وحدة أفلام فلسطين: علامة في تاريخ السينما النضالية- خديجة حباشنة-العدد 260

شهادة

وحدة أفلام فلسطين: علامة في تاريخ السينما النضالية

خديجة حباشنة[*]

البدايات:

تعرفت على مجموعة وحدة أفلام فلسطين منتصف العام 1968 بحكم علاقتي بمصطفى أبو علي أحد مؤسسي هذه الوحدة الذي كان خطيبي في ذلك الوقت، تعرفت على هاني جوهرية المصور السينمائي الصديق الحميم لمصطفى وزميله في العمل في قسم السينما في وزارة الإعلام الأردنية، كما تعرفت على سلافة جاد الله زميلتهم في العمل أيضاً.

وجاء تعرفي بهم باعتبارهم مجموعة تعمل في مجال فني قريب من هواياتي الفنية وشغفي بالمسرح، التي كانت أحد الأسباب التي جمعتني بمصطفى الشاب الهاوي للموسيقي والعزف على الكمان. وقد كنت عضوة في فرقة المسرح الأردني في وقت تعرفي بهم.

توطدت علاقتي بالمجموعة أكثر بعد أن انتقلوا للعمل في قسم التصوير في جهاز الإعلام لدى حركة الفدائيين (فتح)، ثم بعد أن بدأوا يفكرون بتأسيس وحدة أفلام فلسطين أواخر العام 1968. وأصبح يجمعني بهم أكثر من سبب. كنت ومنذ صدمة فجيعة حرب حزيران وأنا أبحث عن الفدائيين لعلي أقوم بما يخفف من مشاعر الإهانة والذل التي شعرت بها في نهاية الحرب أثناء وجودي في القاهرة  وأنا أتهيأ للمشاركة في المعركة بعد أن تدربت على أعمال الدفاع المدني.

لم يكن من الصعب على مصطفى اقناعي بالاستقالة من فرقة المسرح والتفكير بالعمل معهم، حيث يتطلب العمل في المسرح أن يظل الممثل/ة أو المخرج/ة يرافق المسرحية أينما تعرض ولا يتوقف العمل فيها مع انتهاء العمل عليها. أما العمل في الفيلم فإنه ينتهي بمجرد انتهاء العمل عليه وينتقل من مكان إلى آخر لوحده. وهذا برأي مصطفى الذي وجدته مقنعاً، أكثر عملية لشابة على وجه زواج وتعمل في أكثر من عمل.

انطلق السينمائيون الثلاثة مؤمنين أنهم من خلال الصورة يمكنهم إيصال ونشر مفاهيم الثورة إلى الجماهير والحفاظ على استمراريتها، بهذا المفهوم تم إنشاء "قسم التصوير الفوتوغرافي عام 1967 ثم "وحدة أفلام فلسطين" أواخر العام 1968. وتعتبر هذه الوحدة أول وحدة سينمائية تعمل بمواكبة تنظيم ثوري مقاتل في حركة تحرر وطني، وهي من التجارب النادرة في تاريخ حركات التحرر ومن العلامات المضيئة في تاريخ حركة فتح.

بقيت اتردد على قسم التصوير بين الفينة والأخرى، بعد أن انتقل إلى بيت يقع في قاع الوادي الفاصل بين جبل اللويبدة، حيث كان مقر القسم في البداية، وبين جبل عمان منطقة الدوار الثالث، وكانوا يعملون على تحميض وطباعة الصور في مطبخ هذا البيت الذي كان مقراً لأكثر من نشاط للفدائيين، ولا زلت أذكر ذلك الشيخ الذي لا يترك العمل على تجهيز ساعات الألغام للعمليات العسكرية إلا وقت تأدية الصلاة أو تناول الطعام. كان لهذه المجموعة سحرها الخاص، يميزهم التفاني بالعمل، يتعاملون بتواضع شديد مثل تواضع الأنبياء، كل واحد/ة يقوم بدوره في العناية بالمكان والضيافة وإعداد الطعام، تظللهم حالة من المودة وكأنهم روح واحدة. وهناك عرفت أن هاني كان يرافق المقاتلين في بعض العمليات للتصوير على أرض المعركة.

كنت أذهب أحياناً للمساعدة في بعض الأعمال الخفيفة، مثل تجفيف والصاق الصور أثناء العمل على معرض الكرامة الذى كان من أبرز أعمال القسم في آذار 1969، وكان القسم ما يزال يجفف الصور على جهاز الكيروسين. ولكن بعد النجاح الكبير الذي لاقاه المعرض وتم نقله إلى أكثر من مكان وأكثر من بلد، بدات قيادة فتح تعطي اهتماماً أكبر لقسم التصوير وتم تزويده بعدد من المعدات المتطورة الحديثة، كما التحق به عدد من المقاتلين الذين تم تحويلم إلى القسم بعد أن اكتشف أبو جهاد خبرتهم بالتصوير قبل التحاقهم بالثورة. التحق المقاتل مطيع وبعده بقليل التحق المناضل نصيف، اللذان كانا قد تركا مهنة التصوير ليشاركا في القتال، ثم عادا للانتقال من مواقع القتال إلى قسم التصوير بعد أن أصبحت الصورة سلاحاً من أسلحة الثورة الفلسطينية، وتوالى التحاق عدد من المقاتلين للقسم مثل عمر وأبو ظريف وغيرهم، كما كان يتردد على القسم المقاتل الجريح نبيل أثناء فترة النقاهة من العلاج لمساعدة زملائه في العمل.

في هذه الفترة حصلت وحدة أفلام فلسطين، الجزء السينمائي من قسم التصوير على كاميرا سينمائية، وكان مصورو الوحدة قبل ذلك يلجأون لاستعارة كاميرا سينمائية للتصوير عند الضرورة. استقال كل من سلافة ثم هاني من وزارة الإعلام، وتفرغا للعمل في قسم التصوير وبدءا بتوثيق جميع النشاطات والأحداث التي تمر بها الثورة، بدءاً بمعسكرات التدريب وقواعد المقاتلين في الأغوار وفي جبال السلط، في المؤتمرات والمسيرات والاحتفالات السنوية لانطلاقة الثورة. كانا سعيدين بمعداتهما الحديثة لكن فرحتهما لسوء الحظ لم تكتمل عندما تعرضت سلافة لاصابة بطلقة في الرأس. سلافة المناضلة، نواة المجموعة وعصبها المحرك، تركت فراغاً كبيراً وهي تنتقل من مشفى لمشفى ومن عملية جراحية لأخرى.

عندما اندلعت المظاهرات الشعبية الحاشدة التي خرجت أواخر عام 1969 للتعبير عن غضبها ورفضها للحل السياسي المعروف بمشروع روجرز الذي تجاهل كلياَ وجود الثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية. قام مصورو الوحدة بتصويرها وهم يفكرون بإعداد فيلم وثائقي عن هذا الحدث، وعادوا للنقاش الذي كان يشغلهم منذ بداية التفكير بإنشاء وحدة الأفلام،. كيف يمكن أن يصنعوا أفلاماً تعبر عن جماهير الثورة وهم الذين تعلموا السينما في المعاهد المصرية والبريطانية، التي تنتج أفلاماً متأثرة بالأفلام الهوليودية.

نفذت الوحدة أول فيلم سينمائي لها بمساعدة المخرج صلاح أبو هنود الذي انضم لهم في ذلك الوقت، أطلقت عليه عنوان ثوري جداً "الجماهير الثورية المسلحة تقول: لا للحل السلمي" بما يتناسب مع تفكير المجموعة السينمائية الثورية آنذاك،. لكنهم عادوا وتراجعوا عن الاسم الطويل الثوري إلى عنوان قصير هو "لا.. للحل السلمي".

لا أنسى حجم الحماس والاعجاب الذي لاقاه الفيلم الأول أثناء عرضه على القيادة وكوادر الثورة في ملجأ تحت الأرض وهم وقوف على أرض مليئة بالرمل والحصى، رغم أن هذا الفيلم كان في الكثير من جوانبه دون المستوى لأسباب عديدة أحدها السرعة الشديدة التي تم إنتاجه فيها كما يقول هاني{C}[1]{C}.

 

مع توسع عمل قسم التصوير ومجموعة الوحدة انتقلوا إلى مكتب خاص بهم في جبل التاج، صار مقراً للعمل وبيتاً لبعض الشباب، والمكان المفضل لاستراحة الختيار ياسر عرفات، الذي كان في كثير من الحالات المبادر لإعداد الإفطار للشباب، كان لديه تقدير ومشاعر خاصة تجاه هذه المجموعة ويجد راحته في قضاء الوقت معهم، وربما يكون هو أول من اقترح اسم "أفلام فلسطين".

استقبلت الوحدة أواخر العام 1969 وأوائل 1970 عدداً من وكالات الأنباء وفرق تصوير الأفلام الإيطالية والفرنسية والأمريكية وغيرهم، الذين بدأت تجذبهم صورة الفدائي التي اشتهرت بعد معركة الكرامة وصمود المقاتلين الفلسطينيين تسع عشرة ساعة في وجه قوات الاحتلال الإسرائيلي. من بينهم المخرج الفرنسي جان لوك جودار الذي كان واحداً من بين أهم عشرة مخرجين في العالم لعقد الستينات، أذكره لأنه بدا لي شخصاً غريب الطباع، وأنا أسمع وأشاهد تصرفاته وتعليقاته الطريفة وهو يحمل باستمرار معه كتاب ماوتسي تونج الأحمر الصغير، كان يبدو وكأنه دليله اليومي. ولن أنسى يوم دعوناه للعشاء في بيتنا قبل سفره، حين تأمل محتويات مكتبتنا والتقط عدداً من الكتب التي تتحدث عنه وعن أفلامه، كم كانت دهشتي عندما القى بها في سلة المهملات، ولما لاحظ تعبير الدهشة والاستغراب على وجهي، قال لي: هذه قمامة بورجوازية.. وأردف قائلاً ما معناه: كل التكنولوجيا على... وأشار إلى مؤخرته.

عندما وقعت أحداث أيلول توزعت مجموعة القسم والوحدة لتوثيق أحداث المعركة في مختلف المناطق، وكنت أستقبل هاني ومصطفى بعد كل جولة تصوير وتزويدهم بوجبة سريعة، حيث اضطررت شخصياً للبقاء في البيت معظم الوقت للعناية بطفلي ذي الثلاثة أشهر. وبسب ترددهم على البيت الذي نقيم فيه وأحياناً بمرافقة بعض المقاتلين، فقد كانت حصة البيت الذي نقيم فيه من القصف 13 قذيفة، ما بين هاون 80 و120 وقذائف هاوزر، ولحسن الحظ أن بناء البيت كان متيناً، وبقينا نحتمي بالجزء الداخلي من الطابق الأرضي، وبصعوبة تمكنا في نهاية المعركة من انقاذ طفلي من تأثير القصف الشديد.

بعد أحداث أيلول تفرق شمل فريق قسم التصوير ومجموعة الوحدة، سلافة كانت لا تزال تخضع للعلاج، هاني لم يتمكن من مغادرة عمان، في حين توجه مصورو الفوتوغراف إلى مكتب إعلام فتح في دمشق، بعد أن تمكنوا من تأمين جميع المواد المصورة والمعدات وأرشيف الصور مع قافلة خروج قيادة الثورة بحماية وفد القمة العربية. أما مصطفى فقد توجه إلى بيروت حيث استقرت قيادة الثورة وحيث يمكن متابعة العمل السينمائي.

وهنا شعرت أن علي أن أقدم استقالتي من عملي والتحق بمصطفى في بيروت بعد أن أصبح يعمل وحده على فيلم حول أحداث أيلول، في وقت تعيش فيه قيادة وقوات الثورة حالة من الارتباك بعد مغادرتها لقاعدتها الأساسية على أطول خط من الحدود مع الاحتلال الإسرائيلي، وحاجتها لإعادة ترتيب أوضاعها وقواتها في جنوب لبنان.

كانت السينما آخر هم يمكن أن تفكر به قيادة الثورة، وكان علينا أن نعمل في جو تعتبر فيه السينما نوعاً من الترف كما كان يقول مصطفى، "وعلى بال مين يللي بترقص في العتمة"، كان علينا أن نحتال على الموقف لنحصل على مكان نضع فيه علب المواد المصورة، وأن نشحد تقريباً كل أسبوع أجرة جهاز المونتاج (المافيولا) في ستوديو بعلبك، الذي لم تكن فيه أجرة المافيولا في اليوم تتجاوز 25 ليرة لبنانية.

كانت تجربة العمل على فيلم أحداث أيلول تجربة مميزة، بدأها مصطفى بمناقشة موضوع الفيلم مع عدد من الإعلاميين وكوادر الثورة، وبني سيناريو الفيلم على التحليل السياسي للأحداث، كان مصطفى يبحث عن أسلوب جديد ومختلف عن الأساليب السائدة في السينما، لغة سينمائية مختلفة بسيطة قادرة على الوصول إلى الجماهير الشعبية كما كان يقول، وهي ذات المفاهيم والأفكار التي ناقشها مع زملائه في وحدة أفلام فلسطين. لذلك كان علينا أن نقوم بعروض تجريبية لبعض الإعلاميين وكوادر الثورة وللجمهور في المخيمات الفلسطينية، بل إننا أعددنا استبانة لمعرفة رأي الجمهور في بعض المشاهد وبعض المؤثرات الصوتية أو البصرية. كانت آلة عرض الأفلام من قياس 16 ملم أول آلة سينمائية أستخدمها وأشاهد بنفسي تأثير الأفلام الساحر على الناس وخاصة شعبنا في المخيمات، كانت العروض مزدحمة لدرجة أن البعض كان يحاول أن يجد له مكاناً خلف الشاشة التي كنا ننصبها في الهواء الطلق. كان شعبنا يرى نفسه لأول مرة على الشاشة التي كان يشاهد عليها نجوم السينما، هذه المرة يشاهد أبناءه المقاتلين أبطال الشاشة.

وعندما شارك فيلم بالروح بالدم في مهرجان دمشق الدولي للشباب عام 1972 لفت الأنظار وحاز على أفضل جائزة للفيلم التسجيلي. وقد انضم للوحدة في هذا الوقت الناقد السينمائي حسان أبو غنيمة، الذي التقينا به في مهرجان دمشق، والمصور السينمائي العراقي سمير نمر، الذي التقى به مصطفى بين المقاتلين في الجنوب واكتشف أن لديه خبرة في التصوير السينمائي. وتوالت الأفلام وتوالت الجوائز مع تطور أعمال الوحدة وانضمام مصورين جدد وعودة عدد من الكوادر من دورات التدريب على التصوير السينمائي وهندسة الصوت، وأصبحت "وحدة أفلام فلسطين" تضم قسمين: قسماً خاصاً بالتصوير الفوتوغرافي التحق به جميع المصورين من المناضلين القدامى والجدد، وقسماً خاصاً بإنتاج الأفلام. كما أنشئ في ذلك الوقت عدد من اللجان والأقسام لإنتاج الأفلام لدى بعض التنظيمات والمؤسسات الفلسطينية.

أما أنا شخصياً فقد بقيت منذ بداية 1971 وحتى العام 1974 أعمل مع وحدة أفلام فلسطين كمتطوعة، أساعد في تزويد المخرجين باللقطات اللازمة، وأرافق المسيرات لتسجيل الصوت والتقاط بعض الصور عند الضرورة، وأرافق الجماعات السينمائية التي كنا نستقبلها إلى مواقع التصوير في المخيمات، أترجم لهم وأنسق لهم مواعيد تصوير المقابلات والنشاطات اللازمة لأفلامهم. وقد توالى على الوحدة في ذلك الوقت عدد من هذه المجموعات السينمائية مثل: فريق السينما الجزائري الذي قام بعمل فيلم "سنعود" للمخرج محمد رياض، وجماعة سينما العالم الثالث من الأرجنتين الذين استضفناهم في بيتنا. والمخرج الدنماركي نلس فست الذي حضر لعمل فيلم عن القضية الفلسطينية، وكثيرين غيرهم. 

كنت أوزع وقتي بين المساعدة في أعمال الوحدة وبين عملي في اللجنة التحضيرية لإعادة بناء وتأسيس لجان لاتحاد المرأة في مخيمات لبنان، تمهيداً لعقد المؤتمر الأول لفرع لبنان منتصف العام 1972، ثم لعقد المؤتمر التأسيسي الثاني العام للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية منتصف العام 1974، بالإضافة لعملي الوظيفي كأخصائية نفسية لمدرسة أبناء الشهداء في سوق الغرب للعام الدراسي 1973-1974. عندما أتذكر تلك الأيام أعجب من نفسي كيف كنت أقوم بكل هذه الأعمال وفوقها أعمال بيتي وأسرتي، كانت أياماً مجنونة بالعمل، وكم كانت أياماً جميلة ونحن نشعر أننا نصنع تاريخاً جديداً لشعبنا، كنا سعداء بما نعمل لدرجة لم نكن نشعر بالتعب.

من وحدة أفلام فلسطين إلى مؤسسة للسينما الفلسطينية

في العام 1974 قامت إدارة وحدة أفلام فلسطين بإعداد مشروع لتوحيد جميع أقسام ولجان السينما  لدى المنظمات الفلسطينية المختلفة في مؤسسة واحدة للسينما في دائرة الإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذا المشروع للأسف لم يتحقق، وإن كان اسم مؤسسة السينما الفلسطينية قد أصبح العنوان الجديد للوحدة، وتطورت المؤسسة لتضم عدداً كبيراً من العاملين في مجالات السينما المختلفة، بعد أن تمكنت من الحصول على دعم عدد من الدول الصديقة شمل معدات سينمائية ومنحاً للدراسة والتدريب في مجالات العمل السينمائي المختلفة، من برلين الشرقية، وموسكو، وبغداد، وليبيا، وكوبا.. وغيرها. الأمر الذي ساهم في تطور مؤسسة السينما الفلسطينية، وتزايد عدد الكوادر وتعددت وحدات التصوير وأصبحت المؤسسة تضم أقسام: التصوير الفوتوغرافي، والتصوير السينمائي لمتابعة توثيق الأحداث، والجريدة المصورة، وإنتاج الأفلام الفلسطينية، وأفلام الإنتاج المشترك مع الفرق السينمائية التقدمية من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.. وغيرها، التي بدأت تتوافد لتصنع أفلاماً عن قضايا الشعب الفلسطيني وشكلت ظاهرة سينمائية عربية ودولية حول فلسطين. كما جذبت عدداً من السينمائيين العرب مثل المخرج اللبناني جان شمعون، والمخرجين العراقيين حكمت داوود ومحمد توفيق وزوجته جنين، ثم المخرج والناقد السينمائي الأردني عدنان مدانات، وغيرهم كثيرين ممن لا تحضرني أسماؤهم.

أخذ الفيلم الفلسطيني ينتشر ليكون نجم المهرجانات الدولية وليحصد عدداً كبيراً من الجوائز، في مهرجان لايبزج، ومهرجان أوبرهاوزن، ومهرجان قرطاج، ومهرجان برلين، ومهرجان موسكو،... وغيرها. وبدأت السينما الفلسطينية تحاصر السينما الإسرائيلية في عدد من المهرجانات الدولية. وأصبحت مؤسسة السينما الفلسطينية تقدم جائزة فلسطين باسم الشهيد هاني جوهرية أول شهيد للسينما الفلسطينية، لأفضل فيلم عربي أو أجنبي حول القضية الفلسطينية من الأفلام المشاركة في المهرجانات الدولية.

تابعت مؤسسة السينما الفلسطينية توثيق كل ما له علاقة بالثورة والشعب الفلسطيني من أحداث، مكونة بذلك أغنى أرشيف فوتوغرافي وسينمائي عن الثورة الفلسطينية ونشاطها السياسي والعسكري كما عن النشاطات الشعبية في المخيمات ومناطق تواجد الشعب الفلسطيني، وأصبحت المؤسسة عام 1976 تضم قسماً ثالثاً هو "قسم الأرشيف والسينماتيك" الذي بلغ عدد الأفلام فيه ما يقارب المئة فيلم فلسطيني، وأفلام من إنتاج مجموعات السينما النضالية حول القضية الفلسطينية وحركات التحرر في العالم، من كوبا وفيتنام والصين والاتحاد السوفييتي والتوباماروس.. وغيرها. وأصبح لدى المؤسسة قاعة خاصة لعرض الأفلام ولعقد دورات التدريب، وأصدرت أربعة أعداد من مجلة "الصورة الفلسطينية" التي تعرف بالأفلام الفلسطينية والنضالية وتناقش قضايا السينما المختلفة.

سينما الثورة .. سينما الشعب

يلاحظ من تجربة فيلم "بالروح بالدم" ومن مراجعة بعض أدبيات السينما الفلسطينية[2] أن تجربة سينما الثورة الفلسطينية قد استلهمت طريقها من مبادئ وأهداف وأساليب عمل الثورة كما من الثورات الشعبية في فيتنام وكوبا والجزائر، ولأن السينما بطبيعتها فن جماهيري إلى أبعد الحدود وقادرة على الاتصال بالجماهير بشكل فعال، ولأنها محصلة الفنون جميعها فهي قادرة على اجتراح الأساليب البسيطة والجميلة لهم. ولذلك كانت سينما الثورة تبحث عن لغة وجماليات سينمائية خاصة بها، بسيطة وواضحة ومحسوسة للجماهير، تصور الواقع الذي تعيشه الجماهير الشعبية وتتناوله بواقعية من كافة جوانبه، لإيصال رسالة الفيلم، وإذكاء الروح المعنوية للجماهير. ولذلك كان على السينمائيين الاقتراب من جماهير شعبهم وتلمس وفهم حاجاتها، وقرروا تجنب استخدام لغتين لغة لشعبهم ولغة للعالم، فما يعبر عن الشعب يستطيع أن يوصل قضيته للعالم. واعتمدت أسلوب المشاركة لأعضاء الفريق في جميع الأعمال، وأهملت مبدأ التخصص الصارم في تحديد مهمات أعضاء الفريق السينمائي، في الفكرة والسيناريو والتصوير وتسجيل الصوت.. الخ،، حيث يتوقع فقد واحد أو أكثر من الفريق بسبب ظروف العمل في الأزمات والمعارك التي خاضتها قوات الثورة.

لقد تميزت تجربة هؤلاء المناضلين بالابتعاد عن طريق السينما السائدة والعمل بروح الجماعة، لدرجة أن الأفلام التي أنتجت في السنوات الأولى لم تكن تحمل اسم المخرج والفريق الفني وحملت فقط شعار واسم وحدة "أفلام فلسطين". وقد تميز هؤلاء السينمائيون الثوريون بروح البناء والتفاني في العمل، والشجاعة في مواجهة الخطر، كان شعارهم: نحن في الأصل فدائيون. وقد استشهد منهم ثلاثة من المصورين السينمائيين أثناء تصوير الأحداث العسكرية أو في أرض المعركة، وهم المصور السينمائي الشهيد هاني جوهرية أثناء تصويره المعركة في عين طورة، نيسان 1976، والمصور السينمائي إبراهيم ناصر (معروف باسم مطيع)، والمصور السينمائي الشهيد عبد الحافظ الأسمر (معروف باسم عمر المختار) أثناء تصوير الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في آذار 1978.

مفارقات في السينما والسياسة:

بعد الاجتياح الإسرائيلي لمنطقة العرقوب جنوب لبنان عام 1972، قامت وحدة أفلام فلسطين بإنتاج فيلم بعنوان "العرقوب". ولدى عرض النسخة الأولى من الفيلم لمجموعة من القيادات السياسية والإعلامية، وأثناء المناقشة بدأت تتكشف لنا مساحة من الاختلاف حول مفهوم السينما والفيلم السينمائي بين مسؤولي الإعلام والسينمائيين، عندما اعترض أحد الإعلاميين البارزين، وتجاوب مع اعتراضه عدد من الإعلاميين السياسيين على بعض المفردات الفنية في الفيلم، مثل قطع أو إخفاء تدريجي (Fade out) لنشيد استخدم في الفيلم كمؤثر صوتي في خلفية أحد المشاهد، أو استخدام جملة من تصريح أو مقابلة مع أحد القادة بما يخدم رسالة الفيلم. وقد بلغ الاحتجاج لدرجة الطلب بإيقاف الفيلم وعدم إرساله للمشاركة في مهرجان دمشق الثاني للسينما البديلة، مما اضطرني إلى تهريب الفيلم للمشاركة في المهرجان، ولكن الفيلم للأسف لم يأخذ فرصته في العرض. وهنا اتضح مدى اختلاف نظرة إعلاميي الثورة والقيادات السياسية للفيلم السينمائي وكأنه مقال سياسي، وبدأ نوع من الصراع غير المعلن بين رؤية السينمائيين والقيادات السياسية والإعلامية، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى إجهاض محاولتين لإنتاج فيلم روائي.

محاولات في إنتاج الفيلم الروائي

صحيح أن السينمائيين الفلسطينين حاولوا ابتكار لغتهم الخاصة في أفلامهم إلا أنهم بعد إنتاج عدد من الأفلام التسجيلية وأفلام الحدث والجريدة المصورة، بدأوا يشعرون بضرورة إنتاج أفلام روائية، من أجل الوصول إلى جمهور دور العرض السينمائية الواسع التي لم تكن تتقبل عرض الفيلم التسجيلي، وأيضاً للتعبير عن الجوانب الإنسانية للقضية الفلسطينية المرتبطة بنكبة 1948 والمحيطة بحياة الشعب الفلسطيني في المنافي وتحت الاحتلال التي لا يتسع لها الفيلم التسجيلي، بالإضافة إلى رغبتهم في التعبير عن رؤيتهم الإنسانية عبر إبداعاتهم الفنية حيال هذه القضايا.

كانت المحاولة الأولى لمصطفى لإنتاج فيلم مأخوذ عن رواية "أيام الحب والموت" للكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور، ولكنها للأسف أفشلت بسبب غضب القيادة السياسية على الكاتب من روايته التالية "البكاء على صدر الحبيب" التي تضمنت بعض النقد على تجربة الثورة، فصدر قرار إيقاف العمل على الفيلم بعد إعداد السيناريو والحصول على الموافقات اللازمة للمشاركة في إنتاج الفيلم، وبدء عمليات الإنتاج الأولية. وقد خلق إيقاف هذا الفيلم آنذاك أزمة حادة للعاملين في "وحدة أفلام فلسطين"، جعلت مصطفى يتوقف عن العمل في الوحدة بما يشبه الإضراب عن العمل. وانطلق في تأسيس "جماعة السينما الفلسطينية" التي تكونت من حوالي 35 من مثقفين فلسطينيين وعرب، وتم تبنيها من قبل "مركز الأبحاث الفلسطيني"، وقامت بإنتاج فيلم "مشاهد من الاحتلال في غزة"، وعندما فاز الفيلم بالجائزة الذهبية في مهرجان بغداد الدولي لأفلام وبرامج فلسطين عام 1973، وأصدرت الجماعة بيانها الشهير حول السينما النضالية (سينما الثورة.. سينما الشعب) أثناء انعقاد ذلك المهرجان. ولسوء حظ الجماعة كما يقول مصطفى مخرج الفيلم ورئيس الجماعة، أثار نجاح الجماعة حفيظة القيادة السياسية، التي طلبت من مركز الأبحاث وقف تبنيه للجماعة، لأن مكان السينما هو الإعلام الموحد وليس مركز الأبحاث. وبعد سلسلة من الوساطات والاتفاقات عاد السينمائيون لوحدتهم.

كان قدر مصطفى أن يحمل رسالة وحدة أفلام فلسطين ويديرها في أصعب الظروف، ويقوم بدور المدير والمخرج والمصور وحتى تسجيل الصوت، إلى أن عثر على المصور سمير نمر بين المقاتلين وأصبح يقوم بالتصوير ومصطفى يعتني بتسجيل الصوت. لكن مصطفى ظل يحلم باليوم الذي يتفرغ فيه للإخراج حتى يتمكن من إخراج أفلام روائية قادرة على الوصول إلى أوسع قطاع من المشاهدين في العالم. ولن أنسى ذلك الحوار الفني المتواضع الذي دار بينه وبين الشهيد هاني جوهرية عند تمكنه من القدوم إلى بيروت في تشرين الأول 1975، والالتحاق بمؤسسة السينما وكل منهما يحاول إقناع الآخر بأهميته لإدارة المؤسسة، وأن يتفرغ الواحد منهما لمجاله الفني فقط. مصطفى يريد أن يسلم هاني إدارة المؤسسة، لأنه أقدر في الإدارة وفي التعامل مع السياسيين، ويعبر عن رغبته في التفرغ للإخراج. وهاني يرفض ويعتبر أن خبرة مصطفى والتطور الذي حققه للمؤسسة، تجعله أقدر على الاستمرار في الإدارة، ويعبر أيضاً عن رغبته في العمل كمصور سينمائي ميداني. كم كانت فجيعة مصطفى كبيرة باستشهاد هاني بعد ستة أشهر فقط من عودته للالتحاق بمؤسسة السينما، كان يعلق عليه آمالاً كبيرة في العمل معاً في أفلام روائية كان يحلم بتحقيقها.

وقد تكررت تجربة إفشال عملية إنتاج فبلم روائي في بداية الثمانينات مع فيلم "المتشائل" المأخوذ عن رواية الكاتب إميل حبيبي الذي أبدى إعجابه الكبير بالسيناريو المعد عن روايته، وبعد موافقة القيادة السياسية على إنتاجه عام 1981، عاد وصدر قرار بتحويل المبلغ المرصود لإنتاج الفيلم إلى احتياجات أخرى أكثر أهمية للثورة بعد أحداث 1982. وقد أدى هذا إلى إحباط شديد بين السينمائيين، لإيقاف تمويل الفيلم بعد أن قطع الإعداد له شوطاً كبيراً، مثل إعداد عقود الإنتاج المشترك مع بعض الدول الصديقة، والاتفاق مع بعض الممثلين وتحديد أماكن التصوير.. الخ. حتى أصبحت تجربة هذا الفيلم بحد ذاتها تحتاج إلى فيلم للتعبير عنها.

ولو كان هذا القصور في النظر لأهمية الفيلم السينمائي محصوراً بالقيادات السياسية لوجدنا لهم عذراً في طبيعة التحديات والضغوط والمؤامرات التي تواجههم، بل إن هذا القصور في تقدير أهمية السينما انسحب على بعض مسؤولي الإعلام والمثقفين المؤثرين في القرار، عندما كان رأيهم أن فيلم "المتشائل" غير حماسي أو تعبوي.

قصة الأرشيف السينمائي ولغز اختفائه

منذ بدء عمل وحدة أفلام فلسطين وحتى منتصف السبعينات، تراكمت كمية كبيرة من المواد المصورة مع أشرطة الصوت المرافقة لها، التي لم يسمح وقت العاملين ولا إمكانيات الوحدة بأكثر من وضع عنوان الحدث أو المناسبة المصورة بشكل عام على العلبة التي توضع بها المادة السينمائية، بسبب كثافة العمل ونقص المعدات، أصبح من الصعب استخراج اللقطات اللازمة للأفلام التي يتم العمل عليها مع مرور الوقت. فكان لا بد من القيام بعملية أرشفة وتصنيف وتوفير ظروف ملائمة لحفظ هذه المواد الفيلمية الهامة. في عام 1976 وبعد الحصول على آلة مونتاج (مافيولا) جاءت هدية من ليبيا على ما أذكر، وأثناء احتدام الحرب في بيروت ومعركة حصار تل الزعتر التي انتهت بسقوط المخيم، وفي ظل الحصار الشامل لبيروت من البحر والجبل، وتحت حالة من القصف وانقطاع كثير من سبل الحياة مثل انقطاع الماء والكهرباء وصعوبة التنقل والحركة، مما جعل معظم العاملين يقضون معظم وقتهم في المؤسسة. وجدت في هذا الظرف فرصة للقيام بهذا العمل بعد أن انهيت دورة في توثيق جميع أنواع المعلومات في مركز التخطيط. انكببت على مشاهدة جميع المواد المصورة المتراكمة وتصنيفها، استغرق العمل حوالي ستة أشهر تأسس خلالها قسم الأرشيف والسينماتيك، وأصبحت المواد المصورة تصنف مباشرة ضمن نظام خاص يساعد على إيجاد المادة المطلوبة لأي تاريخ أو حدث أو مناسبة أو نشاط أو شخصية.. الخ. كما تم توفير الكادر والمعدات اللازمة للعمل ولحفظ المواد والأفلام في درجات حرارة ورطوبة مناسبة وثابتة، كما تم وضع خطة لتصوير بعض الأحداث والمناسبات الهامة وإجراء مقابلات مصورة مع بعض القيادات والكوادر بهدف التوثيق والأرشفة. وهكذا تحررت من عبء العمل في الأرشيف لوحدي وأصبح لدي الوقت لأعمل على إعداد سيناريو وإخراج فيلمي الأول "أطفال ولكن" في العام 1979 العام الدولي للطفل عندما اضطرت الوحدة لشراء بعض المواد المصورة في فلسطين من بدايات القرن العشرين من إحدى الوكالات الأجنبية لاستخدامها في أحد الأفلام الوثائقية، فوجئنا بالمبلغ الذي طلبته وكالة الأنباء، إذ طلبت ثمناً خيالياً برأينا في ذلك الوقت المتقشف، حيث طلبت إثنين وعشرين (22) جنيه إسترليني ثمناً للقدم الواحد (30سم) من المادة المصورة التاريخية (التي مر عليها أكثر من عشر سنوات). الأمر الذي لفت انتباهنا للقيمة المادية أيضاً للأرشيف، إضافة لقيمتة الوطنية والتاريخية وأصبحنا نشعر بأننا نحفظ كنزاً حقيقياً بكل المعاني لشعبنا.

في تموز 1981 قصفت الطائرات الإسرائلية لأول مرة منطقة الفاكهاني في مدينة بيروت، وبدأنا نشعر بالخطر على الأرشيف الذي بالإضافة لقيمته وأهميته، كلفنا ثلاثة مصورين سينمائيين شهداء، مما يجعل عملية الحفاظ علية بالنسبة لنا قضية شبه مقدسة. وبدأنا نفكر بضرورة نقل الأرشيف ومكتبة الأفلام من مقر مؤسسة السينما الواقع في منطقة الجامعة العربية المعرضة لخطر القصف بالطيران، حيث توجد معظم مكاتب ومقرات قيادة وأجهزة المقاومة الفلسطينية إلى مكان أكثر أمناً. كان التفكير في البداية أن نقوم بعمل نسخة (ديوب نيجاتيف) من الأرشيف وحفظها في إحدى الدول الصديقة الآمنة. ولكن بعد دراسة تكلفة هذه النسخة التي بلغت سبعمئة وخمسين ألف دولارٍ (750000$)، وبعد محاولة توفير المبلغ تبين عدم إمكانية ذلك. عندئذٍ توجهنا لاستئجار مقر للأرشيف مكون من طابق تسوية أسفل بناية في منطقة الحمراء دون إعلان عن وظيفة المكان على اعتبار أنه مجرد مخزن، وتم تهيئة قاعة واسعة بحيث يحفظ الأرشيف في درجات حرارة ورطوبة ثابتة مناسبة للمواد السينمائية.

أثناء اجتياح لبنان في حزيران عام 1982، لم يكن خارج مقر الأرشيف إلا الأفلام والمواد المصورة حديثا قيد العمل أو الأرشفة في مقر المؤسسة، كما وجدت في "ستوديو الصخرة" حيث تتم عمليات تظهير المواد المصورة والمونتاج، بعض المواد التي تجرى عليها عمليات المونتاج وبعض المواد حديثة التصوير. وقد تم نقل المواد الموجودة في مقر المؤسسة أثناء حصار بيروت في الساعات القليلة التي يتم فيها وقف إطلاق النار، حيث كنا نقوم بالتسلل إلى مقر المؤسسة الواقع في منطقة الجامعة العربية أكثر المناطق تعرضاً للقصف لنقل ما نستطيع حمله من المواد والمعدات الموجودة فيه، وقد فاجأنا التنوير الذي يسبق الغارات الجوية أكثر من مرة. أما المواد التي كانت في ستوديو الصخرة فلم تجد مجموعة المقاتلين التي أرسلت في مهمة لإحضارها منه، غير بقايا اللقطات التي لم يتم اختيارها (المحذوفة) أثناء عملية مونتاج. وعلى الأرجح أن الأشرطة السينمائية والأفلام التي كنا نعمل عليها آنذاك في ستوديو الصخرة هي في حوزة الجيش الإسرائيلي، الذي قام بقطع الطريق للاستوديو منذ اليوم الأول في القصف الجوي، ولم بتمكن أحد من الوصول إليه قبل مجموعة المقاتلين. وللأسف كان من بين هذه المواد مواد فيلمي الثاني حول المرأة "نساء من بلادي"، في مرحلة المونتاج، وهو إنتاج مشترك بين مؤسسة السينما الفلسطينية واتحاد التسجيليين العرب.

أثناء الترتيب لعملية خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، تم إبلاغ  ثلاثة من القيادات السياسية الأولى بمكان الأرشيف، وبأسماء الأخوات العاملات في الأرشيف (فلسطينيات يحملن الهوية اللبنانية)، والمصور السينمائي الذي يستطيع البقاء في لبنان قبل مغادرتنا لبيروت، أملاً بإمكانية حمله على السفن التي ستقوم بنقل مقاتلي وكوادر وقيادات م ت ف. وقد علمنا لاحقاً أن الأرشيف السينمائي وضع تحت حصانة السفارة الفرنسية عندما لم تتمكن القيادة من تحميله على السفن. واستمرت متابعة أخبار الأرشيف وإمكانية نقله خارج بيروت مع القيادة السياسية على مدى 3 أعوام، وجرت أكثر من محاولة لنقله إلى قبرص كما أبلغنا ولم تنجح. كما استمرت متابعة الاتصال بالأخوات العاملات في الأرشيف لمعرفة تطورات الوضع هناك وآخر أخبار الأرشيف حتى اواخر العام 1985، عندما تفاقمت أحداث الحرب الأهلية اللبنانية وأغلقت جميع السفارات وبدأت معركة حصار المخيمات الفلسطينية. بعد ذلك لم يعثر أحد أو يسمع أحد حول هذا الأرشيف السينمائي الثمين والمهم لشعبنا الفلسطيني، الذي يغطي مرحلة هامة، من تاريخ النضال الفلسطيني، لا تكاد الأجيال الجديدة تعرف عنها شيئاً.

ولو حاولت وضع احتمالات لحل لغز اختفاء الأرشيف، فإنني أرجح شخصياً بأن هذا الأرشيف موجود في مكان ما، حيث من المستحيل أن يختفي تماماً أي أثر لأرشيف بهذا الحجم دون أن يترك أثراً يدل عليه، حتى لو تعرض مكان وجوده للقصف أو التفجير المباشر ووقع تحت الردم أو تعرض للحرق، فهنالك أجزاء من هذا الأرشيف محفوظة بطريقة غير قابلة للذوبان والاختفاء تماماً، ولا بد من بقاء أثر له يدل عليه.

 

 

الهوامش:



[*]خديجة حباشنة، باحثة ومستشارة في قضايا المرأة والتنمية، عملت متطوعة مع وحدة أفلام فلسطين قبل أن تتفرغ للعمل فيها عام 1974، وعملت فيما بعد كمخرجة ومؤسسة ومديرة للأرشيف والسينماتيك حتى العام 1982، مؤسسة السينما الفلسطينية،- بيروت. (معروفة أيضاً باسم خديجة أبو علي).

 



[1] البدايات الأولى لمؤسسة السينما الفلسطينية، هاني جوهرية، مصور سينمائي وأحد مؤسسي سينما الثورة، أعيد نشر المقال في كتاب "فلسطين في السينما"، عمل جماعي بإشراف وليد شميط الناقد السينمائي اللبناني، وغي هينيبل الناقد السينمائي الفرنسي. ط -2-، وزارة الثقافة-2006.

[2]مصطفى أبو علي وحسان أبو غنيمة، مقابلة حول دور ومواصفات سينما الثورة، أجرى المقابلة: الناقد الفرنسي غي هينيبل، والطاهر الشريعة الناقد السينمائي التونسي، 1972، تونس. أعيد نشر المقابلة في كتاب "فلسطين في السينما". (المصدر نفسه).

الملفات المرفقة

خديجة حباشنة.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website