منظور إسرائيلي للحدث السوري - حسام شحادة - عدد 248

منظور إسرائيلي للحدث السوري

حسام شحادة·

مثّلت الثورات الشعبية العربية حدثاً استراتيجياً أثّر، بعمق، في الأوضاع والمواقف الإقليمية والدولية، لما انطوى عليه هذا الحدث من إمكانيات بلورة بيئة جيو-إستراتيجية جديدة.

الحدث السوري، ومخاوف تشظيه، وانتقاله إلى دول الجوار، وفقدان إسرائيل لاعبين إقليميين أساسيين، كتركيا ومصر، عقّد البيئة الإستراتيجية بالنسبة لتل أبيب أكثر، وفرض نفسه على مجمل ملفات الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام، وعلى الملفين الفلسطيني والسوري بشكل خاص. وهذا ما دفع إسرائيل بقوة لأن تعيد النظر والحسابات في قواعد اللعب السابقة على كافة الصعد؛ الأمنية والعسكرية والسياسية.

القلق الذي أبدته إسرائيل تجاه الثورات التي شهدتها الدول العربية بشكل عام، وفي مصر بشكل خاص، تمظهر بحدة أكبر مع اندلاع الأحداث في سورية.

فالطبقة السياسية، والنخب الأمنية والعسكرية، والقوى الحزبية، ومراكز البحث الأكاديمي، ووسائل الإعلام في إسرائيل تابعت، بحيرة وحذر، مجريات الحدث السوري، وعملت جاهدة على رصد الارتدادات المترتبة عليه، واستشراف تداعياته وإسقاطاته المختلفة، وذلك من منطلق تشخيص خارطة المصالح الإسرائيلية.

 فسوريا، وبسبب موقعها الجغرافي، ودورها كلاعب أساسي في ضبط وتشكيل التوازنات الجيو-سياسية الإقليمية، إضافة إلى كونها دولة طوق، لم توقع اتفاقية سلام مع إسرائيل، وهي في حالة حرب معها، على الأقل من الناحية الرسمية. والصورة التي تكونت عن سوريا لدى الإسرائيليين، على مدى سنوات الصراع العربي الإسرائيلي الممتدة لأكثر من ستة عقود ليست ايجابية. ففي دمشق ولد مفهوم القومية العربية في بدايات القرن العشرين، ومنها انطلقت طلائع حركات المقاومة الفلسطينية، وهي أول دولة عربية فرضت المقاطعة الاقتصادية على إسرائيل، عدا عن كونها، اليوم، بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، دولة من دول "محور الشر".

ويبدو أن مبعث الحيرة الإسرائيلية إزاء ما يحدث في سوريا هي التداعيات المحتملة على معطيات ظلت جارية على خط سوريا ـ إسرائيل، وتمحورت ضمن بعدين:

البعد الأول: مسار السعي لجهة تحقيق التسوية السياسية، التي انطلقت في مدريد عام 1991م.

والبعد الثاني: مسار التأثيرات الجارية، وإدراك تداعياتها المحتملة، لامتصاصها على قاعدة ضبط  تأثير العامل السوري بما يسعف في إنهائه، أو على الأقل في تحجيمه أو تحييده بما يتيح لاحقاً السيطرة عليه. وهذا ما سيؤثر على مجمل عوامل الصراع العربي ـ الإسرائيلي بكافة مكوناته وملفاته الأساسية.

عند السؤال عن مصلحة إسرائيل في ما يجري في سورية، أو ما هو نوع النظام الذي يمكن أن تسفر عنه الأحداث، وإلى أي مدى سوف يكون أفضل، أو أسوأ بالنسبة للإسرائيليين؟ تجدهم يختلفون في التقديرات. فالمحلل الإسرائيلي "أمونة آلون" كتب يقول: "العالم العربي ينقلب رأساً على عقب، وهكذا إسرائيل أيضا، فالأرض التي تهتز تحت الدول المجاورة تهتز تحت إسرائيل أيضا، ويكفي النظر فيما يحصل الآن في الشرق الأوسط كي نفهم أننا لا نفهم شيئًا". واختتم أمونة مقاله بمطالبة إسرائيل بـ "النزول عن المنصة لتتوصل إلى وضع حدود دائمة لها، وعليها، قبل كل شيء، كما أوصى الفريق اشكنازي في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، أن تُخرج سوريا من دائرة العداء".(1)

من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة البحثية إلى رصد حالة الترقب والاهتمام الشديد الذي يتلبّس القيادة السياسية والقوى وهوياتها في إسرائيل حيال مجريات الحدث السوري في ظل البيئة الإقليمية الجديدة. مع التأكيد على أن ما سنورده من مواقف وتصريحات وتقديرات تحليلية إسرائيلية، هي مما قدّمه ساسة وعسكر وخبراء مراكز بحث، وهي تحليلات متأثّرة بالمواقف المسبقة، ولا تخلو من الادعاء والتهويل والتوظيف.

تباين المواقف الإسرائيلية:

المواقف المتباينة، وثنائية التقديرات حول متغيرات الحدث السوري، دفعت بأصحابها إلى البحث في ما يجب عمله في الحالتين لتقليل الخسائر ما أمكن، وربما لحصد المكاسب أيضا.

ولسبر هذا التباين في التقديرات الإسرائيلية، علينا تتبع التصريحات الرسمية ذات الصلة.

أولا- الفريق المؤيد لتغيير الوضع القائم:

يرى هذا الفريق أن مخاطر حالة الفوضى التي قد تنشب في حال سقوط النظام لا تقارن بالتحول الإيجابي الهائل في البيئة الإستراتيجية لإسرائيل بعد سقوطه. فالنظام الحالي، على الرغم من أنه حافظ على هدوء جبهة الجولان، وتجنب التصادم المباشر مع إسرائيل، إلا أنه في حالة حرب مع إسرائيل، وهو معني ببقاء حالة الصراع لاعتباراته الخاصة. والأهم من ذلك، أن سقوط هذا النظام سيوفر احتمالاً كبيراً لتفكيك الدولة السورية، وشلّ مؤسساتها، وبخاصة المؤسسة العسكرية، وأن أي نظام سيخلف النظام الحالي سيجد نفسه مضطراً لقضاء وقت طويل في محاولات استعادة بناء هذه المؤسسات وتوفير الأمن والاستقرار. كما أن سقوط النظام الحالي سيتيح تعويض الخسائر الناجمة عن سقوط نظام مبارك، وستفقد حركات المقاومة الغطاء السياسي الذي كان يوفره النظام في سورية. وسيلحق السقوط ضربة قوية بـ "محور الشر".

ومن أبرز رموز هذا الفريق رئيس الدولة ووزير دفاعها. فقد أعرب الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس عن اعتقاده بأن "الثورات الشعبية في الشرق الأوسط توفر جيراناً أفضل لإسرائيل، وأن التغييرات في سورية ومصر وتونس وليبيا وغيرها تحمل آمالا عريضة"،(2) وأشار إلى أن إسرائيل تراقب الاحتجاجات عن كثب، خاصة تلك التي تجري في سورية، وأضاف: "إن سلسلة التظاهرات المناوئة للحكومة التي هزت سورية تغيّر الوضع القائم لدى البلد الذي ظل خصما لإسرائيل لفترة طويلة".(3)

وذهب بيرس أبعد من ذلك عندما طالب الرئيس السوري بـ "التنحي والرحيل عن الحكم"،(4) ورأى أن الشعوب العربية سوف تنتصر على حكامها وعندها: "سيكون صنع السلام معها سهلاً جداً، وسوف نجري عملية سلام مع السوريين".(5) وقال إن 'الاحتجاجات ستنتهي، وسنرى الازدهار الاقتصادي وانتشار القيم الاقتصادية"'.(6)

أما وزير الدفاع الإسرائيليّ ايهود باراك فقد عبر أكثر من مرّة عن توقّعه وتفضيله سقوط النظام السوري لأن ذلك "بَرَكَة للشّرق الأوسط". وتوقّع باراك "سقوط النّظام خلال أسابيع أو أشهر، مؤكّدًا أنّ سقوط هذا النّظام يشكّل ضربةً قويّة لكلّ الجبهة الراديكاليّة ".(7)

 وبدا رجال الاستخبارات أكثر حذرا في تحديد جدول زمني لسقوط النظام، فـ"عاموس يدلين" يقول: "الأسد لن يبقى، فليست هناك آلية معروفة يمكنها أن تخلّص الأسد من الشرك. والرئيس السوري يواصل التدهور".(8)

وأمام الصّحافة في "دافوس"، صرح يدلين، قائلا: "إسرائيل تراقب ما يجري بدون عصبيّة، ولكن بحذر، وبالأخصّ إمكانيّة نقل أسلحة متطوّرة من سورية إلى لبنان". ويضيف: "الأسد يستحق أن يطاح به من قبل شعبه".(9)

وكان باراك، في مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، استبعد، بشكل حاسم، أي تخوف من سقوط سوريا بيد الإخوان المسلمين، عازيا ذلك إلى "علمانيّة الشعب السوري"، منوها بأن "النظام السوري، في حال سقوطه، سيضعف الهلال الشيعي الممتد من طهران إلى لبنان".(10)

آفي يسسخاروف وعاموس هرئيل، في مقال مشترك نشرته صحيفة "هآرتس" بعنوان "يتحدثون عن استعدادات الجيش الإسرائيليّ لحقبة ما بعد الأسد"، يشيران   إلى أن: "رجال المخابرات العسكريّة مقتنعون بأنّ أمر بشّار الأسد سيُحسَم في عام 2012، لكنّهم ليسوا مستعدّين للالتزام بتاريخٍ محدّد... ومن الصّعب أن تجد في الشّرق الأوسط أحدًا يراهن على بقاء بشّار لسنواتٍ طويلة".(11)

أما رئيس جهاز الموساد السابق، مائير داغان، فيعتقد بأن: "إسرائيل ستكون في وضع أفضل لو تم خلع الرئيس الأسد من السلطة، لأنّ ذلك سيمنع توفير المساعدات لحزب الله، وسيضعف التأثير الإيراني، وسيتعزز المعسكر السٌني في العالم العربي، وسيكون الوضع أفضل لإسرائيل من الناحية الإستراتيجية"، وقدر أنّ "الأسد سيقاتل حتى النهاية، فلا بديل أمامه".(12) وعبّر داغان عن أنه سيكون "مسروراً في حال سقط النظام السوري، لانّ ذلك سيشكل ربحاً كبيراً لإسرائيل".(13)

ويقترب غابي أشكنازي، رئيس الأركان السابق، من رؤية داغان، إذ يعتقد بأن ما يجري في سوريا يمكن أن يوفر فرصة، لأنه "بعد إزاحة الأسد، لن تذهب أي حكومة سنية مع إيران إلى الحدود البعيدة التي ذهب إليها بشار...ويمكن أن ينشأ وضع لا يغدو فيه النظام في سوريا فاعلا، أو تقع حرب أهلية، أو دولة فاشلة ".(14)

نائب رئيس الوزراء موشيه يعلون، رفض الآراء السائدة التي تشير إلى أن إسرائيل تؤيد استمرار النظام الحالي، وقال "إن سقوط الأسد قد يكسر محور الشر مع إيران وحزب الله ولا أعتقد أن نظاما إسلاميا سيسيطر على السلطة في سوريا في حال سقوطه "(15)، وانتقد "إخفاق مجلس الأمن الدولي في استصدار قرار يدعو للإطاحة بالرئيس الأسد"(16).

رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إيلان مزراحي اعتبر أن:"مصلحة إسرائيل تكمن في نهاية نظام بشار الأسد في سورية لأن ذلك يعني انحسار نفوذ إيران في المنطقة وضعف حزب الله"(17)، وحذر من "فترة طويلة من عدم الاستقرار ستكون لها انعكاساتها الإقليمية في لبنان وسورية والعراق..الانتفاضة السورية ليست محلية فقط، وهي أكثر من ذلك... علينا أن ننظر إلى أبعد من ذلك".(18)

المحلّل الإسرائيلي، يهودا دروري رأى: "بأن سقوط الأسد قد يعني مجزرة يرتكبها السّنة بالعلويين، لكنه سيؤدي إلى قطع العلاقة الإيرانية مع حزب الله، وسيتسبب بـحرب أهلية في لبنان، وهي تشكل مصلحة صهيونية، يعني صراحة الضعف في الشمال".(19)

ورقة بحث، أعدها رايال زيسر، أشارت استنتاجاتها إلى أن: "النظام الحالي في سورية، هو الخصم الرئيسي لإسرائيل، والعقبة الرئيسة أمام صعود قوة إسرائيل كطرف مهيمن على الشرق الأوسط، وبالتالي فإنّ إسرائيل وواشنطن أكثر حرصاً على دعم عدم استمراره".(20)

ذهبت بعض الأوساط الإسرائيلية، حدّ المطالبة بفتح حوار مع المعارضة السورية، وشمعون بيرس لم يخفِ إعجابه بنشاط المعارضة السورية التي كما يعتقد أنها "تواصل انتفاضتها على الرئيس بشار الأسد تحت الرصاص الحي"، وتمنّى بيرس النجاح "لأبناء هذا الجيل بما يفيدهم ويفيد منطقة الشرق الأوسط ".(21)

أما إتمار رابينوفيتش، رئيس طاقم المفاوضات مع سوريا، فيرى أن إسرائيل: "غير مهتمة ببقاء الرئيس السوري في السلطة، وأن الكثيرين قد أساؤوا تفسير الموقف الإسرائيلي من الأسد بسبب نصيحة أسداها شارون عام 2005 للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بعدم زعزعة النظام السوري، لأن الشيطان الذي نعرفه أفضل من ذلك الشيطان الذي نجهله".(22)

دراسة إسرائيلية شارك في إجرائها خبراء أمن سابقون، رسمت أربعة سيناريوهات لمستقبل الوضع في سوريا، ألا وهي: "بقاء النّظام لسنوات عديدة، نشوء حالة فوضى، التحوّل إلى نظام إسلاميّ راديكاليّ، أو التحوّل إلى نظام إصلاحيّ معتدل". وتؤكد الدراسة إيّاها على أن إسرائيل لن تتضرر إذا تحقق أي من السيناريوهات المذكورة. (23)

ويؤكد غيورا آيلاند هذا التقدير بقوله: "إنّ أيّ سيناريو من السيناريوهات التي تمّ ذكرها لن تؤثر على أمن إسرائيل، ذلك أنّ إمكانية لاندلاع حرب موجودة، وكل تغيير في الحكم في سوريّا سيُقلل هذا الاحتمال" حسب الدراسة.(24)

ولكن توماس فريدمان يخالف ما ذهبت إليه الدراسة في تقديرها الأخير، حيث كتب في صحيفة القدس المقدسية يقول: "ليس في استطاعة إسرائيل التأثير فيما يجرى داخل سورية.. لكن مما لا شك فيه أن إسرائيل ستتأثر بأيّ سيناريو يمكن أن يحدث هناك".(25)

ويتوقع الجنرال احتياط عاموس يدلين أن "ينشأ ائتلافٌ عابر للطّوائف بعد سقوط النظام ..وفي نهاية المطاف سوف تستقرّ الأمور في سورية". ولا يتوقّع يدلين وقوع مجازر في سوريا، لكنه يشير إلى أن "أيّ نظام في سورية لن يكون سهلا لنا، فالسُّنّة في سورية هم مثل السُّنّة في مصر".(26)

الفريق المتخوف من سقوط النظام في سوريا:

مخاوف هذا الفريق تستند إلى: أن جبهة الجولان قد تشتعل في ظل أي نظام بديل، نظراً لحاجته إلى شرعية داخلية. بينما، في ظل النظام الحالي، فإن الحدود هادئة منذ أمدٍ بعيد، وستبقى كذلك في المستقبل، وذلك نظراً لحاجته إلى شرعية خارجية، كما يعتقدون، ولأن قوة الردع الإسرائيلية أحبطت أي إمكانية لدى هذا النظام ليرد على العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية، فقد مرّ بعدة اختبارات، في السنوات الأخيرة، حيث توفرت لديه أسباب جيدة لمهاجمة إسرائيل، لكنه لم يفعل. وهذا "دليل على أنه مرتدع". ويعتقدون، أيضاً، أن سقوط النظام في سوريا سيسمح بصعود الإخوان المسلمين إلى الحكم، وهذا سيغير البيئة الإستراتيجية لإسرائيل بشكل خطير وكبير، خاصة إذا كان للحالة السورية تداعياتها على الوضع في كل من لبنان والأردن والعراق. إذ يُخشى، عندها، من مواجهة إسرائيل لخطر القوس السنيّ الممتد من تركيا إلى مصر. وسقوط النظام، أو إضعافه، من شأنه أن يؤدي إلى إيجاد حالة من عدم الاستقرار الخطيرة في المنطقة، قد تفضي إلى حروب لا ترغب إسرائيل في خوضها. كما ويخشى هذا الفريق من أن يلجأ النظام في سوريا إلى تسخين جبهة الجولان، أو يدفع حزب الله أو الحركات الفلسطينية للقيام بذات المهمة في جنوب لبنان أو غزة... هذا، عدى عن مخاطر ومخاوف وقوع أسلحة تقليدية وغير تقليدية بيد جماعات أصولية متطرفة.

أهم رموز هذا الفريق ينتمون إلى المؤسسة الأمنية والعسكرية:

 حذّر الجنرال عاموس جلعاد، رئيس الهيئة الأمنية والسياسية في وزارة الأمن الإسرائيلية، من أن "سقوط نظام الرئيس السوري سيترتب عليه حدوث كارثة تقضي على إسرائيل نتيجة لظهور إمبراطورية إسلامية في الشرق الأوسط بقيادة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسوريا".(27)

أما أفرايم هاليفي، فيرى أن التغيير في سوريا قد لا يكون باعثا على التفاؤل بالنسبة لإسرائيل من نواح عدة: "ففي حال انهارت الهيكلية العسكرية للجيش السوري، عندها لا يمكن معرفة ما الذي سيجري على أرض الميدان، ومن سيتحكم بمن، وبأي أدوات سيتحكمون، ولا أحد يعرف إلى أين سيتم تهريب الأسلحة؛ كما حصل في ليبيا حيث وصلت الأسلحة الليبية إلى مناطق حساسة بالنسبة لنا".(28) ويذكر هاليفي أيضا: "أن سوريا تمتلك قدرات صاروخية وصواريخ تحمل رؤوسا كيميائية، والسؤال هو: من سيتحكم بهذه الأسلحة، وهو سؤال لا يقل أهمية عن كيفية سقوط النظام السوري ومن سيرثه".(29)

الجنرال أمير ايشيل، قائد قسم التخطيط، يقترب من الرأي السابق، حيث عبّر ايشيل عن قلقه لمصير المخزون الضخم من الأسلحة الكيماويّة والبيولوجيّة بعد سقوط النّظام في سورية. وقال إنّ "هناك خطرًا بأن ينتقل هذا المخزون، أو قسم منه إلى جهات غير مسئولة".(30)

رئيس هيئة أركان الجيش، بيني غانتز تحدث، أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، عن مخاطر كبرى ستلحق بإسرائيل بسبب اتساع قوس التهديدات في الشرق الأوسط، وقال: "تهديدات الماضي قائمة، وتهديدات جديدة تتطور، وتتطلب قدرة على العمل في عدة جبهات بقوة وحزم وحسم خلال فترة قصيرة"،(31) وهو يؤمن بأن هناك لاعبا مركزيا في الشرق الأوسط هو "الشارع"، وبأن "على الجيش استخلاص العبر من أحداث ذكرى يوم النكبة العام الماضي، وقد نواجه في الشهور القريبة مظاهرات شعبية واسعة تحظى بدعم جماهيري".(32)

ويحسم جنرال الاحتياط، ايال رؤوفين، النقاش في هذا المضمار، قائلاً أن سوريا تتجه نحو التغيير على المدى البعيد، وهذا ليس في مصلحة إسرائيل: "لأنه إلى جانب أصوات المتظاهرين التي تنادي بترتيب شؤونهم كما يجب، تتعالى نداءات تطالب الأسد بإرسال قواته لمهاجمة إسرائيل، وإذا ما احتدمت الأمور ستزداد الضغوط على الأسد وقد يدفعه ذلك بالفعل إلى توجيه ضربة لإسرائيل".(33)

يكتب الجنرال أمير ايشيل: "الموقف السوريّ هو الحاسم في تسخين جبهة الجولان أو تبريدها. فعلى مدى عقودٍ لم تكن هذه الحدود حاضرةً في الإعلام، لأنّه لم يحدث فيها شيء يُذكر، ولكنّ المحلّلين والعسكر والسّاسة في إسرائيل يرون أنّ الأمور قد تتغيّر إذا تغيّر النظام.(34)

ويؤكد الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، يوءاف موردخاي، وجود هذا القلق الإسرائيلي من سقوط النظام في سوريا "لأنه على جبهة مغلقة منذ سنين طويلة".(35)

ويحذّر الجنرال احتياط أهارون زئيفي من صعود الإسلاميين بقوله: "الإسلام السنّي المتطرّف يزداد قوّةً في تركيا ومصر، وفي المستقبل في سورية، وهذا سيغيّر خارطة الشّرق الأوسط". وبن إليعزر يصرّح: "لم تكن إسرائيل في حياتها بوضع أمني كارثي كما هي اليوم".(36)

ويعبّر الجنرال يائير غولان، قائد المنطقة الشماليّة عن تخوّفه من سيناريو انهيار النّظام، وانتقال أسلحة متطوّرة إلى منظّمات مسلّحة، وفي مقدّمتها حزب الله، فيقول: "إنّ الجيش سيضطرّ إلى تغيير الإستراتيجيّات العسكريّة بالنّسبة إلى سورية ولبنان والعلاقة بينهما، لأنّ هناك تحوّلات هائلة في سورية، والأحوال فيها تشبه الأحوال في ليبيا عشيّة إسقاط القذافي". ويضف قائلاً "أنّ هناك إمكانيّة لصعود ما أسماه منظّمات "إرهابيّة" سوريّة".(37)

ويرى ضابط رفيع المستوى أن سقوط النظام في سوريا قد يؤدي إلى حالة فوضى تسود سوريا بسبب عدم وجود شخصية وجهة مركزية في المعارضة السورية يمكنها السيطرة على الوضع: "عندما يكون عدوك واضحاً ومستقراً فإنك تضعه في إطار سلوكي معين على ضوء تصرفاته ماضياً وحاضراً، لكن عندما يتفكك هذا العدو فإن الوضع يصبح خطراً".(38)

كتب عنار شيلو في صحيفة هآرتس أنّ جهاز الأمن يسوده ذعرٌ من إمكانيّة أن يسقط النّظام في سورية، وأضاف: "يمكن أن نقرأ بين السّطور أنّ إسرائيل غير متحمّسة لسقوط الأسد. تدعو إسرائيل الله في الخفاء أن يصمد النظام.. إسرائيل تفضّل الوضع القائم وعالم الأمس".(39)

تباين المواقف لا يلغي الاتفاق على الهدف:

القوى والشخصيات الإسرائيلية، على اختلاف مشاربها ورؤاها وتقديراتها، تُجمع وتتفق، فيما يخص تحولات الوضع السوري، على أن هذه التحولات، وبغض النظر عن صيرورتها، فإنها ستؤدي في النهاية إلى إضعاف الموقف السياسي والقدرة العسكرية لسوريا. وعليه، يجتمع الفريقان على ضرورة شطب فكرة الموافقة على الانسحاب من هضبة الجولان مقابل أي معاهدة سلام مع سوريا، وعلى ضرورة حصد المكاسب من الحدث، كما يتفقان على ضرورة إحداث تغيير جوهري على العقيدة الأمنية الإسرائيلية يستجيب للمخاطر والفرص التي سينطوي عليها الحدث.

المحلل السياسي الإسرائيلي "عوفر شيلح"، بعد أن شكك بفرضية "إسرائيل تعرف كل شيء عن سوريا: جيشها؛ قادتها؛ ومنظومة اتخاذ قراراتها، بصورة جيدة"، يقول: "لا أحد في المؤسسة الأمنية الصهيونية، مستعد للتنبؤ فيما إذا كان الأسد سينجو من العاصفة الحالية، رغم أنها ساعة حاسمة بالنسبة لعناصر الاستخبارات، وزبائن المعلومات وتحليلاتهم. وتعتقد الأوساط الأمنية الإسرائيلية أن سوريا ستدخل في فترة مديدة من عدم الاستقرار؛ من نزاعات طائفية، وانحلال لمؤسسات الحكم"(40). واستبعد "شيلح"، استناداً إلى تقديرات استخبارية، سيناريو تصدير الأزمة السورية بتسخين الحدود مع إسرائيل فيقول: "هذا التقدير ليس له أساس من الصحة، لأنه يعلم جيداً ما ينتظره في هذه المواجهة، ومن امتنع عن الرد حيال تدمير المفاعل، ثمة شك في أنْ يقرر بأن يكون الحل فتح جبهة الجولان".(41)

التوافق على الانسحاب من هضبة الجولان مقابل أي معاهدة سلام مع سوريا، وضرورة حصد المكاسب من صيرورة الحدث، يؤكده الكاتب زلمان شوفال، في مقاله نشره في صحيفة "إسرائيل اليوم" تحت عنوان "انسحاب إسرائيل من الجولان لم يعد وارداً" كتب فيه: "ليس واضحاً بعد، في هذه المرحلة، هل هذه هي نهاية سلطة عائلة الأسد في سورية. لكن أصبح واضحاً، الآن على الأقل، أنها نهاية "الخيار السوري" لإسرائيل إذا كان قد وجد أصلا".(42).

ألوف بن، المحلل السياسي في صحيفة هأرتس، كتب في مقال معنون بـ "الربيع الإسرائيلي" يقول: "حتى لو كانت الانتفاضة في سوريا لا تزال بعيدة عن الحسم، فقد أخذت تُحدِث، منذ الآن، تغييرا في ميزان القوى في الشرق الأوسط. فالريح انقلبت: إيران في حالة تراجع، وإسرائيل تتعزز من جديد".(43) فالمخاوف، التي أثارتها في إسرائيل الموجة الأولى من "الربيع العربي"، بدأت تهدأ بالتدريج، والتحولات في الدول المجاورة تتخذ الآن صورة "الفرصة الإستراتيجية"، والإحساس بتنفس الصعداء في إسرائيل من هذه الفرصة تعكسه، حسب "بن"، نبوءات وزير الدفاع ايهود باراك العلنية التي تقضي بأن "الأسد سيسقط من الحكم في غضون نصف سنة". وحتى أن رئيس الموساد السابق، مائير داغان، كما يقول ألوف بن، "يتخيل استبدال العلويين في الحكم بالأغلبية السنية في سوريا، وأن مسئولين كباراً في المؤسسة السياسية والأمنية يمتدحون الديمقراطية في الدول العربية". وهذا، بحسب "بن"، "يعاكس تصريحاتهم خلال نصف السنة الماضية والتي كانت تحذر من خطر التحول الإسلامي وتفكك النظام القائم".(44)

مستقبل سوريا، من وجهة النظر الإسرائيلية، يكتنفه الغموض، وذلك لعدم الوضوح والضبابية في صيرورة الحدث السوري. وهذا يفسر حالة الإرباك والحذر في تصريحات ومواقف المستوى الأمني والسياسي. فتقديراتهم، بعد أن كانت تتحدث عن استقرار النظام في سوريا، بدأت في الآونة الأخيرة تتحدث عن مصاعب تحول دون قدرته على إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً.

وبالنتيجة:

وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، روبرت غيتس، وصف ما يجري في المنطقة بأنه "هزة جيو- إستراتيجية ضخمة" ستطال في مفاعيلها البنية الإقليمية؛ لدرجة، ربما، ستغير في المكانة الجيوسياسية للاعبين الإقليميين الأساسيين وفي طبيعة العلاقة بينهم، وبالتالي، سترسم الإقليم بصورة مغايرة.

الأزمات في منطقة الشرق الأوسط تتفاعل وتتطور، وقد يكون من المبكر تلخيص مكوناتها أو صياغة تقييمات إستراتيجية طويلة المدى عنها، فهذا غير ممكن.

المستقبل من المنظور الإسرائيلي يؤشر إلى أن التغيرات التي طرأت، ولا تزال، على الأوضاع في الشرق الأوسط، وخاصة في سوريا ومصر، تكتسي أهمية إستراتيجية بالغة في نظر إسرائيل على عدة مستويات، حتى قبل اكتمال تبلور الأزمات المتنوعة التي شهدتها المنطقة.

 ويؤشر تقرير "هرتسليا 2012" المعنون بـ "إسرائيل في عين العواصف"، والذي أُعِدّ لرسم حدود وتحليل معاني أحداث العام الفائت في سياقها الواسع، إلى مخاطر كبرى تنطوي عليها مظاهر العصيان المدني في الشرق الأوسط. وحسب التقرير فإن هذه المخاطر تزداد وتتفاقم، خاصة في ظل غياب القوى العظمى التقليدية عن الشرق الأوسط. وهذا، كما ورد في استخلاصات معدّي التقرير، يُرتّب على إسرائيل تحدّيات أمنية وسياسية مركبة توجب إعادة النظر في السياسات والاستراتيجيات المعمول بها.

في البيئة الإقليمية الجديدة تتلاشى آخر الآمال بالتسوية وتحقيق حل الدولتين. وحسب هنري سيغمان، فإنّ "الأمل الوحيد المتبقي للتوصل إلى هذا الحل يكمن في استعداد المجتمع الدولي لتذليل مطالبة الولايات المتحدة باحتكار عملية السلام في الشرق الأوسط"، وهي مطالبة خسرت كل مصداقيتها بعد أن "استسلم الرئيس أوباما بشكل مهين أمام نتنياهو".

طغيان وهيمنة اليمين المتطرف على المشهد السياسي في إسرائيل يدفع، حتى بالمعتدلين، إلى الابتعاد عن مسار التسويات السياسية. فغالبية الساسة الاسرائيليين العظمى، اليوم، تعتبر الانسحاب من الجولان، بل وقيام الدولة الفلسطينية بالشروط الإسرائيلية، خطراً على إسرائيل، ويطالبون بالبحث عن خيارات أخرى. وهذا يعني أنّ حلّ الدولتين آخذٌ بالتآكل.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبعد أن اعتبر في كلمته أمام الكنيست أن "الصحوة العربية تعيد العالم العربي إلى الوراء، وتتحول إلى موجة إسلامية"، مناهضة للغرب، و"معادية لليبرالية ولإسرائيل وللديمقراطية"، يؤكد، في سياق كلمته، على أنّ "التنازل عن أراض للفلسطينيين ليس أمرا حكيما"، ويضيف: "ليس بإمكاننا أن نعلم ما الذي ستؤول إليه أي قطعة أرض نتنازل عنها".

 

المراجع:

1-  مقالات من الصحف الإسرائيلية على الرابط التالي: tp://www.da3wh.com/vb/showthread.php?t=10392&page=1

2- هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، 30/3/2011).

3-  المصدر ذاته.

4- الجريدة، الكويت، 27/7/2011

5-  المصدر ذاته.

6- المصدر نفسه.

7- معاريف الإسرائيلية، 11/12/2011.

8- السفير، بيروت، 19/12/2011.

9- معاريف الإسرائيلية، 11/12/2012. السفير، بيروت، 9/9/2011

10- السفير، بيروت، 21-12-2012

11- هآرتس، 06/01/2012

12- القناة 7 للمستوطنين، التقرير المعلوماتي، ملحق خاص 2250، 10/5/2011)

13- المصدر ذاته.

14-  السفير، بيروت، 27/1/2012

15- السفير، بيروت، 27/1/2012. اليوم السابع، مصر، 5/2/2012

16-  المصدر ذاته.

17- (الرأي، الكويت، 1/1/2012).

18- المصدر ذاته.

19- القناة السابعة للمستوطنين التقرير المعلوماتي، ملحق خاص 2285، 20/6/2011

20- (القدس العربي، لندن، 17/8/2011)

21- (الأخبار، بيروت، 26/11/2011).

22- (السفير، بيروت، 24/10/2011)

23- (الحياة، لندن، 24/9/2011)

24- وكالة سما الإخبارية، 3/9/2011

25- توماس فريدمان، الربيع العربي وتداعياته على إسرائيل القدس، القدس، 2/12/2011).

26-  بن كسبيت، "مقابلة مع الجنرال عاموس يدلين الرئيس السابق للمخابرات العسكرية"، معاريف، 21/01/2012.

27-  (المستقبل، بيروت، 17/11/2011).

28- (المستقبل، بيروت، 14/12/2011).

29- المصدر ذاته.

30-  (موقع عرب48، 31/5/2011)

31-  المصدر ذاته.

32- المصدر ذاته.

33- (الحياة، لندن، 24/9/2011)

34-  دافيد ايشيل، "إعادة صياغة الوضع القائم بالنسبة لإسرائيل"، أفييشين ويك، 17/01/2012

35- (الرأي الكويتية، تاريخ 14-9-2011 )

36- موقع الكنيست، 30/11/2011

37- باربارة أوبل-روم، "مقابلة مع يئير غولان قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي".

38- ( الخليج، الشارقة، 28/1/2012).

39- (عنار شيلون، "مِن مصلحة مَن بقاء الأسد؟"، هآرتس، 20/01/2012).

40- (القناة السابعة للمستوطنين) التقرير المعلوماتي، ملحق خاص 2244، 3/5/2011

41- المصدر ذاته.

42- زلمان شوفال "إسرائيل اليوم" الأيام، رام الله، 1/4/2011

43- وكالة سما الإخبارية، 24/6/2011 عن  هآرتس 24/6/2011 .

44-  المصدر ذاته.

· كاتب مقيم في دمشق

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website