تكلفة الحرب الإسرائيلية على غزة - نعيمة أبو مصطفى - العدد 258

تكلفة الحرب الإسرائيلية على غزة

د. نعيمه أبو مصطفى[*]

مقدمة

في سبيل أثبات إنها القوة الوحيدة والفريدة في هذه المنطقة، لا تلقي إسرائيل بالاً للتكلفة العسكرية، فتقوم بين الحين والآخر بشن حرب على إحدى الدول المجاورة لها، ولا تهتم القيادة العسكرية والسياسية بالخلافات الحادة داخل الحكومة الإسرائيلية على حجم النفقات العسكرية في الموازنة العامة للدولة، وكعادة إسرائيل تستغل واقعة ما، وتخلق خلفيه لها، لتشن حرباً، وتستعرض قوتها العسكرية، والاستمتاع بمشاهد الدمار الكامل.

هذا ما حدث في غزة هذه المرة التى اعتادت إسرائيل أن تُغير عليها بين الحين والآخر، ففى العام 2006، تم أسر ثلاثة جنود صهاينة من قبل حزب الله، فاستغلت إسرائيل هذه الواقعة وشنت حربها على لبنان، وفي هذا العام 2014، استغلت إسرائيل مقتل ثلاثة شبان مستوطنين، وبعد مرور عدة أيام قام ثلاثة شبان من المستوطنين باختطاف الطفل محمد أبو خضير (عشرة أعوام)، وسكب البنزين في فمه وهو حي وأشعال النار فيه، ولم يحرك العالم ساكناً، صمت، وهدوء، وإدانة على استحياء، وصراخ على اختفاء المستوطنين الثلاثة. بل كانت ردة الفعل الوحيدة هي أن شن الكيان الصهيوني حربه على غزة.

هذه هي اللقطة التي سبقت هذا الهلوكوست الجديد لعام 2014 التي قام بها الكيان الصهيوني ضد المدنيين في غزة، وعن تكلفة هذه الحرب سوف تتناول الدراسة ما تم الإفصاح عنه من بيانات لوجود تحفظات لدى الإسرائيليين في الإعلان عن الخسائر الفعلية حتى لا يرعب المستوطنين الذين دُفع فيهم الغالي والثمين لتوطينهم على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أهداف شن الحرب

تبدأ إسرائيل في كل مرة الحرب على غزة، ولديها هدف رئيسي وهو القضاء على المقاومة الفلسطينية، وهذه المرة شنت إسرائيل الحرب بعدة أهداف بالإضافة للهدف الرئيسي، ومنها إفشال مشروع المصالحة الوطنية الفلسطينية والقضاء على فكرة توحيد الفلسطينيين في غزة والضفة لأنها تخشى المصالحة التي ستقوى الطرف الفلسطيني في أي مفاوضات قادمة، والثاني هو تدمير البنية العسكرية للمقاومة، ونزع سلاح المقاومة، وتقليم أظافرها التي اشتدت أعقاب هدنة استمرت لعامين وتراها إسرائيل أنها فترة سمحت للمقاومة بتطوير نفسها ورفع مستوى التسليح والتأهب، لذلك تم توجيه الاتهام للمقاومة بأنها السبب في الحرب، وأنها تقوم بمغامرات غير محسوبة، وهذا التزييف للهروب من المسؤولية باتهام الضحية وتبرير قتلها، واستغلت حادث قتل المستوطنين الثلاثة الأمر الذي يؤكد هدف إسرائيل في اجهاض التوافق الوطني الفلسطيني، وتسعير الحقد ضد الفلسطينيين. وهو ما ظهر واضحاً من خلال اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في القدس المحتلة وبعض مدن وبلدات أراضي العام 48.

وكانت التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية تراهن على وضع حماس في غزة، كونها لا تستطيع توفير رواتب العاملين ولا تستطيع تزويد السكان بالاحتياجات الرئيسية لهم بسبب الحصار المفروض عليها من إسرائيل، ولديها مشاكل مع العالم العربي ما عدا قطر، والمصالحة مع فتح لا تغادر مكانها، الأمر الذي شجع إسرائيل على اعتقال من أُفرج عنهم بصفقة شاليط مرة أخرى، وانقضت على بنية حماس التحتية في الضفة، فظنت أنها عندما تشن الحرب على غزة سوف تحظى بنصر مظفر. وخاب ظنها وأتت الرياح بما لا تشتهي السفن.

أنواع التكاليف

نستطيع تقسيم تكلفة هذه الحرب إلى عدة أنواع، دفعتها إسرائيل في سبيل إثبات الهيمنة العسكرية في المنطقة، حيث شهدث تكلفة الحرب أكثر من جانب، وسوف نتناولها من ناحية التكلفة السياسية، والمالية، والمعنوية للحرب.

أولاً: التكلفة السياسية

تاريخ إسرائيل في استخدام القوة يقدم لها الكثير من المكتسبات السياسية التي تفوق خسائرها المادية، منذ نكبة 1948، وصولاً إلى حرب لبنان في 2006 والتي نتج عنها القرار 1701 عن مجلس الأمن بموافقة لبنان وإسرائيل على التزام حزب الله بعدم إطلاق أي قذائف صاروخية على إسرائيل. وتكرر الأمر هذه المرة في الحرب على غزة فإسرائيل تطلب نزع سلاح المقاومة الفلسطينية[1]، حيث فوجيء الإسرائيليون بقدرة المقاومة الفلسطينية، وبروحها القتالية وبعدد القتلى من الجنود الصهاينة.

استخدمت إسرائيل عدة تكتيكات في الحرب. ففي المرحلة الأولى اعتمدت إسرائيل على معلوماتها الاستخبارية المستمدة من العملاء الذين تم تجنيدهم، والذين فشلوا في إمداد إسرائيل بالمواقع الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية بالشكل الذي ترضى عنه إسرائيل ويحقق لها أكبر حجم خسائر للفلسطينيين.

لأول مرة في تاريخ الحروب الإسرائيلية–العربية يتم فرض عزلة دولية على الطيران المدني الإسرائيلي وأجبرت 3 شركات طيران رئيسية أمريكية، والأوروبية لوفتاهانزا أكبر شركة طيران ألمانية، والهولندية KLM والسويسرية، وإير فرانس وغيرها على إلغاء رحلاتها لتل أبيب وحتى إشعار آخر.

دفعت إسرائيل تكلفة سياسية أخرى وهي طرد السفراء الإسرائيليين من دول أمريكا اللاتينية الذين دعموا المقاومة الفلسطينية، واستنكروا الوحشية الإسرائيلية في استخدام القوة العسكرية، وكذلك تراجع الموقف الداعم لإسرائيل مع دول الاتحاد الأوروبي.

على مستوى العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، شهدت هذه الحرب تراخياً طفيفاً في الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل، وذلك عقاباً لنتنياهو على استمراره في الاستيطان، وعدم الرد على سؤال جون كيري عن الاستيطان، فكانت هناك إرادة أمريكية لإعطاء إسرائيل "قرصة أذن" أنها لن تستطيع الحصول على السلام بالقوة العسكرية فحسب، بل يجب أن تخضع للمفاوضات السياسية.

 

ثانياً: التكلفة الاجتماعية

تتمثل التكلفة الاجتماعية في ما يعود على المجتمع المدني الإسرائيلي من تأثيرات على سلوكه، ومدى استقراره، لقد شهدت إسرائيل فرار عشرات الآلاف من أغنياء إسرائيل إلى أوروبا والولايات المتحدة هروبا من صواريخ المقاومة أما الفقراء فإنهم يعيشون في الملاجئ، وغادر البلاد عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين الذين قدموا لإسرائيل، وتم توفيق أوضاعهم[2]. وقد حذرت دول كثيرة على رأسها الولايات المتحدة رعاياها من الذهاب لإسرائيل الأمر الذي جعل المنطقة تغص بالوسطاء والسماسرة لإنقاذ إسرائيل من هذه الحرب التي ورطت نفسها فيها، ولم تحقق الأهداف المرجوة منها بالسرعة المطلوبة.

وقد رفض 43 مواطناً من عرب 48 التعاون في جمع المعلومات والتجسس على الفلسطينيين، حيث قاموا بإرسال رسالة قصيرة إلى رئيس الحكومة، ووزير الأمن، وقائد الأركان، والضابط المسؤول عن وحدتهم، مفادها أنهم يرفضون مواصلة الخدمة في الوحدة 8200 خاصة، وفي الجيش الإسرائيلي بشكل عام، لأنه مسؤول عن أذية ملايين المواطنين وأن وحدتهم جزء من الحكم العسكري والاحتلال الذي يمارس بالضفة الغربية على عكس ما قالوا لهم إنها وحدة ذات أخلاق عالية وتعمل لحماية دولة إسرائيل، وكانت الصدمة في رفض هؤلاء الجنود التعاون مع الدولة التى منحتهم صفة مواطن إسرائيلي.

هذه المرة الأولى التي يتم فيها رفض الخدمة العسكرية في إسرائيل من هذه الوحدة، التي تختلف في طبيعة عملها عن جنود وضباط من سلاحي المشاة والمدرعات الذين يرفضون ضغط الزناد، وعن طيارين يرفضون إطلاق قذائف من الجو بل الحديث هذه المرة عن رفض تعقب ملايين الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967.

وتعمل الوحدة الاستخبارية 8200 منذ 14 سنة على حماية أمن إسرائيل عن طريق جمع معلومات، وهؤلاء الـ43 في الوحدة لا يريدون المشاركة في ذلك، ويرى البعض في إسرائيل ضرورة عدم إجبارهم على أداء واجب وطني. والبعض الآخر يرى أنه واجب وطني ولا بد من إجبارهم على أدائه، وما فعلوه يعتبر تمرداً في دولة قانون، وأن رفض الأمر العسكري أو رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي هو إخلال سافر بالالتزام تجاه المجتمع والدولة، ولا بد من تقديمهم للمحاكمة، وهذا ما تم بالفعل.

وتتكون الوحدة 8200 من متخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات، ويسعى الإسرائيليون للعمل في هذه الوحدة لما توفره لهم من راتب مجزٍ ومعاش عند التعاقد كبير، ويرفض بعضهم المشاركة في الحروب، ويفضلون العمل على أجهزة الكمبيوتر داخل الوحدة.

وقامت هذه المجموعة بتوكيل المحامي المعروف بتمثيله للفلسطينيين، ميخائيل سفراد، الذي كشف عن الضغوط التي تمارس على هؤلاء لإجبارهم على التعامل مع أجهزة الاستخبارات، وأفاد كل واحد منهم بأسباب انضمامه لهذه الوحدة، فقال الأول إنه تم تجنيده مُخبرا في جهاز الشاباك بعد أن عرضوا على قريبه المصاب بالسرطان علاجا في مستشفيات إسرائيلية؛ وقال آخر إنهم هددوه بتسجيلات صوتية عن طريق الهاتف بينه وبين أشخاص أعداء لإسرائيل من المقاومة الفلسطينية، وأنه سوف يتم اعتقاله لهذا السبب. وقال آخر إنه انتابه شعور بالفزع من الخدمة العسكرية بسبب ممارسات الجيش الإسرائيلي.

ويجب التوقف عند أثر هذه الواقعة على المجتمع الإسرائيلي، والتأثير النفسي للجنود الآخرين الذين يعملون في المناطق الفلسطينية، أو التنصت عليهم فيجب مراعاة التأثير المباشر في سلوك مئات آلاف الجنود ممن يخدمون عند الحواجز، أو تغلغلوا إلى داخل حياة الفلسطينيين، فهذه العوامل تؤثر في المجتمع الإسرائيلي الذي يحاول مواجهتها والتغلب عليها، ولكن إسرائيل تفتقر إلى الأدوات المطلوبة لمواجهة نفسية هؤلاء الجنود.

تسببت الصواريخ التي سقطت على إسرائيل في حالة فزع وهلع للمستوطن الإسرائيلي الذي يرى للمرة الأولى منذ إعلان قيام دولته على الأراضي الفلسطينية في العام 48 أن حياته في خطر، وكيف يحدث له هذا وهو ينتمي لدولة جيشها من أقوى جيوش العالم، ودفع ملايين في القبة الحديدية التي لم تستطع حمايته. وبالنسبة للإسرائيلي هذه الحالة من الفزع تكلفه كثيراً في الذهاب إلى الأطباء النفسيين لمعالجته من هذه الصدمة التي تعرض لها. وتدفعه هذه الحالة إلى التفكير الفوري في الهجرة إلى دولة أخرى يشعر فيها بالأمن والأمان مثل روسيا وأوروبا، وأفريقيا...الخ من الدول التي قدموا منها.

 

ثالثً: التكلفة المادية

ترتبط التكلفة المادية بالتكلفة الاجتماعية والسياسية التى يتم ترجمة كليهما إلى خسائر مادية، وتتمثل التكلفة المادية في ما دفعته إسرائيل من أموال في هذه الحرب، من استخدام مركبات مدرعة، وطائرات، ووقود، وقاذفات، وتكلفة تشغيل القبة الحديدية...الخ من النفقات المباشرة التى تحملتها إسرائيل نتيجة شن هذه الحرب على غزة.

تضاربت التقارير التي تشير إلى حجم الخسائر الإسرائيلية الفعلية، حيث أشارت بعض التقديرات إلى أن الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية بلغت فقط 4 مليار شيكل أي ما يعادل 1,25 مليار دولار، والبعض يصنفها بـ"الخاصة" أي تخص المطاعم والمصانع وغيرها ويقدرها بحوالي 100 مليون شيكل يوميا، وهذه الخسائر لا تشمل القطاع السياحي، والأمن، والتعليم، والرياضة، والثقافة، وسوف تعمل إسرائيل على تعويض هذه الخسائر عن طريق إعادة فرض الضرائب التي كانت ألغتها في السابق، وبلغت الخسائر التي لحقت بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، 9 مليارات شيكل، وتحتاج إلى 22 مليار شيكل لتعويض تلك الخسائر، وخسائر استدعاء الاحتياط من العسكريين، ما يعني أن ذلك سيزيد من العجز العام للموازنة الإسرائيلية لعام 2014-2015[3].

بلغ عدد الصواريخ التى سقطت على إسرائيل 2657 في الأسبوع الأول من الحرب، واعترضت القبة الحديدية 584 صاروخاً، وسقط حوالي 96 صاروخاً في أرض مبنية، وبلغ  إجمالي عدد غارات الجيش الإسرائيلي على غزة حوالي 4762، وحوالي 35 شركة طيران ألغت رحلاتها إلى مطار بن غوريون، وبلغ عدد جنود الاحتياطي 82201 جندي استدعاهم الجيش الإسرائيلي للحرب في غزة[4].

اعترف الكيان بفشله في العملية البرية لعدم وجود خبرة في القتال البري في القطاع ولوجود مشكلات تخطيط في مواجهة الأنفاق تحت الأرض، وتم الكشف عن بعض الأكاذيب التي أطلقها الكيان ليبرر قوة العملية التي نفذتها المقاومة في وحدة ناحال عوز، والتي أسفرت عن قتيلين وأكثر من عشرة جرحى، وكذلك عندما أصابت المقاومة الفلسطينية مدرعة من لواء جولاني التي قتل فيها ستة جنود إسرائيليين بصاروخ مضاد للدبابات وتم فقد أحدهم. واستهجن قادة كبار من هيئة القيادة العامة الإسرائيلية استخدام المدرعة "زلدا" (إم 113) التي أصيبت لأنها قديمة وقابلة للإصابة إلى داخل القطاع. وبعد هذه الواقعة أصدرت قيادة المنطقة الجنوبية أمرا يحظر على هذه المركبات اجتياز السياج الحدودي، وبرر الجيش الإسرائيلي هذا الفشل بانخفاض حصة الميزانية الأمنية، وتم الكشف عن عدم صدق هذا المبرر حيث إنه بعد تفجير هذه المدرعة تم توجيه قوافل من مدرعات "النمر" و"أخزاريت"، التي هي أقوى تدريعا، من الشمال إلى حدود غزة. فلم تكن مشكلة ميزانية بل مسألة تخطيط وتوجيه القوات[5]. كما ساهم نظام القبة الحديدية الدفاعية، في خفض معدل الخسائر في صفوف المدنيين النسبي، بعكس ما حدث في الجانب الفلسطيني حيث كان الدمار والموت بسبب العمليات الانتقامية الإسرائيلية في غزة واسعاً، وعدم ظهور قيادات حماس هو الذي أدى لهذه الهجمة الشرسة[6].

كما عكست واقعة خزاعة، طبيعة القتال في القطاع، ومدى الخسائر الإسرائيلية ففي اليوم السادس من العملية البرية دخلت قوة من لواء المظليين الإسرائيليين لتمشيط منزل في قرية خزاعة، شرقي مدينة خانيونس. بقيادة الطاقم، الملازم باز الياهو من كيبوتس عفرون، وعندما اقترب الطاقم من المنزل، فوجئ بالمقاومة الفلسطينية التي ألقت نحوه عبوة ناسفة كبيرة أدت إلى مقتل ثلاثة من خلية رأس الحربة، وأصيب سبعة مظليين آخرين، وأدت إلى مقتل 32 ضابطا وجنديا إسرائيلي في العملية وجندي مفقود[7]. لذلك كانت القوات الإسرائيلية تتقدم ببطء نسبي وحرص.

أثارت الوقائع السابقة جنون الجيش الإسرائيلي فعمل بعدوانية ووحشية أشد، حيث ألقى سلاح الجو يوم 23/7/2014 حوالى 120 قذيفة، كل واحدة منها بوزن طن، على مواقع وقيادات في حي الشجاعية[8]، والتي سميت بمجزرة الشجاعية، وأسفرت عن عشرات الشهداء كما تم قصف مستشفى "الوفاء" في شرق خانيونس، وما يستفز الصهاينة هو عدم إعلان المقاومة عن الاغتيالات التي تمت للعديد من رجال المقاومة، وكما هو الحال لا يصرح الإسرائيليون عن قتلاهم أيضاً، رغم إطلاق أكثر من 2.000 صاروخ لم يفصح الإسرائيليون سوى عن ثلاثة قتلى. صرح وزير الدفاع موشيه يعلون عن تكلفة إجمالية مباشرة لهذه الحرب قدرت بأكثر من 2.5 مليار دولار أمريكي، خلال الواحد وخمسين يوماً[9]، بالرغم من أن سلاح الجو الإسرائيلي قد هاجم نحو 5085 هدفاً فلسطينياً لم يسفر سوى عن تدمير عشرات الأنفاق في العملية البرية التي بدأت في 17/7/2014، أي بعد عشرة أيام من بدء الحرب، على الرغم من تجنيد نحو 80 ألف جندي احتياط قبل الدخول البري إلا أن قرابة 70 إسرائيلياً قد قتلوا خلال العملية منهم 65 ضابطاً وجندياً، وقتل نحو خمسة مدنيين في سقوط المئات من صواريخ المقاومة على البلدات والمدن الإسرائيلية[10].

أثر الحرب على القطاعات الاقتصادية

لقد تأثرت القطاعات الاقتصادية الإسرائيلية سلباً بسبب هذه الحرب حيث قدرت الخسائر حتى انتهاء العملية البرية فقط بـ1.2 مليار شيكل وشملت مناطق الجنوب وتل أبيب، وحيفا، وطالت الأضرار قطاع الصناعة الإسرائيلية، لوجود معوقات عرقلت وصول العمال إلى أماكن عملهم الأمر الذى أدى إلى انخفاض معدل الإنتاج بنسبة 20% على الأقل، فيما تضرر 60% من الموظفين الذين يتقاضون رواتب بدل بطالة[11].

كما انخفضت واردات مدخلات المواد الخام إلى 2.29%، فيما انخفضت صادرات السلع بـ2.31%.، وقُدم 3088 طلب تعويض عن الأضرار التي لحقت بأصحاب المصانع، حيث دفع أكثر من 20 مليون شيكل لأصحاب المصانع التي تضررت بشكل مباشر، فيما من المقرر دفع تعويضات أخرى. كما شهدت صناعة الملابس انخفاضا بنسبة 27% في الجنوب، و20% في الوسط، كما انخفض حجم المشتريات عبر استخدام بطاقات الائتمان لدى الإسرائيليين، حيث أن المتوسط يصل إلى 18 مليار شيكل من حجم المشتريات سنويا، خاصةً في الصيف، وتبين أن حجم المشتريات في مناطق الجنوب انخفض بنسبة 8% عن المعدل العام، في حين انخفض في المركز "تل أبيب" بنسبة 4%.، كما أن هناك انخفاضاً كبيراً في مشتريات المطاعم والمقاهي، حيث أن المطعم الذي كان يستطيع تحصيل 7 آلاف شيكل يوميا انخفض إلى 1500-2000 شيكل. واستمر الانخفاض في إيرادات السياحة في المدن الواقعة على السواحل بنسبة 80%، وبلغ الانخفاض في إيرادات مراكز التسلية والترفيه إلى 15%، والموضة إلى 11%، وانخفض قطاع البناء بنسبة 6%، فيما ارتفع عدد الشواغر إلى 7.3% خلال شهر يوليو فقط. كما أغلقت العديد من الشركات أبوابها في مناطق الجنوب وانخفض رواد المطاعم وغيرها، ولم تستطع المدارس والمؤسسات التجهيز للعام الدراسي الجديد، ما أثر سلبا على العام الدراسي، واضطر 90% من الموظفين في الجنوب للبقاء في منازلهم بدون عمل وطالبوا بتعويضهم. وفي أعقاب تدهور الوضع الاقتصادي، لوح أرباب العمل بتسريح عدد كبير من العمال، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في معروض الوظائف "الشواغر" إلى 7.3% لدى أرباب العمل الذين يبحثون عن موظفين[12].

كما شهد سوق العقارات، ركودا، وتراجعت مبيعات سوق السيارات بنسبة 15%.، وألغيت حفلات عالمية ومهرجانات مختلفة، في هذا الوقت من العام يكون قطاع السياحة في إسرائيل في ذروته، ولكن السياحة الخارجية والمحلية ضربت نتيجة لامتناع الطيران من الوصول إلى مطار بن غوريون، وأيضاً نتيجة للصواريخ التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية. كما أن نسبة الإشغال في الفنادق تكون في هذه الفترة 100%، وبالكاد تصل الآن إلى 30%، وعلى السواحل حوال 90%، وبدأ فرض إجازات قسرية على العمال الأمر الذي سيؤثر بالسلب على جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى، وسيدخل الاقتصاد الإسرائيلي في تباطؤ شديد، الأمر الذي سيشكل خطرًا كبيرًا على قطاع البنوك لأن 50% من السكان يعانون من مديونية عالية. في حين غادر السياح من دول مختلفة إسرائيل كما ألغى آخرون زيارتهم، وخسرت الفنادق عشرات ملايين الشواكل، وانخفض عدد المسافرين بنسبة 26% عن كل عام، فيما طالبت الفنادق بتعويضها بمبالغ طائلة. كما تكبدت الرياضة خسائر فادحة واضطرت فرق إسرائيلية تلعب ضمن منافسات أوروبية لاستضافة الفرق المنافسة في قبرص بدلا من إسرائيل، ما يعني أن الفرق اضطرت لدفع الأموال للفنادق ولأصحاب الملاعب، إضافة للكلفة التي تكبدتها هذه الفرق بسبب نقل الجماهير وتوفير أماكن لهم، في حين تعطل الدوري الإسرائيلي في 60% من المدن وبدأ تعويض الفرق الرياضية بمبلغ 890 ألف شيكل. وخسر المنتخب الإسرائيلي لكرة السلة الكثير من الأموال بعد أن فقد الجماهير التي كانت ستشتري ملايين التذاكر لحضور مبارياته في تصفيات بطولة الأمم الأوروبية، حيث اضطر المنتخب الإسرائيلي لخوض مبارياته في قبرص أمام عدد قليل من الجمهور بدلا من أن تكون في إسرائيل أمام عشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين يعودون بالفائدة على المنتخب، مشيرا إلى أن اللعب خارج إسرائيل زاد من نفقات المنتخب بسبب رحلات الطيران واستئجار القاعات الرياضية والفنادق وغيرها[13].

أثر الحرب على الميزانية العسكرية

أخذ الحديث عن الميزانية العسكرية كثيراً من الجدل والنقاش في إسرائيل، وهنا نورد ما جاء في تقارير وزارة المالية الإسرائيلية عن تكلفة الحرب الإسرائيلية، ففي اليوم الثاني عشر للحرب بلغت حوالي585 مليون دولار، ما يعادل 2 مليار شيكل إسرائيلي[14] حيث ارتفعت تكلفة العملية البرية مع دخول قوات إسرائيلية من المشاة وسلاح المدرعات الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية تقدم طلبا لتخصيص مليار شيكل إضافية لميزانية الدفاع عن العام 2014. وبلغت خسائر القبة الحديدية حوالي 225 مليون دولار، وذلك بسبب تدمير أجزاء منها، وطلب وزير الدفاع الإسرائيلي من الكونجرس الأمريكي تغطية هذه التكلفة، لإعادة إعمار ما تم تدميره. وبلغ عدد القتلى من الإسرائيليين حوالي 23 شخصاً منذ بدء الحرب على غزة في 7/7/2014 حتى يوم 23/7/2014[15].

كما حصلت إسرائيل على دعم عسكري من الولايات المتحدة من مخزون محلي للأسلحة الأمريكية لإعادة تزويدها بقذائف من عيار 40 ملليمترا وقذائف مورتر من عيار 120 ملليمترا لاستنزاف المخزونات القديمة، وكانت الذخائر مخزنة داخل إسرائيل في إطار برنامج يديره الجيش الأمريكي ويطلق عليه "حلفاء مخزون احتياطيات الحرب-إسرائيل" الذي يتم بموجبه تخزين الذخائر محليا لاستخدام الولايات المتحدة ويمكن لإسرائيل استخدامها في المواقف الطارئة، كما عمل نواب أمريكيون في الكونجرس من أجل تقديم ملايين الدولارات في صورة تمويل إضافي للدرع الصاروخية "القبة الحديدية" وأضافت لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ الأميركي مبلغ 225 مليون دولار للقبة الحديدية[16]، ولا تنقطع المساعدات العسكرية لإسرائيل، وخاصة دعم القبة الحديدية، وإعادة هيكلتها لتفادي أكبر عدد من الصواريخ.

أثر الحرب على عجز الموازنة

اختلفت تكلفة الحرب هذا العام 2014 عن تكلفة الحرب في العام 2012 عامود السحاب ، حيث قدم وزير الدفاع الإسرائيلي في 2012 وصفا مفصلا للتكاليف إلى وزارة المالية، أما هذه المرة فقد قدم مسؤولو وزارة الدفاع الإسرائيلية ميزانية تقديرية للتكاليف إلى وزارة المالية، وتصر وزارة الدفاع الإسرائيلية على الضغط على الحكومة لتوفير مخصصات في الميزانية لتغطية جميع تكاليف تشغيل القبة الحديدية، بدلاً من تمويل جزء منه من ميزانية الدفاع الحالية، وهذا الأمر يجعل مسؤولين في وزارة المالية يرفضون هذه الطريقة في التعامل مع مسألة تخصيص ميزانية إضافية بدون دراسة. وتوافق وزارة المالية على تغطية تكلفة الحرب بالكامل بعد الانتهاء منها كجزء من ميزانية 2014 بدلا من تحميل جزء من تكلفة الحرب في 2015. لأن ميزانية هذا العام من شأنها أن تمكن الحكومة من تغطية تكلفة شن العمليات العسكرية الحالية، حتى لو كان ذلك يعني تغطية التمويل من بنود أخرى في الميزانية. حيث أن الإيرادات الضريبية انخفضت في النصف الأول من العام. وأصيبت الشركات الإسرائيلية بحوالي 1.2 مليار شيكل، وكانت التقديرات قبل القتال تشير إلى أن التكلفة اليومية للحرب حوالي 110 مليون شيكل يوميا[17].

وبلغ العجز في الموازنة 2,7% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان من المتوقع أن يصل 2,5% كما أعلنت الحكومة الإسرائيلية في نهاية 2014، وهو أعلى ست مرات عما كانت عليه في هذه الفترة من العام الماضي، عندما كان 400 مليون شيكل، ما يعادل 115 مليون دولار[18]. كما توقف النمو الاقتصادي عند 1.7% وكان ذلك النمو مرتبطاً ببداية العملية العسكرية فقط وتوقف حينها، ومن المتوقع أن يقفز العجز المتوقع في الموازنة العامة لأكثر من 40 مليار شيكل، ما سيضطر إسرائيل للاستدانة من البنوك أو التوجه للاستدانة من دول صديقة لتغطية العجز الكبير وتعويضه لاحقا من خلال فرض ضرائب جديدة وخفض الإنفاق في الوزارات[19].

وأعرب مسؤولون في وزارة المالية عن خيبة الأمل، بسبب عدم التقدم في العمليات العسكرية الجارية، الأمر الذي يؤدي إلى عدم إحراز أي تقدم في عملية الموافقة على الموازنة العامة للدولة للعام القادم 2015. ويخطط وزير المالية "يائير لابيد" لرفع المستوى المستهدف لعجز الموازنة للعام المقبل من 2.5% إلى أكثر من 3%، لاستيعاب الزيادة في الإنفاق العسكري الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتخفيض الإنفاق بما قيمته عشرون مليار شيكل ما يعادل (5.6 مليارات دولار) للوفاء بالمستوى المستهدف للعجز البالغ 2.5%، وخفض الموازنة 2%، وهو ما يعادل 4,20 مليار شيكل، في مقابل زيادة موازنة الدفاع بنحو 2.5 مليار شيكل (سبعمائة مليون دولار)، وستؤدي تلك الإجراءات إلى زيادة عجز الموازنة إلى 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا زالت هذه النسبة ليست نهائية، وهذه السياسات ستلحق ضررا بالمواطنين والاقتصاد الصهيوني. بينما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن المستوى المستهدف للعجز قد يبلغ 3.4%.. كما سجل سعر صرف الشيكل الإسرائيلي أدنى مستوى له مقابل الدولار في خمسة أشهر، إذ بلغ 3.94 شيكلات للدولار الواحد. وقد تراجع سعر الشيكل بنسبة 2% في الأسابيع الأخيرة، وقام البنك المركزي الإسرائيلي يوم 7 أغسطس (آب ) 2014 بالتدخل في سوق العملات الأجنبية عن طريق شراء كمية من الدولارات تناهز 400 مليون دولار، وذلك بغرض إضعاف العملة الأميركية التي صعدت مقابل الشيكل في الفترة الأخيرة[20] كل ذلك دفع المتعاملين والمستثمرين إلى إعادة النظر في حجم حيازتهم للشيكل، وهو ما أنهى سنوات من استقرار العملة الإسرائيلية.

واستمر العدوان الإسرائيلي على غزة 51 يوما، وانتهى يوم 26/8/2014 بالتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، وقد دفعت المخاوف من التراجع الاقتصادي بالبنك المركزي الإسرائيلي إلى خفض أسعار الفائدة، إذ قلص سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة مئوية ليناهز 0.25%، وهو مستوى قياسي في الانخفاض، وفي انعكاس آخر لكلفة حرب غزة على الاقتصاد الإسرائيلي، وافقت اللجنة المالية المصغرة للكنيست (البرلمان) على اقتطاع 930 مليون دولار من موازنات الوزارات المختلفة لصالح وزارة الدفاع والجيش لسد نفقات العدوان[21].

النتائج

نستطيع القول بأن العدوان الإسرائيلي "الجرف الصامد" قد حقق أرباحاً وخسائر بالمقاييس الإسرائيلية على أكثر من صعيد:

الأرباح التي حققتها الحرب تتمثل في:

1- {C}تدمير البنية التحتية لقطاع غزة، الأمر الذي سيرهق الحكومة الفلسطينية لمدة سنوات لإعادة إعمار غزة.

2-  {C}القضاء على عدد كبير من قادة الصف الأول والثاني للمقاومة الفلسطينية.

3-  {C}تدمير عدد من أنفاق المقاومة التي تصل إلى المستوطنات الإسرائيلية.

4-  {C}قياس معدل كفاءة القبة الحديدة، والعمل على تطويرها.

5- {C}التسبب في أضرار بشرية فادحة في الجانب الفلسطيني، وترى إسرائيل أن هذه سوف تؤدي إلى ردع المقاومة.

أما عوامل الفشل فتتمثل في الآتي:

1- فشل سلاح الجو الإسرائيلي في معرفة مناطق منصات الصواريخ وتدميرها.

2- فشلت القبة الحديدية المكلفة بصد معظم الصواريخ الفلسطينية الموجهة إلى العمق الإسرائيلي.

3-  فشلت الحملة البرية في تدمير الأنفاق، والقضاء على مراكز القوى لحركة حماس.

4-  انهيار مفاجئ لمعظم القطاعات الاقتصادية الإسرائيلية.

5-  انهيار معادلة التوازن الديموغرافي وبداية الهجرة العكسية.

6- أسر جنود إسرائيليين، الأمر الذي يربك الكيان ويدخله في مفاوضات لتحرير الجندي المأسور لدى القسام بنفس طريقة التنسيق الغير مباشر بين إسرائيل وحماس.

7-  خسرت الحرب الإعلامية بجدارة المظاهرات التي تجوب مدن العالم ضد عدوانها.

8- {C}خسرت الحرب على الأرض عدد الضحايا في صفوف الجنود كبير ولا تستطيع أن تحتمل المزيد من الضحايا.

 

 

الهوامش:

 

[*]  كاتبة وباحثة فلسطينية، ومستشار مالي واقتصادي.

 

[1]  ناحوم برنياع، كيف نخرج من هذا؟ ترجمة مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، بيروت، 25/7/2014، http://www.bahethcenter.net/essaydetails.ph

Yaakov Levi, Number of Infiltrators Leaving Israel Skyrockets in{C}[2]{C}

August, 1/9/2014, http://www.israelnationalnews.com/.

David Rosenberg, News flash for critics of defense spending: [3]

Israel isn't Sweden, 3/9/2014, http://www.haaretz.com

[4]  محمد البحيري، هأرتس تعرض خسائر حرب غزة بالأرقام، المصري اليوم، القاهرة     http://www.almasryalyoum.com/ 6/8/2014.

5 عاموس هرئيل، قلة الإنجازات تمنع إسرائيل وحماس من الاتفاق، ترجمة مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، بيروت، 23/7/2014، http://www.bahethcenter.net/essaydetails.ph

Calev Myers, Hamas and human sacrifice,4/9/2014,       [6] http://www.israelhayom.com/site/today.php?id=1465

[7]  عاموس هرئيل، ميزان الربح والخسارة، ترجمة مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، بيروت، 24/7/2014، http://www.bahethcenter.net/essaydetails.p

[8] المصدر نفسه.

AFP and Arutz Sheva Staff, Ya'alon: Gaza War Cost Military $2.5  Billion,2/9/2014, [9] http://www.israelnationalnews.com/News/Tag.aspx/32846.

[10  عادل القاضي، بالأرقام: حصاد خسائر إسرائيل في الحرب على غزة، التقرير، 28/8/2014،  http://altagreer.com/

, News flash for critics of defense spending: [11]

Israel isn't Sweden, 3/9/2014, http://www.haaretz.com

[12]<

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website