هل ينجح مشروع السلام الاقتصادي، وإعادة إعمار غزة بحل القضية الفلسطينية؟ - عبد الغني سلامة - العدد 258

مشروع السلام الاقتصادي... وإعادة إعمار غزة

هل ينجحان بحل القضية الفلسطينية؟

عبد الغني سلامة[*]

 

لطالما لعب الاقتصاد دور المحرك الرئيسي في صناعة التاريخ، باعتباره السبب الحقيقي وراء كافة أشكال الصراع، والدافع الأساسي لحركات الشعوب والأمم والجماعات، سواء في الحرب أم في السلم، لأنه ببساطة جوهر المصالح التي يسعى لتحقيقها أي شعب أو جماعة.

الصراع العربي الصهيوني لا يخرج عن هذه القاعدة؛ فبالقدر الذي يلعبه البُعدان السياسي والتاريخي في توجيه دفة الصراع؛ إلا أن الاقتصاد، ومنذ تفجره، كان أحد أبرز الأركان التي يقوم عليها هذا الصراع، وحتى حينما تم التوقيع على معاهدة أوسلو، في محاولة من الطرفين لإنهاء الصراع أو لإدارته، كان الاقتصاد حاضرا بقوة، مشكّلاً البعد الآخر الذي لا يقل أهمية إلى جانب الأبعاد السياسية والأمنية، ضمن علاقة جدلية تجمعها معاً، ولا تقبل الانفصام.

صحيح أن اتفاقية أوسلو منحت السلطة الوطنية الفلسطينية الوليدة صلاحيات مدنية كاملة في المناطق المصنفة )أ( و)ب(، وإدارة الموارد الاقتصادية في تلك المناطق بما ينسجم مع الأهداف والأولويات الفلسطينية، إلا أنه مقابل هذه الصلاحيات والإمكانيات المحدودة تم تكبيلها بالكثير من القيود، وسلبها قدرا كبيرا من السيادة الوطنية، عبر حرمانها من السيطرة على المعابر والحدود، وتقييدها في استغلال مواردها الطبيعية، حتى على الأراضي الخاضعة مباشرة لإدارتها (وخاصة المياه)، فضلا عن التقييد الأشد في المناطق المصنفة )ج(.

وهذه التقييدات جاءت في إطار "بروتوكول باريس الاقتصادي"، الذي فرضته إسرائيل (ووافق عليه الفلسطينيون) لينظم العلاقات الاقتصادية بين الطرفين في المجالات التجارية والمالية. وكان واضحا أن هذا البروتوكول سيكبّل الاقتصاد الفلسطيني، وسيحرم السلطة الفلسطينية من إمكانية السيطرة على مواردها المالية، حيث أنه ربط الاقتصاد الفلسطيني مع الاقتصاد الإسرائيلي بغلاف جمركي واحد، ومنعه من القدرة على التحكم بمعدل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية والتي تعد مكونات مهمة في السياسة المالية، إضافة لذلك أبقى البروتوكول وظيفة جباية الجمارك والقيمة المضافة على التجارة الفلسطينية بيد إسرائيل، التي أخضعت تحويلها لخزينة السلطة لاعتبارات أمنية وسياسية تعسفية، وجعل إصدار عملة وطنية مشروطاً بموافقة إسرائيل، وكذلك أعطى إسرائيل إمكانية التحكم بمنسوب تدفق العمالة الفلسطينية إليها بما يخدم مصالحها الاقتصادية واعتباراتها الأمنية. باختصار، أبقى البروتوكول معظم مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني بيد إسرائيل، وجعله خاضعا لابتزازها.[1]

اليوم، وبعد عقدين كاملين من عمر الاتفاقية، ما زال الصراع متأججا، ولم تشهد المنطقة السلام المنشود، ولم تحقق السلطة الوطنية النهضة الاقتصادية التي وعدت بها، بل ساءت الأوضاع الاقتصادية، وظل السلام عبارة عن شعار تتستر من خلفه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لإجراء التغييرات التي تريدها على الأرض بالقوة، وفرض الأمر الواقع.

 وخلال هذه الفترة خاض الطرفان مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية، على أمل التوصل لاتفاق نهائي. لكن تعنّت الطرف الإسرائيلي، وإصراره على ابتزاز التنازلات من الفلسطينيين، وتعامله مع المفاوضات بمنطق القوة الاحتلالية ذات اليد العليا، كان دوما العائق أمام الوصول لأي تفاهم حقيقي، وبالتالي فشلت المفاوضات، واستمر الصراع بأشكال متعددة سقط خلاله ضحايا كثيرون، وبسبب انحياز الراعي الأمريكي، وتواطؤ المجتمع الدولي، أمعنت إسرائيل في سياساتها التوسعية والاستيطانية، وأفشلت كل جهود السلام.

وفي شتاء 2008، شنت إسرائيل عدوانا غاشما على غزة، ومنذ ذلك التاريخ توقفت المفاوضات كليا بين الطرفين. بالرغم من الضغوط الدولية على السلطة للعودة للمفاوضات، إلا أن القيادة الفلسطينية ظلت تصر على شرط وقف الاستيطان (بالإضافة لتحديد مرجعية وسقف زمني)، وأمام رفض إسرائيل هذه الاشتراطات تجمدت عملية السلام تماما. ثم أعيدت المفاوضات المباشرة من جديد في العام 2013، وبسقف زمني مداه تسعة أشهر، انتهت أيضاً بالفشل في نيسان 2014. لتبدأ من بعدها جولة جديدة من العنف الدامي، حيث شنت إسرائيل عدوانها الثالث على غزة.

مؤتمر إعادة الإعمار وفرص التسوية السياسية

كعادتها بعد كل حرب، تسعى الدول "الإمبريالية" إلى ما يسمى إعادة الإعمار؛ كما لو أن عمليات إعادة الإعمار باتت جزءاً أصيلا ومكمّلا لأي حرب، بحيث تحاول الدول من خلالها استغلال نتائج الحرب، وتوظيفها لصالح مشاريع اقتصادية عملاقة تستفيد منها الدول "المعتدية" قبل الدولة "الضحية" نفسها. كما حصل في العراق مثلا من قبل، وكما يحصل حاليا في غزة.

بعد تعثر التسوية السياسية، وتوقف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون نتائج، خرجت الإدارة الأمريكية بفكرة "السلام الاقتصادي"، على أمل منها أن يشكل ذلك مدخلا للحل السياسي، وهي فكرة إسرائيلية في الأساس، لكن أمريكا سعت لإحيائها من جديد، حيث طرح "جون كيري" خطته وبدأ بالتمهيد لها، لكنها وبعد سنة من طرحها لم ترَ النور. وفي صيف العام 2014، شنّت إسرائيل عدوانا جديدا على قطاع غزة، أدى إلى إلحاق خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وتدمير شامل للبنية التحتية.

وهكذا، وكما هو متوقع، بعد الحرب مباشرة (وحتى في أثنائها) بدأ الحديث عن إعادة إعمار قطاع غزة المدمر، وفي هذا السياق، ربما أرادت واشنطن أن يشكل هذا المشروع (إعادة الإعمار) رافعة لمشروع السلام الاقتصادي، أو مدخلا قويا (أو مجرد غطاء) للبدء فعليا بتطبيق السلام الاقتصادي، لا على قطاع غزة وحسب؛ بل وفي عموم الأراضي الفلسطينية.

وبالفعل، عُقد في القاهرة في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة، برئاسة مشتركة ما بين جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبحضور كل من: الرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، والرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، و"بان كي مون" الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، و"جون كيري" وزير الخارجية الأمريكي، و"كاثرين أشتون" الممثل الأعلى للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، والدكتور "نبيل العربي" أمين عام الجامعة العربية، وأيضا بمشاركة كل من وزراء خارجية فرنسا وإيطاليا والأردن واليابان، ومبعوث اللجنة الرباعية الدولية، وباستضافة مشتركة ما بين مصر والنرويج. وشارك في المؤتمر 50 وفداً دوليا و30 وزير خارجية و20 منظمة إقليمية ودولية من بينها: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والأونروا، وصندوق الغذاء العالمي، وبنوك التنمية الإسلامية والعربية.[2]

وعقب انتهاء المؤتمر قال الرئيس الفلسطينى "محمود عباس": "إن المؤتمر حقق نجاحاً، وإن الفلسطينيين سعداء بما حققه من تبرعات بلغت حوالي 5.4 مليار دولار، إن هذه التبرعات ستسلم إلى السلطة الفلسطينية وعبر منظمات الأمم المتحدة، وليس لأي فصيل بعينه".[3]

وفي حقيقة الأمر، فإن هذا المؤتمر ليس الأول من نوعه؛ ففي آذار (مارس) 2009، تنادى المجتمع الدولي لعقد مؤتمر لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وذلك على إثر العدوان الإسرائيلي الأول على قطاع غزة (2008~2009)، وقد عُقد المؤتمر في شرم الشيخ برعاية مصرية– نرويجية، وبمشاركة 90 دولة، إضافة إلى عدد كبير من المنظمات غير الحكومية، والتي تعهدت حينها بتقديم 4.7 مليار دولار، منها 1.6 مليار لإعادة إعمار قطاع غزة والباقي للتنمية الفلسطينية الشاملة في عموم أراضي السلطة الفلسطينية، علما بأن خطط السلطة الفلسطينية آنذاك لم تكن تتجاوز جمع 2.7 مليار دولار كهدف ينبغي بلوغه، ولكن من الواضح أن التعهدات كانت أكبر من تلك الخطط.

ولكن وبسبب الحصار الإسرائيلي لم ينفَّذ شيء من تعهدات ذاك المؤتمر، حتى بعد حوالي خمسة أعوام على انعقاده، حيث عدد قليل من الدول التزمت بتعهداتها تجاه السلطة، بينما الجزء المخصص لإعادة لإعمار غزة لم يتم الوفاء به. وبما أننا اليوم، أمام مؤتمر مشابه يعقد في القاهرة وبرعاية مصرية نرويجية أيضاً، فإن الخشية أن يتكرر الأمر نفسه؛ إذ أن مبررات الدول التي أخلّت بالتزاماتها، أعادت الأمر إلى عاملين: الأول، سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، والثاني، الخشية من وقوع حرب جديدة تدمر ما تم إعادة بنائه.

ولكن هذه المرة ربما تكون الاستعدادات الجيدة التي سبقت المؤتمر دليلا على أن كافة الأطراف راغبة بمرحلة جديدة ومختلفة؛ الجانب الفلسطيني والدول المانحة، وأيضا إسرائيل، أدركوا أهمية إيجاد حلول للعامليْن اللذين أديا إلى تعطيل إعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب الأولى. إذ تشير المعطيات أن الفلسطينيين استوعبوا الدرس، حيث أبدت حماس استعدادها للتخلي عن الحكم، وأظهرت تعاونا مع حكومة الوفاق الوطني، التي وبالفعل عقدت اجتماعها الأول برئاسة د. "رامي الحمد الله" في قطاع غزة قبل يومين من مؤتمر القاهرة تنفيذاً للتوافق الأخير، بين حركتي حماس وفتح في القاهرة، والذي بموجبه تم التأكيد على ضرورة تمكين حكومة الوفاق من أن تحكم فعلياً في قطاع غزة، كما هو الأمر عليه في الضفة الغربية.

الكثير من المراقبين اعتبروا أن عقد اجتماع الوزارة في غزة إنما مثّل رسالة للدول المانحة، مفادها أن هناك حكومة واحدة، هي حكومة الرئيس محمود عباس، وهي قادرة على القيام بكافة المهام المنوطة بها من أجل تنفيذ خطط إعادة البناء وقادرة أيضاً على الإشراف على المعابر والتدقيق الأمني والاقتصادي بكافة المواد الأولية اللازمة لتنفيذ مشاريع بناء الإعمار.

أما إسرائيل فقد أكدت عدم رغبتها بدخول حرب جديدة، (على الأقل في المرحلة الراهنة) بدليل استمرارية اتفاق وقف إطلاق النار، حتى بدون عقد الجولة الثانية من المفاوضات بين الجانبين، وذلك بالتوازي مع جملة من التسهيلات الإسرائيلية الموعودة، بإدخال مواد البناء إلى قطاع غزة، مع توفير أكثر من خمسة آلاف فرصة عمل لعمال قطاع غزة داخل إسرائيل، إضافة إلى تعهدات بتصاريح للزيارات المتبادلة للمواطنين بين الضفة والقطاع، وبرامج أخرى في السياق نفسه، تشير كلها إلى أن إسرائيل باتت أكثر قناعة، بضرورة توفير الحدّ الأدنى من الحياة الإنسانية للغزيين في سبيل عدم التوجه إلى حرب جديدة.

وحسب محللين، فإن مثل هذا الإدراك يعتبر خاطئاً من دون شك، ذلك أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي مع مواصلة بناء المستوطنات وتهويد القدس واستمرار سياسة الاعتقال.. وكلها عناصر تفتح الطريق أمام حروب جديدة، لكن هذه الإجراءات "المتسامحة" ما هي إلاّ عناصر توفر تأجيلاً محتملاً لمثل هذه الحروب ليس إلاّ، مع ذلك، فإن مثل هذا التأجيل ضروري من أجل اطمئنان الدول المانحة على أن أموالها في مشاريع لا يدركها خطر التدمير من جديد، لبضع سنوات على الأقل.

الأبعاد السياسية للمؤتمر الاقتصادي

إذا كانت الأبعاد الاقتصادية هي الطاغية في مؤتمر إعادة إعمار غزة، إلا أنها لا يمكن أن تحجب عن المؤتمر طابعه وجوهره السياسي، ففي كلمات الافتتاح عبر المتحدثون عن مواقفهم السياسية، فمثلا اعتبر "السيسي" أنه لا بديل عن إجراء تسوية سياسية شاملة، مؤكدا على مركزية القضية الفلسطينية، في حين صرح "بان كيمون" بأن القطاع ما زال على برميل بارود، والمطلوب مسار سياسي واضح لتحقيق سلام دائم، بينما أكد البيان الختامي أن إنهاء الاحتلال هو الضمان الوحيد لعدم تكرار الحرب.[4] وقد أظهر المؤتمر تكاثف جهود مختلف الأطراف والتقائها على ضرورة وضع حد للحروب الإسرائيلية على القطاع، بل وعلى ضرورة إغلاق ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، سواء من خلال إنعاش العملية السلمية وإعادة المفاوضات المباشرة كما تريد أمريكا. أو بفرض حل الدولتين كما قال "بوجدانوف" المبعوث الخاص للرئيس الروسي في الشرق الأوسط: "إنه يتعين على المجتمع الدولي أن يقدم المساعدات للفلسطينيين في أسرع وقت ممكن، وبشكل فعال، مع ضرورة إيجاد حل سياسي دائم للصراع على أساس قيام دولة فلسطينية". أو من خلال المشروع الفرنسي الذي يقال إن باريس ستتقدم به إلى مجلس الأمن بدعم من ألمانيا وبريطانيا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وترسيم الحدود وإقامة الدولة الفلسطينية. وجدير بالذكر أن المشروع الفرنسي إنما هو تعبير عن موقف الاتحاد الأوروبي بشكل عام، ففي خطابيهما أمام المؤتمر، دعا كل من وزير خارجية فرنسا ووزير خارجية النرويج إلى ضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ فقد أكد وزير خارجية النرويج "بورج برندى" أن إعادة إعمار غزة جزء لا يتجزأ من حل الدولتين، ولا بد من وجود استراتيجية لإعادة الإعمار من خلال أنشطة اقتصادية قوية"، منوها إلى أن "آخر جولة من الحرب فى غزة بيّنت أهمية وقف العنف، وأن العودة إلى الوضع السابق ليس خيارا مقبولا، وأنه يتعين على المجتمع الدولي إيجاد معادلة جديدة للتعامل مع الوضع فى غزة، من خلال الوصول إلى توافق دولي، لا يتم الرجوع عنه أبدا". أما الطرف الفلسطيني، فيريد إنهاء ملف الصراع من خلال الجهد السياسي والديبلوماسي بالتقدم إلى مجلس الأمن لانتزاع مشروع قرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام دولة فلسطينية وفقاً لبرنامج زمني محدد، وبضمانات دولية.[5]

أي أن العناصر السياسية ستظل هي الأكثر صدى وجدوى في مؤتمر عنوانه وشكله ذو طبيعة اقتصادية، خاصة وأنه لم يعد الفصل بين العاملين (السياسي والاقتصادي) بسهولة إذا ما عرفنا أن الاقتصاد ما هو إلاّ السياسة بشكل مكثف.[6

حل اقتصادي أم مجرد تسهيلات؟!

قبل يومين من انعقاد مؤتمر إعادة الإعمار عقدت حكومة التوافق الوطني اجتماعها الأول في غزة، والذي حظي بقدر كبير من الاهتمام الإعلامي، وسط حالة من التفاؤل الحذر، خاصة مع الأخبار التي تحدثت عن موعد تسلم موظفي السلطة للمعابر، وقرب فتح معبر رفح، وعودة العمّال للعمل داخل الخط الأخضر، وفتح الممر الآمن، وغيرها من الأخبار المتناثرة والتي تبشر بأن عهدا جديدا سيبدأ في قطاع غزة، وأن صفحة الانقسام قد طويت وربما إلى الأبد.

وعن هذه التسهيلات التي أعلنت عنها إسرائيل قال اقتصاديون، إنها تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية من شأنها أن تمنع أية انتفاضة قادمة، أو لتمتص موجات غضب فلسطينية مستقبلاً. حيث أن هذه التسهيلات الاقتصادية، وخاصة الإعلان عن رفع الحصار عن البضائع والأفراد بين الضفة الغربية وغزة، لن تحل الصراع، بل هي أقرب إلى إدامته؛ ففي تعليق للمحلل العسكري "رون بن يشاي" لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، جاء فيه: "إن هذه التسهيلات من شأنها إدارة الصراع مع الفلسطينيين وليس حله، ما يعني أن إقامة دولتين وتحقيق السلام سيبقى بعيداً جداً".[7]

وأضاف "بن يشاي": "إن التسهيلات متركزة في قطاع غزة، لتحقيق إنعاش اقتصادي، وبالتالي هدفها خلق فجوة بين حماس والسكان، الذين سيرفضون نشوء حرب جديدة مستقبلاً". فيما اعتبر الباحث الاقتصادي "انطوان شلحت"، أن هذه المساعدات تهدف إلى تخدير الفلسطينيين، وإلهائهم، عبر تسهيلات اقتصادية على حركة الأفراد والبضائع والعمل داخل إسرائيل، وأن هذه التسهيلات لها أبعاد سياسية تفوق أهدافها أو آثارها الاقتصادية، أي أن الحديث يدور عن سلام اقتصادي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وعزل حماس عن المشهد كاملاً".

وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها اتفقت مع الحكومة الفلسطينية على تسلم الأخيرة للمعابر مع قطاع غزة، عبر نشر طواقم فلسطينية على معبري كرم أبو سالم التجاري، ومعبر بيت حانون للأفراد. كما أعلنت إسرائيل عن السماح بتصدير سلع ومنتجات زراعية وثروة سمكية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، وهي المرة الأولى منذ العام 2007.

بينما رأى الباحث الاقتصادي "مهند عقل": "أن إسرائيل تعتقد في منحها تسهيلات للفلسطينيين، أن التوتر سيتراجع إلى أدنى مستوياته، لكن فعلياً فإن حماس ستقوم بالإعداد بكل هدوء لحربها القادمة كما فعلت في عملية الجرف الصامد، ومع أن الأطراف السياسية ما تزال تحاول حل القضية الفلسطينية اقتصادياً، وبالتحديد عبر السلام الاقتصادي، لكن جميع هذه المحاولات فشلت، ولا يوجد أفق للنجاح هذه المرة، بل ستكون نسخة عن سابقاتها".[8]

ومع كل هذه التحذيرات، والآراء المختلفة، فإن الفلسطينيين، وخاصة في غزة يعلقون آمالا كبيرة على أن تتحول هذه التسهيلات إلى سياسة ثابتة تؤدي إلى رفع الحصار كليا، وبلا قيود، وإلى زيادة مساحة الصيد في المياه الإقليمية، وإزالة المناطق العازلة، وأن يؤدي تحسين الأوضاع الاقتصادية إلى تحسين البيئة السياسية، وبالتالي إيجاد حل للقضية الفلسطينية. رغم التخوفات الكبيرة من الإفراط في التفاؤل ورفع سقف التوقعات.

وما يعزز من مخاوف الفلسطينيين، تجربتهم المريرة مع الاحتلال، وسياسات المماطلة والتسويف الإسرائيلية، وقناعتهم بأن الإسرائيليين غير جادين بإحلال السلام، ولا بتقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين، سيما على ضوء النتائج السلبية لسنوات طويلة من المفاوضات. والتخوف أيضا هو أن لا تلتزم الدول المانحة بتعهداتها، أو أن تمنع إسرائيل من تدفق الأموال، وتقوم بتقييد دخول البضائع والمواد الأساسية للبناء على نحو يعيق عمليات البناء والإعمار، تحت حجج وذرائع أمنية.

والتخوف أيضا أن يتراخى المجتمع الدولي، ويبدأ بالتراجع أمام المعيقات الإسرائيلية، وصولا إلى عودة الأمور لما كانت عليه، أي استفراد إسرائيل بالفلسطينيين، أمام مرأى ومسمع من المجتمع الدولي.

ولا يغيب عن بال المراقبين فشل مؤتمرات عديدة سابقة، فمثلا مؤتمر إعادة إعمار مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في لبنان الذي دُمِّر عن بكرة أبيه في العام 2007 وتسبب بتهجير ما يقارب 38 ألف لاجئ فلسطيني؛ فقد عقد مؤتمر لإعادة إعمار المخيم في "فيينا" في حزيران (يونيو) 2008، وتعهدت الدول المشاركة حينها بدفع مبلغ 122 مليون دولار من أصل 455 مليون دولار طلبتها "الأونروا"، ولكن بعد مرور أكثر من سبع سنوات على تدمير المخيم لم يتم إعمار سوى أقل من 50% من مساحة المخيم، والسبب عدم التزام الدول المانحة والتأخر أو عدم الدفع، وفي المقارنة فإن إستحقاق إعادة إعمار مخيم نهر البارد أسهل بكثير من إعادة إعمار غزة، سواءً من حيث حجم الدمار الهائل، أو وجود الاحتلال والتعقيدات التي ستواجهها عملية إدخال المواد من معابر يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي.[9]

وأيضا فشل مؤتمرات دولية خصصت لإعادة الإعمار، وآخرها مؤتمر "شرخ الشيخ" 2009، ومؤتمر "أنابوليس" 2007، بسبب عدم اتخاذ خطوات جادة ومؤثرة للضغط على إسرائيل وإرغامها على الامتثال للشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، وبسبب الانحياز الأمريكي لإسرائيل وضعف الموقف الأوروبي. والأهم من ذلك عدم جدية الدول العربية (والإسلامية) بتقديم الدعم السياسي والديبلوماسي والمالي للفلسطينيين، وعدم استخدامها لعناصر القوة وأوراق الضغط التي تمتلكها لدفع أمريكا والدول الغربية إلى فرض عقوبات على إسرائيل. وطالما ظل الموقف العربي والدولي كذلك، فليس هناك ما يضمن نجاح مشروع إعادة الإعمار، ولا نجاح مشروع السلام الاقتصادي، وبالتالي ستظل القضية الفلسطينية بلا حل.

هل سيشكل السلام الاقتصادي مدخلاً للتسوية؟!

بدأت الإدارة الأمريكية الجديدة عهدها (في الولاية الأولى لأوباما) بخطاب سياسي جديد، بدا للوهلة الأولى كما لو أنه أكثر جدية، وأكثر تصميما على تحقيق السلام على أساس حل الدولتين وإنهاء الصراع، إلا أن "أوباما" اصطدم بعقبات كثيرة داخلية وخارجية، أدت به إلى التراجع عن تعهداته، والعودة مرة ثانية للموقف الأمريكي التقليدي المنحاز لإسرائيل.

وفي الولاية الثانية، وبعد تعيين "جون كيري" وزيرا للخارجية؛ أبدت الإدارة الأمريكية رغبتها بإعادة إحياء عملية السلام، وأخذ "كيري" على عاتقه مهمة جمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من جديد إلى طاولة المفاوضات، ولكن من المدخل الاقتصادي هذه المرة. وهكذا عاد للظهور مصطلح "السلام الاقتصادي" الذي أخذ يفرض نفسه بقوة على المشهد السياسي العام.

إذن؛ هذا المصطلح "السلام الاقتصادي" جاء في سياق عملية التسوية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والذي يهدف إلى التطبيع الاقتصادي بين الجانبين، ليكون "الحل الاقتصادي" بديلاً، أو مدخلا للحل السياسي المتعثر للقضية الفلسطينية، كما أنه سيكون عاملاً أساسياً لإحياء مفاوضات التسوية من البوابة الاقتصادية.

وفكرة "السلام الاقتصادي" ليست فكرة أمريكية بالأساس؛ بل هي إعادة إحياء لفكرة قديمة كان قد طرحها "شيمون بيريز" عام 1993 في كتابه 'مشروع الشرق الأوسط الجديد' والذي دعا فيه إلى جمع دول المنطقة في سوق مشتركة، وإلى دمج إسرائيل فيها بعد إعادة تشكيل جديد لهذه المنطقة، ثم تحدث عنها نتنياهو خلال مؤتمر "هرتسيليا" في العام 2009، بالتفاهم الضمني مع رئيس الحكومة الفلسطينية السابق د. سلام فيّاض.

لكن "فياض" أكد أن اللقاءات التي تمت مع إسرائيليين ليست مفاوضات موازية، وليس لها علاقة بما يسمى بالسلام الاقتصادي، معتبرا أن ما جرى هو اجتماعات فنية بين أطقم العمل في الجانبين، هدفها تصحيح بعض سلبيات اتفاقية باريس الخاصة بالتحصيل الضريبي، حتى لا تذهب أموال دافع الضرائب الفلسطيني لإسرائيل، وحتى لا يبقى موضوع التحصيل رهنا بتقديمنا لفواتير المقاصة، وهذا تحصيل لحق فلسطيني كان يضيع في السنوات السابقة.[10]

والسؤال المطروح: هل السلام الاقتصادي المقصود يأتي كإطار أوسع وأشمل من مشروع إعادة إعمار غزة!؟ أم أن مشروع إعادة الإعمار سيبتلع مشروع السلام الاقتصادي؟! أم أن كليهما مكملان لبعضهما البعض؟ هذا إذا افترضنا أساسا أن السلام الاقتصادي بات مقبولا لدى الأطراف المختلفة، وأنه سيكون بديلا مؤقتا، أو مدخلا للسلام الشامل والعادل.. تلك الأسئلة من المبكر الإجابة عليها.

السلام الاقتصادي من وجهة النظر الأمريكية

في منتدى "دافوس" الذي انعقد في البحر الميت في أواخر أيار 2013، أعلن وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" خطته للسلام الاقتصادي، وحسب مراقبين، فإن خطة "كيري" تأتي منسجمة مع الخطة الإسرائيلية التي تحدث عنها "نتنياهو" سابقا، وتعتمد بشكل أساسي على ضخ استثمارات تقدر بنحو أربعة مليارات دولار، لتعزيز الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية بنسبة 50% خلال الثلاث سنوات المقبلة، وخفض نسبة البطالة بنحو ثلثين، ورفع الرواتب بنسبة 40%.

وفي المؤتمر نفسه أطلق مجموعة من رجال الأعمال والرؤساء التنفيذيين الفلسطينيين والإسرائيليين لكبرى الشركات، وثيقة "كسر الجمود"، من أجل التوصل إلى حل الدولتين "لإنهاء الصراع".

ويسود اعتقاد لدى مراقبين أن التوجه الأمريكي للشرق الأوسط، وجولات "كيري" المكوكية، ورغبة الإدارة الأمريكية بحل القضية، إنما هو بقصد تحقيق إنجاز "تاريخي" يُحسب للحزب الديمقراطي، سيّما وأن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الحزب قد يمنى بهزيمة قاسية في الانتخابات الأمريكية القادمة[11] (الرئاسية والبرلمانية)، وبالتالي عليه إحداث اختراق في قضية الشرق الأوسط الأكثر تعقيدا، ومن ناحية ثانية فإن التطورات الجذرية التي أصابت وتصيب المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمشروع الإسلام السياسي الذي بدأ يواجَه بثورات شعبية، وبتعقيدات المشهد في العراق وسورية على إثر تقدم "داعش"، ونشوء حلف دولي مناهض لها، وهذه كلها تقتضي من الإدارة الأمريكية الإسراع بإيجاد حل للقضية الفلسطينية، بما يضمن إبقاء الهيمنة الأمريكية على الإقليم.

وحتى لا تصطدم الإدارة الأمريكية مع اللوبي الصهيوني، ولتجنب الدخول في "مغامرة" الضغط على إسرائيل، وإجبارها على وقف الاستيطان، أو لدفعها لتقديم تنازلات تؤدي إلى تحقيق قيام دولة فلسطينية لها سيادة حقيقية؛ فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه الخطة إلى الوصول إلى دولة فلسطينية بالتدريج، وعلى مراحل، ودون حدود لا مؤقتة ولا دائمة، وإنما عَبر تحسين الواقع الاقتصادي للسكان، بحيث يتم العمل على تحسين الواقع الاقتصادي للسكان الفلسطينيين إلى درجة تجعل منه أولوية معيشية، وتأجيل الموضوع السياسي إلى أجل بعيد، أو جعله قابلا للتفاوض، وقابلا للتنازل في بعض جوانبه.

وبهذه الطريقة فإن إسرائيل أيضا ستتجرّع السلام بالتدريج، بنفس طريقة تدرُّج قبول الفلسطينيين له، دون ضجيج إعلامي ولا مؤتمرات دولية. ما يدل على أنها خطة تغيّر في "الواقع" من خلال خلق وقائع جديدة لا يرفضها الإسرائيليون، ولا يستطيع الفلسطينيون رفضها علنا وصراحة، بل سيحاولون الاستفادة منها والعمل على تطويرها.[12]

بمعنى آخر، يسعى الأميركيون إلى تجزئة الملفات والتعامل مع كل واحد منها على حدة، فالمسار السياسي لا زالت دونه عقبات كثيرة، ولا يمكن الانطلاق به دون تذليلها. وعلى ما يبدو أن الأمريكان لديهم قناعة بأن المسار الاقتصادي أقل تكلفة وأكثر نجاعة، وخصوصا لناحية قدرة أميركا على ضخ الاقتصاد الفلسطيني المترنح دفعة من الأموال، تنعش السوق الفلسطينية وتفسح في المجال أمام الحكومة الجديدة أن تسدد رواتب الموظفين، وتفي بالتزاماتها المالية، ما يولد حالة من الاسترخاء النفسي لدى المواطنين، وإقناع نتنياهو بضرورة تسديد أموال "ضرائب المقاصة" في مواعيدها للخزينة الفلسطينية، وتسهيل حركة البضائع في المعابر والموانئ.[13]

ولكن، إذا ظلت أمريكا على موقفها المعهود غير العادل تجاه الصراع، فإن أي خطة أو مفاوضات سيكون مصيرها الفشل، وللأسف لا تبدو في الأفق مؤشرات كافية لقراءة ما يدل على أن الخطة الأميركية التي يجري الحديث عنها تملك أية وسائل ضغط حقيقية على إسرائيل، ودفعها للقبول باشتراطات السلام العادل والشامل، أو لجعلها تطور وتعدل خطتها الاقتصادية بحيث يؤدي ذلك إلى خدمة المسار السياسي.

ومن ناحية ثانية، فإن أرقام التبرعات الأمريكية تُظهر بوضوح أن أمريكا غير جادة في تحقيق سلام اقتصادي كما تدعي، أو أنها بالأحرى لم تقدم شيئاً يذكر، إذ أنها قررت دفع نحو 75 مليون دولار من التكاليف المقترحة لإعادة الإعمار في قطاع غزة، أي نحو1.4 % فقط من المبلغ المطلوب. إذْ أعلن "كيري" أنّ بلاده ستدفع 220 مليون دولار، منها 145 لميزانية السلطة. وهو مبلغ هزيل جدا ليس مقارنة بما تدفعه أمريكا لإسرائيل (دفعت أمريكا لإسرائيل مساعدات عسكرية منذ نشأتها بمبلغ تراكمي تجاوز 121 مليار دولار، فضلا عن المساعدات الاقتصادية والتبرعات الخاصة، وضمانات القروض) ولكن حتى مقارنة بما تدفعه السلطة الفلسطينية لإعمار غزة، حيث تنفق السلطة جزءا كبيرا من ميزانيتها في غزة؛ وفق هذا كله، تشكل واشنطن الداعم الأساسي للآلة العسكرية التي دمرت القطاع.[14]

الخطة من وجهة النظر الإسرائيلية

إزاء ما هو مطروح، يرى محللون أن مشاريع السلام الاقتصادي من وجهة النظر الإسرائيلية؛ تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية لإبعاد شبح إمكانية اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة. والهدف الثاني هو تأجيل قضايا الحل النهائي أو الهروب منها (وهي قضايا الحدود، والقدس، واللاجئين، والمياه، والمستوطنات)؛ فبدلا من حلها يتم التركيز على بناء علاقات تجارية بين إسرائيل والضفة الغربية، لتكون ممراً لتسوية سياسية تتساوق مع الاستراتيجية الإسرائيلية.

أي أن إسرائيل تسعى من خلال السلام الاقتصادي إلى فرض حلول مؤقتة أو طويلة الأمد تؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة تحيط بها وتتحكم بها أحزمة استيطانية، ليصبح بعد ذلك أقصى ما يُمكن التوصل إليه في ظل هذه المعادلة المختلة هو تسهيل دخول الفلسطينيين إلى القدس، وتسهيل تواصل مدن الضفة الغربية فيما بينها دون حواجز، مع إطلاق سراح عدد محدود من الأسرى الفلسطينيين القدامى، والبحث عن الوسائل التي يمكن من خلالها التواصل بين المناطق الفلسطينية بأقل درجة من الاحتكاك المباشر مع المستوطنين، وبذلك تتحول المستوطنات إلى جزء من الحياة العادية في

الملفات المرفقة

عبد الغني سلامة.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website