"ترانيم الغواية" في مدينة السماء- محمود شاهين - العدد 260

"ترانيم الغواية" في مدينة السماء: موطن الآلهة ومقام الأمم والأنبياء!

محمود شاهين

 

 مدينة الحب والألم

القدس. بيت المقدس. اورشليم. يبوس. إيلياء. أورسالم. مورياه. بنت صهيون. مدينة داود، وأسماء أخرى كثيرة بلغات مختلفة تجاوزت العشرين اسما لمدينة الآلهة. مدينة عناة وعشتاروت وإيل وبعل. مدينة المسيح. مدينة العشق والحب والآلام، ظاهرها ايمان مطلق بمفاهيم وأسماء متعددة، وباطنها لا يخلو من غواية وضلال من أقدم العصور. مدينة اختلف المؤرخون حول تاريخها بين من أعاده إلى حوالي خمسة آلاف عام وآخر إلى قرابة ثلاثة ألاف عام. هدمت وأعيد بناؤها ثماني عشرة مرة، وكانت تنهض من دمارها لتحيا من جديد وتبقى رغم أنف جميع الغزاة عبر التاريخ.

هذه بعض الملامح التاريخية لمدينة الحب والآلام. المدينة التي تقبل كل الصفات والأسماء بخيرها وشرها، حسنها وقبحها، وهذا ما سطرته ليلى الأطرش في روايتها "ترانيم الغواية"[1] عن مدينة الآلهة والأنبياء، مدينة الآلام والدموع، حيث تدخل  خفايا الحارات المقدسية  بما لم يفعله كاتب من قبل عبر ذاكرة امرأة، لنشم بذلك عبق البخور المفوح من حول المحاريب والمذابح.

رواية "ترانيم الغواية" هي الرواية السابعة للروائية ليلى الأطرش بعد "وتشرق غرباً"، "ليلتان.. وظل امراة"، "امرأة للفصول الخمسة"، "صهيل المسافات"، مرافئ الوهم"، "أبناء الريح"، و"رغبات ذاك الخريف". في هذه الرواية تبحث ليلى الأطرش أكثر من أي وقت مضى عن الجديد والمختلف، والمسكوت عنه.

في "ترانيم الغواية" الصادرة عن منشورات ضفاف، 2014، تبحث الكاتبة عن الأمور التي أثرت على الناس والمدينة في الفترة منذ نهاية الخلافة العثمانية إلى ما بعد النكبة الفلسطينية. ومن خلال عائلة أبو نجمة، نتعرف على الوضع في القدس بجماله وقبحه. ونرى كيف فقدت الأرض للرأسمالية. نرى الفقر، والهجرة، ومواقف الدول المستعمرة، ومواقف السلطات الدينية، والتنافس بين الأحزاب وخلاف العائلات. كما تعرج الرواية على العلاقة ما بين الطوائف، ووضع الكنيسة الأرثوذكسية. ومن أجل ذلك، تستعين الكاتبة بالوثائق، والتأريخ الشفوي، لجمع حكايات عائلة مقدسية (أبو نجمة)، إضافة لحكاية الخوري متري الحداد زوج العمة "ميلادة أبو نجمة" الراوية الأساسية للرواية.

تقع الرواية في 300 صفحة تتضمن سيرة حياة ميلادة أبو نجمة بطلة الرواية الرئيسة، التي تروي سيرة العائلة، عبر أربعة أجيال، لتشكل المحور الأساس الذي أقامت عليه ليلى الأطرش خطابها الروائي. وإذ تروي الكاتبة سيرة حياة ميلادة أبو نجمة، تسرد أيضاً سيرة القدس لتشمل بذلك جانبا من سيرة فلسطين وبلاد الشام في ما يقرب من قرن من الزمان، يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى النكبة الفلسطينية في العام 1948،  لنجد أنفسنا في النهاية أمام سيرة مدينة في حياة امرأة: المرأة المدينة.

ميلادة سالم أبو نجمة، الملقبة (ميلادة الحنش):

ميلادة هي الابنة الوحيدة لسالم أبو نجمة بعد طفلين هما إبراهيم وحبيب. تزوج سالم المدمن على ركوب البحار والهجرات، من مريم الضاوي بعد العودة من هجرته الثانية إلى التشيلي، غير أنه ما لبث أن ترك زوجته وأولاده تحت وطأة العيش، وخسارته الفادحة لمرج في بلدة عين كارم تمتلكه الأسرة مقابل صفقة حديد مستوردة لمد سكة حديد القدس - يافا، غرقت في البحر.. فعاد إلى التشيلي، وتزوج هناك من امرأة تشيلية، وعاش فيها.

قسا الزمن بوطأته على مريم الضاوي وأطفالها.. وساءت حال الأطفال بعد رحيل الأم بمرض الكوليرا. فانتقل الأطفال بعد ذلك في كنف الخال يوسف، الذي راح يستولي على المصروف الذي يرسله الأب لأطفاله؛ ولم تكن زوجته، أم عوض أقل ظلما منه في تعاملها مع الأطفال الذين تحملوا شتائم امرأة الخال وتبرمها، وكفاف العيش، والتعليم الهزيل في مدارس الروم، وثيابا لا تتغير، وصراخ زوجة الخال الذي كان يتجاوز الجدران والأبواب.

أراح الخال زوجته من تربية الولدين بأن أدخلهم مدرسة شنيللر الألمانية، أما ميلادة، فقد احتفظت بها زوجة المدير لتساعدها في أعمال المنزل، ولتتعلم الطهي والكعك والتطريز. لم يَطُل وجود الولدين في المدرسة التي اشترطت أن يتعهد الخال بتعميدهم على المذهب البروتستانتي، فقد ظل الخال يماطل في الحصول على موافقة الأب في التشيلي، إلى أن وضعه المدير أمام خيارين: إما توقيع التعهد أو إخراج الأطفال من المدرسة. فاختار إخراج الأطفال.

جاء الفرج لأم عوض بالخلاص من الولدين حين أرسل سالم تذكرتي سفر بالباخرة إلى ولديه، على أثر رسالة مؤثرة كتبها ابنه ابراهيم له قال فيها: "وإن لم تسحبنا خلال شهر، فأقسم بروح أمي أن نمشي أنا وحبيب إلى يافا، ثم نقطع البحر سباحة، فإما أن نموت أو نصل إليك.. أما لو عشنا فسنسحب أختنا ميلادة".{C}[2]{C}

وهكذا سافر الولدان ليجدا أن أباهما متزوج من شابة جميلة ولديه طفل وامرأته حامل، ويعيش في بيت كالقصر! لم يمكث الولدان كثيرا في كنف أبيهما، فتسللا إلى أميركا في هجرة غير شرعية في سفينة شحن صغيرة، وعاشا بضعة أعوام ثم عادا إلى فلسطين. عمل إبراهيم مترجما في مقر المندوب السامي البريطاني، فيما عمل حبيب في محلات آي بي سي البريطانية.

أم عوض رأت في ميلادة كنزا بعد سفر الأخوين إلى التشيلي، فقررت أن تزوجها إلى ابنها عوض، قائلة ليوسف: "سيغتني ابنك من خير سالم وأخويها لو تم المراد، واقرب الغني بتغنى، وليس بعيدا أن يسحبونا إلى التشيلي"{C}[3]{C}.

 تحققت أحلام أم عوض، وتزوج عوض من ميلادة، وابتلع يوسف النقود التي أرسلها سالم من التشيلي لتجهيز ابنته وإقامة عرس لائق لها تفرح به. فتزوجت في عرس بسيط، ولم يتضمن جهازها سوى فساتين قليلة فصلتها خياطة في عين كارم. كانت ميلادة تبكي حالها بصمت، وعرفت متأخرة أن أباها أرسل لها ما يكفي لنفقات عرس كبير.

في يوم الزفاف في الكنيسة أشرقت بوادر ترانيم مستقبل مختلف يرسمه القدر لميلادة. فالخوري الكاهن متري الحداد الذي يقوم بطقوس الزفاف، وقف مبهورا بجمال ميلادة وهو يمسك بيد عريسها ليدور بهما حول المحراب ويعلنهما زوجا وزوجة. يقول في أوراقه لابنه رفيق: "ميلادة تشبهني. فرس شاردة مما يطاردها. جامحة أمام ما تخشى. تنفلت مما يقيدها إلى أكوان بعيدة. رأيت هذا في عينيها فسحبني إلى غربتها.. عيناها حمامتان تبحثان عن لا شيء. طرت وراءهما.. فتهت في عالم لم أعرف طريق عودتي منه... والعين سراج الجسد"{C}[4]{C}.

من هنا بدأت "ترانيم الغواية" وبانتهائها سيسدل الستار!

رحلت زوجة الحداد بحمى النفاس بعد أن وضعت ابنها رفيق.. الذي ما أن كبر حتى راح يكره أباه لهيامه بعشق ميلادة فيما بعد، وعدم تحمله لمسؤولياته الكهنوتية .

تزوج ابراهيم وحبيب من معلمتين أصبحتا مفتشتين في عموم فلسطين. أنجب ابراهيم ابنا هاجر إلى أمريكا. وتبنى حبيب طفلة لامرأة يهودية يُشك في أنها عاهرة. لم تكن علاقة ميلادة مع أخويها وزوجتيهما على ما يرام، بل كانت متوترة في معظم الأحيان وخاصة مع حبيب وزوجته.

توفي عوض بانفجار الزائدة الدودية، فترملت ميلادة قبل أن تبلغ سن العشرين.

فضيحة العشق الحرام !

قيل إن "ميلادة" خرجت تتنزه في أحراش دير المسكوب.. داست على حنش تكوم في شمس الربيع، فهاجمها. تسلق ساقها وطوق خصرها وبدأ ينقبض ويرتخي. قالت لم تره! معقول؟! على طوله وضخامته؟ أكيد.. العشق بيعمي! قالت لمزارعين هبوا لصراخها: قتلته وحدي، فلم يصدقها أحد.. ونبع الشك من سكوت الرجال. رفض أي منهم أن يحكي عما رأى. كل ما قالوه بعد إلحاح. الله يستر على ولايانا.. وصلنا ورأسه مسحوق! لكن من يقتنع أن صبية تقتل حنشا وحدها؟! يعجز عن هذا رجل بطول وعرض! وبعد الحادثة إذا تحدثت النساء عن ميلادة تغامزن وقلن: "الحنش راح والحنش جاء"{C}[5]{C}.

شاعت قصة الحب على الألسن إلى أن بلغت بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية اليوناني ذيميانوس. قرر الحداد أن يترك الكهنوت. غير أنه فوجئ بصد البطريرك قائلا: "لن تحتمل كنيستنا فضيحة ثانية، يتحلل كاهنان من الرهبنة من أجل النساء والشهوات، ستنال الطوائف من سمعتنا، وكنيستنا ما زالت تقاسي من فضيحة الراهب أشيل، بعد أن فشلنا في السيطرة على رعونته. لن نحتمل فضيحة أخرى"{C}[6]{C}.   

وأشيل هذا "أحد رهبان أخوية القبر المقدس، شاب يوناني وسيم. أديب وشاعر. ترقى إلى أعلى مراتب الكهنوت. أحب صبية يونانية (صونيا) ابنة لأحد تجار المجوهرات. جمالها فريد. ترك عبادته وتبع الصبية في الدروب والأزقة. لم ينتظر قرار البطريرك. قص شعره وخلع ثوبه، ولزم من يحب. ومما زاد الطين بلة "أن أرشمندريت روسي في دير المسكوبية في عين كارم أصيب بفالج بسيط. أشرفت على علاجه لمدة طويلة ممرضة عزباء جميلة هي خالة صونيا. واللغط جاوز البلدة. تدارك المسكوبي خطأه بما انقلب فضيحة مدوية. فقد منح الممرضة بيتا موقوفا للكنيسة لتترك الدير. غير أنها حولت البيت إلى خمارة، ومجلس انس لكبار القدس، سهر وغناء وكاس وطاس لم تغب صونيا أو أشيل عن ليلة منها.{C}[7]{C}

ترك متري الحداد ابنه في رعاية جدته لأمه وأبحر يطلب الخلاص في دير بستان العذراء فوق قمة جبل آثوس اليوناني.. "متوحد يراقب البحر، زاهد يتعبد لخالقه، يسبح بترانيم الإعجاز[8]. لكن صورة ميلادة سبقت رحيله، وسكنت كهوف تبتّله. تجلت في صلاته لوحة على جدران الدير. تعربشت أشجارا تحرس البحر. غطت صفحة الماء.   

لكن البقاء بين نساك عابدين أثقل صدر الحداد، زهدهم زاد من ذنوبه. عاد إلى القدس ليتحلل من قسم قطعه على نفسه، فخذلته قدرته. واعترف للبطريرك صراحة: "أيها المبجل.. نفسي تدفعني إليها وعاجز عن ردعها. سنوات وأنا أقاوم رغبة المعصية، ولا مجال لاحتمال أكثر. يراودني الإغواء كل لحظة، وستتحمل ذنبي يا عظيم الاحترام"[9].

بعد مداولات ومشاورات مع رهبان أخوية القبر المقدس، هداهم الله إلى قرار أملوا أن يكون فيه الخير، رغم تعارضه مع قوانين الكنيسة ونواميس الشريعة، وهو السماح بزواج كاهن أرمل لحماية الكهنوت، ولدرء خطيئة الزنى، شريطة أن يقسم الحداد على الكتاب المقدس، أن يظل الزواج سرا لا يبوح به لأحد، حتى ابنه.

وهكذا ترنح الكهنوت تحت وطأة الغواية ورضخ للأمر الواقع! وفي دار ذيميانوس تم عقد الزواج، وكان الإشبينان (الشاهدان) عليه مدبرة المنزل وزوجها اليوناني.  

عاش الحداد تحت وطأة معاناة هائلة، خاصة أمام ابنه وسط همس الظنون والأقاويل وكتمان الحقيقة.. وكثيرا ما راودته نفسه أن يعترف له، بل وأن يخرج إلى الشوارع صارخا بأنه وميلادة زوج وزوجة، غير أن قسمه كان يردعه.

لم يكن خالصا لها يوما.. لكنها تغض الطرف عن غيابه.. بلا عتاب أو لوم تحتضن عودته. تلم اغتراب روحه وتهدهد قلقه. لم تطالب بوقت لا يعطيه. تمسح لهفتها الحرج عن غيابه.. وهي الجميلة بين النساء.. المتفردة باللهفة إليه. تحملت شك العيون، وحرقتها ألسنة السوء دون تذمر أو اعتراض.

في إحدى رسائل الإعتراف التي لم تصل لإبنه الذي مات قبله، يقول متري الحداد عن القدس: "القدس أضاعتنا لأنها تشبهنا. مدينة مثلنا بوجهين. دروبها العتيقة تصل أبواب الخلاص. تنشد الغفران في كنائس وأديرة ومعابد وزوايا ومساجد وكنس وتكايا.. وتفتح أبواب سورها على ملذات تقود إلى ضلال."[10].

هذا عن حال متري مع ابنه وميلادة والقدس، أما ميلادة، فتمثلت معاناتها في ظل هذا الزواج السري، فجاء معبرا بمنتهى الصدق عن واقع مدينة ظاهرها ايمان وباطنها  غواية وضلال ولو من منظور الشريعة الي تكللها برموزها !!

تروي ميلادة من قلب أثقله الحزن: "الدنيا كانت قاسية. وأنا قبلت قسوتها علي وبخلها..  استكثرت سعادتي معه فأعطتها بشروط صعبة، حرمتني حتى فرحة الأشياء البسيطة، أن أستقبله وأودعه عند الباب. أحضر له ما يحب. أن تختلط روائح ثيابنا في خزانة واحدة. أن يرى الجيران ملابسه على حبل غسيلي. أعاتبه وأغضب إن تأخر. كان يغيب ولا أعرف متى يعود. يقولون الانتظار يجدد اللهفة، لكنه متعب.. أنا لم أدخل داره، حتى يوم مات رفيق لم أذهب للعزاء..  خفت أن تطردني زوجته، ومن نظرات الإتهام في عيون النساء. حتى وهو ميت وقف يمينه بأن يظل الزواج سرا بيني وبين تابوته..، حرمني أن أرتمي فوقه وأبكي وأنوح مثل أرملة"[11]

وفي مكان آخر، تقص ميلادة لحظات من لقاء جمعها بالحداد: "بعد انتهاء عزاء ابنه جاء. دموعه بللت حضني. وابنه مثله مات بلا إشارة أو مرض. نام وما قام. قال: "يا ميلادة، أنا والدنيا ظلمنا رفيق. عاش ومات غريبا ويتيما" قلت: "أنا اليتيمة، رفيق عاش تحت جناحك، لم تبخل عليه بشيء". فبكى واهتز مثل ريشة وقال: أبوك هاجر إلى بلاد بعيدة. بينك وبينه بحر ومراكب وسفر. وبيني وبين رفيق بحر من الجفاء والبعد ونحن تحت سقف واحد. ليست الغربة بعد البلاد. الغربة بُعد الأرواح"[12].

رحيل الأحبة

رحل سالم، والد ميلادة في الغربة. جاء نبأ رحيله في رسالة من زوجته التشيلية، تقول: "إن الله أخذ وديعته. مات فجأة فدفنته في مقابر عائلتها. اطلبي له الرحمة يا ميلادة وسامحيه. كان يعرف أنه قصّر في حقك ويتعذب"[13].

ورحل الحداد فجأة.. عاش تائها بعد موت ابنه، وبقيت ميلادة تعيش وحدتها. تقول: "كل من أحببتهم رحلوا دون أن يفكروا بي"[14]، حتى الحداد دمره موت ابنه رفيق فلحق بابنه وتركها.. لم يفكر بأنها ستعيش تائهة من بعده.. علمها الحياة ثم راح.. اختفى فجأة بلا إنذار، اهتزت الدنيا وطوحت بها مثل زلزال لا يتوقف.. ثم تستأنف: "رأسي يلف ولا أدري ماذا افعل بنفسي..  تركني فأحسست أني غريبة عن حالي. حياتي معه غيرتني فلم أعد أنا. بعد موته لم أعد أعرف على أية صورة أكون ليقبلني من حولي"[15].

"عارفه شو يعني وحدي؟ كان لا يمل ولا يتوقف عن تعليمي وتدليلي ونحن نلف البلاد.. ثم فجأة اختفى.. مات"[16]

هذا بعض ما حصلت عليه المخرجة السينمائية الشابة راوية بنت عيسى من شتات ذاكرة قريبتها العجوز وهي تقاوم الزهايمر على أعتاب الثمانينات بإرادة لا تلين، لتبدده على مدار ما يقرب من ثلاثمائة صفحة، مختلطا بوقائع سياسية واجتماعية واقتصادية وصراعات دينية بين طوائف وأمم وعائلات.. لأقوم بلملمة بعض ما يتعلق منه بحياة ميلادة أبو نجمة، لأسهل فهم النص على القارئ.

سأنتقل الآن إلى المضمون الفكري في الرواية الذي بني على فهم فلسفي للروائية بنت عليه وقائع روايتها لتخرج برؤية تنسجم مع رؤيتها لكل ما يحيط بالواقع الإنساني، تاركا الحديث عن المعمار الفني في الرواية إلى الآخر، دون أن نغفل ما علّقت به وأوردته حتى الآن عن هذه الخلفية الفلسفية القائمة على مكابدات الروح في مواجهة رغبات الجسد، أو الكهنوت في مواجهة الطبيعة الإنسانية والصراع القائم بينهما.

خيوط الصراع في الرواية.

لسنا في حاجة إلى الكثير من التفكير لنرى خيوط  الصراع الأممي الدائر على الساحة المقدسية الفلسطينية، فكل أمة تريد أن تثبت وجودها في مدينة الله لتكون على مقربة منه واتصال به.. يونانيون.. مسكوب.. فرنسيون.. ألمان.. انكليز.. يهود.. عرب.. مسلمون.. ومسيحيون بطوائف متعددة. كنائس، معابد، كنس، تكايا، صوامع، جماعات، زوايا.. والسر في كل هذه الفانتازيا السريالية هو سر وجودي يتعلق بالخالق. فكل طائفة تريد أن تثبت ارتباطها به حسب مفاهيمها له التي لا يطالها الشك، فهي حقائق مطلقة غير قابلة للشك على الإطلاق.. فالصراع ديني يأخذ لبوسا سياسيا في بعض الأحيان، يشمل كافة مناحي الحياة الاجتماعية.

هذا في الظاهر، فماذا عن الباطن في واقع الحياة اليومي، هل علاقة هؤلاء البشر وبكافة فئاتهم، من مسلمين ومسيحيين ويهود، تخضع لنواميس شرائعهم ؟! هذا ما لا نلمسه في الرواية وبشكل شبه مطلق. وإن حدثت هبات سياسية نتيحة لواقعة دينية قام بها طرف ما أو طائفة ما، فهي لا تأتي في حقيقتها للدفاع عن دين بقدر ما تأتي للدفاع عن تراث لا غنى عنه لكل فئة. تراث يشكل مقومات شخصية رغم كل سلبياته، دون أن يعني ذلك تقيدها بشرائع دينية. ثمة شخصيات كثيرة في الرواية ومن كافة الطوائف الرئيسة الثلاث تمارس ما يخالف نواميس الشريعة.. وتأتي قصة الأب متري الحداد وميلادة لتتوج مجموع هذه التناقضات الإجتماعيىة، طارحة أعقد المشاكل الإنسانية، وهي العلاقة بين متطلبات الروح ورغبات الجسد.

ولو عدنا إلى بداية صحوة الفكر الإنساني لوجدنا جوته في فاوست يطرح الجنس كحاجة غريزية روحية لا غنى للإنسان عنها. وهذا ما نجده عند دوستويفسكي  في "الجريمة والعقاب"، كما ربط نيكوس كازنتزاكي في مذكراته بين التواصلين الروحي والجسدي، السماوي والدنيوي، ليشكلا وحدة لا تنفصم للوصول إلى المحبة.  

هذا بعض أهم ما تجلى في "ترانيم الغواية" الصراع بين الروحي والدنيوي. الروح كرابطة تصل الإنسان بالخالق، والجسد كنظام غريزي يصل الإنسان بشقه الآخر (أنوثة وذكورة)، لخلق حالة توازن روحية بين الإنسان والخالق، يظل الاتصال دونها ناقصا. لم نر في سلوك الأب الحداد ما يشير إلى أن الله تخلى عنه بعد زواجه المخالف للتشريع الكهنوتي، وخاصة بعد أن تخلص من الصراع الذي كان يمور في دخيلته قبل الزواج، فنرى أن علاقته بالخالق قد توطدت أكثر حين أوكل أمره إلى مشيئته: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف؟ الرب حصن حياتي ممن أرتعب"، حتى أنه حمّل البطريرك اليوناني المسؤولية إذا سقط في الخطيئة: "يراودني الإغواء كل لحظة وستتحمل ذنبي يا عظيم الاحترام". لقد أصبح الذنب عدم تلبية رغبات الحداد في حب ميلادة، وليس العكس! وهنا يكمن فكر ليلى الأطرش الفلسفي، لا سبيل للنجاة إلا بالحب ولو أدى الأمر إلى الانعتاق من حضن الكهنوت، لذلك جاء هذا الحل التوفيقي الذي اتخذه رهبان أخوية القبر المقدس للاحتفاظ بكهانة الحداد وعدم التفريط بعشقه.

قصص العشق المخالف للشريعة تحدث مع أكثر من شخصية من شخصيات الرواية، فعدا ما أوردناه من قصة الراهب أشيل وقصة الأرشمندريت المسكوبي، هناك سالم والد ميلادة الذي كان عاشقا لتشيلية رغم أنه متزوج، وحبيب شقيقها ثمة شك في علاقة تربطه مع الجارة اليهودية التي ادعى أن ابنتها ندى هي ابنته من زوجته.. وأبو الحداد نفسه هاجر إلى بلاد المسكوب سعيا وراء صبية روسية جميلة عشقها، "فضاع في بلاد البلشفية" بعد الثورة. وعن المسلمين فحدث ولا حرج، وفخري النشاشيبي أسكن عشيقته اليهودية في "البيت الأحمر"، الوقف التابع للجمعية الروسية، بعد أن منحه إياه الأرشمندريت الروسي، على أثر خلافه مع الكنيسة اليونانية بزعامة ذيميانوس.

هذه بعض الوقائع شبه الخفية في حياة سكان مدينة السماء. ويتجلى موقف ليلى الأطرش النقدي لهذا الواقع في أكثر من قصة وواقعة في الرواية، عدا عن إحاطتها بالتاريخ السياسي للمدينة..  

المعمار الفني في الرواية:

لا شك أن ليلى الأطرش وظفت خبرات سردية اكتسبتها من قراءات مختلفة لنصوص أدبية عربية وعالمية لتقيم صرحها الروائي بخصوصية متميزة. فلجأت إلى مخرجة سينمائية (راوية) ترغب في انتاج فيلم يحقق طموحا عالميا لها. فقررت الذهاب إلى القدس للقاء قريبة مسنة لها (ميلادة ابو نجمة) تحوي ذاكرتها الكثير من الأحداث التاريخية المقدسية لحياة أسرة "أبو نجمة". ونظرا لأن ميلادة مسنة وتجهد لمقاومة التخوف من إصابتها بالزهايمر أو استفحاله بها، فقد تركت لها حرية إيقاظ ذاكرتها كما تشاء مستعينة ببعض الحبوب المنبهة والمنشطة. لذلك جاء الشكل الفني مستندا إلى تداعيات الذاكرة. فالعمة ميلادة، تستيقظ ذاكرتها أحيانا على حدث موغل في القدم من أيام الطفولة، وأحيانا على حدث أقرب منه زمنيا. وهذا ما قررت الكاتبة استغلاله لبناء خطابها الروائي، مما أتاح لها إدخال متحدثين وساردين آخرين تخللت رواياتهم ذكريات العمة ميلادة، عدا أنه أتاح للمخرجة التحدث بدورها والدخول كساردة أيضا لبعض الوقائع، مستعينة بوثائق تاريخية أدخلتها في متن النص المسرود، ليشكلا وحدة سردية متماسكة تنهض بخطاب روائي رفيع ومتميز. فقد بدا النص كلوحة فسيفسائية ترصّع قطعة قطعة لا يمكن فهمها دون رصع جميع القطع- أي إلى أن يتم جمع مقتطفات من متفرقات حكائية متناثرة وردت على لسان العمة ميلادة. وقد ساعد هذا الأسلوب اللعب على تجاوز وطأة الزمن الواقعي، لنجد أنفسنا أمام زمن روائي يحتويه بفنية عالية. ولا شك أن تجاوز الزمن يشكل عبئا على الفنون الدرامية كلها وخاصة تلك التي تجري أحداثها عبر عقود أو قرون.

لم تلجأ الكاتبة إلى إيراد الوثائق التاريخية ضمن حواش أسفل الصفحات كما فعل ابراهيم نصر الله في بعض الوثائق في "زمن الخيول البيضاء" وفي "قناديل ملك الجليل"، بل أوردتها  ضمن النص، مما يشير إلى أنها استلهمتها وأعادت صوغها روائيا لتنسجم مع المعمار الفني الذي اختطته.

تطعيم المسرود الشعبي سواء على لسان العمة أو غيرها بمفردات شعبية أو مفردات أعجمية (تركية) ساعد في رسم صورة الشخصية، والزمن المسرود عنه. وقد حافظت الكاتبة على لغة سهلة رفيعة خالطتها شاعرية شفافة في بعض أحاديث العمة عن آلامها ورسائل متري الحداد إلى ولده رفيق، خاصة حديثه عن ميلادة، ولوعته وولهه بحبها.

وصف بيوت المدينة وأحواشها وحاراتها وأزقتها وما حوته من كنائس ومعابد ومساجد وأديرة، وغير ذلك، جعلنا نستشعر وجود القدس حقيقة لا وهما.

تطرقت الكاتبة إلى العديد من الوقائع التاريخية السياسية كاشفة الكثير مما كان مجهولا لدى الناس، عن سياسة الحكومات العربية. 

أخيرا، يمكن القول بثقة إن ليلى الأطرش قدمت صرحا أدبيا رفيعا ومميزا وفريدا ليس في تاريخ القدس فحسب، بل في تاريخ الأدب الفلسطيني-الأردني، لم يسبقها إليه أحد، ولم يبلغ مستواه أحد أيضا، متمنيا لها دوام الخلق والإبداع.

 

**كاتب وفنان تشكيلي فلسطيني أردني.

 


1.       ليلى الأطرش، ترانيم الغواية، منشورات ضفاف، بيروت، 2014.

 

2.       ترانيم الغواية، ص. 100.

[3]. المصدر نفسه.

[4] المصدر نفسه، ص. 167.

[5] المصدر نفسه، ص 12

[6] المصدر نفسه، ص. 152.

[7] المصدر نفسه، ص. 154

[8] المصدر نفسه، ص. 155

[9] المصدر نفسه.

[10] المصدر نفسه، ص 157.

[11] المصدر نفسه، ص 286.

[12] المصدر نفسه، ص. 287.

[13] المصدر نفسه، ص. 103.

[14] المصدر نفسه، ص. 287

[15] المصدر نفسه، ص. 288.

[16] المصدر نفسه، ص. 288.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website