الوفاء للرواد: حسن مصطفى نموذجاً - حسين ابو شنب - العدد 261

الوفاء للرواد: حسن مصطفى نموذجاً

                                                                       أ. د. حسين أبو شنب[*]

 

سألني ذات يوم أحد أساتذة الأدب العربي المرموقين في بلد عربي كبير، لماذا لا تكتبون تاريخكم؟ ولماذا لا توثقون للرواد؟ غيركم ليس له تاريخ، وكتبوا لهم تاريخاً، وليس لهم رواد، وصنعوا لهم رواداً؟ وسجلوا أمام العالم أنهم أوفياء للرواد وللتاريخ.

هكذا استعادتني ابنة الراحل الكبير حسن مصطفى السيدة نادية وهي تنبش في الذاكرة وتحفر في العمق لتكتب للتاريخ والوفاء للرواد في فلسطين، بعد انكشاف اللعبة المؤامرة على فلسطين لحرف التاريخ عن المسار، والتعتيم على الرواد وعلى الإنتاج وعلى الإبداع، فقد ابتلى الله فلسطين، فجعلها صرة الأرض، ومنحها المسجد الأقصى لتكون بوابة الأرض إلى السماء وبوابة السماء إلى الأرض، ولتكون أرض المحشر والمنشر، وأهلها في رباط إلى يوم الدين.

قدسية فلسطين جلبت لها من لا يرحم، ولا يعلم، ويصر على ولوج الظلمة والبعد عن الحق، فحاولوا إغفال عملية التأريخ، وكأن فلسطين تابع وتاريخها وإنتاجها الفكري والثقافي ملك للمتبوع، وما يزال هناك من يقفز عن فلسطين وروادها وما أكثرهم وفي مختلف الميادين وساهموا في بناء الحضارة في كثير من بلدان العالم، بل ونافسوا كثيراً على الصدارة والريادة، ومن هؤلاء الرواد الراحل الكبير حسن مصطفى الذي وجدت فيه واحداً من القلائل الحريصين على فلسطين وطناً حاضناً للعطاء، ومنتجاً للرواد، فهذا خليل السكاكيني يتربع على عرش الأدب العربي محاضرا في جامعة فؤاد الأول (القاهرة) ويصبح أستاذاً لأدب الأطفال والتربية والتعليم، وهذا الدكتور إسحاق الحسيني وخليل بيدس يتربعان على عرش الأدب المقارن، وهذا إبراهيم طوقان يختال عطاء ونبضاً وطنياً فيرسم الوطن ويحكي تاريخه إيجاباً في مواجهة الدعايات والادعاءات وهو مع غيره من الرواد صنعوا إذاعة لفلسطين نافست على الصدارة مع الإذاعة المصرية (هنا القاهرة) فكانت إذاعتنا (هنا القدس) الثانية في سلم الإذاعات في الوطن العربي أي قبل إذاعة بغداد ودمشق وتونس وبيروت، وكان فرسانها رواداً بارزين في ميدان الأثير ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، عجاج نويهض، وعزبي النشاشيبي، وعصام حماد، وعبد المجيد أبو لين، وصبحي أبو لغد، وكامل قسطندى، ومصطفى أبو غريبة، وراجي صهيون، وشريف العلمي، ومحمد أديب العامري، وناصر الدين النشاشيبي، وعلي وهارون هاشم رشيد، وهنريت سكسك (الأخت سعاد) وسميرة عزام وسميرة أبو غزالة، وفاطمة البديري هي أول مذيعة في الوطن العربي وغير ذلك كثير من الأجيال الإذاعية الخمسة التي بدأت منذ انطلاق إذاعة (هنا القدس) في 30/3/1936، وإذاعة الشرق الأدنى عام 1941م، وإذاعة صوت فلسطين صوت منظمة التحرير الفلسطينية في 1/3/1965م، صوت فلسطين بعد اندماج إذاعة العاصفة مع إذاعة منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بعد ذلك سلسلة الإذاعيين المبدعين في مرحلة بناء السلطة الوطنية وما تلاها من إذاعاتنا المحلية المتنوعة ومتعددة الاتجاهات والانتماءات في غزة والضفة الغربية والقدس.

ونأتي إلى مقصدنا في هذه الكلمات وهو الراحل الكبير حسن مصطفى، فمن هو؟ ولماذا نسجل الوفاء له؟ وماذا بعد ذلك؟

·        حسن مصطفى..... عطاء متعدد:

عندما قرأت ما ينشر عن الراحل الكبير حسن مصطفى تشكلت في الذاكرة سيرة عامرة، وارفة الظلال، متعددة الأغصان، وافرة الثمار، فهو يرسم صورة رائعة لابن فلسطين، الوفي، المنتج، المثابر، الحريص، فهو ابن قرية (بتير) من ضواحي القدس ومن مواليد 25/12/1914، فهو الريفي الفذ المؤمن بالأرض بعد إيمانه بخالقه كما وصفه أحد تلامذته جورج عبد الله تمارى، ويرى في هذه القرية نموذجاً حياً للصمود والتحدي والإصرار على الرقي والتطور، جعلت منه رائداً للنهوض المجتمعي، وهو يؤمن بالفرد ودوره وتكامل الأدوار بين الأفراد، وهو شخصية جادة ومجتهدة فأوجد الأعمال للرجال والنساء، فالرجال يشقون الطرق الصعبة بينما النساء تشق الطرق القادرة على التواصل وفق رؤية الرائدة النسائية الأستاذة هند الحسيني، وهو عالم زاخر بالعطاء والإنتاج بأسلوب باهر، ويأخذ القلب والعقل وهو مصلح ريفي يرفع راية البناء والتعمير على الخطوط الأمامية المطلة على جراح النكبة كما وصفه الأستاذ علي البتيري.

-       وفي الإنتاج الأدبي والفكري فهو كاتب ساخر موجز، يكتب تلميحاً ويبطن أكثر مما يظهر، وأبرز ما فيه تعلقه بأرضه وإحساسه بآلام شعبه، قوي الحجة، ويحسن مقارعة الخصم ومجادلة الصديق كما وصفه الدكتور/ إسحاق موسى الحسيني.

-       حسن مصطفى واحد من المناضلين الذين سجلوا أسماءهم بمداد من النور مع رفاقه الذين اعتقلتهم سلطات الانتداب البريطاني عام 1939م، لمواقفهم القوية في مواجهة سياسات الانتداب والانحياز إلى الحركة الصهيونية من أمثال عبد القادر الحسيني، ودرويش المقدادي، وإبراهيم طوقان وأنور أبو خضر، ورشاد البيبي وغيرهم.

-       وفي ميدان الثقافة والإعلام له باع طويل في العطاء والكتابة المتخصصة في الصحافة والإذاعة، وقد دفعه ذلك إلى إصدار مجلة القافلة الأسبوعية قبل النكبة بعام واستمرت في الصدور حتى العدد الثاني والخمسين، وهي المجلة التي رأس تحريرها وضمت الكثير من الكتاب والمفكرين ورجال الإعلام في الصحافة والإذاعة وكان له برنامج بعنوان (راوية الصباح) وكان لهذا البرنامج عدد كبير من المستمعين الذين ينتظرونه بفارغ الصبر لما فيه من أدب وفكر ممتع، وساعده على ذلك تكليفه بمهمة "مراقب البرامج العربية في إذاعة الشرق الأدنى في يافا، وهو ما يجعل منه رائداً مهما في سلم رواد الفن الصحافي والإذاعي في الجيل الأول من الرواد والذين نضعهم دائماً في الصدارة وفي المراحل الأولى من الفن الإذاعي الفلسطيني الممتد من عام 1936م، وحتى اليوم.

·        حسن مصطفى رائد إذاعي:

استوقفني في مراجعة أوراق الراحل حسن مصطفى رسالة الأستاذ/ عبد الفتاح طوقان والد الشاعر الكبير إبراهيم طوقان المدير الأول لإذاعة (هنا القدس) في الفترة (1936-1940)، إلى الراحل/ حسن مصطفى يقول فيها: (أعبر لكم عن تقديري الخالص لوفائكم الجميل الذي تجلى في أروع صورة في عدد القافلة الرائع الذي خصصتموه لذكرى ولدنا الحبيب المرحوم/ إبراهيم طوقان).

والقافلة التي يديرها الراحل حسن مصطفى مصدر للتوثيق للوفاء، فقد جعل فيها سجلاً للإضاءات الوطنية والفكرية والإعلامية فكانت زاوية "أصوات عربية ينقلها الأثير" نقل فيها حسن مصطفى تاريخاً رائعاً لرواد الفن الإذاعي الفلسطيني والعربي، فأحيت مجلة القافلة تاريخاً ما كان ليكون، فأبرز موقع فلسطين بين الإذاعات العربية والدولية، فما حفظته القافلة سجل لفلسطيني دورا ًرائداً في الفن الإذاعي، ومن خلال مجلة القافلة الأسبوعية التي يحررها راحلنا الكبير/ حسن مصطفى، تعرفنا على إذاعة وطنية فلسطينية رائدة أسمها الإذاعة النقدية بقوله "هنا جرس القافلة يدق معلنا افتتاح محطة الإذاعة النقدية، تبث على موجتين قصيرتين إحداهما نرجو أن تلتقطها دار الإذاعة الفلسطينية (هنا القدس) والأخرى محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية، وهناك موجة ثالثة أطول قليلاً لا تزال تحت التجربة على أن تلتقطها الإذاعة المصرية (هنا القاهرة).

وفي مجلة القافلة التي يديرها حسن مصطفى نتعرف على الفن الإذاعي الفلسطيني المتميز قبل النكبة مشيداً ببرامجها وأساليبها فهذه الإذاعة السيارة المتنقلة تنقل ميكروفوناتها إلى مدينة غزة، عروس الجنوب تتحف المستمعين بهذا البرنامج، فهو إذاعة سارت على طريق "المحكمة السيارة، تحذو حذو القضاء والعدالة"، وفي سياق اهتمام الراحل حسن مصطفى في التوثيق للرواد يذكر لنا شخصيات إذاعية رائدة يلبسها صفات منتقاة تعكس حقيقة هذه الشخصيات فنطرب لها تحت عنوان، صوت جديد، رسم حسن مصطفى بكلماته لوحة فنية لشخصية إبداعية يقول (لفت سمعي في الآونة الأخيرة، وفي الأمسيات صوت يغاير مجموعة الأصوات التي ألفتها أذني من قبل في الإذاعات الفلسطينية، وسمعته في التعليقات السياسية فراقني، والتقطته أذني في فترات خاطفه، يقدم برنامجاً وينهي آخر، صوت خصب وعذب وحنون، ويبدو في اتزانه كهلا وفي قوته شاباً، وفي حنانه طفلاً، صاحب هذا الصوت هو إسحاق رشيد).

وفي لوحة فنية رائعة يقدم لنا حسن مصطفى في قافلة المذيع وليد أبو غزالة من خيرة مذيعي محطة الشرق الأدنى، "بين وليد والميكروفون تآلف وتمازج، حتى لو قلنا إنه وليد والميكروفون أبو غزالة، لا نكون قد بعدنا عن الصواب، وقد يقترب هذا التواؤم بينه وبين الميكروفون في الشكل، فعنقه الطويل، ذو الأنبوبة العذبة، ورأسه البيضاوي المتناسق، يجعلان منه ميكروفونا بشرياً رائداً".

وهذا نموذج آخر من لوحات حسن مصطفى وهو يوثق للرواد في الفن الإذاعي قبل النكبة لتعلم الأجيال شيئاً عن فلسطين وأبنائها الأعلام في وقت قل الأعلام في هذا الميدان وعبر الأثير.

جاء في العدد الثاني عشر، يوم الجمعة، 20/6/1947، في زاوية أصوات عربية ينقلها الأثير في الصفحة رقم 23، المذيع علي عصام مراد، من أعلام الراديو، جمع بين المتناقضات، ونسقها بانسجام تام، فهو صوفي النفس أبيقوري النزعة، فالأول جاءه عن طريق الوراثة، وأما الثاني فجاءه عن طريق الاقتباس والمحاكاة لمعلمه "أبيقور" وهو من شلة الجامعة الأمريكية في بيروت، التحق بإذاعة القدس عام 1942م، وهو من تلاميذ الرائد الإذاعي والإعلامي الكبير عجاج نويهض فعلى يديه هضم الأدب واندعك في اللغة ثم انطلق في إخراج البرامج التمثيلية، وهو صاحب صوت خاص يسمونه (مراد تون) وأسلوبه في الإلقاء أقرب إلى السهل الممتنع.

ومن أعلام الفن الإذاعي كما نقلتها القافلة عبر زاوية أصوات عربية ينقلها الأثير، الأستاذ موسى الدجاني، ويتجلى حسن مصطفى في توصيف هذا الرائد الإعلامي بأسلوبه العذب ذي الإيحاءات فيقول عن موسى الدجاني الذي لي الشرف الكبير أن أعمل تحت قيادته في إذاعة الكويت وأن أتعلم على يديه أسس الفن الإذاعي وروعته.

"الأذن تسمعه ولا تراه فتقول عنه صاحب الفضيلة الشيخ موسى الدجاني، والعين تراه ولا تسمعه فتقول عنه، قريب الشبه من الممثل العالمي "همفرى بوغرت" والميكروفون يسمعه ويراه ويحس به فيقول، يقترب موسى من حلقة الميكروفون اقتراب الوجيه من حلقة القوم، إنه جرس عربي أصيل، ونبرة منبرية خفيفة الظل، وإلقاء ترتيلي تطرب له الآذان، وصوت بعد ذلك خصب فيه فحولة الرجولة، ورنة الموسيقى، ولا غرابة أن تمنحه القافلة، لقب موكب الميكروفون، متناسقا في ذلك مع برنامجه المشهور "موكب الحجيج".

ويمضي حسن مصطفى متألقا في رسم هذه اللوحات الفنية لقافلة متميزة من رواد الفن الإذاعي تستحق أن تذكر وأن يعرفها الأجيال، واستحق حسن مصطفى أن يتربع على عرش الوفاء للرواد، وما أحوجنا نحن الفلسطينيين إلى أمثال هؤلاء الرواد الذين لا يبخلون في عطائهم، ولا ينكرون حق الآخرين في الإظهار.

وعلى جانب آخر استعرض حسن مصطفى تطور الفن الإذاعي في فلسطين وهو يعرض للبرامج الإذاعية المتميزة في مسيرة إذاعة هنا القدس، ومن ذلك الإذاعة المدرسية والإذاعة التعليمية وزاوية العلوم والأدب وحياة الشعراء والأدباء، ونختم بما أورده حسن مصطفى في قافلته عن الشاعر الكبير إبراهيم طوقان في رحلة الفن الإذاعي.

"تفخر كل أمة بشعرائها، ونستشهد بأقوالهم، والعرب أعرف الناس بقدر الشعر والشعراء، وأهل فلسطين أعرف بقدر إبراهيم طوقان وشعره، فكان صوت إبراهيم أول صوت عربي انطلق على الأثير في فلسطين حظيت به دار الإذاعة الفلسطينية تعكس براعة استهلال في الثقافة الميكروفونية، فهذا هو إبراهيم طوقان الشاعر يشهد له الميكروفون، بأنه خير رابط بين الأدب والموسيقى وهذا ما يقرب إليك سر تمازجه مع المرحوم الموسيقار يحي اللبابيدي، تمازج الغناء باللحن والذاكرة تحتفظ بأثر ذلك الصوت العذب، واللفظ المجود، والعاطفة الصادمة الأصيلة، وتبدى حنوها على اللغة العربية الكريمة، فتتخذ من الميكروفون وسيلة لبعث الأدب المنطوق والمسموع".

·        وبعد،،،،

الوفاء حق والوفاء للرواد واجب، وقد حاولت جهدي أن أسهم بقسط في تعميق روح الوفاء فأقمت من خلال عملي عميدا لكلية الإعلام متنقلاً بين جامعة الأقصى وفلسطين وغزة وغيرها، مؤتمرات ثلاثة تكريماً للرواد في الإعلام الفلسطيني، في الصحافة والإذاعة والمسرح والسينما الأموات والأحياء عبر المراحل المختلفة قبل النكبة وبعدها وحتى مرحلة السلطة الوطنية، وهو ما أثلج صدور المتابعين وأرادوه وفاء دائماً للرواد في فلسطين في مختلف الميادين وعلى مدار العطاء المتواصل.

من هنا استحق الراحل الكبير حسن مصطفى أن نقف احتراما لعطائه وإجلالاً لروحه وتقديراً لذاكرته واستمتاعاً بأسلوبه ووعيا بدوره، فكانت هذه القراءة في أوراقه ومسيرته أدعو الله أن أكون قد أعطيت ما يستحق هذا الراحل الوفي حسن مصطفى لعلنا بذلك نجد من يقول بحقنا خيراً في مسيرتنا الإعلامية الممتدة منذ عام 1965، وحتى يومنا هذا.

وأختم بكلمة حق للسيدة نادية ابنة الراحل الكبير حسن مصطفى التي ترسم بعطائها نموذجاً للوفاء وللتاريخ من خلال محاولتها الجادة في البحث والتنقيب في سيرة رجل يستحق الوفاء والتكريم.

 

[*] الخبير الإعلامي.

 

الملفات المرفقة

حسين ابوشنب.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website