قراءة في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة - عليّان الهندي - العدد 258

قراءة في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

عليان الهندي[*]

 

نفذت إسرائيل في أواخر عام 2005 انسحاباً أحاديّ الجانب من قطاع غزة، متوجة بذلك سياسات هادفة للفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية سياسيا وعسكريا واجتماعيا وجغرافيا، مفضلة عليه مسارا بطيئا يدعو إلى تعميق تدخل مصر في شؤون قطاع غزة كمقدمة لإلحاقه بها، أو إيجاد رابط ما بين المنطقتين يعفي إسرائيل من مسؤولياتها الكاملة عن قطاع غزة ومشاكله. وبعد انقلاب حماس على السلطة الفلسطينية عام 2007 توفرت الفرصة الكاملة لإسرائيل لممارسة سياستها وإجراءاتها بحق القطاع، كلما تجرأ على تحديها.

وفي السياق المذكور، جاءت عمليات القصف الإسرائيلي المتكرر لقطاع غزة منذ عام 2007 حتى يومنا هذا، شنت خلاله إسرائيل ثلاث عمليات عسكرية هي الرصاص المنصهر (2008) وعامود السحاب (2012) والجرف الصامد (2014) موقعة آلاف القتلى وبضع عشرات آلاف الجرحى، وتدمير البنى التحتية، وتخريب اقتصاد القطاع مرة كل عامين تقريبا.

وبعد اختطاف عناصر من حركة حماس في 12 حزيران (يونيو) عام 2014 ثلاثة مستوطنين إسرائيليين جنوب الضفة الغربية وقتلهم، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة اعتقالات واسعة في صفوف الفلسطينيين، شملت عناصر حركات فتح والجهاد الاسلامي وحماس التي اتهمتها بالمسؤولية عن الخطف. وخلال العملية التي أسمتها "إعادة الأبناء" اعتقلت إسرائيل أكثر من 500 فلسطيني، وقتلت أكثر من 15 فلسطينياً. وشن الطيران الإسرائيلي عمليات قصف انتقامية على قطاع غزة، وصل عددها حتى فجر يوم الأحد 6/7/2014 ثماني عشرة غارة مستهدفة المواطنين والممتلكات، وأطلق خلالها 39 صاروخاً على إسرائيل. وذكرت تقارير إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي تدرب على العملية الحالية منذ 18 شهراً، أي منذ انتهاء عملية عامود السحاب، ما يشير إلى النية المبيتة تجاه قطاع غزة.

إثر ذلك تواصل القصف الإسرائيلي، وردود الفعل الفلسطينية عليه، ما دفعها إلى تحويل القصف الانتقامي إلى عدوان شامل في 8 تموز (يوليو) 2014 مستهدفة البشر والحجر، وكل ما هو متحرك على الأرض في قطاع غزة استمر لمدة 51 يوما.

اسم المعركة

أطلقت حركتا حماس والجهاد الإسلامي اسمين مختلفين للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وذلك في إشارة منهما إلى اختلاف في الرؤى والأهداف، حيث كان "البنيان المرصوص" هو الاسم الذي اختارته حركة الجهاد الإسلامي لهذه الحرب. والاسم مأخوذ من سورة الصف "آية 4" التي تقول "إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبيلِهِ صَفَّا كَأنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ". وتفسير ذلك عسكرياً وسياسياً هو بضرورة توحيد الجهود الفلسطينية سياسيا وعسكريا في مواجهة العدوان الإسرائيلي الغاشم.

وفي المقابل، اختارت حركة حماس اسم "العصف المأكول" المقتطع من سورة الفيل آية رقم 4 و5 التي تقول "تَرْميهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ" في إشارة منها إلى نيتها إثخان العدو بالخسائر البشرية والمادية.

أما التسمية العبرية الإسرائيلية للعملية فهو "تسوك ايتان" التي تبين أن ترجمتها هو "الجرف المندفع بقوة" وليس "الجرف الصامد" كما تناقلته وسائل الإعلام العربية.

وربما يفسر حجم الذخائر الهائلة التي ألقيت على قطاع غزة تسمية العدوان "بالجرف المندفع بقوة". وتسوك ايتان تشبه إلى حد بعيد شكل الطيار الذي يضع الخوذة وملحقاتها استعداداً لشن هجمات جوية[1]. وهناك من صرح أن الشكل المذكور متعلق بالحصانة الإسرائيلية الداخلية وبقوة الجبهة الإسرائيلية الداخلية. واختير الاسم من قبل قائد منطقة جنوب غزة.

البعد الديني للعدوان على قطاع غزة، لم يقتصر على حركتي حماس والجهاد، بل امتد أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي، حيث قال قائد لواء غفعاتي المقدم عوفر فينتر (من الضباط المتدينين في الجيش) لضباطه: إنكم متجهون لمعركة ضد عدو إرهابي يشوه اسم الله، وإن التاريخ اختارنا لنكون رأس حربة في هذه المعركة. وأضاف: "أتوجه إلى السماء وأقول باسمكم، اسمع يا إله إسرائيل، يا إلهنا، يا واحد، أنصرنا في حربنا التي سنحارب فيها من أجل شعبك وضد عدو يلطخ اسمك. وبعد ذلك أقيمت صلاة ذكر فيها "الله سيحارب معكم حربكم ضد عدوكم وينقذكم"[2].

 

الأهداف الفلسطينية: انقسمت الأهداف الفلسطينية إلى شقين، الأول: مثله الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومنظمة التحرير، الذي اعتبر أن هدفه الأول هو وقف إطلاق النار فورا والمحافظة على أرواح الفلسطينيين، والتفاوض بعد ذلك على فك الحصار. والثاني، قدمته حركة حماس التي طالبت بسحب الدبابات الإسرائيلية إلى منطقة الحدود مع غزة، وإطلاق سراح جميع الأسرى المفرج عنهم من صفقة شاليط، وعدم تدخل إسرائيل في الشأن السياسي الفلسطيني الداخلي، ورفع الحصار المفروض على القطاع، وفتح المعابر لحركة الأشخاص والتجارة، وإقامة ميناء بحري ومطار جوي دولي يتم تشغيله بواسطة الأمم المتحدة، وتوسيع مساحة الصيد المسموح بها قبالة ساحل غزة لمسافة 12 ميلاً بحرياً، وتحويل معبر رفح إلى معبر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة ودول عربية صديقة، وإشراف مراقبين دوليين على الحدود مع مصر، وهناك شرط آخر لم يذكر في الوثيقة تحدثت عنه مصادر من حركة فتح، وهو صرف رواتب موظفي حماس في غزة.

 

أهداف العدوان الإسرائيلي

الأهداف الإسرائيلية: يمكن التعرف على أهداف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة من القرار المكتوب الذي صاغه قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي وأقرته الحكومة، وينص على: ضرب قدرات حماس العسكرية والوصول لمرحلة هدوء طويلة المدى في كل الساحة الفلسطينية ومن ضمنها "يهودا والسامرة"[3].

 

نظرية العدوان على قطاع غزة

طبقت على قطاع غزة نظريتا قتال إسرائيليتان، الأولى: نظرية "الوعي والكي" التي وضعت بعد انتفاضة النفق عام 1996 في عهد رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أمنون ليبكن شاحك وشارك فيها وزير الدفاع الحالي موشيه يعلون. وتقول النظرية إن الفلسطينيين وبعد تجرؤهم على الجيش الإسرائيلي وقتلهم 18 جنديا في يوم واحد، سيدفعون ثمنا غاليا بواسطة ضربهم بقوة شديدة جدا من دون دفعهم إلى الهزيمة لأنهم لا يملكون شيئا يقدمونه مقابل هزيمتهم. ويتم الضرب بواسطة هجمات محدودة وغير شاملة هدفها إحداث تغيير استراتيجي على الأرض، وإيقاع خسائر فادحة في صفوفهم تردعهم حتى عن مجرد التفكير بمهاجمة إسرائيل مستقبلا. وطبقت هذه النظرة في قطاع غزة بواسطة القصف والقتل الشامل لسكان القطاع خاصة الإبادة الجماعية للعائلات.

وفي الوقت نفسه، تبنى الائتلاف الحاكم في إسرائيل إلى جانب نظرية "الوعي والكي" نظرية "جز العشب" التي وضعها بن غوريون عام 1950، التي تقول إن إسرائيل دولة صغيرة محاطة بعدد كبير من الأعداء سيواصلون عداءهم لها في العقود القادمة، ولأن إسرائيل دولة صغيرة من حيث المساحة والسكان، فإنها لن تستطيع فرض السلام على العرب أو حسم المعركة معهم مرة واحدة، وبالتالي فإن أفضل طريقة للبقاء هي المحافظة على قدرة الردع أمام العرب بواسطة إلحاق الأذى الكبير في صفوفهم، بهدف تثبيط معنوياتهم كي تطول فترة الهدوء القادمة[4].

ولتطبيق النظريات المذكورة جندت إسرائيل 82 ألف جندي خاصة من أسلحة المشاة مثل: ألوية الناحل وغولاني وغفعاتي والوحدات الخاصة مثل دورية الأركان ومجيلان وشييطت التابعة لسلاح البحرية.

وفي المقابل لم يملك الفلسطينيون نظرية قتالية محددة وتركز جهدهم الأساسي في الأنفاق الهجومية التي دمر الجيش الإسرائيلي 34 منها، أوقعت ما يقارب 20% من القتلى الإسرائيليين وعلى الكمائن وبعض المواجهات المباشرة. ولم تقتصر المواجهة على حركتي حماس والجهاد الإسلامي فقط، بل شاركت فيها كل الفصائل الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير، بما في ذلك كتائب الأقصى وغيرهم من المقاتلين التابعين لحركة فتح وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى.

 

أسلحة وأساليب قتالية

كانت الصواريخ هي سلاح المقاومة الفلسطينية الرئيسي، في قصف العمق الإسرائيلي، في تصديه للعدوان على قطاع غزة مثل: صواريخ فجر 5، وآر بي جي وصواريخ البراق والقسام على مختلف أنواعها وإم-75 وإم-302 وجراد وقدس والقذائف الصاروخية، وقذائف الهاون، وغيرها من الصواريخ التي لم تحدث دمارا في إسرائيل، بل شوشت الحياة العامة على مدار فترة الحرب. واستخدمت العبوات الناسفة المضادة للدبابات وقذائف محلية ومستوردة وبنادق وبعض المضادات الجوية والكلاشينكوف. ونظرا للتفوق الإسرائيلي الهائل احتاجت الوسائل المذكورة لحماية مكلفة وعالية الثمن من حيث الخسائر البشرية والمادية كي لا تدمر.

وفيما يتعلق بأساليب القتال، استخدمت المقاومة الفلسطينية عدة أساليب هجومية مثل القصف بالصواريخ والقذائف، واستخدام الكمائن البشرية والملغمة (تلغيم منازل ومواقع وعمليات استشهادية)، وهي نفس الأساليب التي اتبعها حزب الله في حرب لبنان الثانية. كما استخدمت الأنفاق الهجومية التي كانت مفاجَأة هذه الحرب التي أوقعت 20% من قتلى الجيش الإسرائيلي، وهي أنفاق تبدأ في الجانب الفلسطيني وتنتهي في الجانب الإسرائيلي. واستخدم أسلوب حرب الشوارع بصورة قليلة جدا، حيث كان الهدف منها اختطاف جنود من أجل استبدالهم بأسرى فلسطينيين.

واستخدمت حماس أساليب إعلامية ونفسية، لكنها لم تترك أثرا كبيرا في المجتمع والجيش الإسرائيلي نظرا لحالة التجييش والعسكرة التي تمر بها إسرائيل منذ نشأتها حتى هذا اليوم.

وخلال تصديهم للعدوان على القطاع أطلقت فصائل المقاومة على إسرائيل 4594 صاروخاً وقذيفة (ذكرت حركة الجهاد الإسلامي أنها أطلقت منها 3249 صاروخاً وقذيفة[5]) سقط منها على إسرائيل 3641 وتصدت القبة الحديدية لـ735 صاروخاً وقذيفة. وسقط في القطاع نفسه 188 قذيفة وصاروخاً. 

وفي المقابل استخدمت إسرائيل أسلحة الجو والبحر والمشاة والمدرعات والهندسة والجرافات والحفارات وغيرها من الأسلحة في قصفها وتدميرها الممنهج لقطاع غزة، وركزت على الأسلحة الدفاعية والمضادة للصواريخ بهدف تقليل الأضرار في صفوف جنودها وجمهورها بشكل كبير مثل البطاريات المضادة للصواريخ "القبة الحديدية" (عدد 9 بطاريات) وطائرات من دون طيار سكاي هوك والرادار المتحرك "مغين روح" والقمر الصناعي أوفك 10 والدبابة مركباة 4 التي تزن 60 طناً وهي دبابة محصنة ضد العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدبابات وصواريخ براك وفلينكس وكورنيت وهليفر وتموز التي تطلق من طائرات الأباتشي وقذائف J-80 وM-302 و[6] R-160.

وعلى الصعيد الشخصي زود الجنود بواقيات 1M المضادة للرصاص ووضع في أجساد الجنود علامات تعقب إليكتروني تحدد مكانهم في حالة الاختفاء أو الخطف. كما زود الجنود بخوذات أقل وزناً من السابقة وأكثر مقاومة للرصاص والشظايا، وبنظارات خاصة من أجل حماية الأعين من الشظايا، تستخدم في النهار والليل[7]. وزود الجنود ببنادق من نوع عوزي وتبور الهجومية وبندقية القنص شتير 50-HS وبندقية كليبر 0.5 إنش[8].

وخلال العدوان، شنت القوات الإسرائيلية 6231 هجوماً وتصدّ لصواريخ المقاومة، حيث توزعت الهجمات كالتالي: 1678 صاروخاً من القبة الحديدية و977 غارة جوية على قيادات ومقرات رسمية و939 هجوماً على أهداف مساعدة و548 هجوماً على "بنى تحتية مُهددة". وقصف 237 مقراً حكومياً و191 وسيلة قتالية ومصانع لإنتاج السلاح. كما دمرت 144 من الممتلكات الرمزية، وشنت 96 هجوماً جوياً وبحرياً.

واستخدمت في ذلك القصف 43 ألف قذيفة مدفعية (استهلك منها 30 ألف قذيفة خلال أول 30 يوماً من الحرب) و39 ألف قذيفة دبابة (استهلك منها 14 ألف قذيفة خلال الفترة نفسها) ومئات الصواريخ والقنابل الخارقة للتحصينات والأنفاق الأرضية[9]. وزود الجنود بـ4.8 مليون طلقة (استهلك نصفها). وذكر التقرير الذي ستقدمه دولة فلسطين للمؤتمر الدولي لدعم إعادة الإعمار في غزة أن كمية المتفجرات التي أطلقت على القطاع تساوي 20 ألف طن انفجر منها 5000 قطعة[10].

وخلال العدوان طبقت إسرائيل أسلوب الضاحية (الدمار الذي ألحقه القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية في حرب لبنان الثانية) في خمس مناطق هي: الشجاعية (شن عليها خلال ساعة 120 غارة حملت كل طائرة في هذه الغارات قنابل تزن طناً واحداً وأطلقت الدبابات 600 قذيفة) وبيت حانون وعبسان وخزاعة ورفح الشرقية، وفي مدينة غزة التي بدأت إسرائيل فيها بهدم الأبراج السكنية.

كما طبقت إسرائيل أسلوب "الطرق على الأبواب"، الذي تدعي أنها استخلصته من عملية الرصاص المنصهر الذي يدعو إلى إلقاء قنابل إسرائيلية صوتية تحمل كمية قليلة من المتفجرات تحذر فيها أصحاب البيوت المنوي تدميرها بالخروج من المنزل خلال دقائق معدودة. لكن هذا الأسلوب لم يتبع نظرا لسرعة القصف الإسرائيلي للمنازل التي دمرت على رؤوس أصحابها.

واتُبع من قبل إسرائيل "إجراء حينبعل" الذي وضع في صيف عام 1986 من قبل كبار ضباط المنطقة الشمالية (الجنرال حينها يوسي بيلد قائد المنطقة الشمالية ورئيس الأركان السابق غابي إشكنازي والجنرال احتياط يعقوب عميدرور) الذي ينص على إطلاق النار على الخاطفين بهدف قتلهم وإنقاذ الجنود المختطفين، وفي حال الفشل بإنقاذهم تطلق النار على الخاطفين والمختطفين. واتبع هذا الأسلوب في الحرب على لبنان وفي العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة خاصة العملية الحالية التي تسببت بمقتل اثنين من الجنود[11]. ويعود السبب في ذلك إلى الثمن الباهظ الذي تدفعه إسرائيل مقابل كل جندي أسير.

وكان أسلوب القصف العشوائي والتدمير للمباني السكنية والبنية التحتية هو أحد الأساليب التي اتبعها الجيش الإسرائيلي بهدف خلق حالة تهجير جماعي داخل القطاع، ودفع هذه الجماهير للضغط على المقاومة من أجل وقف إطلاق النار. وسبق أن اتبع هذا الأسلوب في الحروب الإسرائيلية التي شنتها على جنوب لبنان وضد حزب الله. 

ونتيجة لقصف مستوطنات محيط غزة بالصواريخ والقذائف والأنفاق الهجومية التي وصلت مخارجها حتى العديد من المستوطنات، اتبعت إسرائيل في سياق وسائلها لتقليل الخسائر البشرية قانون "فندق الضيافة" الذي ينص على دفع تكاليف الضيافة وغيرها من المصروفات لكل عائلة تستضيف عائلة يهودية من المستوطنات المحيطة بقطاع غزة. وفي هذا الإطار تسابقت العائلات اليهودية وبعض القرى الدرزية من أجل الاستفادة من هذه المصاريف.

 

خسائر العدوان

ألحق العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة خسائر بشرية فادحة في صفوف الفلسطينيين ستزداد خاصة أن أكثر من 150 مصابا في غرف الإنعاش، وانتشار عبوات ناسفة وصواريخ إسرائيلية لم تنفجر. وتشير معطيات وزارة الصحة الفلسطينية أن عدد الشهداء هو: 2175 شهيداً منهم: 521 طفلاً و296 سيدة و80 مسناً. وتوزع الشهداء على منطقة الشمال (352 شهيداً) ومدينة غزة (483 شهيداً) والمنطقة الوسطى (295 شهيداً) وخان يونس (599 شهيداً)، ورفح (439 شهيداً). ومن بين الشهداء 72 عائلة (أبيدت بالكامل) بلغ عدد أفرادها 540 نسمة، ما دفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى القول إنه لم يجد من يعزيه من أبناء هذه العائلات. ومن بين الشهداء 21 شهيداً من الطواقم الطبية و13 شهيدا صحافيا[12].

وبالإضافة لذلك استشهد في الضفة الغربية منذ اختطاف المستوطنين الثلاثة 25 مواطناً وجرح العشرات.

وخلال احتفالات حركتي حماس والجهاد الإسلامي بوقف إطلاق النار قتلت سيدة وجرح 95 مواطناً.

كما قامت أجهزة حماس الأمنية بإعدام 21 مواطناً بدعوى تخابرهم مع العدو. 

وحسب نفس التقرير بلغ عدد الجرحى: 11200 منهم 2890 طفلاً و1863 سيدة و3084 مسناً. فيما توزع الجرحى على: شمال القطاع (2863) ومدينة غزة (2542) والمنطقة الوسطى (1573) وخان يونس (1522)، ومدينة رفح (894)، فيما توزعت البقية على أنحاء القطاع المختلفة[13].

وذكر التقرير أن مؤسسات الأمم المتحدة العاملة في القطاع أحصت 373 ألف نسمة معظمهم من الأطفال، يحتاجون إلى رعاية نفسية بعد الحرب. وهي نسبة هائلة جدا إذا ما قورنت بالمعطيات الإسرائيلية التي تحدثت عن أقل بقليل من 3300 (جرحى وأمراض نفسية نتيجة الحرب).  

وبالإضافة لذلك اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 150 مواطنا من قطاع غزة، فيما اعتقلت في الضفة الغربية ما يقارب من 2000 مواطن.

وحسب التقرير فإن كلفة إعادة إعمار غزة تصل إلى 4 مليارات دولار، ثمن إزالة 2.5 مليون طن مخلفات ما دمر وإعادة بناء وتصليح 60 ألف منزل (منها 10 آلاف وحدة سكنية دمرت تدميراً كاملاً، ومثلها تدمير كبير و40 ألفاً بحاجة إلى ترميم). ونتيجة ذلك ظل 110 آلاف مهجر تهجيرا داخليا من دون مأوى للسكن، بعد أن كان عددهم 500 ألف نسمة.

ودمر القصف 78 مبنى عاماً، وتضررت الطرق (1 كم من كل 2 كم) والمعابر الحدودية، وألحقت أضرار جمة بمحطات ضخ المياه ومحطات معالجة المياه العادمة، وتضرر من 20-30 من شبكات المياه والصرف الصحي، وقصفت محطة الطاقة الوحيدة في قطاع غزة التي لحقتها أضرار هائلة.

وأظهر التقرير تدمير 26 مدرسة بالكامل وتضررت 1330 مدرسة ما أدى إلى تأثر 559 ألف طالب. وأصيبت نصف جامعات غزة بالضرر. وتضررت 222 مؤسسة اجتماعية وأهلية، وتدمير 296 مسجداً (منها 73 تدميرا كاملا) وثلاث كنائس وعشرة مدافن.  

وبلغ إجمالي المستشفيات التي تضررت من القصف 15 مستشفى من أصل 32 مستشفى لا تزال ثلاثة منها مغلقة حتى الآن، و97 من عيادات الرعاية الصحية الأولية تشمل أربعة دمرت بالكامل و17 لا تزال مغلقة نتيجة الضرر، بالإضافة إلى اثنتين من العيادات النفسية والمركز الوحيد لإعادة التأهيل في غزة. إلى ذلك تضررت 25 سيارة إسعاف، واستشهد 23 منهم وأصيب أكثر من 83 بجروح خلال الهجمات على سيارات الإسعاف والمستشفيات.

وذكر التقرير أن الخسائر الاقتصادية التي أصابت القطاع الزراعي وصلت إلى تخريب 30% من الأراضي الزراعية ونفوق 40% من الماشية و50% من الدواجن، وتضررت 990 منشأة اقتصادية منها، 297 تدميراً كاملاً، كما تعرضت 4200 منشأة تجارية لأضرار منها 1255 دمرت تدميراً شاملاً ودمرت 14 محطة للهاتف المحمول وتضررت 225 محطة.

وخلص التقرير إلى القول إن أكثر من 73% من شباب قطاع غزة أصبح عاطلا عن العمل نتيجة الحصار والحرب وإغلاق الأنفاق[14]{C}.

ولن نضيف لقائمة الخسائر الفلسطينية الإصابات الناتجة عن عمليات الإجهاض التي تعرضت له النساء الحوامل خلال الحرب ولا الأمراض الأخرى التي انتشرت وتنتشر نتيجة الدمار والخراب والتهجير. 

وفيما يتعلق بالخسائر الإسرائيلية فقد ذكرت مصادر إسرائيلية أنه قتل خلال العدوان على قطاع غزة 84 إسرائيليا، منهم 67 جنديا في المعارك و6 مدنيين (منهم عامل تايلندي) نتيجة القصف الصاروخي و10 قتلى نتيجة حوادث طرق ناتجة عن التوقف الفجائي بعد إطلاق صافرات الإنذار. وأصيب 2462 إسرائيلياً منهم 1620 جندياً 10 منهم في حالة الخطر، و100 جندي تعرضوا لأمراض نفسية ناتجة عن الحرب. وأشارت نجمة داوود الحمراء أنها نقلت 824 جريحا منهم 36 بجروح مختلفة نتيجة شظايا الصواريخ و2 بحالة متوسطة و128 نتيجة حادث طرق بعد سماع صفارة الإنذار.

وفي السياق نفسه، ونتيجة لقصف المقاومة الفلسطينية المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، فر بالمتوسط أكثر من 70-90% (44 ألف نسمة عدد سكان المنطقة المسماة غلاف غزة وتضم 49 مستوطنة)، فيما هجر من 10-30% من سكان المنطقة الأبعد قليلا من غلاف غزة. وتوزع سكان المناطق المذكورة إلى مناطق أكثر أمنا في الشمال والوسط، وتم إسكانهم في إطار قانون فندق الضيافة[15]. وتعد هذه النسبة 5% من عدد من هجروا من بيوتهم من الفلسطينيين. وبعد انتهاء الحرب عاد معظم الإسرائيليين إلى بيوتهم، فيما لم يعد أكثر من 150 ألف فلسطيني إلى منازلهم.     

نتيجة العدوان على القطاع وقصف المدن الإسرائيلية بالصواريخ والقذائف تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لخسائر اقتصادية مباشرة (توقف جزئي للعمل والسياحة والصناعة، وغيرها من المرافق الإنتاجية) تصل إلى أربعة مليارات شيكل أي ما يعادل 1.1 مليار دولار. ويتوقع أن تزداد الخسائر غير المباشرة إلى عدة مليارات دولار لحين عودة الأمور إلى طبيعتها. وتوزعت الخسائر إلى: 350 مليون شيكل خسائر غير مباشرة بعد أن قُدم 14 ألف طلب تعويض عالجت الحكومة 75% منها[16]. إضافة إلى ذلك بلغت تكاليف العملية العسكرية ما يقارب من 200-250 مليون شيكل يومياً. الأمر الذي يعني أن إسرائيل خسرت ما يقارب 9 مليارات شيكل ثمن قذائف وصواريخ وطلعات جوية ومحروقات وغير ذلك من المصاريف[17] .

وفي سياق مختلف جاءت نسبة الشهداء مقارنة مع القتلى الإسرائيليين إلى 1:38 لصالح إسرائيل. وهي نسبة عالية جدا مقارنة مع الانتفاضة الثانية التي كانت نسبتها 1:5 لصالح إسرائيل، ما أجبرها البحث عن طرق أخرى غير عسكرية للحل مثل الانفصال عن غزة وبناء جدران عازلة في الضفة. غير أن المعطيات الحالية بخصوص الشهداء الفلسطينيين والقتلى الإسرائيليين أفضل من المعطيات في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أواخر عام 2008 وبداية عام 2009 في إطار الرصاص المنصهر الذي كانت نسبته 1:110 لصالح إسرائيل (1500 شهيد فلسطيني تقريبا مقابل 13 جندياً ومدنياً إسرائيلياً)، وكانت أقل في عملية عامود السحاب التي جاءت نسبتها 1:28 تقريبا (170 شهيداً فلسطينياً مقابل 6 قتلى إسرائيليين).

وفيما يتعلق بنسب الجرحى فقد كانت هذه النسب كبيرة جدا ولا تقارن من حيث الإصابات، حيث اعتبرت الجهات الإسرائيلية الخوف إصابة تستحق العلاج الذي كانت نسبته ما تقارب 20% من عدد الجرحى الإسرائيليين (عسكريين ومدنيين)، في حين سجل احتياج 373 ألف فلسطيني لعلاج نتيجة الخوف. كما لم تسجل إصابات خطيرة جدا في صفوف الإسرائيليين، حيث ذكرت المصادر الطبية الإسرائيلية أن الإصابات في صفوف الإسرائيليين كانت بين بسيطة ومتوسطة، باستثناء عدة حالات خطيرة. وفي سياق مختلف ذكرت المصادر الفلسطينية أن أكثر من 160 جريحا ما يزالون في غرف الإنعاش، وأن أكثر من 20% من الإصابات تندرج في خانة الإعاقة الدائمة. وبشكل عام يمكن القول إن نسبة الإصابات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي قدرت بـ1:3 تقريبا لصالح إسرائيل. وإذا أخذنا نسبة الخوف والأمراض النفسية الناتجة عن الحرب في صفوف الفلسطينيين، ستصل النسبة إلى 1:340 لصالح إسرائيل نظرا لعمق وحجم الإصابات في صفوف الفلسطينيين. وقياسا مع عملية الرصاص المنصهر فقد وصل عدد الجرحى الإسرائيليين فيها إلى 1000 جريح منهم 548 نتيجة الخوف، فيما وصل عدد الجرحى الفلسطينيين إلى 6000 جريح تقريبا، وهي نسبة تصل إلى 1:6 لصالح إسرائيل، أما عدد الجرحى في عملية عامود السحاب فقد وصل عددهم إلى 240 جريحاً مقابل 500 جريح فلسطيني، أي بنسبة 1:2 لصالح إسرائيل.

وانخفاض أو ارتفاع النسب ليس له علاقة بقوة الرد الفلسطينية، بل يعود السبب في ذلك إلى فترة الحرب التي استمرت في الرصاص المنصهر 23 يوما و8 أيام عملية عامود السحاب و51 يوما في الجرف الصامد. 

أما من حيث الخسائر الفلسطينية فقد وقعت في معظمها في البنية البشرية والتحتية، ما يخلف انعكاسات مستقبلية خطيرة في مجالات مختلفة. بينما تركزت الخسائر الإسرائيلية على ثمن القذائف التي سقطت على القطاع ودفع تعويضات لجنود الاحتياط ولوسائل الإنتاج التي تعطلت مثل قطاع السياحة والصناعة، وغير ذلك، ما يساعد الاقتصاد الإسرائيلي على استعادة عافيته بالسرعة الممكنة. 

 

وقف إطلاق النار

بعد جهود مضنية وجولات عديدة قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتدخل أمريكي وسعودي وقطري فاعل، صدر بيان عن وزارة الخارجية المصرية تقول فيه: 

"حفاظاً على أرواح الأبرياء وحقناً للدماء واستناداً إلى المبادرة المصرية 2014 وتفاهمات القاهرة 2012[18]، دعت مصر الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى وقف إطلاق النار الشامل والمتبادل بالتزامن مع فتح المعابر بين قطاع غزة وإسرائيل بما يُحقق سرعة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية ومستلزمات إعادة الإعمار والصيد البحري انطلاقاً من 6 أميال بحرية، واستمرار المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين بشأن الموضوعات الأخرى خلال شهر من بدء تثبيت وقف إطلاق النار."

وأضاف البيان: "وفي ضوء قبول الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بما ورد بالدعوة المصرية، فقد تحددت ساعة السابعة (بتوقيت القاهرة يوم 26/8/2014) لبدء سريان وقف إطلاق النار.

وتابع البيان إن: "مصر تؤكد مُجدداً التزامها الثابت بدورها الذي تمليه حقائق التاريخ والجغرافيا وبمسؤولياتها الوطنية والعربية والإقليمية، وبما ينبثق عن ذلك من العمل على تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني ودعم قيادته، والحرص على تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة من خلال إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لتحقيق السلام والأمن في المنطقة وبما يُسهم في ازدهار ورخاء كافة دولها وشعوبها. وتُثمن مصر الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية والدور الذي تضطلع به في هذا السياق".

 

من جهتها ذكرت صحيفة الشرق الأوسط أن اتفاقية وقف إطلاق النار تضمنت:

1.    وقف إطلاق النار شامل ومتبادل، ووقف الاغتيالات والاستهدافات.

2.    فتح المعابر بين قطاع غزة وإسرائيل، بما يُحقق سرعة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية ومستلزمات إعادة الإعمار.

3.    حرية الصيد حتى 6 أميال بحرية على أن تصل إلى 12 ميلا في المرحلة الثانية.

4.    فتح معبر رفح بوجود قوات الرئاسة الفلسطينية على المعبر وعلى طول الحدود.

5.    رفع الحظر عن تحويل الأموال لموظفي حركة حماس في القطاع.

6.    إلغاء المنطقة العازلة الممتدة لـ300 متر وقصرها على 100 متر فقط.

7.    العودة للمفاوضات غير المباشرة بين الطرفين بعد شهر من بدء تثبيت وقف إطلاق النار من أجل إعادة بناء المطار الذي هدمته إسرائيل عام 2001 في رفح، وإقامة ميناء بحري. والبحث في الطلب الإسرائيلي باستعادة جثث جنودها لدى حماس، ونزع أسلحة الفصائل الفلسطينية[19].

 

ردود أفعال

في خطاب متلفز أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس موافقة القيادة الفلسطينية على دعوة مصر لوقف إطلاق نار شامل ودائم، وبعد ذلك العمل على تلبية متطلبات واحتياجات سكان قطاع غزة. وشكر الرئيس جمهورية مصر العربية والرئيس السيسي على جهوده المتواصلة لوقف العدوان على قطاع غزة ووقف شلال الدم هناك. وناشد المجتمع الدولي والأمم المتحدة بسرعة إرسال هذه المواد بأسرع وقت ممكن، وطالب بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الـ67 وعاصمتها القدس الشريف.

وفي قطاع غزة صدر بيان عن حركة حماس بعنوان "العزَّة والانتصار" تقول فيه: انتصرت المقاومة الفلسطينية عسكرياً قبل أن تنتهي الحرب، يوم أن ظلّت واقفة أمام ترسانة الإرهاب الصهيوني. وصمدت المقاومة سياسياً وهي تدافع عن مبادئها وتحمي ثوابت شعبها، وتحقّق مطالبه وعلى رأسها إنهاء الحصار". وأثبتت معركة العصف المأكول أنَّ المقاومة هي خيارُ شعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات. وإثر هذا البيان انتشرت المسيرات والمظاهرات لأنصار الحركة في قطاع غزة ومدن الضفة الغربية احتفالا بالنصر.

في بيروت عقد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي مؤتمرا صحفيا قال فيه: "إن هذه المعركة ليست آخر المعارك وليست أم المعارك، لكنها تؤسس لأم المعارك وستضع أقدام المقاومة على الطريق، خاصة أن أهم نتائج هذه المعركة هو حسم الجدل حول صراع الإيديولوجيات". وأضاف "ندعو الجميع إلى حسم الخيار بأن المقاومة التي يقدم لها الشعب اليوم الدم يجب أن نحتضنها كما احتضنها الشعب". وأشار: "أن ما فعلته المقاومة الفلسطينية من إنجازات في قطاع غزة، يجب أن يصدر إلى الضفة المحتلة بأسرع وقت ممكن.

من جهته، وبعد يوم من الصمت، خرج رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتياهو ليعلن أن الجيش الإسرائيلي حقق إنجازين سياسيين وعسكريين كبيرين، حيث لم يتم الاستجابة لأي من شروط حماس في المفاوضات مثل الميناء والمطار والإفراج عن الأسرى والسماح لقطر بالتدخل. وأضاف أن هدف الهجوم على غزة تحقق بعد أن ضُربت حماس ومنظمات "الإرهاب" بشدة. وفيما يتعلق بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو: إن من المبكر الحديث عنه لفترة طويلة، لكن الضرب الذي تعرضت له حماس يزيد من فرص التهدئة لفترة طويلة الأمد.      

وفي المقابل، صرح وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن بلاده تأمل في أن يكون اتفاق وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين دائما وقابلا للاستمرار، ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بالاتفاق.

وعبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن أمله في أن يكون وقف النار في غزة دائما،  وأن يمهد الطريق أمام عملية سياسية بين الطرفين. ودعا الطرفين إلى تحمل مسؤولياتهما مشيرا إلى أن أي خرق لوقف النار سيكون عملا غير مسؤول.

ورحب الاتحاد الأوروبي بالاتفاق ودعا الإسرائيليين والفلسطينيين إلى اغتنام فرصة اتفاق وقف إطلاق النار للتفاوض بشأن اتفاق شامل ودائم، مؤكدا أن العودة إلى الوضع الذي كان سائدا قبل النزاع ليس خيارا. وطالب مجددا بالتوصل إلى سلام دائم من خلال استئناف عملية السلام التي تقود إلى حل الدولتين.

من جهتهم صرح مسؤولون إيرانيون أن انتصار المقاومة، هو الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق، واتصل وزير الخارجية الإيراني برمضان عبد الله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي مهنئا بالنصر.

أما الموقف التركي فقد عبر عنه رجب طيب أردوغان في حفل تنصيبه كأول رئيس منتخب لتركيا بقوله إن وقوفنا إلى جانب القضية سببه ما نشاهده من مناظر إنسانية مروعة.

نتائج

1.    في صراعها مع الفلسطينيين لم تعد إسرائيل تبحث عن نصر، فمهمتها الأساسية هي دفعهم إلى صراع مسلح خاصة في قطاع غزة مرة كل عدة سنوات، كلما اعتقدت أن الفلسطينيين تجرأوا على تحديها بواسطة إطلاق الصواريخ. باحثة في ذلك عن وضع تردع فيه الفلسطينيين بواسطة القتل والتدمير الهائلين. وبما يشبه اجتياح لبنان (عملية الليطاني عام 1976 التي مهدت لحرب لبنان الأولى) وانتفاضة النفق (عام 1996 التي مهدت للانتفاضة الثانية). فتح العدوان الحالي الباب على مصراعيه لصراع وعدوان أوسع وأشمل من العدوان الحالي لتجرؤ الفلسطينيين على قتل 67 جندياً وقصف المدن الإسرائيلية بالصواريخ. وفي المقابل، كان الدمار الهائل والقتل الممنهج الذي أحدثته آلة الدمار الإسرائيلية وسيلة لمنع المقاومة الفلسطينية من القول إنهم الطرف المنتصر.

ولأن السياسات الإسرائيلية المتبعة بحق قطاع غزة هي عدوان عسكري على قطاع غزة مرة كل عدة سنوات، على الفلسطينيين وضع برامج وسياسات (نضالية وسياسية) وحدوية تأخذ بعين الاعتبار تقليل خسائر الشعب الفلسطيني قدر الإمكان استعدادا للمواجهة المقبلة، بما في ذلك استغلال مبادرات وقف إطلاق النار، مثل المبادرة المصرية التي رفضت في بداية العدوان، وتمت الموافقة عليها في نهاية العدوان بعد أن تكبد الشعب الفلسطيني خسائر فادحة في الأنفس والممتلكات.

2.    غَيرّ العدوان الإسرائيلي قواعد الاشتباك مع قطاع غزة، حيث لم يعد الهجوم على القطاع وقتل عدة آلاف من الفلسطينيين، ومن ثم التوصل إلى هدنة لحين العدوان القادم. ويعود الفضل في ذلك إلى تطوير وتغيير المقاومة الفلسطينية قواعد الاشتباك التي فرضتها إسرائيل، وإحلال قواعد اشتباك فلسطينية ستُؤخذ إسرائيليا بعين الاعتبار في العدوان القادم الذي سيكون أشد وأعنف. ومن أهم هذه القواعد: تشويش حياة الإسرائيليين وإرباكها نتيجة قصف مختلف المدن الإسرائيلية، والمقاومة الميدانية المتمثلة بالأنفاق والكمائن.

3.    تعزيز سياستين إسرائيليتين في الصراع مع الشعب الفلسطيني. وبالتالي حلين مختلفين للقضية الفلسطينية في منطقتي الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن الواضح أن العدوان أبقى على حالة الانقسام بين الفلسطينيين، والوحدة الحالية في المواقف هي وحدة مؤقتة سرعان ما تزول خاصة أن طموح حماس يسير باتجاه مشروع استقلال لقطاع غزة، وهذا كان مغزى الطلب القطري والتركي. وفتح قطاع غزة براً وجواً وبحراً من دون وحدة وطنية حقيقية سيدفع إلى الاتجاه المذكور. ما سيخرج قطاع غزة من ساحة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهو ما تريده إسرائيل حاليا ومستقبلا، ما يعرض القضية الفلسطينية لخطر التصفية. وعليه، على السلطة الوطنية الفلسطينية الإصرار على أن تكون جزءاً أساسياً من الحل وليس مجرد شاهد، والإصرار على أن وحدة الموقف الفلسطيني هي التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه.

ولكي لا تكون السلطة الوطنية شاهدا، ولا ينفصل قطاع غزة بشكل كلي عن الصراع والمواجهة مع إسرائيل، ومن أجل تفويت الفرصة على المخططات الإسرائيلية تجاه القطاع والضفة الغربية، ولكي لا تكون الوحدة الحالية مفروضة من قبل مصر، على الفلسطينيين الاتفاق على برنامج سياسي ووطني ونضالي كي لا ينفرد طرف من أطراف الساحة الفلسطينية بقضيتي السلام والحرب مع إسرائيل.

4.    نجحت إسرائيل بواسطة هذه الحرب في إعادة مصر لتتدخل في شؤون قطاع غزة، بعد رفض النظام المصري الجديد سياسة النظامين السابقين (نظامي مبارك ومرسي) اللذين سمحا لإسرائيل بالتهرب من مسؤولياتها تجاه القطاع كمنطقة محتلة بقصد أو بدون قصد.

[*]

 

نفذت إسرائيل في أواخر عام 2005 انسحاباً أحاديّ الجانب من قطاع غزة، متوجة بذلك سياسات هادفة للفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية سياسيا وعسكريا واجتماعيا وجغرافيا، مفضلة عليه مسارا بطيئا يدعو إلى تعميق تدخل مصر في شؤون قطاع غزة كمقدمة لإلحاقه بها، أو إيجاد رابط ما بين المنطقتين يعفي إسرائيل من مسؤولياتها الكاملة عن قطاع غزة ومشاكله. وبعد انقلاب حماس على السلطة الفلسطينية عام 2007 توفرت الفرصة الكاملة لإسرائيل لممارسة سياستها وإجراءاتها بحق القطاع، كلما تجرأ على تحديها.

وفي السياق المذكور، جاءت عمليات القصف الإسرائيلي المتكرر لقطاع غزة منذ عام 2007 حتى يومنا هذا، شنت خلاله إسرائيل ثلاث عمليات عسكرية هي الرصاص المنصهر (2008) وعامود السحاب (2012) والجرف الصامد (2014) موقعة آلاف القتلى وبضع عشرات آلاف الجرحى، وتدمير البنى التحتية، وتخريب اقتصاد القطاع مرة كل عامين تقريبا.

وبعد اختطاف عناصر من حركة حماس في 12 حزيران (يونيو) عام 2014 ثلاثة مستوطنين إسرائيليين جنوب الضفة الغربية وقتلهم، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة اعتقالات واسعة في صفوف الفلسطينيين، شملت عناصر حركات فتح والجهاد الاسلامي وحماس التي اتهمتها بالمسؤولية عن الخطف. وخلال العملية التي أسمتها "إعادة الأبناء" اعتقلت إسرائيل أكثر من 500 فلسطيني، وقتلت أكثر من 15 فلسطينياً. وشن الطيران الإسرائيلي عمليات قصف انتقامية على قطاع غزة، وصل عددها حتى فجر يوم الأحد 6/7/2014 ثماني عشرة غارة مستهدفة المواطنين والممتلكات، وأطلق خلالها 39 صاروخاً على إسرائيل. وذكرت تقارير إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي تدرب على العملية الحالية منذ 18 شهراً، أي منذ انتهاء عملية عامود السحاب، ما يشير إلى النية المبيتة تجاه قطاع غزة.

إثر ذلك تواصل القصف الإسرائيلي، وردود الفعل الفلسطينية عليه، ما دفعها إلى تحويل القصف الانتقامي إلى عدوان شامل في 8 تموز (يوليو) 2014 مستهدفة البشر والحجر، وكل ما هو متحرك على الأرض في قطاع غزة استمر لمدة 51 يوما.

اسم المعركة

أطلقت حركتا حماس والجهاد الإسلامي اسمين مختلفين للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وذلك في إشارة منهما إلى اختلاف في الرؤى والأهداف، حيث كان "البنيان المرصوص" هو الاسم الذي اختارته حركة الجهاد الإسلامي لهذه الحرب. والاسم مأخوذ من سورة الصف "آية 4" التي تقول "إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبيلِهِ صَفَّا كَأنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ". وتفسير ذلك عسكرياً وسياسياً هو بضرورة توحيد الجهود الفلسطينية سياسيا وعسكريا في مواجهة العدوان الإسرائيلي الغاشم.

وفي المقابل، اختارت حركة حماس اسم "العصف المأكول" المقتطع من سورة الفيل آية رقم 4 و5 التي تقول "تَرْميهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ" في إشارة منها إلى نيتها إثخان العدو بالخسائر البشرية والمادية.

أما التسمية العبرية الإسرائيلية للعملية فهو "تسوك ايتان" التي تبين أن ترجمتها هو "الجرف المندفع بقوة" وليس "الجرف الصامد" كما تناقلته وسائل الإعلام العربية.

وربما يفسر حجم الذخائر الهائلة التي ألقيت على قطاع غزة تسمية العدوان "بالجرف المندفع بقوة". وتسوك ايتان تشبه إلى حد بعيد شكل الطيار الذي يضع الخوذة وملحقاتها استعداداً لشن هجمات جوية[1]. وهناك من صرح أن الشكل المذكور متعلق بالحصانة الإسرائيلية الداخلية وبقوة الجبهة الإسرائيلية الداخلية. واختير الاسم من قبل قائد منطقة جنوب غزة.

البعد الديني للعدوان على قطاع غزة، لم يقتصر على حركتي حماس والجهاد، بل امتد أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي، حيث قال قائد لواء غفعاتي المقدم عوفر فينتر (من الضباط المتدينين في الجيش) لضباطه: إنكم متجهون لمعركة ضد عدو إرهابي يشوه اسم الله، وإن التاريخ اختارنا لنكون رأس حربة في هذه المعركة. وأضاف: "أتوجه إلى السماء وأقول باسمكم، اسمع يا إله إسرائيل، يا إلهنا، يا واحد، أنصرنا في حربنا التي سنحارب فيها من أجل شعبك وضد عدو يلطخ اسمك. وبعد ذلك أقيمت صلاة ذكر فيها "الله سيحارب معكم حربكم ضد عدوكم وينقذكم"[2].

 

الأهداف الفلسطينية: انقسمت الأهداف الفلسطينية إلى شقين، الأول: مثله الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومنظمة التحرير، الذي اعتبر أن هدفه الأول هو وقف إطلاق النار فورا والمحافظة على أرواح الفلسطينيين، والتفاوض بعد ذلك على فك الحصار. والثاني، قدمته حركة حماس التي طالبت بسحب الدبابات الإسرائيلية إلى منطقة الحدود مع غزة، وإطلاق سراح جميع الأسرى المفرج عنهم من صفقة شاليط، وعدم تدخل إسرائيل في الشأن السياسي الفلسطيني الداخلي، ورفع الحصار المفروض على القطاع، وفتح المعابر لحركة الأشخاص والتجارة، وإقامة ميناء بحري ومطار جوي دولي يتم تشغيله بواسطة الأمم المتحدة، وتوسيع مساحة الصيد المسموح بها قبالة ساحل غزة لمسافة 12 ميلاً بحرياً، وتحويل معبر رفح إلى معبر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة ودول عربية صديقة، وإشراف مراقبين دوليين على الحدود مع مصر، وهناك شرط آخر لم يذكر في الوثيقة تحدثت عنه مصادر من حركة فتح، وهو صرف رواتب موظفي حماس في غزة.

 

أهداف العدوان الإسرائيلي

الأهداف الإسرائيلية: يمكن التعرف على أهداف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة من القرار المكتوب الذي صاغه قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي وأقرته الحكومة، وينص على: ضرب قدرات حماس العسكرية والوصول لمرحلة هدوء طويلة المدى في كل الساحة الفلسطينية ومن ضمنها "يهودا والسامرة"[3].

 

نظرية العدوان على قطاع غزة

طبقت على قطاع غزة نظريتا قتال إسرائيليتان، الأولى: نظرية "الوعي والكي" التي وضعت بعد انتفاضة النفق عام 1996 في عهد رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أمنون ليبكن شاحك وشارك فيها وزير الدفاع الحالي موشيه يعلون. وتقول النظرية إن الفلسطينيين وبعد تجرؤهم على الجيش الإسرائيلي وقتلهم 18 جنديا في يوم واحد، سيدفعون ثمنا غاليا بواسطة ضربهم بقوة شديدة جدا من دون دفعهم إلى الهزيمة لأنهم لا يملكون شيئا يقدمونه مقابل هزيمتهم. ويتم الضرب بواسطة هجمات محدودة وغير شاملة هدفها إحداث تغيير استراتيجي على الأرض، وإيقاع خسائر فادحة في صفوفهم تردعهم حتى عن مجرد التفكير بمهاجمة إسرائيل مستقبلا. وطبقت هذه النظرة في قطاع غزة بواسطة القصف والقتل الشامل لسكان القطاع خاصة الإبادة الجماعية للعائلات.

وفي الوقت نفسه، تبنى الائتلاف الحاكم في إسرائيل إلى جانب نظرية "الوعي والكي" نظرية "جز العشب" التي وضعها بن غوريون عام 1950، التي تقول إن إسرائيل دولة صغيرة محاطة بعدد كبير من الأعداء سيواصلون عداءهم لها في العقود القادمة، ولأن إسرائيل دولة صغيرة من حيث المساحة والسكان، فإنها لن تستطيع فرض السلام على العرب أو حسم المعركة معهم مرة واحدة، وبالتالي فإن أفضل طريقة للبقاء هي المحافظة على قدرة الردع أمام العرب بواسطة إلحاق الأذى الكبير في صفوفهم، بهدف تثبيط معنوياتهم كي تطول فترة الهدوء القادمة[4].

ولتطبيق النظريات المذكورة جندت إسرائيل 82 ألف جندي خاصة من أسلحة المشاة مثل: ألوية الناحل وغولاني وغفعاتي والوحدات الخاصة مثل دورية الأركان ومجيلان وشييطت التابعة لسلاح البحرية.

وفي المقابل لم يملك الفلسطينيون نظرية قتالية محددة وتركز جهدهم الأساسي في الأنفاق الهجومية التي دمر الجيش الإسرائيلي 34 منها، أوقعت ما يقارب 20% من القتلى الإسرائيليين وعلى الكمائن وبعض المواجهات المباشرة. ولم تقتصر المواجهة على حركتي حماس والجهاد الإسلامي فقط، بل شاركت فيها كل الفصائل الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير، بما في ذلك كتائب الأقصى وغيرهم من المقاتلين التابعين لحركة فتح وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى.

 

أسلحة وأساليب قتالية

كانت الصواريخ هي سلاح المقاومة الفلسطينية الرئيسي، في قصف العمق الإسرائيلي، في تصديه للعدوان على قطاع غزة مثل: صواريخ فجر 5، وآر بي جي وصواريخ البراق والقسام على مختلف أنواعها وإم-75 وإم-302 وجراد وقدس والقذائف الصاروخية، وقذائف الهاون، وغيرها من الصواريخ التي لم تحدث دمارا في إسرائيل، بل شوشت الحياة العامة على مدار فترة الحرب. واستخدمت العبوات الناسفة المضادة للدبابات وقذائف محلية ومستوردة وبنادق وبعض المضادات الجوية والكلاشينكوف. ونظرا للتفوق الإسرائيلي الهائل احتاجت الوسائل المذكورة لحماية مكلفة وعالية الثمن من حيث الخسائر البشرية والمادية كي لا تدمر.

وفيما يتعلق بأساليب القتال، استخدمت المقاومة الفلسطينية عدة أساليب هجومية مثل القصف بالصواريخ والقذائف، واستخدام الكمائن البشرية والملغمة (تلغيم منازل ومواقع وعمليات استشهادية)، وهي نفس الأساليب التي اتبعها حزب الله في حرب لبنان الثانية. كما استخدمت الأنفاق الهجومية التي كانت مفاجَأة هذه الحرب التي أوقعت 20% من قتلى الجيش الإسرائيلي، وهي أنفاق تبدأ في الجانب الفلسطيني وتنتهي في الجانب الإسرائيلي. واستخدم أسلوب حرب الشوارع بصورة قليلة جدا، حيث كان الهدف منها اختطاف جنود من أجل استبدالهم بأسرى فلسطينيين.

واستخدمت حماس أساليب إعلامية ونفسية، لكنها لم تترك أثرا كبيرا في المجتمع والجيش الإسرائيلي نظرا لحالة التجييش والعسكرة التي تمر بها إسرائيل منذ نشأتها حتى هذا اليوم.

وخلال تصديهم للعدوان على القطاع أطلقت فصائل المقاومة على إسرائيل 4594 صاروخاً وقذيفة (ذكرت حركة الجهاد الإسلامي أنها أطلقت منها 3249 صاروخاً وقذيفة[5]) سقط منها على إسرائيل 3641 وتصدت القبة الحديدية لـ735 صاروخاً وقذيفة. وسقط في القطاع نفسه 188 قذيفة وصاروخاً. 

وفي المقابل استخدمت إسرائيل أسلحة الجو والبحر والمشاة والمدرعات والهندسة والجرافات والحفارات وغيرها من الأسلحة في قصفها وتدميرها الممنهج لقطاع غزة، وركزت على الأسلحة الدفاعية والمضادة للصواريخ بهدف تقليل الأضرار في صفوف جنودها وجمهورها بشكل كبير مثل البطاريات المضادة للصواريخ "القبة الحديدية" (عدد 9 بطاريات) وطائرات من دون طيار سكاي هوك والرادار المتحرك "مغين روح" والقمر الصناعي أوفك 10 والدبابة مركباة 4 التي تزن 60 طناً وهي دبابة محصنة ضد العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدبابات وصواريخ براك وفلينكس وكورنيت وهليفر وتموز التي تطلق من طائرات الأباتشي وقذائف J-80 وM-302 و[6] R-160.

وعلى الصعيد الشخصي زود الجنود بواقيات 1M المضادة للرصاص ووضع في أجساد الجنود علامات تعقب إليكتروني تحدد مكانهم في حالة الاختفاء أو الخطف. كما زود الجنود بخوذات أقل وزناً من السابقة وأكثر مقاومة للرصاص والشظايا، وبنظارات خاصة من أجل حماية الأعين من الشظايا، تستخدم في النهار والليل[7]. وزود الجنود ببنادق من نوع عوزي وتبور الهجومية وبندقية القنص شتير 50-HS وبندقية كليبر 0.5 إنش[8].

وخلال العدوان، شنت القوات الإسرائيلية 6231 هجوماً وتصدّ لصواريخ المقاومة، حيث توزعت الهجمات كالتالي: 1678 صاروخاً من القبة الحديدية و977 غارة جوية على قيادات ومقرات رسمية و939 هجوماً على أهداف مساعدة و548 هجوماً على "بنى تحتية مُهددة". وقصف 237 مقراً حكومياً و191 وسيلة قتالية ومصانع لإنتاج السلاح. كما دمرت 144 من الممتلكات الرمزية، وشنت 96 هجوماً جوياً وبحرياً.

واستخدمت في ذلك القصف 43 ألف قذيفة مدفعية (استهلك منها 30 ألف قذيفة خلال أول 30 يوماً من الحرب) و39 ألف قذيفة دبابة (استهلك منها 14 ألف قذيفة خلال الفترة نفسها) ومئات الصواريخ والقنابل الخارقة للتحصينات والأنفاق الأرضية[9]. وزود الجنود بـ4.8 مليون طلقة (استهلك نصفها). وذكر التقرير الذي ستقدمه دولة فلسطين للمؤتمر الدولي لدعم إعادة الإعمار في غزة أن كمية المتفجرات التي أطلقت على القطاع تساوي 20 ألف طن انفجر منها 5000 قطعة[10].

وخلال العدوان طبقت إسرائيل أسلوب الضاحية (الدمار الذي ألحقه القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية في حرب لبنان الثانية) في خمس مناطق هي: الشجاعية (شن عليها خلال ساعة 120 غارة حملت كل طائرة في هذه الغارات قنابل تزن طناً واحداً وأطلقت الدبابات 600 قذيفة) وبيت حانون وعبسان وخزاعة ورفح الشرقية، وفي مدينة غزة التي بدأت إسرائيل فيها بهدم الأبراج السكنية.

كما طبقت إسرائيل أسلوب "الطرق على الأبواب"، الذي تدعي أنها استخلصته من عملية الرصاص المنصهر الذي يدعو إلى إلقاء قنابل إسرائيلية صوتية تحمل كمية قليلة من المتفجرات تحذر فيها أصحاب البيوت المنوي تدميرها بالخروج من المنزل خلال دقائق معدودة. لكن هذا الأسلوب لم يتبع نظرا لسرعة القصف الإسرائيلي للمنازل التي دمرت على رؤوس أصحابها.

واتُبع من قبل إسرائيل "إجراء حينبعل" الذي وضع في صيف عام 1986 من قبل كبار ضباط المنطقة الشمالية (الجنرال حينها يوسي بيلد قائد المنطقة الشمالية ورئيس الأركان السابق غابي إشكنازي والجنرال احتياط يعقوب عميدرور) الذي ينص على إطلاق النار على الخاطفين بهدف قتلهم وإنقاذ الجنود المختطفين، وفي حال الفشل بإنقاذهم تطلق النار على الخاطفين والمختطفين. واتبع هذا الأسلوب في الحرب على لبنان وفي العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة خاصة العملية الحالية التي تسببت بمقتل اثنين من الجنود[11]. ويعود السبب في ذلك إلى الثمن الباهظ الذي تدفعه إسرائيل مقابل كل جندي أسير.

وكان أسلوب القصف العشوائي والتدمير للمباني السكنية والبنية التحتية هو أحد الأساليب التي اتبعها الجيش الإسرائيلي بهدف خلق حالة تهجير جماعي داخل القطاع، ودفع هذه الجماهير للضغط على المقاومة من أجل وقف إطلاق النار. وسبق أن اتبع هذا الأسلوب في الحروب الإسرائيلية التي شنتها على جنوب لبنان وضد حزب الله. 

ونتيجة لقصف مستوطنات محيط غزة بالصواريخ والقذائف والأنفاق الهجومية التي وصلت مخارجها حتى العديد من المستوطنات، اتبعت إسرائيل في سياق وسائلها لتقليل الخسائر البشرية قانون "فندق الضيافة" الذي ينص على دفع تكاليف الضيافة وغيرها من المصروفات لكل عائلة تستضيف عائلة يهودية من المستوطنات المحيطة بقطاع غزة. وفي هذا الإطار تسابقت العائلات اليهودية وبعض القرى الدرزية من أجل الاستفادة من هذه المصاريف.

 

خسائر العدوان

ألحق العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة خسائر بشرية فادحة في صفوف الفلسطينيين ستزداد خاصة أن أكثر من 150 مصابا في غرف الإنعاش، وانتشار عبوات ناسفة وصواريخ إسرائيلية لم تنفجر. وتشير معطيات وزارة الصحة الفلسطينية أن عدد الشهداء هو: 2175 شهيداً منهم: 521 طفلاً و296 سيدة و80 مسناً. وتوزع الشهداء على منطقة الشمال (352 شهيداً) ومدينة غزة (483 شهيداً) والمنطقة الوسطى (295 شهيداً) وخان يونس (599 شهيداً)، ورفح (439 شهيداً). ومن بين الشهداء 72 عائلة (أبيدت بالكامل) بلغ عدد أفرادها 540 نسمة، ما دفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى القول إنه لم يجد من يعزيه من أبناء هذه العائلات. ومن بين الشهداء 21 شهيداً من الطواقم الطبية و13 شهيدا صحافيا[12].

وبالإضافة لذلك استشهد في الضفة الغربية منذ اختطاف المستوطنين الثلاثة 25 مواطناً وجرح العشرات.

وخلال احتفالات حركتي حماس والجهاد الإسلامي بوقف إطلاق النار قتلت سيدة وجرح 95 مواطناً.

كما قامت أجهزة حماس الأمنية بإعدام 21 مواطناً بدعوى تخابرهم مع العدو. 

وحسب نفس التقرير بلغ عدد الجرحى: 11200 منهم 2890 طفلاً و1863 سيدة و3084 مسناً. فيما توزع الجرحى على: شمال القطاع (2863) ومدينة غزة (2542) والمنطقة الوسطى (1573) وخان يونس (1522)، ومدينة رفح (894)، فيما توزعت البقية على أنحاء القطاع المختلفة[13].

وذكر التقرير أن مؤسسات الأمم المتحدة العاملة في القطاع أحصت 373 ألف نسمة معظمهم من الأطفال، يحتاجون إلى رعاية نفسية بعد الحرب. وهي نسبة هائلة جدا إذا ما قورنت بالمعطيات الإسرائيلية التي تحدثت عن أقل بقليل من 3300 (جرحى وأمراض نفسية نتيجة الحرب).  

وبالإضافة لذلك اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 150 مواطنا من قطاع غزة، فيما اعتقلت في الضفة الغربية ما يقارب من 2000 مواطن.

وحسب التقرير فإن كلفة إعادة إعمار غزة تصل إلى 4 مليارات دولار، ثمن إزالة 2.5 مليون طن مخلفات ما دمر وإعادة بناء وتصليح 60 ألف منزل (منها 10 آلاف وحدة سكنية دمرت تدميراً كاملاً، ومثلها تدمير كبير و40 ألفاً بحاجة إلى ترميم). ونتيجة ذلك ظل 110 آلاف مهجر تهجيرا داخليا من دون مأوى للسكن، بعد أن كان عددهم 500 ألف نسمة.

ودمر القصف 78 مبنى عاماً، وتضررت الطرق (1 كم من كل 2 كم) والمعابر الحدودية، وألحقت أضرار جمة بمحطات ضخ المياه ومحطات معالجة المياه العادمة، وتضرر من 20-30 من شبكات المياه والصرف الصحي، وقصفت محطة الطاقة الوحيدة في قطاع غزة التي لحقتها أضرار هائلة.

وأظهر التقرير تدمير 26 مدرسة بالكامل وتضررت 1330 مدرسة ما أدى إلى تأثر 559 ألف طالب. وأصيبت نصف جامعات غزة بالضرر. وتضررت 222 مؤسسة اجتماعية وأهلية، وتدمير 296 مسجداً (منها 73 تدميرا كاملا) وثلاث كنائس وعشرة مدافن.  

وبلغ إجمالي المستشفيات التي تضررت من القصف 15 مستشفى من أصل 32 مستشفى لا تزال ثلاثة منها مغلقة حتى الآن، و97 من عيادات الرعاية الصحية الأولية تشمل أربعة دمرت بالكامل و17 لا تزال مغلقة نتيجة الضرر، بالإضافة إلى اثنتين من العيادات النفسية والمركز الوحيد لإعادة التأهيل في غزة. إلى ذلك تضررت 25 سيارة إسعاف، واستشهد 23 منهم وأصيب أكثر من 83 بجروح خلال الهجمات على سيارات الإسعاف والمستشفيات.

وذكر التقرير أن الخسائر الاقتصادية التي أصابت القطاع الزراعي وصلت إلى تخريب 30% من الأراضي الزراعية ونفوق 40% من الماشية و50% من الدواجن، وتضررت 990 منشأة اقتصادية منها، 297 تدميراً كاملاً، كما تعرضت 4200 منشأة تجارية لأضرار منها 1255 دمرت تدميراً شاملاً ودمرت 14 محطة للهاتف المحمول وتضررت 225 محطة.

وخلص التقرير إلى القول إن أكثر من 73% من شباب قطاع غزة أصبح عاطلا عن العمل نتيجة الحصار والحرب وإغلاق الأنفاق[14]{C}.

ولن نضيف لقائمة الخسائر الفلسطينية الإصابات الناتجة عن عمليات الإجهاض التي تعرضت له النساء الحوامل خلال الحرب ولا الأمراض الأخرى التي انتشرت وتنتشر نتيجة الدمار والخراب والتهجير. 

وفيما يتعلق بالخسائر الإسرائيلية فقد ذكرت مصادر إسرائيلية أنه قتل خلال العدوان على قطاع غزة 84 إسرائيليا، منهم 67 جنديا في المعارك و6 مدنيين (منهم عامل تايلندي) نتيجة القصف الصاروخي و10 قتلى نتيجة حوادث طرق ناتجة عن التوقف الفجائي بعد إطلاق صافرات الإنذار. وأصيب 2462 إسرائيلياً منهم 1620 جندياً 10 منهم في حالة الخطر، و100 جندي تعرضوا لأمراض نفسية ناتجة عن الحرب. وأشارت نجمة داوود الحمراء أنها نقلت 824 جريحا منهم 36 بجروح مختلفة نتيجة شظايا الصواريخ و2 بحالة متوسطة و128 نتيجة حادث طرق بعد سماع صفارة الإنذار.

وفي السياق نفسه، ونتيجة لقصف المقاومة الفلسطينية المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، فر بالمتوسط أكثر من 70-90% (44 ألف نسمة عدد سكان المنطقة المسماة غلاف غزة وتضم 49 مستوطنة)، فيما هجر من 10-30% من سكان المنطقة الأبعد قليلا من غلاف غزة. وتوزع سكان المناطق المذكورة إلى مناطق أكثر أمنا في الشمال والوسط، وتم إسكانهم في إطار قانون فندق الضيافة[15]. وتعد هذه النسبة 5% من عدد من هجروا من بيوتهم من الفلسطينيين. وبعد انتهاء الحرب عاد معظم الإسرائيليين إلى بيوتهم، فيما لم يعد أكثر من 150 ألف فلسطيني إلى منازلهم.     

نتيجة العدوان على القطاع وقصف المدن الإسرائيلية بالصواريخ والقذائف تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لخسائر اقتصادية مباشرة (توقف جزئي للعمل والسياحة والصناعة، وغيرها من المرافق الإنتاجية) تصل إلى أربعة مليارات شيكل أي ما يعادل 1.1 مليار دولار. ويتوقع أن تزداد الخسائر غير المباشرة إلى عدة مليارات دولار لحين عودة الأمور إلى طبيعتها. وتوزعت الخسائر إلى: 350 مليون شيكل خسائر غير مباشرة بعد أن قُدم 14 ألف طلب تعويض عالجت الحكومة 75% منها[16]. إضافة إلى ذلك بلغت تكاليف العملية العسكرية ما يقارب من 200-250 مليون شيكل يومياً. الأمر الذي يعني أن إسرائيل خسرت ما يقارب 9 مليارات شيكل ثمن قذائف وصواريخ وطلعات جوية ومحروقات وغير ذلك من المصاريف[17] .

وفي سياق مختلف جاءت نسبة الشهداء مقارنة مع القتلى الإسرائيليين إلى 1:38 لصالح إسرائيل. وهي نسبة عالية جدا مقارنة مع الانتفاضة الثانية التي كانت نسبتها 1:5 لصالح إسرائيل، ما أجبرها البحث عن طرق أخرى غير عسكرية للحل مثل الانفصال عن غزة وبناء جدران عازلة في الضفة. غير أن المعطيات الحالية بخصوص الشهداء الفلسطينيين والقتلى الإسرائيليين أفضل من المعطيات في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أواخر عام 2008 وبداية عام 2009 في إطار الرصاص المنصهر الذي كانت نسبته 1:110 لصالح إسرائيل (1500 شهيد فلسطيني تقريبا مقابل 13 جندياً ومدنياً إسرائيلياً)، وكانت أقل في عملية عامود السحاب التي جاءت نسبتها 1:28 تقريبا (170 شهيداً فلسطينياً مقابل 6 قتلى إسرائيليين).

وفيما يتعلق بنسب الجرحى فقد كانت هذه النسب كبيرة جدا ولا تقارن من حيث الإصابات، حيث اعتبرت الجهات الإسرائيلية الخوف إصابة تستحق العلاج الذي كانت نسبته ما تقارب 20% من عدد الجرحى الإسرائيليين (عسكريين ومدنيين)، في حين سجل احتياج 373 ألف فلسطيني لعلاج نتيجة الخوف. كما لم تسجل إصابات خطيرة جدا في صفوف الإسرائيليين، حيث ذكرت المصادر الطبية الإسرائيلية أن الإصابات في صفوف الإسرائيليين كانت بين بسيطة ومتوسطة، باستثناء عدة حالات خطيرة. وفي سياق مختلف ذكرت المصادر الفلسطينية أن أكثر من 160 جريحا ما يزالون في غرف الإنعاش، وأن أكثر من 20% من الإصابات تندرج في خانة الإعاقة الدائمة. وبشكل عام يمكن القول إن نسبة الإصابات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي قدرت بـ1:3 تقريبا لصالح إسرائيل. وإذا أخذنا نسبة الخوف والأمراض النفسية الناتجة عن الحرب في صفوف الفلسطينيين، ستصل النسبة إلى 1:340 لصالح إسرائيل نظرا لعمق وحجم الإصابات في صفوف الفلسطينيين. وقياسا مع عملية الرصاص المنصهر فقد وصل عدد الجرحى الإسرائيليين فيها إلى 1000 جريح منهم 548 نتيجة الخوف، فيما وصل عدد الجرحى الفلسطينيين إلى 6000 جريح تقريبا، وهي نسبة تصل إلى 1:6 لصالح إسرائيل، أما عدد الجرحى في عملية عامود السحاب فقد وصل عددهم إلى 240 جريحاً مقابل 500 جريح فلسطيني، أي بنسبة 1:2 لصالح إسرائيل.

وانخفاض أو ارتفاع النسب ليس له علاقة بقوة الرد الفلسطينية، بل يعود السبب في ذلك إلى فترة الحرب التي استمرت في الرصاص المنصهر 23 يوما و8 أيام عملية عامود السحاب و51 يوما في الجرف الصامد. 

أما من حيث الخسائر الفلسطينية فقد وقعت في معظمها في البنية البشرية والتحتية، ما يخلف انعكاسات مستقبلية خطيرة في مجالات مختلفة. بينما تركزت الخسائر الإسرائيلية على ثمن القذائف التي سقطت على القطاع ودفع تعويضات لجنود الاحتياط ولوسائل الإنتاج التي تعطلت مثل قطاع السياحة والصناعة، وغير ذلك، ما يساعد الاقتصاد الإسرائيلي على استعادة عافيته بالسرعة الممكنة. 

 

وقف إطلاق النار

بعد جهود مضنية وجولات عديدة قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتدخل أمريكي وسعودي وقطري فاعل، صدر بيان عن وزارة الخارجية المصرية تقول فيه: 

"حفاظاً على أرواح الأبرياء وحقناً للدماء واستناداً إلى المبادرة المصرية 2014 وتفاهمات القاهرة 2012[18]، دعت مصر الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى وقف إطلاق النار الشامل والمتبادل بالتزامن مع فتح المعابر بين قطاع غزة وإسرائيل بما يُحقق سرعة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية ومستلزمات إعادة الإعمار والصيد البحري انطلاقاً من 6 أميال بحرية، واستمرار المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين بشأن الموضوعات الأخرى خلال شهر من بدء تثبيت وقف إطلاق النار."

وأضاف البيان: "وفي ضوء قبول الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بما ورد بالدعوة المصرية، فقد تحددت ساعة السابعة (بتوقيت القاهرة يوم 26/8/2014) لبدء سريان وقف إطلاق النار.

وتابع البيان إن: "مصر تؤكد مُجدداً التزامها الثابت بدورها الذي تمليه حقائق التاريخ والجغرافيا وبمسؤولياتها الوطنية والعربية والإقليمية، وبما ينبثق عن ذلك من العمل على تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني ودعم قيادته، والحرص على تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة من خلال إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لتحقيق السلام والأمن في المنطقة وبما يُسهم في ازدهار ورخاء كافة دولها وشعوبها. وتُثمن مصر الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية والدور الذي تضطلع به في هذا السياق".

 

من جهتها ذكرت صحيفة الشرق الأوسط أن اتفاقية وقف إطلاق النار تضمنت:

1.    وقف إطلاق النار شامل ومتبادل، ووقف الاغتيالات والاستهدافات.

2.    فتح المعابر بين قطاع غزة وإسرائيل، بما يُحقق سرعة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية ومستلزمات إعادة الإعمار.

3.    حرية الصيد حتى 6 أميال بحرية على أن تصل إلى 12 ميلا في المرحلة الثانية.

4.    فتح معبر رفح بوجود قوات الرئاسة الفلسطينية على المعبر وعلى طول الحدود.

5.    رفع الحظر عن تحويل الأموال لموظفي حركة حماس في القطاع.

6.    إلغاء المنطقة العازلة الممتدة لـ300 متر وقصرها على 100 متر فقط.

7.    العودة للمفاوضات غير المباشرة بين الطرفين بعد شهر من بدء تثبيت وقف إطلاق النار من أجل إعادة بناء المطار الذي هدمته إسرائيل عام 2001 في رفح، وإقامة ميناء بحري. والبحث في الطلب الإسرائيلي باستعادة جثث جنودها لدى حماس، ونزع أسلحة الفصائل الفلسطينية[19].

 

ردود أفعال

في خطاب متلفز أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس موافقة القيادة الفلسطينية على دعوة مصر لوقف إطلاق نار شامل ودائم، وبعد ذلك العمل على تلبية متطلبات واحتياجات سكان قطاع غزة. وشكر الرئيس جمهورية مصر العربية والرئيس السيسي على جهوده المتواصلة لوقف العدوان على قطاع غزة ووقف شلال الدم هناك. وناشد المجتمع الدولي والأمم المتحدة بسرعة إرسال هذه المواد بأسرع وقت ممكن، وطالب بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الـ67 وعاصمتها القدس الشريف.

وفي قطاع غزة صدر بيان عن حركة حماس بعنوان "العزَّة والانتصار" تقول فيه: انتصرت المقاومة الفلسطينية عسكرياً قبل أن تنتهي الحرب، يوم أن ظلّت واقفة أمام ترسانة الإرهاب الصهيوني. وصمدت المقاومة سياسياً وهي تدافع عن مبادئها وتحمي ثوابت شعبها، وتحقّق مطالبه وعلى رأسها إنهاء الحصار". وأثبتت معركة العصف المأكول أنَّ المقاومة هي خيارُ شعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات. وإثر هذا البيان انتشرت المسيرات والمظاهرات لأنصار الحركة في قطاع غزة ومدن الضفة الغربية احتفالا بالنصر.

في بيروت عقد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي مؤتمرا صحفيا قال فيه: "إن هذه المعركة ليست آخر المعارك وليست أم المعارك، لكنها تؤسس لأم المعارك وستضع أقدام المقاومة على الطريق، خاصة أن أهم نتائج هذه المعركة هو حسم الجدل حول صراع الإيديولوجيات". وأضاف "ندعو الجميع إلى حسم الخيار بأن المقاومة التي يقدم لها الشعب اليوم الدم يجب أن نحتضنها كما احتضنها الشعب". وأشار: "أن ما فعلته المقاومة الفلسطينية من إنجازات في قطاع غزة، يجب أن يصدر إلى الضفة المحتلة بأسرع وقت ممكن.

من جهته، وبعد يوم من الصمت، خرج رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتياهو ليعلن أن الجيش الإسرائيلي حقق إنجازين سياسيين وعسكريين كبيرين، حيث لم يتم الاستجابة لأي من شروط حماس في المفاوضات مثل الميناء والمطار والإفراج عن الأسرى والسماح لقطر بالتدخل. وأضاف أن هدف الهجوم على غزة تحقق بعد أن ضُربت حماس ومنظمات "الإرهاب" بشدة. وفيما يتعلق بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو: إن من المبكر الحديث عنه لفترة طويلة، لكن الضرب الذي تعرضت له حماس يزيد من فرص التهدئة لفترة طويلة الأمد.      

وفي المقابل، صرح وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن بلاده تأمل في أن يكون اتفاق وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين دائما وقابلا للاستمرار، ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بالاتفاق.

وعبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن أمله في أن يكون وقف النار في غزة دائما،  وأن يمهد الطريق أمام عملية سياسية بين الطرفين. ودعا الطرفين إلى تحمل مسؤولياتهما مشيرا إلى أن أي خرق لوقف النار سيكون عملا غير مسؤول.

ورحب الاتحاد الأوروبي بالاتفاق ودعا الإسرائيليين والفلسطينيين إلى اغتنام فرصة اتفاق وقف إطلاق النار للتفاوض بشأن اتفاق شامل ودائم، مؤكدا أن العودة إلى الوضع الذي كان سائدا قبل النزاع ليس خيارا. وطالب مجددا بالتوصل إلى سلام دائم من خلال استئناف عملية السلام التي تقود إلى حل الدولتين.

من جهتهم صرح مسؤولون إيرانيون أن انتصار المقاومة، هو الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق، واتصل وزير الخارجية الإيراني برمضان عبد الله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي مهنئا بالنصر.

أما الموقف التركي فقد عبر عنه رجب طيب أردوغان في حفل تنصيبه كأول رئيس منتخب لتركيا بقوله إن وقوفنا إلى جانب القضية سببه ما نشاهده من مناظر إنسانية مروعة.

نتائج

1.    في صراعها مع الفلسطينيين لم تعد إسرائيل تبحث عن نصر، فمهمتها الأساسية هي دفعهم إلى صراع مسلح خاصة في قطاع غزة مرة كل عدة سنوات، كلما اعتقدت أن الفلسطينيين تجرأوا على تحديها بواسطة إطلاق الصواريخ. باحثة في ذلك عن وضع تردع فيه الفلسطينيين بواسطة القتل والتدمير الهائلين. وبما يشبه اجتياح لبنان (عملية الليطاني عام 1976 التي مهدت لحرب لبنان الأولى) وانتفاضة النفق (عام 1996 التي مهدت للانتفاضة الثانية). فتح العدوان الحالي الباب على مصراعيه لصراع وعدوان أوسع وأشمل من العدوان الحالي لتجرؤ الفلسطينيين على قتل 67 جندياً وقصف المدن الإسرائيلية بالصواريخ. وفي المقابل، كان الدمار الهائل والقتل الممنهج الذي أحدثته آلة الدمار الإسرائيلية وسيلة لمنع المقاومة الفلسطينية من القول إنهم الطرف المنتصر.

ولأن السياسات الإسرائيلية المتبعة بحق قطاع غزة هي عدوان عسكري على قطاع غزة مرة كل عدة سنوات، على الفلسطينيين وضع برامج وسياسات (نضالية وسياسية) وحدوية تأخذ بعين الاعتبار تقليل خسائر الشعب الفلسطيني قدر الإمكان استعدادا للمواجهة المقبلة، بما في ذلك استغلال مبادرات وقف إطلاق النار، مثل المبادرة المصرية التي رفضت في بداية العدوان، وتمت الموافقة عليها في نهاية العدوان بعد أن تكبد الشعب الفلسطيني خسائر فادحة في الأنفس والممتلكات.

2.    غَيرّ العدوان الإسرائيلي قواعد الاشتباك مع قطاع غزة، حيث لم يعد الهجوم على القطاع وقتل عدة آلاف من الفلسطينيين، ومن ثم التوصل إلى هدنة لحين العدوان القادم. ويعود الفضل في ذلك إلى تطوير وتغيير المقاومة الفلسطينية قواعد الاشتباك التي فرضتها إسرائيل، وإحلال قواعد اشتباك فلسطينية ستُؤخذ إسرائيليا بعين الاعتبار في العدوان القادم الذي سيكون أشد وأعنف. ومن أهم هذه القواعد: تشويش حياة الإسرائيليين وإرباكها نتيجة قصف مختلف المدن الإسرائيلية، والمقاومة الميدانية المتمثلة بالأنفاق والكمائن.

3.    تعزيز سياستين إسرائيليتين في الصراع مع الشعب الفلسطيني. وبالتالي حلين مختلفين للقضية الفلسطينية في منطقتي الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن الواضح أن العدوان أبقى على حالة الانقسام بين الفلسطينيين، والوحدة الحالية في المواقف هي وحدة مؤقتة سرعان ما تزول خاصة أن طموح حماس يسير باتجاه مشروع استقلال لقطاع غزة، وهذا كان مغزى الطلب القطري والتركي. وفتح قطاع غزة براً وجواً وبحراً من دون وحدة وطنية حقيقية سيدفع إلى الاتجاه المذكور. ما سيخرج قطاع غزة من ساحة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهو ما تريده إسرائيل حاليا ومستقبلا، ما يعرض القضية الفلسطينية لخطر التصفية. وعليه، على السلطة الوطنية الفلسطينية الإصرار على أن تكون جزءاً أساسياً من الحل وليس مجرد شاهد، والإصرار على أن وحدة الموقف الفلسطيني هي التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه.

ولكي لا تكون السلطة الوطنية شاهدا، ولا ينفصل قطاع غزة بشكل كلي عن الصراع والمواجهة مع إسرائيل، ومن أجل تفويت الفرصة على المخططات الإسرائيلية تجاه القطاع والضفة الغربية، ولكي لا تكون الوحدة الحالية مفروضة من قبل مصر، على الفلسطينيين الاتفاق على برنامج سياسي ووطني ونضالي كي لا ينفرد طرف من أطراف الساحة الفلسطينية بقضيتي السلام والحرب مع إسرائيل.

4.    نجحت إسرائيل بواسطة هذه الحرب في إعادة مصر لتتدخل في شؤون قطاع غزة، بعد رفض النظام المصري الجديد سياسة النظامين السابقين (نظامي مبارك ومرسي) اللذين سمحا لإسرائيل بالتهرب من مسؤولياتها تجاه القطاع كمنطقة محتلة بقصد أو بدون قصد.