التغطية الإعلامية الفلسطينية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة -عماد موسى - العدد 258

التغطية الإعلامية الفلسطينية

للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

عماد موسى*]

 

بعد أن وضع العدوان الإسرائيلي أوزاره، وبعد أن خبت نار الإعلام، وبعد واحد وخمسين يوما من العدوان، لا بد من البحث في التغطية الإعلامية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؛ بقصد التعرف على الكيفية التي تمت بها هذه التغطية، وعلى أبرز المجالات لهذه التغطية، ومضامينها، وكذلك أبرز البرامج التي استحدثت لتغطية العدوان وتداعياته على جميع الصعد.

تعرف التغطية  الإعلامية أو الصحافية: "هي عملية الحصول على بيانات وتفاصيل عن حدث معين، والمعلومات المتعلقة به، والإحاطة بأسبابه، ومكان وقوعه وأسماء المشتركين فيه، وكيف وقع ومتى وقع، وغير ذلك من المعلومات التي تجعل الحدث مالكًا للمقومات والعناصر التي تجعله صالحًا للنشر."{C}[1]

والتغطية الإعلامية: "هي التي تحول الحدث إلى خبر يستحق النشر، حيث يقصد بها أيضًا: تتبع الأخبار من مصادرها وعرضها على صفحات الصحف. ويرى أساتذة الإعلام أن مفهوم التغطية الإخبارية يشتمل أيضا على تقويم المادة الإخبارية وتحريرها بأسلوب صحافي مناسب وشكل صحافي إخباري مناسب.[2]

وتعني أيضا، "الانتقال إلى مكان الحدث حيث من المفترض أن يحصل الصحافي على المعلومات المتعلقة بالحدث من مكان حدوثه، ليرى بنفسه، ويتحدث مع أشخاص مرتبطين به، هذا بالإضافة إلى أن مكان الحدث قد يحتوي على مفاجآت غير متوقعة قد يكتشفها الصحافي بحاسته الإخبارية، كما أن ذكاءه وفطنته تسهمان بدور كبير في وضع يده على مفتاح الخبر، وفي تحديد أهم المصادر والأشخاص الذين سوف يتحدث معهم."  [3]
فالتغطية الإخبارية إذن؛" هي العملية التي يقوم من خلالها المحرر الصحافي بالحصول على المعلومات عن التفاصيل والتطورات والجوانب المختلفة لحدث أو واقعة أو تصريح ما، إنها إجابة على كل الأسئلة التي قد تتبادر إلى ذهن القارئ بشأن هذه الواقعة أو الحدث أو التصريح أو تقييم لهذه المعلومات ثم كتابتها بأسلوب صحافي مناسب.[4]

 

-         أقسام التغطية الإعلامية:      
تنقسم التغطية الإخبارية من حيث توقيت حدوثها إلى ثلاثة أنواع هي: "

أولاً: التغطية الإخبارية التمهيدية وهي التي تهتم بالحصول على التفاصيل والمعلومات المتعلقة بحدث متوقع، أي حدث لم يتم بعد ولكن هناك مؤشرات تشير إلى احتمال وقوعه.

ثانياً: التغطية الإخبارية التقريرية (التسجيلية) وهي التغطية التي تتم بعد وقوع الحدث فعلاً، وهي تتم للأحداث المتوقعة حيث يظهر فيها مدى الاتفاق بين ما كان متوقعاً حدوثه وما حدث فعلاً.

ثالثاً: تغطية المتابعة، وهي التغطية التي تعالج نتائج أو تطورات جديدة في أحداث أو وقائع سابقة".[5]        

وتنقسم التغطية الإخبارية من حيث "اتجاه المضمون إلى الأنواع التالية:  
1- التغطية المحايدة ويقدم الصحافي فيها الحقائق فقط دون تعميق أبعاد جديدة.  
-2 التغطية التفسيرية ويقوم الصحافي فيها بجمع المعلومات التفسيرية إلى جانب الحقائق الأساسية للقصص الإخبارية.       
- 3 التغطية المتحيزة أو الملونة ويركز الصحافي فيها على جانب معين من الخبر، وقد يحذف بعض الوقائع، أو يبالغ في بعضها أو يشوه بعضها وقد يخلط وقائع الخبر برأيه الشخصي."  [6]

 

التغطية الإعلامية الفلسطينية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

إننا نلاحظ، مع العديد من المراقبين للإعلام الفلسطيني الرسمي، والخاص والحزبي، أن هناك تقدماً عند وسائل الإعلام الفلسطينية؛ من حيث السبق الصحافي، والتغطية الشاملة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتوثيقه، ولوحظ أيضا عدم وجود تحليل عميق لأسباب العدوان، وأهدافه، وتداعياته، على الوضع الفلسطيني الغارق في الانقسام. وأنه لم يتطرق إلى توفير أي فرصة لرأب الصدع وتجسيد الوحدة الوطنية.

 وهذه الآراء على تبايناتها تقر ضمنا أو بشكل مباشر بالتطور الحاصل للتجربة الإعلامية الجديدة، وساعدت بعض العوامل على نجاحه، مثل:

 ضخامة العدوان وتنوعه وشموليته، الذي أدى لوجود أعدادٍ كبيرة من الشهداء والجرحى، وخلف الحجم الهائل من الدمار مما أوجد وفرة هائلة من المواد الإعلامية القابلة للتغطية الفورية والمباشرة، طوال اليوم على طول قطاع غزة وعرضه، فأينما ولّى الصحافي عدسة الكاميرا تلتقط صورا للدمار، للشهداء للجرحى، لسيارات الإسعاف، لأصوات الاستغاثة، ولآلة الدمار والقتل الإسرائيلية، وإن العدوان المتواصل، وفر فرصة للتغطية المباشرة والمستمرة، وتخصيص برامج لتغطية العدوان، وصولا إلى الموجات المفتوحة، لفتح نافذة على الحدث وتطوره وعلى مدار الساعة، مما أوجد تفاعلا غير مسبوق بين المشاهدين والمستمعين والقراء مع وسائل الإعلام وتمكن الإعلام عبر التغطية من تجنيد العام الفلسطيني في الضفة والشتات وفي الداخل (فلسطينيي عام 1948) للوقوف مع جزء من شعبهم الذي يذبح.

 وكشف العدوان عن جهوزية الإعلام الفلسطيني، والعربي، ومدى استعدادهما للتغطية، ويظهر ذلك في زيادة عدد المراسلين الذين جندتهم وسائل الإعلام للتغطية، وعدد المكاتب المجهزة بتكنولوجيا الاتصال، فانتشر المراسلون في أرجاء قطاع غزة، وكذلك توفير المكاتب والتجهيزات الإعلامية والسيارات التي ساعدت في نجاح التغطية الإعلامية.

وترصد ضحى سعيد التباين في وجهات النظر حول التغطية الإعلامية الفلسطينية للعدوان الإسرائيلي على غزة فتقول:

"أثارت تغطية العديد من وسائل الإعلام المحلية للحرب الأخيرة على قطاع غزة تباينا في وجهات النظر، إذ رأى البعض أنه كان هناك مستوى جيد من المتابعة والسرعة والدقة في نقل الخبر، في حين رأى آخرون مشهدا إعلاميا عكس غياب الجاهزية والتحضير والاطلاع الكافي.[7]

فالصحافية ضحى سعيد، ارتكبت خطأين الأول: متعلق باللغة الإعلامية إذ أطلقت على العدوان الإسرائيلي اسم الحرب، ولم تذكر، مع من واكتفت بذكر المكان، ولم تأت على ذكر الجهة التي بدأت بالعدوان (الحرب) مع أن توصيفها أو تسميتها غير دقيقة، فغيبت أطراف الحرب عند استعمالها كلمة "الحرب" مما يوحي وكأنها ساوت بين المعتدي والضحية، وأما الخطأ الثاني: فهو عدم توثيق وجهات النظر، فلم تقل "من هم أصحابها سواء أكانوا أفرادا أم مراكز متخصصة في الإعلام، أو في السياسية أو من قادة الأحزاب، بالإضافة أنها تقر بالعجز الإعلامي الفلسطيني، ولكننا نستطيع الادعاء أن هذا الأسلوب، والذي ما اتبعته الصحافية بقولها: (تباينا في وجهات النظر، إذ رأى البعض أنه كان هناك مستوى جيد من المتابعة والسرعة والدقة في نقل الخبر، في حين رأى آخرون مشهدا إعلاميا...) هو أحد الأساليب الصحافية المعتمدة والمتبعة والتي عادة ما يستعملها الصحافيون المبتدئون أو ما يستعمله الخبراء منهم على حد سواء، لأنهم لا يريدون أن يتجشموا عناء البحث بالاتصال أو بإجراء المقابلات، فيحاولون بهذه الطريقة أن يظهروا  موضوعيتهم على اعتبار أن كل حدث يختلف الناس والمختصون وتختلف الآراء والمواقف حوله، وهم بأسلوبهم هذا يستخدمون سلطتهم الإعلامية.

 

الإعلام المرئي والمسموع (الإعلام الحكومي)

يرى عبد الكريم سمارة أن الإعلام الرسمي (هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية) في البداية قد تميزت تغطيتها بالحذر فاهتمت بالتركيز على الضحايا والخسائر، مع إشارة إلى المقاومة. لكن وبعد التوافق الوطني على الموقف من العدوان، تميز الإعلام الرسمي بالتغطية الشاملة والجيدة.[8]

 إلا أن الأستاذ سمارة لم يحدد مساحة هذه البداية، ولم يحدد زمن التحول من فترة الحذر إلى التغطية الشاملة. ولم يوضح ما المقصود بالحذر، وما هي أسبابه.

في حين يقر الأستاذ محمد أبو الرب بأنه "كان هناك تقدم ملموس في التغطية الإعلامية للعدوان الإسرائيلي في عام 2014 يختلف عن التغطية في العام 2012م، من حيث التغطية المباشرة والآنية بنقل الخبر وانتشار المراسلين لتوثيق جرائم الاحتلال، مشيرا إلى أن "الفضائيات" الفلسطينية، تميزت بالابتعاد عن الخطاب الحزبي والتحريض الداخلي، وساهمت بتعزيز الجبهة الداخلية، كما أن المواقع الإخبارية الفلسطينية عملت على نقل الأحداث أولاً بأول من خلال الأخبار العاجلة والتقارير المتنوعة حول العدوان والمقاومة، سوى أن ما غاب عن الإعلام الفلسطيني كان "عدم وجود وسيلة إعلامية ناطقة باللغة الإنجليزية ويتحدث منتوجها الإعلامي بشكل مستمر."[9] 

ولكن أبو الرب لم يشر إلى أمور هامة؛ وهي أن الصحافيين في عام 2012م، لم تكن لديهم الخبرة الكافية للتغطية الإعلامية في الحروب أو النزاعات المسلحة، فكانوا حديثي التجربة، ناهيك عن أن العدوان كان قصيرا وغير ممتد ليشمل القطاع بأكمله، ناهيك أن المواقف العربية والدولية كانت مختلفة.

وأما د. أشرف المبيض يتحدث بخصوصية أكثر عن فضائية وتلفزيون فلسطين فيرى: "لحظة بدء العدوان على غزة، أوقفنا البث المباشر، وعلى الصعيد التحريري، ألغينا نشرات الأخبار وتوجهنا إلى موجة مفتوحة"، مؤكدا أن المصدر الأول للمعلومة كان المراسلين الذين بدورهم تحملوا مسؤولية المعلومات التي كانوا ينقلونها. وأن الإعلام الفلسطيني قدم شيئًا جديدًا، فكان مصدر الخبر فلسطينيًّا."[10]

ويحاول سليمان بشارات أن يرد تباطؤ الإعلام الفلسطيني في التغطية إلى: "طبيعة الإعلام في الضفة من حيث إدارته وتركيبته وعمله تنطلق من توجهات سياسية، يمكن تسميتها "مقاربات سياسية" وذلك كنتيجة طبيعة لشكل الطيف السياسي الفلسطيني".[11]

قال الدكتور فريد أبو ضهير أستاذ الصحافة في جامعة النجاح "من الواضح كذلك أن الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية تتابع الأحداث عن كثب، وتقدم المعلومات أولا بأول. ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد ثغرات في هذا الإعلام،"[12

وحول تغطية الإعلام الحكومي للعدوان على غزة يقول محمد أبو الرب إن مركز الإعلام الحكومي حاول أن يغطي النقص الموجود في الإعلام الفلسطيني، لكنه واجه قصورا في الأداء حيث كانوا يمتلكون عناوين بريد إلكترونية لجهات متعددة ويرسلون إليها القصص الإنسانية وبيانات حكومية رسمية، لكن هذا لا يكفي، وإنما يجب تقديم إضاءات على مواضيع مختلفة عند مخاطبة الإعلام الأجنبي، وعدم الالتزام بالخطاب البروتوكولي، والاستفادة من تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية الإسرائيلية مثل بتسيلم وغيرها، حيث إنه عادة ما تواجه البيانات الرسمية الفلسطينية اتهام "الانحياز"[13]:

وحول تلكؤ الإعلام يقول سليمان بشارات: "طبيعة الإعلام في الضفة من حيث إدارته وتركيبته وعمله تنطلق من توجهات سياسية، يمكن تسميتها "مقاربات سياسية" وذلك كنتيجة طبيعية لشكل الطيف السياسي الفلسطيني."[14]      
يقول سليمان بشارات: إنه ومن خلال المتابعة اليومية للإعلام نجد أن الإعلام المجتمعي وبعض المحطات الإذاعية المحلية، كان لها دور كبير في تحشيد الشارع... ."15]

الإعلام الخاص:

وحول تجربة الإعلام الخاص في التغطية الإعلامية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، يقول عبد الكريم سمارة: "أما الإعلام الخاص، فقد تراوحت نسبة التجنيد فيه من محطة إلى أخرى، إلا أن معظم المحطات، إلى جانب يومية القدس، أفردت مساحات واسعة من الهواء والصفحات وأعطت الأولوية لتغطية مجريات الحرب والعدوان، على صعيد التغطية الخبرية ونقل الأحداث."[16]

وعلى صعيد التحليل، والنقاش العميق يؤكد سمارة وجود "نقص حاد شاب تغطية وسائل الإعلام العربية والمحلية".[17]

إن الإذاعات المحلية الفلسطينية، في غزة والضفة لعبت دورا مهماً في التغطية الإخبارية المباشرة وتغطية مناشدات المواطنين بالإضافة إلى الجانب التوعوي من خلال تقديم النصائح بعدم التجمهر وأخذ الحيطة والحذر وما شابه.     
"لعب المصورون الصحافيون الفوتوغرافيون ومصورو الفيديو والتلفزيون دورا أساسيا ضمن هذه الماكينة الإعلامية من خلال إبراز الصورة حيث كانوا في موقع الحدث مباشرة وتغطية كافة جرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمر أولا بأول ونشره مباشرة عبر الفضائيات والقنوات الإخبارية والمواقع الصحافية."[18]

الإعلام الحزبي:

أما الإعلامي والمحلل السياسي عبد الباري عطوان فيرى أن: "فصائل المقاومة لم تعد تعتمد على القنوات والصحف والإذاعات العربية، وأسست قنواتها الخاصة بها، مثل الأقصى والقدس (حماس) وفلسطين اليوم (الجهاد الإسلامي)، مثلما أطلقت العديد من المواقع الإخبارية على الإنترنت ووظفت "الفيس بوك" بشكل حديث، وأنشأت جيشا إلكترونيا استطاع اختراق المواقع الإسرائيلية الأمنية مثل موقع القبة الحديدية على سبيل المثال لا الحصر."[19]

وبالرغم من التفوق الذي حققه الإعلام الفلسطيني، وفي أغلبه "إعلام فصائل"، يلفت متخصصون إلى مآخذ على الإعلام الرسمي من ناحية ضعف الأداء، وجنوح "وسائل إعلام الفصائل" إلى بث المواقف والبيانات الرسمية للفصائل.

وكان توحيد بث فضائيتي "فلسطين اليوم" المحسوبة على الجهاد الإسلامي، و"الأقصى" المحسوبة على حركة المقاومة الإسلامية حماس، قد قوبل بارتياح كبير حيث وحدت الفضائيتان بثهما في اللحظة التي دخل فيها وقف إطلاق النار بين المقاومة والاحتلال حيز التنفيذ في 26 آب (أغسطس) الماضي".[20]

ويعتبر يونس أبو جراد من فضائية الأقصى أنه: "كانت هناك انطلاقة جديدة للتغطية الإعلامية، فلأول مرة يصمد الإعلام الفلسطيني أمام الإعلام الإسرائيلي، بل أصبح هو مصدر الخبر، ولأول مرة يضطر الإعلام الإسرائيلي لمحاورة الإعلام الفلسطيني."[21] وهو يشير بذلك إلى ظهور هذا الاتجاه في أعقاب اتفاق أوسلو "فهناك الإعلام المحسوب على لون سياسي أو رسمي أو حتى يستند إلى دعم دولي، وهذا كله يضع محددات في طبيعة وشكل التغطية أو حتى القائمين عليها".[22]

لكن سما ملحيس ترى: "أن استنهاض الضفة الغربية من عدمها يعود أحد أسبابه إلى عدم ثقة الناس ببعض وسائل الإعلام، والتي عادة ما تكون تابعة للحكومة أو السلطة وتكون مسيسة.[23]

وبحسب سليمان بشارات فإن تغطية الفضائيات مثل "الأقصى" و"القدس" و"فلسطين اليوم"، عملت على إعادة إحياء الوعي التحرري لدى الجمهور...       
ويرى بشارات أن دور إعلام المقاومة والتصريحات الإعلامية، قد حفز الحراك الشعبي الفلسطيني بالضفة، رغم أن هذا الحراك لا يزال ضمن حدود معينة نتيجة ظروف وعوامل كثيرة ميدانية سواء ممارسات الاحتلال أو غيرها من العبء الاقتصادي وغيره."[24]

ونسجل على الإعلام الحزبي التابع لحماس أنه شن حملة تخوين إعلامية ضخمة في بداية العدوان ضد فتح ورئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن في محاولة منها لنزع الشرعية الشعبية التي جاءت بالرئيس وبحركة فتح لقيادة الشعب الفلسطيني".

لقد "غطى الإعلام الفلسطيني هذه الحرب كأنها حرب على كل الفلسطينيين من دون استثناء "كما غطى إعلام حماس الحرب وكأنها عليها وحدها ولا يوجد من يقاتل سوى عناصرها"، واستخدمت حماس أساليب إعلامية نفسية" وحسب الباحث عليان الهندي "لم تترك أثرا نفسيا كبيرا في المجتمع الإسرائيلي والجيش نظرا لحالة التجييش والعسكرة التي تمر بها إسرائيل منذ نشأتها إلى اليوم".[25]

ونرى أن الإعلام الحمساوي بقي خاضعا للنزعة الفئوية الفصائلية. وهذا يعد عيبا فاضحا في تشييد الوحدة الوطنية وفي تمتين النسيج الاجتماعي الذي اعتراه الاهتراء والتمزق.

أما الإعلام الحزبي "الفصائلي"، مثل فضائية "فلسطين اليوم"، وفضائية "الأقصى"، فهو: "إعلام تعبوي وفي حالة الحرب من الطبيعي أن يتجند هذا الإعلام كإعلام حربي، ومن الإنصاف الإقرار بأن هذه الفضائيات لم تكن فصائلية محضة، وإن كانت تمجد الأجنحة العسكرية وهذا طبيعي، إلا أنها فتحت الهواء لكل الفصائل والتيارات".[26]

 

الإعلام الإلكتروني: الاجتماعي والجديد

إن وسائل الإعلام الجديد دخلت إلى ميدان المواجهة خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي يقول عبد الكريم سمارة: يجب أن نميز بين ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي يلعب دورا في التأثير على الوعي الجماهيري والأفراد، وبين وسيلة إعلام رسمية ناطقة باللغة الإنجليزية لأن وكالات الأنباء العالمية تهتم أن تحصل على أخبارها من جهة رسمية."[27]

عميد كلية الإعلام بجامعة فلسطين أ. د. حسين أبو شنب، أشار إلى أن وسائل الإعلام المجتمعية باتت الأكثر أهمية في العصر الحالي، وأن الإعلام الإلكتروني لم يعد اليوم يكتفي بالنص وحسب، بل بالنص متعدد الوسائط".[28]

الأستاذة خلود عساف مديرة المراسلين في وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" أشارت "إلى أن الإعلام الإلكتروني حديث العهد، منوهة إلى أن التغطية الإعلامية الفلسطينية للحرب الأخيرة على قطاع غزة شهدت نجاحات لافتة مقارنة مع التغطية الإعلامية لمواجهات سابقة مع إسرائيل".[29]

وقد بينت نبال ثوابتة "أن الإعلام الإلكتروني لم يعد اليوم يكتفي بالنص وحسب، بل بالنص متعدد الوسائط".{[30]

كما أن الإعلام الإلكتروني شكل مرجعية حقيقية للراغبين في الاطلاع على أخبار الحرب وتفاصيلها ومن ثم نشرها للعالم الخارجي، مؤكدة أن الصحف الفلسطينية قللت من اعتمادها في الحرب الأخيرة على وكالات الأنباء الأجنبية لصالح وكالات الأنباء المحلية، ما يؤكد وجود تطور لافت حصل مقارنة مع السابق".[31]

عوامل نجاح الإعلام الفلسطيني

نستطيع القول: إن الإعلام الفلسطيني تطور بسرعة، ونجح في التعامل مع التكنولوجيا والاستفادة منها في أصعب الظروف وأحلكها، وتسنى له الانطلاق من بين الركام وتحت قذائف صواريخ الدبابات والطائرات، لينجح بالتالي في تحويل المعركة من جانب، ومأساة المواطن الأعزل من جانب آخر، إلى كلمة وصورة تسمع، وترى بالبث الحي والمباشر".[32]

وهذا يعني أن الإعلام الفلسطيني "إعلام ينجح بامتياز مقابل إعلام إسرائيلي يرسب في امتحان الحقيقة،... ويمكن إرجاع عوامل النجاح الإعلامي الفلسطيني إلى تحرر وسائل الإعلام بخاصة الفضائية من القيود المفروضة على الإعلام الرسمي، وقبل ذلك الاستناد إلى قضية عادلة، وبروز فريق من الإعلاميين الشبان، إلى جانب إعلاميين مخضرمين عايشوا الانتفاضة الأولى والثانية وصولا إلى هذه المرحلة، تعلموا وتتلمذوا وصلب عودهم في الميدان، فيما دور كليات الإعلام في الجامعات الفلسطينية هو شديد الأهمية في التأسيس لتجربة إعلامية مهنية صاغت أروع علاقة جدلية بين المهني والوطني، في إطار التناغم والتلاحم فيما بينهما".33]

وإلى جانب الرواية الفلسطينية الصادقة، انغرس إعلاميونا في الميدان، بعد أن تعلموا
وتطوروا في أزقة المخيمات وفي شوارع المدن المستهدفة في الانتفاضة الثانية.    
إعلاميون شهدت لشجاعتهم ومهنيتهم شاشات محطات التلفزة الفلسطينية والعربية وميكروفونات الإذاعات وصفحات الصحف المحلية والمواقع الإلكترونية التي تصدر في الوطن وخارجه."[34

وفي هذا السياق يقول حسن عبد الله: "لقد أبدى مراسلو فضائيات فلسطينية وعربية شجاعة منقطعة النظير في نقل الحقيقة، وتجشم الصعاب، ومواجهة الموت بالتماهي مع المهنة".[35]

وعوامل النجاح هي:

أولاً: المصداقية، فالإعلامي الفلسطيني لم يكن بحاجة إلى الكذب أو التهويل.

ثانيًا: التغطية الإعلامية المباشرة، وهذا تطلب إقداما وصمودا منقطع النظير في الميدان،
ثالثًا: المهنية في التعامل مع الأخبار العاجلة، وفي إنتاج التقارير الميدانية السريعة، وفي تقديم البرامج التوعوية والتعبوية والتحليلية، وفي استقطاب إمكانات المحللين والأكاديميين الفلسطينيين، للمساهمة في هذا العمل الإعلامي بالرأي والتحليل والاستقراء والاستنباط، ما شكل دعماً للسياسيين الفلسطينيين في اتخاذ القرار.     
رابعًا: اعتماد الإعلام الفلسطيني على نفسه بالكامل رغم بساطة إمكاناته الفنية، وجهوزية كوادره والتدريب المضني الذي خصص مسبقاً لخوض هذه المرحلة.    
خامسًا: توحد المصطلحات الإعلامية الفلسطينية،

وغياب المصطلحات الفئوية التي أنتجها الانقسام السياسي والتحزب الفصائلي وهو ما انعكس على وحدة الشارع الفلسطيني في الميدان لمواجهة جبروت الاحتلال. ليس بدقة تماماً ومن الممكن تسجيل آراء مغايرة حول ذلك، بدءا باللغة ومرورا بالمضامين.

النتائج والاستخلاصات

 هناك أسباب وقفت وراء ضعف الأداء في بعض أوجه التغطية الإعلامية:

مع كل هذا وذاك، نجد أن هناك ضعفاً في الإعلام الفلسطيني تجلى بعدم القدرة على مخاطبة وكالات الأنباء العالمية لايصال رسالتهم للرأي العام الدولي، لذا بقي الإعلام الفلسطيني مصبوغا بالصبغة المحلية، والخطاب الإعلامي بقي غارقا في المحلية أيضا. ومرد ذلك لا يعود إلى الافتقار إلى امتلاك التقنيات الإعلامية أو الافتقار إلى مهارات تشغيلها؛ وإنما يرجع إلى عوامل متعددة أبرزها:

أولاً: أن معظم العاملين في الحقل الإعلامي، المراسلين، والصحافيين، خريجون جدد، ويفتقرون إلى التجربة الإعلامية في كيفيات التغطية ميدانيا مع أنهم أبدوا شجاعة فائقة وسقط عدد منهم شهداء على درب كشف الحقيقة.

ثانيا: غياب الكادر الإعلامي متعدد اللغات الذي يجيد أكثر من لغة غير اللغة الأم لمخاطبة الرأي العام الدولي.

ثالثا: طغيان الرغبة الذاتية للتحول في العمل من مراسل صحافي إلى محلل سياسي بدلا من التركيز على التغطية الإعلامية والاحتفاظ بمهنيته، فيخلط بين دوره كناقل للحدث وللحقيقة ويتحول فجأة إلى محلل سياسي وأحيانا إلى طرف أساسي في الحوار بينه وبين المذيع/ة في القناة التي يعمل معها كمراسل.

رابعا: اقتصار الإعلام الاجتماعي على موقع الفيس بوك، وبالتالي على المستخدمين الفلسطينيين وقلة قليلة من العرب، نظرا لافتقارهم إلى اللغة الثانية المستخدمة في تويتر وجوجل بلس وفليكر.

خامسا: الكادر الإعلامي الفلسطيني غير مؤهل للتغطية الإعلامية في الحروب والنزاعات المسلحة وفي الكوارث، لذا اعتمد الصحافيون على الارتجال، المعتمد على الجرأة والشجاعة وعلى الانتماء الوطني، وعلى الإيمان باكتساب التجربة لتحقيق النجاح والتي تتطلب المجازفة والمخاطرة.

سادساً: تقديم آراء عابرة للأجناس الصحافية وعابرة للوسائل الإعلامية في قوالب لغوية جاهزة للتعميم وتكاد أن تكون واحدة عند أصحاب الرأي مع فرق لغوي في التقديم والتأخير للمفردات.

سابعاً: بروز ظاهرة الخبراء والمحللين السياسيين، والعسكريين، ولجوء بعض وسائل الإعلام إلى منح البعض درجة الدكتوراه ولقب متخصص في الشؤون العلانية والفلانية...

ثامناً: تعاملت وسائل الإعلام مع الضحايا "الشهداء" كأرقام وليس على أساس إنساني.

 

توصيات الدراسة 

·        التركيز على التغطية الإعلامية باستعمال لغات أخرى للوصول إلى مرحلة العالمية وغياب وسيلة إعلامية فلسطينية ناطقة باللغة الإنجليزية تخاطب العالم وتعمل على إقناعه بالرواية الفلسطينية يشكل عاملاً سلبياً يعوق الترويج للرواية الفلسطينية.

·        التركيز على الدقة والموضوعية والمهنية للعمل الإعلامي الفلسطيني بشكل أكبر حتى لو كان ذلك على حساب السرعة في نقل الحدث أو الحصول على السبق الصحافي.

·        تطوير الكادر الإعلامي الفلسطيني، والإسراع في ترتيب الحقل الإعلامي النقابي وإيجاد ناظم لهذا العمل، وإكساب الصحافيين مختلف المهارات الإعلامية، مع أهمية دعم المؤسسات الإعلامية لتحصل على مختلف الوسائل والأجهزة الحديثة التي تمكنها من مواكبة التطور الهائل الذي تشهده عولمة الإعلام في العالم.

 

 

الهوامش:

 

[*] باحث مقيم في رام الله.

 

[1] uqu.edu.sa/page/ar/181741

[2] -  www.startimes.com/?t=19689276

[3] mashreqnews.com/ar/index.php?act=post&id=33175

[4] www.startimes.com/?t=19689276    

[5] mashreqnews.com/ar/index.php?act=post&id=33175 

[6] e3lamna.alafdal.net/t579-topic

[7] www.wafa.pna.net/arabic/index.php?action=detail&id=144009

[8] www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[9]  www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[10] .www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[11]أحمد الزيتونة، الماكينة الإعلامية وانتصار غزة، fajer.ps/ar/index.php?act=post&id=881الاثنين 1 (أيلول) سبتمبر 2014.

[12] كيف تعاطى الإعلام الرسمي والحزبي بالضفة مع حرب غزة فلسطينيو 48- نابلس27/08/2014.

[13] www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[14] مصدر سبق ذكره، أحمد الزيتونة. 

[15] مصدر سبق ذكره، أحمد الزيتونة.

[16] www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[17] www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[18] www.raialyoum.com/?p=129920   

[19]www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2014/9/2/)

[20]يونس أبو جراد، دور الإعلام في الحرب الأخيرة على غزة.        www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[21] مصدر سبق ذكره، أحمد الزيتونة.

 

[22] مصدر سبق ذكره، أحمد الزيتونة.

[23] خاص صفا،23 آب (أغسطس) 2014، safa.ps/details/news/134520

[24] عليان الهندي، دراسة منشورة في هذا العدد من مجلة "شؤون فلسطينية"، بعنوان قراءة أولية في العدوان الإسرائيلي على غزة، أسباب ومعطيات، جامعة الاستقلال، المركز الفلسطيني لدراسة القطاع الأمني، 2014م.

[25] المصدر نفسه، عليان الهندي.

[26] www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[27]أحمد الزيتونة، الماكينة الإعلامية وانتصار غزة                  .palinfo.com/site/pic/newsdetails.aspx?itemid=161860   

[28] محمد أبو الريش "هل نجح الاعلام العربي في تغطية العدوان على غزة    "www.alquds.com/news/article/view/id/518383

[29]

الملفات المرفقة

عماد موسى- معدل.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website