من الحركات الفلسطينية منها، ويستند في ذلك إلى جملةٍ من المصادر الأولية التي تعبِّر عن هذا الفكر، وهي الوثائق الرسمية التي صدرت عن المنظمة وعن المجلس الوطني الفلسطيني خلال الفترة المبحوثة، وبعضها الآخر صدر عن الفصائل الفدائية والسياسية التي بقيت خارج المنظمة خلال رئاسة الشقيري، أو تأسست بعد حرب 1967م، ثمّ دخلت للمنظمة بعد ذلك وأعادت صياغة الوثائق الرسمية، مثل فتح وحركة القوميين العرب والجبهتين الشعبية والديمقراطية. ويعتمد الكاتب منهجاً فكرياً يحلِّل مضامين هذه الوثائق، ويكشف عن الغموض والضعف في أفكارها وأطروحاتها، ويقارن أحدثها بأقدمها، ليرصد التغير فيها، ويضع هذا التغير في إطار تاريخي، إذ يشرح الأحداث العربية والدولية التي استجدت على الساحة واستوجبت إعادة النظر في الطروحات والمقالات السياسية، وهو ينظر للفكر السياسي الفلسطيني على أنّه بالدرجة الأولى فكر براغماتي تجريبي، بالرغم من المكونات الثابتة القليلة فيه[2]، وهو أيضاً يقيس التطور في هذا الفكر بقدر اقترابه مما يعتقد هو أنّه الفكر الواقعي الصحيح الذي يطرح ما يمكن تحقيقه، ولا يكتفي بالرفض المطلق للتسوية، والإصرار على كامل الحقوق الفلسطينية، وعدم القبول بتجزيئها.

هدف الكتاب، كما تبينه مقدمة الطبعة الأولى، أن يضع صورةً للفكر السياسي الفلسطيني كما أظهرته طروحات منظمة التحرير الفلسطينية وممارساتها، في الفترة الممتدة بين تأسيسها في العام 1964م وبين إعلانها برنامجها المرحلي في العام 1974م، وهدفه أيضاً مناقشة أهم مكونات هذا الفكر في الفترة ذاتها. والكاتب في تفسيره لتحديد الفترة الزمنية للبحث يعتبر تأسيس المنظمة الحدث الأهم في تاريخ الشعب الفلسطيني بعد النكبة، وأنَّ وضع البرنامج المرحلي الحدث الأهم في تاريخ هذه المنظمة، وهو يظهر تحيزه لهذا البرنامج فيعتبره تتويجاً للتطور الذي اختطته المنظمة، ويقول إنّه "وضع مطاليب الشعب الفلسطيني لأول مرَّة في السياق الذي يجعلها مفهومة ومؤيدة من أوسع أوساط الرأي العام العربي والدولي". فالمقدمة إذاً تضع أمامنا اختيارات الكاتب الفكرية والمنهجية، والتي سكبت البحث في صورته الأخيرة، وحكمت اتجاهاته التحليلية وطرقه في التقويم. والكتاب في كلِّ ما جاء بعد المقدمة يبين لنا ضعف وتهافت الفكر السياسي لمنظمة التحرير في مرحلة تأسيسها وكيف أخذ هذا الفكر يشذِّب نفسه ويعيد النظر في مقولاته حتى وصل إلى البرنامج المرحلي.

يقع الكتاب في مقدمة وتمهيد وستة فصول وخاتمة، وهي بمجموعها تشكّل الطبعة الأولى للكتاب دون أية إضافات سوى صفحة ونصف تتصدر الطبعة الجديدة هذه ومعنونة بـِ"هذه الطبعة" وفيها يبيِّن الكاتب أنّه قام بتنقيح الطبعة الأولى من الكتاب ولم يحتاج "إلى إدخال أي تعديلٍ يمس بنيته أو يمسُّ الآراء التي وردت فيه"، كما أنّه لم يحتاج إلى "تصويب أي واقعة". فنحن إذاً أمام ذات العمل القديم ولكن بحلّةٍ جديدة.

يتناول التمهيد تطور الحركة الوطنية الفلسطينية في عهد الانتداب البريطاني وفكرها السياسي الذي تبلور خلال هذه الحقبة، ويتطرق للمؤتمرات الثمانية التي عقدتها الحركة الوطنية خلال الفترة بين 1919م و1936م، ويشرح موقف القيادة الفلسطينية، التي تشكلت في أغلبها من العائلات الإقطاعية، من الدولة البريطانية ومن استخدام الكفاح المسلّح ضدّها، ويشرح الظروف التي أدّت إلى نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948م والموقف الدولي الذي تمثَّل بإصدار قرار التقسيم ورفض الفلسطينيين له. يتناول التمهيد أيضاً ظروف القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بعد النكبة فيتحدَّث عن ضمّ الأردن للضفة الغربية، وفشل محاولة مصرية لضمِّ قطاع غزة، ويستعرض بإيجاز محاولات تجميع صفوف الفلسطينيين في منظمات مسلّحة أو اتحادات شعبية، ويتطرق للتوجه الفلسطيني نحو إيجاد كيانٍ وطنيٍّ سياسي لشعبٍ تشتَّت، يظهر الشخصية الفلسطينية ويحافظ على هوية الشعب الفلسطيني، وهو أمرٌ لم يكن سهلاً في ظلِّ سيادة الفكر القومي العربي الذي يعطي بعداً عربياً للقضية أكثر من البعد الفلسطيني، بيد أنَّ قبول الجمهورية العربية المتحدة، مصر، وحركة القوميين العرب وحزب البعث العربي، والذي وافق رسمياً في العام 1963م على اعتبار عرب فلسطين أداة أولى في التحرير، على إعادة بناء الكيان الفلسطيني أدّى لإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية كي تجسد الشخصية الفلسطينية في الكفاح ضد إسرائيل. فالتمهيد بالمجمل يعرض للظروف العربية والفلسطينية التي أدت لولادة م. ت. ف. في العام 1964م.

يبحث الفصل الأول في ظروف تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ومواقف القوى العربية والفلسطينية المختلفة من تكليف أحمد الشقيري بتأسيس الكيان ومن فكرة الكيان نفسها، ويسرد ظروف انعقاد المؤتمر الفلسطيني الأول الذي انتهى بالإعلان عن تأسيس المنظمة، ويستعرض العقبات التي وقفت في وجه مؤسس المنظمة، وبالأخص تلك الناجمة عن رفض الزعامة التقليدية، المتمثلة بالحاج أمين وهيئته العربية العليا، لها، ومساندة السعودية له، والعقبات الناجمة عن موقف سوريا الذي حكمته ظروف الصراع بين البعثيين وعبد الناصر عقب انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا، وتلك الناجمة أيضاً عن موقف الأردن الذي كان يبدي تحسساً شديداً تجاه مسألة السيادة على الضفة الغربية ومسألة تمثيل الفلسطينيين الذين تحولوا لمواطنين أردنيين بعد ضمّ الضفة الغربية للمملكة الأردنية، ويسرد الكاتب كيف تدخل الأردن في تركيبة أعضاء المؤتمر وفرض على الشقيري قبول عشرات من الشخصيات الفلسطينية التي كانت توالي النظام الهاشمي، ولا ترى بديلاً عن الوحدة بين الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن، ويعرض تأثير ذلك على موقف المنظمة من السيادة الفلسطينية على الضفة الغربية، التي هي أرضٌ فلسطينية، وعلى مسألة تمثيل الفلسطينيين الذين منحتهم المملكة الأردنية جنسيتها، حيث تنازل الشقيري في المسألتين لصالح الأردن، كما أعلن أنه لن يطالب بالسيادة على أراضي قطاع غزة، وكانت تحت الإدارة المصرية، ولا أراضي منطقة الحمّة، وكانت تحت السيطرة السورية. ويقف الكاتب عند التأثيرات التي أحدثها الواقع العربي على بنية المنظمة وعلى العلاقة بين القوى السياسية المختلفة، وكيف أنتجت هذه الأمور "الميثاق القومي الفلسطيني" بصيغته الأخيرة ويستعرض التغييرات الطفيفة التي أحدثتها لجنة صياغة الميثاق التي شكلها المؤتمر الفلسطيني الأول.

يخصص الكاتب الفصل الثاني لمناقشة أفكار الميثاق القومي وبنوده الأساسية التي وضعها أحمد الشقيري، كما يحلّل جوانب من النظام الأساسي للمنظمة، ويعرض لأفكار المؤسسين وتصوراتهم لدور المنظمة. يقدِّم الكاتب تحليلاً لمقدمة الميثاق وموادِّه واحدةً واحدة، يُظهر من خلاله نقاط الضعف فيها، من حيث غموض أفكارها في مواطن عديدة، فيذكر مثلاً إغفال المقدمة وتجاهلها لذكر مسائل مهمة مثل إسرائيل والدول الاستعمارية والدول الاشتراكية، وغياب مسألة الاستقلال الفلسطيني عنها. ويناقش الكاتب مواد الميثاق وقضاياه الأساسية من مثل عروبة فلسطين، ومسألة تقرير المصير، والعقيدة السياسية، ومفهوم القومية العربية، والموقف من الحزبية، وغيرها. وفي نقاشه لكل هذه المسائل يضع الكاتب أمام القارئ صورةً سلبيةً للميثاق الذي عجز عن تجسيد الفكرة المطلوبة من قبل الشعب الفلسطيني، وطريقة تحقيق الأهداف التي يسعى لتحقيقها، وصيغ بطريقة مستعجلة تناسب الهدف الأساسي وهو تأسيس المنظمة وإعلان وجودها دون الحرص على تلبية كلِّ الشروط اللازمة لجعلها منظمة قوية وفاعلة. فالمنظمة ولدت برضوخ للواقع العربي ولمطالب بعض الدول العربية دون أن تحرص على استقلالها، ونظامها الأساسي منح رئيسها صلاحيات واسعة أبعدتها عن الجوهر الديمقراطي، كما أبعدتها عن الجماهير الفلسطينية وعن الحركات السياسية والفدائية الأخرى.

ينتقل الفصل الثالث للبحث في موقف ثلاث من القوى السياسية الفلسطينية، هي حركة القوميين العرب وحركة فتح والمستقلين، من تأسيس المنظمة، ويتناول علاقات هذه القوى الثلاث مع المنظمة وردات فعلها على تأسيسها ونشاطها وأعمالها خلال عامٍ واحدٍ من تأسيسها، وهي مواقف في جملتها ناقدة للشقيري ولطريقته في العمل، فالقوميون العرب أشاروا لرضوخه للشروط الأردنية وانحرافه عن جادّة الصواب،[3] وفتح تحدثت عن تخديره للجماهير وترويجه للأوهام، وتحديداً في مسألة تأسيس جيش التحرير، وصرفه بذلك الشباب الفلسطيني عن الانخراط في صفوف الثورة الحقيقية التي ستنجز الأهداف الفلسطينية، والتي تتجسد بحركة فتح ذاتها. 

أما الفصل الرابع فقد خصصه الكاتب لنقاش الميثاق الوطني الفلسطيني والذي جاء تعديلاً للميثاق القومي نتيجة للظروف الجديدة التي فرضتها هزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1967م، ويستعرض الكاتب في الفصل هذه التعديلات والتي تمثلت في شطب عدة مواد من الميثاق وإضافة أخرى، وتعديل الصياغة في عددٍ آخر من المواد. ويتناول الفصل الخامس رسوخ الدعوة بين الفصائل الفلسطينية داخل المنظمة لهدف تحقيق الاستقلال الوطني الفلسطيني، وهو هدف لم يكن واضحاً في الميثاق القومي. ويعرض الفصل السادس لتوجه المنظمة نحو التسوية في أعقاب حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973م، وصدور قرار مجلس الأمن رقم 338، والذي يدعو إلى التعجيل في إبرام تسوية للصراع بين العرب وإسرائيل، وما تبع ذلك من نقاشات وأبحاث اعتبر خلالها الطرف الرافض لأية تسوية أن الحرب "لم توفر الأساس للأمل بتحقيق منجزات وطنية فلسطينية"، بينما شكّك خلالها تيار الواقعية في قدرة الحرب الشعبية على تحرير فلسطين في حين عجز الجيشان المصري والسوري، رغم كل الاستعدادات والتحضيرات عن زحزحة إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها عام 1967م. ويستعرض الفصل دور الجبهة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، التي قرر المجلس الوطني الفلسطيني تشكيلها في دورته الحادية عشرة في شهر كانون الثاني (يناير) 1973م، بالدفع باتجاه القبول بمبدأ التسوية، وهو موقف تأثر بشكل كبير بموقف الحزب الشيوعي الأردني المنسجم مع الموقف السوفييتي آنذاك. ويعرض الكاتب للمذكرة التي رفعتها الجبهة لمنظمة التحرير بتاريخ 1 كانون الأول (ديسمبر) 1973، ويظهر حججها وتبريراتها لدعوتها لقبول التسوية. يعرض الكاتب في الفصل ظروف الاتفاق داخل منظمة التحرير على طرح المشروع المرحلي، ويتناول بالتحليل نقاطه العشر واحدةً واحدة.

ملاحظات على الكتاب

ثمّة جملة من الملاحظات الأساسية حول منهج الكتاب وأطروحاته، فأولاً من الواضح أنّ الكاتب اختطّ منهجاً يعتبر مقياس التطور في الفكر السياسي الفلسطيني هو مدى إدراك هذا الفكر لعجز العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً عن تحرير فلسطين واسترداد حقوق شعبها، ومدى استجابته للإرادة الدولية بهذا الخصوص، فلا خصوم العرب ولا أصدقاؤهم الدوليون سيسمحون بالقضاء على إسرائيل وإزالتها من الوجود، وهو الهدف الذي حدَّده الميثاقان القومي والوطني. ويسير خطّ أفكار الكتاب من هدف التحرير الشامل إلى البرنامج المرحلي الذي يجسِّد الواقعية السياسية، ويستند لفهمٍ صحيح، حسب رأي الكاتب، للواقع الفلسطيني والعربي والدولي، وإدراكٍ دقيق لقدرات إسرائيل العسكرية والحربية. لذا نجد الكاتب يعرض بحماسة واضحة للبرنامج المرحلي، ويضع هدف التسوية السياسية مع العدو الإسرائيلي وكأنّه الخيار المنطقي الوحيد.

لا يعالج الكاتب مخاطر هذا النهج، ورغم أنَّ الكتاب يصدر في طبعته الثانية بعد خمسة وثلاثين عاماً من طبعته الأولى إلا أنّ الكاتب يصر في مقدمته للطبعة الثانية أن الاستنتاجات الأساسية للكتاب ليست بحاجةٍ للتغيير أو التعديل، وكأنَّ أحداث هذه السنوات المديدة لم تظهر المخاطر الكامنة في أطروحات المدرسة الواقعية التي تبناها الكاتب ودافع عنها. فقد تبنّت القيادة الفلسطينية نهج التسوية السياسية ورضخت للضغوط العربية والدولية، واستجابت للطلبات الأمريكية والإسرائيلية، وقدّمت تنازلاتٍ كثيرةٍ جداً، ولكنها في المقابل لم تحصل على أيِّ كيانٍ سياسي يمكن له أن يستجيب لبعض حقوق الشعب الفلسطيني، ويمكن له أن يؤسس لوجودٍ على الأرض يستفيد من التغيرات التي قد تطرأ على ميزان القوى العالمي، ويسمح بالتالي للفلسطينيين لطلب المزيد، من مثل العودة لقرار التقسيم.

باعتقادنا أنّه كان من الواجب على الكاتب أن يضيف للكتاب على الأقل فصلاً جديداً يقوِّم فيه نتائج السير في خط التسوية والقبول بالقرارات الدولية التي تعترف بحقوق للصهاينة في فلسطين، ويشرح لماذا فشل هذا الخيار، وهل فشله ناجمٌ عن طبيعة الكيان الصهيوني وطبيعة الامبريالية الغربية التي تدعمه، أم هو ناجمٌ عن سوء أداء القيادة الفلسطينية التي قادت الشعب نحو التسوية، ووافقت على إيقاف الكفاح المسلَّح وإدانته، بل ووافقت على أن تعمل وكيلاً لأمن إسرائيل فتطارد كل من تسول له نفسه الاستمرار في خط الكفاح المسلّح.

ثانياً، من الواضح أيضاً في خطِّ الكتاب أنّه عوَّل كثيراً على المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، ولا يخفى على القارئ أنّ علاقة القوى الفلسطينية مع هذا المعسكر وزعيمه هي أيضاً إحدى المعايير التي استخدمها الكاتب لتتبع ورصد التطور في الفكر السياسي الفلسطيني، وهو يبدي تفهماً لموقف الاتحاد السوفييتي من قرار التقسيم ومن الاعتراف بإسرائيل، ويعزوه إلى إدراك السوفييت لاختلال ميزان القوى بين العرب والصهاينة، وبالتالي لم يكن أي حلٍّ غير التقسيم ممكناً وعملياً. وهذا اللجوء لمقولة ميزان القوى وتبرير القبول بالأمر الواقع بناءً عليها يثير إشكالات فلسفية كثيرة، ليس أقلها إغفال دور الاتحاد السوفييتي نفسه في ترجيح كفة الميزان لصالح الصهاينة، فهو لم يقدّم أي سلاحٍ للعرب في حين قدّمه لأعدائهم، كما أنّه لم يعارض السياسة الغربية الداعمة للصهيونية وإسرائيل بكل قوة، فميزان القوى لا يتشكل في فراغ، بل يتشكل بناءً على عملٍ على الأرض يستند لمفاهيم نظرية من ألفبائها الدفاع عن العدل والحق، وعدم الاستسلام للظلم والعدوان. أيضاً إذا كان ميزان القوى، والذي هو منذ القضاء على الثورة الفلسطينية سنة 1939م لصالح الامبريالية الغربية وإسرائيل، هو المعيار في المواقف السياسية فلماذا قامت منظمة التحرير أصلاً، ولماذا قامت سائر الفصائل المقاتلة، وعلى رأسها فتح؟ فكان الأولى منذ البداية التسليم بوجود إسرائيل والاعتراف به والسعي للاتفاق معها. وكذلك يمكن لنا أن نتفهم طرح هذا التبرير في إطار أطروحات الفكر اليساري الذي ساد وقت نشر الطبعة الأولى، ولكن أن لا يأخذ الكاتب حدث انهيار الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية بعين الاعتبار في إعادة النظر باستنتاجات الكتاب الأصلية أمرٌ غير مفهوم.

ثالثاً، إنَّ من واجبنا، من أجل تقويم منهج الكاتب، والآراء الفكرية التي اختارها لنفسه وبنى تحليله وتقويمه للفكر السياسي الفلسطيني عليها، أن نطرح الأسئلة الصعبة التي لم يطرحها، وأن نثير القضايا الشائكة التي لم يثرها. ومن هذه الأسئلة والقضايا مسألة الرأي العام العربي والعالمي وقول الكاتب بأنّه كان من المفروض على الفلسطينيين تقديم طرحٍ مفهومٍ لديهما، فهل الرأي العام العربي هو ذاته الرأي العام العالمي، وهل يمكن أن نقول إنّ هناك رأياً عامّاً عالمياً موحداً يملك الحق في تقرير ما يجب أن تريده وتسعى لتحقيقه الشعوب المقهورة والمغتَصَبة بالنسبة لحقوقها الأساسية في أرضها ووطنها التاريخي؟ وإذا كان الحال كذلك فهل يسهل رصد وكشف هذا الرأي العام العالمي ومعرفة ما هو مفهوم وما هو غير مفهومٍ بالنسبة له، وهل هو ثابتٌ أم متغير، وما هي عوامل تغيره ومن هي القوى التي تملك تغييره؟ وهل للرأي العام دورٌ حاسم في تقرير الحقوق ومصائر الصراعات الدولية؟ وإنّ من أفظع الأخطاء التي يرتكبها منظرو الرضوخ للرأي العام العالمي أنَّهم لا يدرسون هذه المسائل المهمة. فمن أين يأتي المنطق الذي يقول إنّ على شعبٍ ما أن يتخلّى عن أرضه ويرحل عنها إن كان الرأي العام العالمي (على فرض وجوده ووحدته) يعتقد أنّ شعباً آخر يستحق هذه الأرض؟ ومَنْ مِنْ شعوب الأرض يقبل هذا المنطق، وما معنى وجود قوانين إنسانية ودولية إن كانت الأمور المصيرية تقرَّر بناءً على أمزجة العامّة التي يمكن بكل سهولة تشكيلها والتأثير عليها من خلال التعليم والإعلام والسينما وغيرها؟

 

 

الهوامش:

 

[*]{C}

 

[1] ظهر بعد كتاب حوراني عدة كتب تبحث في الفكر السياسي منها كتاب غازي حسين الفكر السياسي الفلسطيني 1963–1988، دار دانية للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1413هـ/1993م، ويتناول الكتاب موقف حزب البعث من القضية، وفكر منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، والكتاب أقرب للسرد التاريخي منه للتحليل النظري للحركات السياسية العربية والفلسطينية وتعاملها مع القضية الفلسطينية؛ وكتاب إبراهيم أبراش البعد القومي للقضية الفلسطينية، القضية الفلسطينية بين القومية العربية والوطنية الفلسطينية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987، وهو بالأصل أطروحة دكتوراه تبحث في الفكر والموقف السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية لحركة القوميين العرب وللناصريين ولحزب البعث العربي الاشتراكي.

[2] ص. 7.

[3] ص. 92.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website