العدوان على غزة ومستقبل المشروع الوطني - إبراهيم ابراش - العدد 258

العدوان على غزة ومستقبل المشروع الوطني

 

أ-د/ إبراهيم أبراش[*]

 

لم يكن العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في تموز (يوليو) 2014 والذي تناقلته وسائل الإعلام تحت عنوان (الحرب على غزة)، مجرد جولة من جولات العدوان على الشعب الفلسطيني، سواء العسكري على قطاع غزة، أو الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، أو السياسي والدبلوماسي الشامل على الشعب والقيادة الفلسطينية، حيث أثار هذا العدوان كثيرا من القضايا الاستراتيجية مثل: مستقبل المقاومة المسلحة، ومستقبل الدولة الفلسطينية، والمصالحة الوطنية، وإعمار قطاع غزة، وعلاقة قطاع غزة بالمشروع الوطني من جهة وبالمشاريع والأجندة العربية والإقليمية من جهة أخرى.

كُتِب وقيل الكثير عن الحرب على غزة ونتائجها وتداعياتها على المشروع الوطني ومُجمل القضية الفلسطينية، إلا أنه ونظرا لحداثة الحرب فإن غالبية الكتابات أخذت طابع المقال الصحافي أو التحليل الخبري، وقلة من الكتابات كانت موسعة وتناولت الأبعاد الاستراتيجية للحرب، كما أن جانبا مهما لم يتم التطرق إليه بشكل معمق مثل تداعيات هذه الحرب على مستقبل المقاومة المسلحة سواء كفكرة وحق لأي شعب خاضع للاستعمار، أو مستقبل الجماعات أو الفصائل المسلحة في قطاع غزة، وخصوصا أن عملية خطف وقتل ثلاثة مستوطنين التي نفذها عناصر من حركة حماس في الخليل كانت السبب المباشر لهذه الحرب أو الذريعة التي استعملتها إسرائيل للعدوان، وما بعد الحرب يتم الربط ما بين إعمار قطاع غزة وسلاح المقاومة والأنفاق الخ.

كل ذلك يتطلب تناول موضوع المقاومة المسلحة بشكل عام، وما هو مستقبلها بعد الحرب وبعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تجري مفاوضات لتحويله لهدنة دائمة بين قطاع غزة وإسرائيل. سيرورة وصيرورة الأمور نحو هدنة دائمة قد يؤدي لتعزيز فصل غزة عن الضفة الغربية، الأمر الذي يطرح تساؤلات ويثير تخوفات حول المصالحة وفرص قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكما سبقت الإشارة، فحيث إن الحرب الأخيرة كما الحروب السابقة على قطاع غزة جرت وقطاع غزة تحت الاحتلال وما زال، وحيث إن فصائل المقاومة، وخصوصا حركة حماس، التي خاضت الحرب، قامت بذلك تحت عنوان الحق بالمقاومة، فسنتناول في المحور الأول من البحث المقاومة أو الكفاح المسلح كحق مشروع لأي شعب خاضع للاحتلال، والتباسات ممارساته فلسطينيا، وفي المحور الثاني نبحث في الحرب على غزة ووقف إطلاق النار وتداعيات ذلك على مستقبل المقاومة، وفي المحور الأخير نتناول تأثير تداعيات الحرب وشروط الإعمار على فرص قيام الدولة الفلسطينية. 


المحور الأول

المقاومة: شرعية المبدأ والتباس الممارسة

كانت وما زالت المقاومة الفلسطينية المسلحة، سواء أسميناها كفاحا مسلحا أو جهادا، تثير إشكالات وتستقطب ردود فعل متباينة، مختلفة عما هو الحال مع حركات التحرر في بقية دول العالم. نعتقد أن السبب لا يعود لخلل في عدالة القضية الفلسطينية التي يقاتل الفلسطينيون من أجلها، ولا لأن زمن مقاومة الاحتلال وحركات التحرر ضد الاستعمار قد انتهى، فإسرائيل ما زالت دولة احتلال، بل يعود لطبيعة وعلاقات دولة الاحتلال التي يقاتلونها، حيث تحظى إسرائيل بدعم واشنطن وكل دول الغرب، أيضا يجب الاعتراف بوجود خلل ذاتي عند الفلسطينيين أدى لحرف المقاومة المسلحة عن أهدافها وعدم قدرتها على إنجاز الهدف الوطني بالحرية والاستقلال. 

أولا: المقاومة حق طبيعي للشعوب الخاضعة للاحتلال تؤكده الشرعية الدولية

بالرغم من الخلل الذي صاحب مسيرة الثورة الفلسطينية المسلحة إلا أنها حققت إنجازات سياسية من أهمها لفت أنظار العالم لعدالة القضية الفلسطينية. ومن هنا تحركت الأمم المتحدة لتمنح الفلسطينيين بعضا من حقوقهم السياسية ولو على مستوى قرارات تعترف بحقهم في مقاومة الاحتلال، والاعتراف بممثله الشرعي – منظمة التحرير الفلسطينية - الذي اختاروه طواعية.

 أكدت الأمم المتحدة في قرارات متعددة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولأن المجال لا يتسع هنا لسرد كل القرارات المتعلقة بالموضوع، فسوف نذكر بعضها.

في عام 1970، أكدت الجمعية العامة مطالبتها بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وبالكف عن انتهاك حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة وأعلنت أنها: "تعترف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير مصيره بنفسه وفقا لميثاق الأمم المتحدة. وتعلن أن الاحترام التام لحقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

وفي عام 1974، وعلى إثر اعتراف مؤتمر القمة العربي في الرباط بأن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، صدر عن الجمعية العامة قرار يؤكد من جديد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، حيث أعربت فيه الجمعية العامة عن قلقها لما يمثله عدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية من مخاطر على الأمن والسلام الدوليين، ولكون الشعب الفلسطيني قد مُنع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف بما فيها حقه في تقرير مصيره، كما نص القرار على أن الجمعية العامة: [1]

1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف وخاصة:

أ) الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.

ب) الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية.

2- وتؤكد من جديد أيضا حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها وتطالب بعودتهم.

3- وتشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني هذه، غير القابلة للتصرف وإحقاق هذه الحقوق أمران لا غنى عنهما لحل قضية فلسطين.

4- وتعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيس في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

5- وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.

6- وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقا للميثاق.

7- وتطلب إلى الأمين العام أن يقيم اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية في كل الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين.

كما منحت الجمعية العامة منظمة التحرير الفلسطينية مركز المراقب في الجمعية وفي المؤتمرات الدولية الأخرى التي تعقد برعاية الأمم المتحدة.

وهكذا أعطت الأمم المتحدة لشعب فلسطين الحق باستعمال كافة الوسائل بما فيها الكفاح المسلح من أجل إحقاق حقوقه المشروعة.

 اعتراف الأمم المتحدة بشرعية الكفاح المسلح لحركات التحرر ينبع من عدالة القضية التي تدافع عنها حركات التحرر وهي الاستقلال وتقرير المصير، أيضا من كون الكفاح المسلح طريقة القتال أو الحرب المتاحة أمام الشعوب الضعيفة في مواجهة قوى المستعمر المتفوقة والمدعومة بأحدث اختراعات آلات الحرب والدمار، ذلك أن الشعب المستعمَر (بفتح الميم) غير قادر على خوض حرب كلاسيكية مع المستعمِر، حرب مواجهة تحشد لها الجيوش، فيلجأ لما يتوفر عليه من إمكانات تتيح له إلحاق الأضرار بالخصم وإرهاقه، واستنزاف قواه من خلال تسليح الجماهير وتدريبها واستعمال أسلوب القتال في مجموعات صغيرة، واللجوء إلى أسلوب الكر والفر وضرب مواقع منعزلة للعدو، أو قطع خطوط تموينه، وغير ذلك من الأساليب التي تختلف باختلاف ظروف كل بلد.

وهذا الطرح وإن كان يجد مبرره في الطبيعة العدوانية للكيان الصهيوني الرافض للسلام والمنتهك لكل الشرائع الدولية والإنسانية، فإنه يتوافق أيضا مع الموقف الذي اتخذته الجمعية العامة حول "الإرهاب الدولي" بل أيضا أُخذ به في الاتفاقية الدولية لـ"مناهضة أخذ الرهائن" التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1979. فبعد أن وصفت الجمعية العامة أخذ الرهائن بأنه "عمل يعرض حياة الأشخاص الأبرياء للخطر وينتهك الكرامة الإنسانية". ذكرت في المادة (12) منها ما يلي:

"لا تسري هذه الاتفاقية على فعل من أفعال أخذ الرهائن يُرتكب أثناء المنازعات المسلحة المعرفة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 أو بروتوكولاتها، بما في ذلك المنازعات المسلحة التي يرد ذكرها في الفقرة 4 من المادة 1 من البروتوكول الأول لعام 1977، والتي تناضل فيها الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي ونظم الحركة العنصرية، ممارسة لحقها في تقرير المصير كما يجسده ميثاق الأمم المتحدة وإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة" {C}[2].

وشعورا من منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية النضال الفلسطيني والدعم العالمي الذي يحظى به هذا النضال، دافع السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، في كلمته في الأمم المتحدة يوم الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1974، عن الكفاح المسلح الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد إسرائيل، مميزا بين هذا الشكل من الكفاح وبين الإرهاب فقال:

"إن الذين يسموننا إرهابيين يريدون أن يحولوا دون اكتشاف الرأي العالمي لحقيقتنا ودون رؤيته للعدالة في وجوهنا، وهم يسعون إلى إخفاء ما تتسم به أعمالهم من إرهاب وطغيان، وموقفنا في الدفاع عن النفس…".

وحدد المقياس في التمييز بين الإرهابي وبين المناضل من أجل الحرية، بالهدف الذي يقاتل من أجله حيث إن: "الفرق بين الثوري والإرهابي يكمن في السبب الذي يقاتل كل منهما من أجله، إذ إن كل من يناصر قضية عادلة ويقاتل في سبيل الحرية وتحرير أرضه من الغزاة والمستعمرين، لا يمكن بأي حال أن يسمى إرهابيا".

ولكن يبدو أن تعقد الظاهرة الإرهابية وتداخل مكونات عدة في تشكيلها، ونظرا لصعوبة المنعطف الذي مرت به القضية الفلسطينية بعد إخراج  منظمة التحرير من لبنان 1982، صدر بيان القاهرة في العام 1985 عن رئيس منظمة التحرير السيد ياسر عرفات، الذي أعطى موقفا جديدا من الإرهاب تميز بنبذ العمليات الفدائية خارج حدود فلسطين المحتلة، حدث هذا في وقت تكثف فيه الحديث عن التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي، ومع توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الوطنية 1994 تشكلت معادلة جديدة سنتطرق لها لاحقا.

ثانيا: الخلل ليس في الحق بالمقاومة بل في غياب استراتيجية وطنية للمقاومة.

أصبح الحق بالمقاومة من ثوابت الثقافة الوطنية الفلسطينية ما دام الاحتلال قائما، إنه حق يستمد شرعيته من القانون الطبيعي والشريعة الدينية والشرعية الدولية، وبالتالي ليس من حق أحد أن يتصرف بهذا الحق ما دام الاحتلال جاثما على أرضنا. (الثابت الوطني الطارئ) -إن صح التعبير- يستمر ما استمر السبب المنشئ له، والحق بالمقاومة يستمر ما دام الاحتلال موجودا، وحتى من منطلق الاستراتيجية السياسية سيكون من غير المنطقي أن يُعلن أي مسؤول فلسطيني التخلي عن الحق بالمقاومة لأن هذا الحق ثابت من الثوابت الوطنية والثوابت لا يجوز التصرف بها إلا بقرار من الشعب وبإرادته الحرة، حتى الدساتير لا يجوز أن تتضمن نصوصا تقول بإلغاء الحق بالمقاومة.

مع افتراض أن هذا الحق غير قابل لصيرورته راهنا ممارسة منتجة لمنجز سياسي فلا يجوز التخلي عنه لأن هذا التخلي يُفقد القيادة السياسية الراهنة والأجيال القادمة ورقة قوة قد تحتاجها إن فشلت نهائيا العملية التفاوضية، أيضا لا يجوز لأي مسؤول أن يسقط الحق بالمقاومة وفي نفس الوقت يطالب المجتمع الدولي بتطبيق قرارات الشرعية الدولية لأن الحق بالمقاومة أصبح جزءا من الشرعية الدولية.

ولكن...، الإشكاليات محل النقاش لا تُدرج في باب الجدل النظري أو الترف الفكري النخبوي، فأسئلة مثل ماهية الثوابت الوطنية؟ ومفهوم الحقوق المشروعة؟ ومصدرها؟ ينبني عليها بالضرورة، كيفية ممارسة هذه الثوابت والحقوق وعلاقة الممارسة بالمشروع الوطني، لأن هناك فرقاً بين الحق وممارسة هذا الحق. كثير من الحقوق والتي تُرقى لدرجة الثوابت تصبح بلا معنى عندما يُسيء أصحابها استعمالها فترتد سلبا على عدالة قضيتهم، منها الحق بالمقاومة.

بقدر أهمية وعظمة الحق بالمقاومة كأحد الحقوق التي ترتقي لدرجة الثابت الوطني، إلا أنه أسيء استعمالها في أكثر من بلد، حيث تحولت بعض حركات المقاومة لتصبح أدوات لحروب أهلية، فتصارعت على السلطة وشلت السير العادي للمؤسسات بل دمرتها وشوهت البنية الاجتماعية بتأجيج النعرات العشائرية والعائلية، وجرَّت العائلات لمستنقع الاقتتال والحرب الأهلية، هذا ناهيك عن لجوء هذه الجماعات -التي تحمل زورا وبهتانا اسم المقاومة- لأطراف خارجية للاستقواء على الجماعات الوطنية المنافسة، ونسوا الاحتلال أو العدو الخارجي الذي ما شُرعت المقاومة إلا لمواجهته.

وعليه، فكثير من سوء الفهم وسوء الممارسة يكتنف تطبيق الحق بالمقاومة، سواء أسميناه جهادا أم كفاحا مسلحا. فعلى مستوى المفهوم، فإن أسميناه جهادا فمفهوم الجهاد لا يقتصر على العمل العسكري، فالرسول (صلعم) الذي هو قدوتنا تحدث عن الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، معتبرا العمل العسكري هو الجهاد الأصغر أما الجهاد الأكبر فهو الجهاد المدني لنشر الدعوة وبناء المجتمع، ولا يلغي أحدهما الآخر ولكن لكل شكل من الجهاد وقته وظروفه.

كذا الأمر بالنسبة للشرعية الدولية، حيث تنص قراراتها –كما سبقت الإشارة- على حق الشعوب التي تناضل من أجل نيل استقلالها في اللجوء لكافة الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح، حتى ما بعد قيام الدولة منح ميثاق الأمم المتحدة الحق للدول والشعوب بالدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان الخارجي. هذا يعني أن العمل المسلح هو أحد صور المقاومة ولا تُختزل المقاومة به، وفي ظروف زمنية ومكانية قد تكون الأشكال المدنية من المقاومة أكثر جدوى.

وعلى مستوى ممارسة الحق بالمقاومة في تطبيقه العسكري -مع افتراض أن الظروف مناسبة لهذا الضرب من المقاومة– فالمقاومة لا تعني مجرد حمل السلاح أو تصرفات مسلحة فردية حتى وإن وجهت بنادقها أحيانا ضد الاحتلال. هناك فرق بين وجود أفراد مسلحين أو مجموعات تحمل السلاح أو انتشار السلاح بيد الناس من جانب، والمقاومة الوطنية بما هي استراتيجية عمل وطني من جانب آخر، وفي الحالة الفلسطينية هناك فرق بين المقاومة الحقيقية والحالات العسكرية المرتبطة بجهات خارجية أو التي لا تعمل في إطار استراتيجية وطنية للمقاومة. المقاومون الحقيقيون أثاروا فينا النخوة والعزة وانتشلوا شعبنا من حياة المخيم والبؤس ووضعوه على طريق الدولة والحرية، فيما جماعات مسلحة وما أنتجت من ثقافة السلاح والانفلات الأمني، والمقاومة الارتجالية، أشعرتنا بالخجل وكانت السبب في الاقتتال الداخلي، وفي جر الشعب الفلسطيني لمواجهات وصراعات غير مدروسة، سواء داخلية أو مع إسرائيل أو مع أطراف عربية. [3]

 إن المقاومة المسلحة دون استراتيجية عمل وطني لا تعني وجود مقاومة وطنية، كل حركات التحرر الوطني التي حققت الهدف الوطني المتمثل بالاستقلال كانت تعمل في إطار استراتيجية عمل وطني، سياسيا وعسكريا، هذا ما كان عليه الحال في الجزائر وفي فيتنام وعند جميع حركات التحرر الناجحة، أما الحركات التي كانت تمارس المقاومة خارج إطار الاستراتيجية الوطنية فقد تحولت لأدوات للحرب الأهلية.

لحركات المقاومة الوطنية الحقيقية قوانينها واستراتيجيتها وثقافتها وأخلاقياتها، وهي كالكرة المتدحرجة تبدأ بفكرة وجماعة صغيرة ثم تشمل كل الشعب لتصبح المقاومة حالة شعبية لا رجوع عنها إلا بالنصر، أما الجماعات المسلحة وخصوصا التي تشكل امتدادا لتنظيمات خارجية وغير المنخرطة باستراتيجية عمل وطني، فتبدأ بشعارات كبيرة وتنتهي بحرب أهلية كبيرة تهدد الوطن والمشروع الوطني.

عندما تفشل الجماعات المسلحة غير المنضوية في إطار استراتيجية وطنية في الانتصار على العدو، وهو أمر منطقي ومتوقع، فإنها لا تعترف بأخطائها بل تُحمل المسؤولية إما للعدو –وكأن العدو يحتاج لمن يكشف لنا بأنه عدو ومجرم ومتفوق عسكريا- أو تُحملها للجماعات المسلحة الأخرى، بل قد يصل الأمر باتهامها بالتواطؤ مع العدو، فتدخل معها في صراعات قد تكون أكثر دموية من مواجهاتها مع العدو، هذا إن لم تصبح العدو من باب (أن العدو القريب أولى بالجهاد من العدو البعيد)، حول قيادة العمل العسكري أو السلطة أو صراعات أيديولوجية مصطنعة.

 فشل الجماعات المسلحة التي تعمل خارج التوافق الوطني على استراتيجية المقاومة، في تحقيق ما وعدت به الجماهير من شعارات كبيرة، يدفع الشعب للابتعاد عنها ويدفع عناصرها المسلحة للتمرد أو استعمال ما يُفترض بأنه سلاح مقاومة ليتحول لسلاح قطاع طرق واستعراضات استفزازية، وعندما تفقد هذه الجماعات ثقة ودعم الشعب تبحث عن الدعم الخارجي، وقد يكون الدعم من تجار المخدرات والممنوعات أو من خلال الارتباط بقوى خارجية، ومع مرور الزمن تفقد هذه الجماعات وطنيتها بالتدريج فتزداد قمعا وإرهابا ضد شعبها لتحافظ على وجودها، وتصبح البنادق الموجهة للشعب أكثر من البنادق الموجهة للاحتلال، ولتغطي على مأزقها تقوم ببعض العمليات العسكرية الاستعراضية ضد مواقع عسكرية للاحتلال، ومخططو هذه العمليات يدركون أنهم يرسلون الشباب للموت دون أمل بهزيمة العدو أو حتى إلحاق أذى به.

لا غرو أن للشعوب الخاضعة للاحتلال والهيمنة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الحق في المقاومة، ولكن ممارسة هذا الحق هو الذي يحتاج إلى حذر شديد حتى لا يشوه عدالة الحق وعدالة القضية، فممارسة حق النضال لتقرير المصير يفقد معناه إذا تحول إلى أعمال فئوية لجماعات لا تندرج في إطار الإجماع الوطني، وخصوصا إذا غاب التنسيق بين من ينصِّبون أنفسهم قيمين على القضية. فعلى الساحة الفلسطينية مثلا، يحتاج الكفاح المسلح أو الجهاد، لتكون له مردودية، إلى أن يندرج في إطار استراتيجية فلسطينية بل عربية إسلامية مشتركة أو على الأقل في إطار تنسيق يسمح بأن توظف هذه العمليات لخدمة الأهداف الوطنية، وهذا التنسيق للأسف غير موجود، وعدم وجوده يجعل قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على استثمار هذه العمليات لصالحها أكبر من الفوائد التي تتحقق للقضية.

إذن من حق الشعب الفلسطيني أن يقاتل باسم الجهاد أو باسم الشرعية الدولية، ولكن هذا لا يمنع من عقلنة الممارسة الجهادية والاستشهادية حتى لا تضر بعدالة القضية وقدسية المبدأ، وحتى لا تكون المقاومة المسلحة أو الجهاد بدون طائل. وعندما نقول بعقلنة المقاومة فهذا لا يعني دعوة للتخلي عنها بل دعوة للبحث عن طرق ووسائل جديدة للمقاومة تأخذ بعين الاعتبار واقع العالم اليوم وواقع النظم والحركات السياسية العربية والإسلامية. فمثلا عندما يرفع المجاهدون راية الجهاد لتحرير فلسطين، فإن تحرير فلسطين يعني القضاء على إسرائيل، وإسرائيل دولة يعترف بها المنتظم الدولي بل حتى دول عربية وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة... فكيف يمكن أن نطالب العالم أن يقف إلى جانبنا للقضاء على دولة معترف بها؟ نفس الأمر بالنسبة للعمليات الاستشهادية، فهذه العمليات بالرغم من شرعيتها وكونها ردا على إرهاب صهيوني لا يرحم صغيرا ولا كبيرا من الفلسطينيين، فهي تثير غضب الرأي العام العالمي الذي لا يفهم القيمة التي يمثلها الاستشهاد عند المسلم، وينظر لها باعتبارها عملاً إرهابياً.

 وواقع الحال ما دام الفلسطينيون غير قادرين وحدهم على القضاء على الكيان الصهيوني ضمن موازين القوى القائمة اليوم، وما دامت الأنظمة والحركات السياسية العربية والإسلامية غير معنية بالجهاد في فلسطين –فهي ترسل المقاتلين والمجاهدين والأموال إلى كابول وقندهار وكشمير وكوسوفو  وتتجاهل القدس المحتلة وكأن تلك البلاد النائية أكثر قدسية من القدس– وغير قادرة ولا راغبة بتبني الجهاد في فلسطين، فعلى الفلسطينيين أن يستقطبوا إلى جانبهم الرأي العام الدولي وتأييد دول العالم، وهذا يتطلب وضع برنامج عمل وطني مرحلي يأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصيات، برنامج لا يتخلى عن الحق بالمقاومة ولكن تتم ممارسة المقاومة أو الجهاد بمفهوم واسع ضمن استراتيجية عمل وطني لا كخيار حزبي أو فئوي وأن يتم التفكير بقصر العمليات الفدائية على مناطق محددة أو وقفها مؤقتا إن احتاجت المصلحة الوطنية ذلك.

ثالثا: لا تعارض بين السعي للسلام وحق المقاومة.

جاء ما يسمى مسلسل السلام، متزامنا مع تحولات النظام الدولي، ليلقي بظلاله على نهج النضال المسلح ويثير الشكوك من حوله، بل بدا الأمر وكأن رأس نهج الكفاح المسلح هو الثمن المطلوب دفعه ليمَرَّر نهج التسوية الأمريكي. ذلك أن قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على قيادة النظام الدولي الجديد كان يتطلب تصفية المخلفات الصراعية للنظام الدولي المنهار، وكانت أهم مناطق التوتر هي منطقة الشرق الأوسط، وحبكتها أو عقدة حلها هي القضية الفلسطينية.

دخلت منظمة التحرير الفلسطينية مسلسل التسوية الذي حمل اسم مسلسل السلام. إلا أن القبول بالتسوية السلمية حسب منطق دعاتها يعني التخلي عن خيار الحرب والكفاح المسلح والعنف، الأمر الذي دفع منظمة التحرير الفلسطينية أن تعلن في أكثر من مناسبة تخليها عن الكفاح المسلح والعنف، حدث هذا في اتفاقات أوسلو الأولى والثانية وفي رسائل الاعتراف المتبادلة بين المنظمة وإسرائيل وفي كل ما وقعت عليه المنظمة من مواثيق واتفاقات.

لا شك أن من يختار التسوية السلمية عليه أن يُغلب لغة السلام والتسوية السلمية على لغة الحرب والقتال، ولكن يجب توضيح أمور لا غنى عن توضيحها حتى لا يختلط الحابل بالنابل، وحتى لا تُفسر الأمور حسب منطق الأقوى ولمصلحة الأقوى، وحتى لا نهزم أنفسنا بأنفسنا:

{C}1-  إن ما جرى منذ أوسلو حتى اليوم هو محاولة لتسوية الصراع، والتسويات تقوم على موازين القوى وترجيح كفة الأقوى، وبالتالي فإن التسوية ليست هي السلام، فإن نجحت التسوية وسارت حتى نهايتها بما يرضي الطرفين وحسب ما تم الاتفاق عليه ستؤدي إلى سلام أما إذا فشلت أو أخل طرف بالتزاماته أو حدث من الأمور ما أعاق سيرها فقد تنتكس ويبتعد السلام، وعليه فإن ما هو مطروح اليوم هو محاولة تسوية تحتاج من كل طرف أن يوظف كل ما لديه من أوراق القوة والضغط ليحقق مصالحه المشروعة والقوة العسكرية إحدى هذه الأوراق على شرط أن توظف بعقلانية.

{C}2-  إن دخول إسرائيل مسلسل التسوية لم يمنعها من أن تزيد من قوتها العسكرية وترسانتها النووية، وأن تخطط استراتيجيا للحرب كما تخطط للسلام وأن تتعاظم قوتها العسكرية بحجة الخوف من انتكاسة التسوية وأن تعتبر هذه القوة ضمانة لمستقبلها...، وفي الوقت نفسه يُطلب من الفلسطينيين حرق مراكب أو جسور العودة لحالة التحرر الوطني والتخلي عن العمل العسكري ويُحرم عليهم حتى التهديد باللجوء إلى الانتفاضة أو الدفاع عن أراضيهم وأنفسهم ومقدساتهم... إن لم تلتزم إسرائيل بقرارات الشرعية الدولية.

{C}3-  حيث إن السلام لم يتحقق بعد- فالكيان الصهيوني ما زال يحتل كل فلسطين والجولان وأجزاء من جنوب لبنان، والفلسطينيون لا يمارسون السيادة ولو على شبر واحد من أرض فلسطين-، ما دام الأمر كذلك، فالحق بالنضال ضد الاحتلال لم يسقط، ولا يمكن لهذا الحق الممنوح من الشرعية الدولية ومن الشرعية الدينية أن يسقط إلا بعد تحقيق الاستقلال بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وجاء اقتحام الجيش لمناطق السلطة عام 2002 ومحاصرة الرئيس أبو عمار ثم العدوان المتكرر على قطاع غزة ليضفي ويؤكد على شرعية مقاومة الاحتلال.

{C}4-  يجب التمييز بين واقع الاحتلال وخطاب السلام، فالواقع هو الاحتلال الإسرائيلي والتعنت الإسرائيلي، والإرهاب الإسرائيلي، أما السلام فهو حتى اللحظة خطاب يبحث لنفسه عن واقع يتكيف مع مقولاته، وهذا الخطاب غامض مبهم غير واضح المعالم، وخصوصا إذا كان الناطق به هو العدو الصهيوني، فكيف نتحدث عن واقع السلام والجيش الإسرائيلي على أبواب كل مدينة وقرية وكيف نتحدث عن واقع السلام وأرزاق وعمل الشعب الفلسطيني ورقة تساوم عليها إسرائيل، وكيف نتحدث عن السلام وآلاف الفلسطينيين في المعتقلات؟ وكيف نتحدث عن السلام والمستوطنون والجنود يرتعون ويعربدون ويستولون على الأراضي والبيوت ويدنسون المقدسات؟، كيف نتحدث عن السلام وإسرائيل تغلق أبواب الأمل أمام الفلسطينيين وتناقض ما اتفقت عليه مع السلطة الفلسطينية حول المستوطنات والقدس واللاجئين؟.

{C}5-  إن الفلسطينيين الذين قبلوا التسوية ومنحوا السلطة الوطنية صلاحية التفاوض واستكمال مسيرة السلام، لم يقبلوا التسوية ليكونوا عبيدا لإسرائيل، ولم يقبلوها ليتحولوا إلى سجناء في وطنهم ولتتحول السلطة الفلسطينية إلى ذراع أمن إسرائيلي، أو جهاز قمع يعمل لضمان أمن وسلامة إسرائيل، بل قبلوا التسوية وقبلوا تجميد كفاحهم المسلح، لأن الكبار المخططين للتسوية والضامنين لها قالوا بأن التسوية تقوم على أساس (الأرض مقابل السلام) وعلى قرار الأمم المتحدة رقم 242، وأن نهايتها دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس. أما أن تأخذ إسرائيل السلام وتحتفظ بالقدس وتستمر في عمليات الاستيطان إلخ، فهذا ما يرفضه الفلسطينيون وهو ما يعطيهم الحق بالعودة لممارسة حقهم في النضال حسب قرارات الشرعية الدولية.

{C}6-  {C} يجب التعامل مع العمليات الفردية أو التي تمارسها بعض الفصائل بأنها عمليات موجهة ضد واقع الاحتلال وليس رفضا للسلام بالضرورة، ولو لم يكن هناك احتلال لانتفى مبرر قيام هذه العمليات. مع ذلك فإن مثل هذه العمليات التي تكتسب مبرر وجودها من وجود الاحتلال، توظف أحيانا في زمان ومكان خاطئين، بمعنى آخر إن الحق في مواجهة الاحتلال حق مشروع للشعب الفلسطيني ما دامت أراضيه محتلة، ولكن الخطأ يحدث أحيانا في توظيف هذا الحق سواء من حيث التوقيت أو المكان أو الجهة التي توجه ضدها هذه العمليات.

{C}7-  {C} إن مواجهة ممارسي العنف يجب ألا تكون على جبهة واحدة، بل يجب أن تكون عملا مشتركا بالنسبة لكل أطراف التسوية، فلا يعقل أن يُطلب من السلطة الفلسطينية محاربة الجماعات المسلحة واعتقال قادتها وجمع سلاحها بحجة أنها ضد السلام، بينما المستوطنون الإسرائيليون مدججون بالسلاح، واليمين الصهيوني مسلح كجيش، ولا يخفون معارضتهم للسلام، وتتكرر أعمالهم الإرهابية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، فيجب أن يكون التصرف الفلسطيني الرسمي مع الجماعات المعارضة متوازنا مع تصرف إسرائيل مع اليمين الصهيوني، فإن لم تقم إسرائيل بجمع سلاح المستوطنين ومنع أنشطتهم العلنية العنصرية المعادية للعرب فلا يجوز للسلطة الفلسطينية أو لأي نظام عربي منع المقاتلين والمجاهدين من قتال هؤلاء المستوطنين وجيش الاحتلال.

رابعا: الاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال لا يلغي الحق بالمقاومة. 

لأن السياسة لا تعرف الفراغ، يمكن تفهم أن ينشغل أهالي قطاع غزة والفصائل وحكومة التوافق الوطني بموضوع إعادة إعمار القطاع، وأن تستمر حركة حماس وبقية فصائل المقاومة بالحديث عن المقاومة والصواريخ والأنفاق والاستعداد للحرب القادمة إلخ، وأن تنشغل القيادة الفلسطينية بالعمل الدبلوماسي الدولي في السعي نحو استصدار قرار دولي بإنهاء الاحتلال، والانضمام للمنظمات الدولية إلخ.

لكن السياسة بالنسبة لشعب كالشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال، ليست فقط ملء فراغ، وليست فقط ممارسات أو إنجازات معزولة هنا أو هناك، لهذا الحزب أو ذاك، بل هي تجميع وتحشيد لكل الجهود الدبلوماسية والنضالية في إطار استراتيجية وطنية، فلا السياسة والدبلوماسية تُغنيان عن المقاومة، ولا المقاومة تُغني عن السياسة والدبلوماسية، فكلاهما وجها عملة واحدة، كما يجب الحذر أن يكون إعمار قطاع غزة على حساب المقاومة كحق وممارسة، أو على حساب وحدة أراضي الدولة المنشودة.

مع افتراض نجاح مساعي القيادة الفلسطينية بالتصويت على القرار الفلسطيني بإنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطين والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية وغيرها من المنظمات الدولية،  فإن ذلك لن يؤدي إلى إنهاء الاحتلال مباشرة، وستبقى فلسطين والقدس تحت الاحتلال ولكن بمسمى دولة فلسطين المحتلة! كما كانت دول العالم الثالث خاضعة للاحتلال وكونها كذلك لم يسقط حقها بمقاومة الاحتلال، أيضا فإن إعمار غزة لن ينهي واقع أنها أراضي محتلة، والإعمار لن يؤدي بالضرورة لإنهاء الحصار، كما أن استمرار فصائل المقاومة في الحشد العسكري وفي وضع استراتيجية دفاعية لمواجهة أي عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، سيؤكد ويكرس الانقسام، لأن الفصائل الفلسطينية لم توجد للدفاع عن كيان غزة أو ممارسة الحكم فيه، بل لتحرير فلسطين والقدس في مقدمتها.

إن قرارا أمميا بالاعتراف بدولة فلسطينية وبإنهاء الاحتلال لن يردع إسرائيل عن مواصلة الاستيطان والتهويد، إلا إذا صدر القرار عن مجلس الأمن بناء على المادة السابعة من الميثاق، وهو أمر مستبعد، فهناك عشرات القرارات الدولية التي لم تلتزم بها إسرائيل، كقرار التقسيم 181 لعام 1947 الذي يمنحنا وبإرادة دولية 46% من مساحة فلسطين، وليس 22% التي تطالب به منظمة التحرير اليوم، وقرار 194 حول عودة اللاجئين، وقرار مجلس الأمن 1515 لعام 2003 الذي يؤكد على حل الدولتين بالإضافة إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في لاهاي. أيضا سيستمر قطاع غزة تحت الاحتلال، والإعمار –إن تم- سيكون تحت إشراف الاحتلال وربما بشروطه، إن لم يكن ثمن إعمار القطاع ورفع الحصار عنه هو فصله نهائيا عن دولة فلسطين والمشروع الوطني.

إسرائيل لن تخرج من دولة فلسطين بقرار أممي فقط، بل سيحتاج الأمر لقوة تجبرها على ذلك. فالشرعية الدولية قد تمنح الفلسطينيين قرارا بالاعتراف بدولتهم، ولكنها لن تخوض الحرب مع إسرائيل نيابة عنهم لتصبح الدولة المستقلة حقيقة قائمة على الأرض وليس مجرد قرار على ورق. وحتى انضمام الدولة الفلسطينية للمنظمات الدولية ولمحكمة الجنايات الدولية لن يغير من الواقع شيئا كبيرا، ولا نعتقد أن محكمة الجنايات الدولية ستجر قادة إسرائيل للمعتقلات الدولية، حتى وإن صدر قرار من محكمة الجنايات بمتابعة قادة الحرب الإسرائيليين، فحبل المحاكم الدولية طويل وقد تستغرق إجراءات المحكمة سنوات طوالاً لأن النفوذ الذي تمارسه واشنطن على الأمم المتحدة يمتد لمحكمة الجنايات الدولية.[4] 

إذن ما بعد حصول الفلسطينيين على ما يريدون من الأمم المتحدة سنكون أمام خيارات ثلاثة:

{C}1-  إما العودة للمفاوضات مجددا، ولكن هذه المرة ما بين ممثلي دولة فلسطين الخاضعة للاحتلال وإسرائيل -في حالة صدور قرار من مجلس الأمن، وقد جربنا لعقدين من الزمن المفاوضات، ولا نعتقد أن مجرد تغيير المسمى من شعب خاضع للاحتلال إلى دولة خاضعة للاحتلال سيغير كثيرا من موازين القوى على طاولة المفاوضات وبالتالي من مخرجات المفاوضات، في ظل استمرار الانقسام، واستمرار نفس النخبة السياسية وارتباطاتها وخصوصا التنسيق الأمني مع إسرائيل. [5]

{C}2-  الدخول في مواجهة مع الاحتلال، سواء أسميناها انتفاضة أو مقاومة شعبية وحتى مسلحة إن تطلب الأمر في نهاية المطاف، متسلحين بالشرعية الدولية وبالتأييد الدولي الشعبي والرسمي لمطالبنا الواضحة والمعترف بها دوليا وهي إنهاء الاحتلال. ونذكر هنا أن ميثاق الأمم المتحدة يعطي للدول الأعضاء المستقلة حق الدفاع عن النفس، فكيف الحال إن كانت الدولة العضو خاضعة للاحتلال؟!. 

{C}3-  الجمع بين الأمرين وهو الشيء الصحيح، بمعنى العودة لطاولة المفاوضات والتمسك بخيار السلام على قاعدة الوضع القانوني الجديد، مع إطلاق يد الشعب ليمارس حقه في الدفاع عن نفسه ودولته، سواء أسمينا ذلك مقاومة أو انتفاضة إلخ، المهم أن يكون هذا الحراك الشعبي في إطار استراتيجية وطنية توافقية. الاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال أو تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال، سيمنح شرعية إضافية للمقاومة الشعبية، كما أن المقاومة الشعبية ستتسلح بالموقف الدولي الجديد.

في جميع الحالات لا مناص من معادل موضوعي شعبي يواجه المستوطنين وجنود الاحتلال حتى تصبح الدولة حقيقة قائمة. هذا المعادل الموضوعي ليس بالضرورة أن يكون عملا عسكريا مباشرا، وليس هو المقاومة الفصائلية والارتجالية وذات الأجندة الخارجية، بل مقاومة شعبية في إطار استراتيجية وطنية وتحت قيادة وطنية شرعية تمثل حالة توافق وطني، تحدد وسائل وأشكال المقاومة الشعبية، وقد تكون حالة الاستنفار الشعبي في القدس وعمليات طعن المستوطنين بداية لحالة عصيان ومقاومة شعبية، مما يستوجب العمل على توسيعها لكل الأراضي الفلسطينية بتواز مع العمل الدبلوماسي وجهود إنهاء الانقسام.

إن الحراك الدولي للرئيس ولمنظمة التحرير يزعج إسرائيل، كما تزعجها صواريخ وأنفاق الفصائل في قطاع غزة، ولكن في الحالتين فالأمر بالنسبة لها قابل للاستيعاب والاحتواء ما دام التص

الملفات المرفقة

إبراهيم أبراش.pdf.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website