تجربة الكتيبة الطلابية كما يرويها معين الطاهر- ماجد الكيلاني- العدد 260

تجربة الكتيبة الطلابية كما يرويها معين الطاهر

ماجد كيالي

الكتاب: حوار مع معين الطاهر.. الكتيبة الطلابية: تأملات في التجربة

 حاوره: إلياس خوري وميشال نوفل

منشورات "ضفاف"، بيروت 2015

عدد الصفحات 156

 

ثمة أسباب عديدة للاحتفاء بهذا الكتاب، أولها، أنه يتحدث عن تجربة متقدمة، وتستحق التقدير في حركة "فتح"، وقوات العاصفة، ذلك أن الأجيال الجديدة من الشباب لا تعرف شيئاً عن تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني في الخارج، في الستينات والسبعينات ومطلع الثمانينات. ثانياً، لأنني أعتقد أن التجربة الوطنية الفلسطينية ظلمت كثيراً، تبعاً للمآلات التراجيدية التي وصلت إليها، وبحكم الإخفاقات التي منيت بها، سواء بسبب الخيارات التي تبنتها، أو بطريقة إدارتها. ثالثاً، لأن هذا الكتاب هو محأولة مهمة لمراجعة التجربة السياسية والتنظيمية والعسكرية الفلسطينية، في واقع يفتقد للدراسات الموثقة والمراجعات النقدية، التي تحأول الإجابة على أسئلة من نوع: أين كنا وأين صرنا؟ أين أخطأنا وأين أصبنا؟ ثم لماذا حصل ما حصل؟ وكيف؟ إذ أن التجربة الفلسطينية الغنية والمعقدة والصعبة لم تكتب بعد، ولم يجر الاهتمام بدراستها.

يكتسب هذا الكتاب أهميته من كونه يأتي على شكل حوار مع معين الطاهر، المعروف بمزاياه النضالية والأخلاقية ومواقفه المبدئية، وهو قائد الكتيبة الطلابية (كتيبة الجرمق)، والذي تنوعت تجربته في السياسة، من العمل التنظيمي إلى العمل الطلابي إلى العمل العسكري. أيضاً، ثمة أهمية خاصة للكتاب مصدرها المحاوران: الروائي إلياس خوري، والباحث ميشال نوفل، إذ اتسم الحوار بروح الروائي المبدع ورصانة الباحث عن الحقيقة، وهما في تاريخهما من معايشي التجربة الفلسطينية في لبنان بمختلف جوانبها، ولأن قضية فلسطين تشكل جزءا مهما من اهتماماتهما. وقد وفق المحاوران في تقديمهما للكتاب، وتلخيصهما المغزى منه، بقولهما: "كل مشروع ثوري قيد التجربة قد ينتهي دون أن يكتمل. مهمة الذين لم يسقطوا في هذه الطريق الصعبة أن يكملوا المشروع عبر بناء الرواية، بناء الخاتمة، إذ عندما لا يعود ثمة ما نفعله يبقى لنا الكلام، كتابيا أو شفويا، على ماهية المشروع/التجربة بأصحابه وأفكارهم وطموحاتهم وممارساتهم. وقبل الكلمة يتعين أولا بناء المعنى لوجود التجربة."

استهل الطاهر الحديث عن تجربته من بدايات انخراطه في حركة "فتح"، بعد النكسة (1967) في نابلس وعمره 15 عاما، إذ كانت بالنسبة له بمثابة الحركة الأكثر تعبيرا عن الشعب الفلسطيني، والتي تحأول تجسيد حلم التحرير، ويتذكر هنا واقعة دخول أبو عمار إلى الضفة بعد الاحتلال لإعادة بناء تنظيم "فتح". لكنه يشير إلى أن تجربته الفتحاوية "بدأت بالتبلور من نشاطه كأحد مسؤولي التنظيم الطلابي لـ"فتح"، ومؤسسي اتحاد طلبة الضفتين"، في مكان اقامته الجديد في إربد (الأردن) في المرحلة الثانوية، حيث تعرف وقتها على الشهيد علي أبو طوق، الذي سيصبح رفيقه في كل مراحل الكفاح إلى حين استشهاده في بيروت في حرب المخيمات في أواسط الثمانينات.

في هذه المرحلة يتذكر الطاهر صعود "فتح" بعد معركة الكرامة (1968)، وخوضه تجربة "الميليشيا"، ثم الاصطدام مع النظام الأردني في أحداث أيلول (1970)، دون أن ينسى توجيه النقد لهذه التجربة، التي أدت إلى اخراج الثورة الفلسطينية من بلد يحتوي على أكبر عدد للاجئين الفلسطينيين.

بعد ذلك يأخذنا الطاهر إلى الحديث عن أوضاع "فتح"، إثر التداعيات التي نجمت عن الخروج من الأردن، ونشوء ظاهرة المعارضة النقدية، أو الظاهرة "اليسارية"، في "فتح"، مع أسماء مثل أبو حاتم، وماجد أبو شرار، وأبو صالح، ومنير شفيق، وناجي علوش، وأبو دأوود،  وأحمد عبد الرحمن، وحنا مقبل، ونزيه أبو نضال، وأبو نائل، وأبو فارس، وحنا ميخائيل (أبو عمر)، وأبو خالد الصين، وأبو نضال البنا، ومجموعة شؤون الأردن، ومع بروز ما عرف بالتيارات "المأوية" و"السوفياتية" و"الفيتنامية"، وانعكاساتها على حركة "فتح" وعلى تيارات اليسار فيها.

في هذا السياق، أيضاً، أتى الحديث عن بداية ظهور الكتيبة الطلابية، مع أسماء مثل الشهيد أبو حسن قاسم، وحمدي سلطان التميمي، اللذين كانا يعملان في القطاع الغربي مع الشهيد كمال عدوان، وأيضاً الشهيد سعد جرادات القائد الأول للكتيبة الطلابية، حيث تمت بلورة "نظرية متماسكة للعمل اليساري والثوري والفتحاوي تختلف جوهريا عن اليسار الفتحاوي الذي راح يتجه في أغلبيته نحو الخط السوفياتي"، باعتبار أن هذا التيار ظهر ردا على التيارات الأخرى، أو كحالة متميزة عنها، تربط النظرية بالممارسة، مع أسماء أخرى مثل:  محمود العالول ومروان كيالي ونذير الأوبري وإدي زنانيري وعلي أبو طوق وجورج عسل.  

وعند الطاهر ثمة عاملان أثرا في صعود هذه الظاهرة أولهما احتكاك التنظيم الطلابي بالعمل المسلح، من بوابة الدفاع عن تواجد الثورة الفلسطينية في بيروت، بدءا من صدامات شهر أيار (1973)، والتي أدت أيضاً إلى انفتاح "فتح" على التيارات اليسارية في لبنان من بوابة الحركة الطلابية. وثانيهما حرب (1973) التي اطلقت النقاش بشأن إمكان التسوية، على أرضية ما عرف بالبرنامج المرحلي (1974)، والذي كان في أساس التحولات السياسية والانقسامات الفلسطينية، وضمنها الاختلافات في حركة فتح، ناهيك عن انقسام تيارات اليسار الفتحاوي ذاتها.

في غضون ذلك يذكرنا الطاهر بالزمن القديم، الذي كان محمولا على الأحلام والآمال، وبمعسكر مصياف (قرب حماة في سوريا)، الذي كان بمثابة بؤرة لتيار المعارضة في "فتح"، وهو معسكر تدريب تعرض لغارات إسرائيلية مدمرة، انتقاما لعملية ميونيخ (1972)، وتم اغلاقه نهائيا في اعقاب الدخول السوري إلى لبنان. وكان الزعيم الفلسطيني الراحل أبو عمار زار هذا المعسكر عدة مرات، كما زاره عديد من قادة فتح، وكانت تعقد فيه دورات لكوادر "فتح"، من المحسوبة على التيار الديمقراطي أو النقدي. والمهم أن هذا المعسكر شهد نقاشا حاميا بين الكوادر الطلابية والراحل أبو عمار حول عملية التسوية، وجدواها، وقد حمل أبو عمار المسؤولية عن ذلك لأبو عمر (د.حنا ميخائيل) باعتباره المسؤول السياسي عن الدورة ومنير شفيق وناجي علوش وقدري، المعروفين بميولهم اليسارية المعارضة.

من الناحية السياسية حأول الطاهر وبايجاز رصد اختلافات الظاهرة اليسارية الفتحاوية، بحسب ميولها المأوية والسوفييتية والفيتنامية، مؤكدا على أن الأهم من ذلك هو الحفاظ على استقلالية الثورة الفلسطينية، واستلهام تجارب التحرر الوطني، خاصة الفيتنامية والصينية، والتركيز على منظومة القيم، وعلى الموضوع الأهم المتمثل بإدراك مفهوم التناقض الرئيسي، متحدثا عن وعي وطني – شعبي – قومي - يساري، وثقافة ماركسية عامة، مع إيلاء أهمية خاصة للتجربة المأوية ولنظرية التناقض الرئيسي وحرب الشعب وخط الجماهير.

وبخصوص تشكل الكتيبة الطلابية فهي بدأت، بحسب الطاهر، مع الحرب الأهلية في لبنان، وتحديدا بعد الدخول السوري إلى لبنان (1976)، وانطلاقا من تيار سياسي في حركة فتح، يتمحور حول منير شفيق، المفكر الفلسطيني المعروف، وحول قادة ميدانيين مثل أبو حسن قاسم، وحمدي،  وسعد وبتشجيع من قادة فتحأويين وعسكريين مثل أبو جهاد وجواد أبو الشعر وبلال الأوسط وغيرهم.

ويأخذنا الطاهر عبر صفحات الكتاب في رحلة تعريفية بالتيار، في مسارات تبلوره، كتيار سياسي فكري، عربي ثم كحالة عسكرية، ويضعنا في أهم المحطات التي أسهمت في تكونه من محطة معركة الجبل (1976)، وتفاصيلها المتعلقة بمواجهة المخاطر الناجمة عن الدخول السوري إلى لبنان، ثم حساسيات بعض أطراف حركة فتح من هذه الظاهرة، كما تجلت خصوصا في موقفي أبو خالد العملة وأبو موسى السلبيين على طول الخط.

مع تركيزه على تجربة الكتيبة الطلابية العسكرية، وتسليطه الضوء على بعض المعارك الجريئة التي خاضتها، ركز الطاهر أيضاً على جانب آخر اتسمت به هذه الظاهرة المتميزة في حركة فتح، والمتمثلة في رقي سلوكيات أفرادها، ونمط علاقتهم الوثيقة مع المحيط الاجتماعي الذي يعيشون بينه. ومعلوم أن هذه الكتيبة اكتسبت سمعة جيدة بالقياس لغيرها من الكتائب العسكرية، ما عزز شعبيتها إنْ في أوساط حركة "فتح" وقوات العاصفة أو في البيئات الشعبية اللبنانية لا سيما في الجنوب. ومفهوم أنه ما كان لهذه الكتيبة أن تتمتع بهذه السمعة وبهذا القبول لولا نوعية الشباب المنخرطين فيها وانضابطهم المسلكي، ولولا مستوى وعيهم الثقافي والسياسي وإدراكهم لأهمية علاقتهم بجماهيرهم، وبالطبع فقد كان لقيادة الكتيبة دور كبير في ذلك، وهذا ما سلط الطاهر الضوء عليه من خلال حديثه عن مناقبية رفاقه وضمنهم سعد قائد الكتيبة الأول، ثم علي أبو طوق ومروان كيالي وكلهم باتوا شهداء، تأكيدا لكلامه، مع ملاحظة أن الطاهر كان  ضنينا في الحديث عن دوره المتميز، رغم انه كان قائد الكتيبة ورغم تعرضه لإصابة بالغة.

كان الحوار مناسبة للحديث أيضاً عن بعض المعارك العسكرية التي خاضتها قوات الثورة الفلسطينية في الجنوب في أواخر السبعينات، والتي كان للكتيبة الطلابية دور كبير فيها مثل معركة مارون الراس والمعارك إبان اجتياح 1978، وفي قلعة الشقيف والنبطية، وحرب الاستنزاف/المدفعية (1981) وصولا لاجتياح الجنوب وحصار بيروت (1982) وتداعياته.

في قسم آخر من الحوار تحدث الطاهر عن التداعيات السلبية الناجمة عن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية على الكفاح المسلح الفلسطيني، كما تحدث عن بدايات نشوء حركة أمل، التي شكلت "فتح" حاضنة لها، إضافة إلى حديثه عن مشكلات الدخول السوري إلى لبنان.

وبديهي ان الثورة الإسلامية في إيران كان لها نصيب مهم من الحديث بالنظر إلى الأثر الكبير الذي أحدثه ذلك في لبنان، وفي المجال الفلسطيني، لا سيما بحكم تأثر التيار الذي تمثله الكتيبة الطلابية بهذا التغيير، وضمنه توجه بعض أركانها لأهمية استثمار الطاقة التي يختزنها الإسلام في العمل الوطني.

لم يفُت الحوار أيضاً التطرق إلى الانشقاق في فتح وانعكاساته السلبية على الحركة، إذ تحدث الطاهر عن ذلك بمرارة وألم، كما تحدث عن مآلات الكتيبة الطلابية على ضوء التداعيات الناجمة عن الثورة الاسلامية في إيران، والغزو الإسرائيلي للبنان، والانشقاق في حركة فتح، بتحول كادراتها الأساسية نحو بناء قواعد ارتكاز في الداخل، أولاً، ثم في تحولها نحو تشكيل "سرايا الجهاد"، كترجمة عملية لفكرة التركيز على التناقض الرئيس ضد العدو، وهو الأمر الذي أدى إلى قيام إسرائيل باغتيال أبو حسن قاسم وحمدي ومروان كيالي في قبرص (1988)؛ ويذكر الطاهر، في هذا السياق، بأنه والتيار الذي يمثله، يرفض اتفاق أوسلو.

هكذا يعتبر الكتاب بمثابة إضافة مهمة للمكتبة العربية، وهو بمثابة شهادة شخصية في تجربة الثورة الفلسطينية من أحد روادها، ومن مدخل إحدى التجارب المتميزة فيها، ويفترض أن يشجع كثيرين على كتابة تاريخ الثورة الفلسطينية وتجاربها السياسية والعسكرية والتنظيمية والكيانية، من زأوية نقدية، في مساراتها، وتحولاتها، ومآلاتها، في إخفاقاتها ونجاحاتها.

أما من وجهة نظر نقدية فيمكن اعتبار هذا الكتاب بمثابة مراجعة متأخرة لتجربة متقدمة، فثمة زمن طويل بين انتهاء تجربة الكتيبة الطلابية (1983) وبين صدور الكتاب (2015)، يقدر بأكثر من ثلاثة عقود. أيضاً ربما كان مجديا أكثر لو أن الطاهر عكف على دراسة هذه التجربة وكتابتها لكان أعطى هذه التجربة حقها على نحو أشمل وأعمق، وبعقلية نقدية أكثر، لأن الكتابة هي فعل تأمل وتفكر أكثر من الحوار، ولعل هذه الملاحظة تحفز صاحب الشهادة على المضي في هكذا مشروع.

في هذا الإطار، ثمة ملاحظات تفصيلية، أيضاً، مثلا كنت أتمنى لو أن الطاهر قام بمراجعة نقدية للتجربة العسكرية الفلسطينية سواء في الداخل أو في الخارج، بصورة أشمل، مع ملاحظة أن تميز كتيبة معينة، مع التقدير لها، لا تغطي على مجمل نواقص ومشكلات هذه التجربة، والسلوكيات التي صاحبتها. ومثلا، ففي غمرة حماسه لهذه التجربة، لا يتوقف الطاهر مليا عند انخراط الطلاب في العمل العسكري، ودمج "الميليشا" بقوات العاصفة، إذ أن الأمر لم يقتصر على الكتيبة الطلابية. وإذا كان هذا وذاك مفهوما أو مقبولا، في بدايات الثورة الفلسطينية المسلحة، فإن هذا الأمر وفقا لمنظور اليوم، وعلى ضوء التجربة، يستحق الدراسة والنقد، ناهيك أن ظاهرة العسكرة ارتبطت بالتفرغ أيضاً. والمعنى أن هذا التماهي بين التنظيم (والميلشيا جزء منه) والقوات العسكرية، أدى إلى طغيان العسكرية وتهميش التنظيم، كما أدى إلى عسكرة المجتمع الفلسطيني في مخيمات لبنان، ما كان له اثره السلبي، على ما نلحظ إلى اليوم. فوق ذلك فإن عسكرة التنظيم تصاحبت مع تجييش الظاهرة الفدائية، وهي ملاحظة أيضاً كان يفترض أن تأخذ حقها من الدراسة أو النقد، على ضوء التجربة.

أيضاً ربما كان مفيدا لو أن الطاهر لفت الانتباه بصورة أكثر إلى ظاهرة التعديدية في فتح، وضمنه ظاهرة اليسار، لاسيما ان ثمة تجارب لتيارات يسارية أخرى في الحركة أثرت عليها، بما لا يقل عن دور التيار الذي يمثله.

في تقييمه للثورة الإيرانية وانعكاساتها لم يتعاطَ الطاهر مع هذه المسألة بطريقة نقدية بدرجة كافية، لا سيما في مآلاتها، أي بعد كل ما وصلت إليه، وبعد أن تبين توظيف النظام الإيراني للإسلام ولقضية فلسطين في سبيل تعزيز نفوذه الإقليمي، وهو ما توضح في هذه المرحلة في مداخلات إيران من لبنان إلى اليمن مرورا بسورية والعراق. هذه الملاحظة تنطبق، أيضاً، على فكرة التناقض الرئيسي، والفكرة عن الثورة العربية، فهاتان الفكرتان تحتاجان إلى مزيد من الفحص والمراجعة والنقد، فإذا كان مفهوما أن التناقض الرئيسي للفلسطنيين- هو مع إسرائيل، فهذا لا يعني أن ذلك ينطبق على الموريتاني والعراقي والسعودي وغيرهم، لأن هؤلاء لديهم مشكلاتهم، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ثم إنه في حالة البلدان العربية، حيث لم يصل التطور فيها إلى مستوى دولة المواطنين، الأحرار والمتساوين، يصعب الحديث عن تناقض أساسي، وعن احتمال ثورة عربية.

وكملاحظة نقدية أخرى، أعتقد أن ثمة تسرعاً في اعتبار أن راية المقاومة انتقلت من فصيل إلى فصيل، أي من فتح إلى حماس والجهاد، بعد أوسلو، بحسب تعبير الطاهر، فحركة "فتح"، كما رأينا في تجربة الانتفاضة الثانية خاضت غمار الكفاح المسلح مرة أخرى، وحتى وفق نمط العمليات التفجيرية/الاستشهادية، وكان دورها في ذلك لا يقل عن دور حركة حماس كما هو معروف، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإننا إزاء واقع فلسطيني تحولت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية بمجملها إلى سلطة، والأنكى أنها باتت بمثابة سلطة تحت الاحتلال، ما ينطبق على سلطة فتح في الضفة وسلطة حماس في غزة. والأمر أننا في الحالين بتنا إزاء وقف المقاومة، على شكل تنسيق أمني في الضفة واتفاقات تهدئة في غزة، واعتمادية على الخارج في الموارد المالية، تؤدي إلى ارتهانات وتوظيفات وتنازلات سياسية، في الضفة وغزة، كما بتنا في الحالين إزاء سلطة تحتكر التقرير بالقضايا المصيرية وبإدارة المجتمع، وتكبح إمكانيات ترتيب أو تطوير البنى الكيانية الفلسطينية (المنظمة والسلطة والفصائل).

واضح من كل ذلك أن ثمة قضايا ومشكلات كثيرة مسكوت عنها في مختلف جوانب التجربة الوطنية الفلسطينية، على ما لاحظ المحاوران، اللذان اعترفا في مقدمتهما "أن الصعب والمؤلم في آليات عمل المراجعة النقدية قتل "المقدس" من النصوص من دون قتل المشروع الحلم."

أخيراً، هذه مناسبة لتوجيه تحية تقدير لكل المناضلين الذين ضحوا في سبيل هذه التجربة الكفاحية، في فتح، وفي عموم الفصائل الفلسطينية، وضمنهم شهداء ومناضلي الكتيبة الطلابية.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website