افتتاحية العدد 248 - قيس عبد الكريم

م.ت.ف.: الانجاز.. والتحدي

بقلم: قيس عبد الكريم

تعبر منظمة التحرير الفلسطينية، هذه الأيام، إلى عامها التاسع والأربعين. ففي الثامن والعشرين من أيار 1964 عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الأولى التي توجت بإعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية. رسمياً كانت هذه الخطوة تنفيذاً لقرار عربي على مستوى القمة. ولكن القرار العربي نفسه كان استشعاراً لحقيقة فلسطينية كانت قد بدأت تستيقظ وتنفض عنها غبار عقد ونصف العقد من الزمن كانت خلالها ضحية الطمس والاحتواء والذوبان في المحيط العربي.

اليقظة المتجددة للوعي الوطني الفلسطيني في منتصف الستينات، والتي تمحورت حول إبراز وتكريس الشخصية الوطنية المتميزة للشعب الفلسطيني وانبعاث حركته الوطنية المستقلة، جاءت استجابة لحاجة موضوعية لوضع القضية الفلسطينية في نصابها الطبيعي باعتبارها ليست مجرد نزاع بين الدول العربية وبين إسرائيل، بل قضية تحرر وطني لشعب مضطهد يطمح لاستعادة حقه في تقرير مصيره بنفسه في مجابهة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني المتحالف مع الإمبريالية العالمية.

بوادر وإرهاصات هذه اليقظة اتخذت أشكالاً وتجليات مختلفة، كان انبثاق منظمة التحرير الفلسطينية أحد أبرزها. ولكن إلى جانب ذلك كان التوالد المتزامن لعشرات من المنظمات والجماعات التي حملت راية الكفاح من أجل تحرير فلسطين، وأبرزها حركة فتح التي بادرت إلى إعلان انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة مطلع عام 1965.

بين جناحي الحركة الوطنية الفلسطينية المنبعثة مجدداً: من جهة الإطار الرسمي المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن جهة أخرى فصائل المقاومة المسلحة، كانت ثمة مساحة من التداخل والتنافس لم يتم حسمها إلا في ضوء تداعيات هزيمة حزيران 1967 التي كشفت عجز النظام الرسمي العربي عن التصدي لمهمات مجابهة العدوان الإسرائيلي، وشكلت بذلك إيذاناً بتحول حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة إلى تيار جماهيري جارف سرعان ما فرض نفسه تحولاً جوهرياً في بنية منظمة التحرير الفلسطينية ومضمونها، كما في برنامجها وعلاقتها بالمحيط العربي.

توج هذا التحول بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني لتحتل فصائل المقاومة الموقع الرئيسي فيه، وفي اللجنة التنفيذية المنبثقة عنه والتي أنتخبت الشهيد ياسر عرفات رئيساً لها. لم يكن هذا التغيير تنظيمياً محضاً، بل كانت له دلالات سياسية بعيدة المدى على مستويات ثلاثة:

الأول هو أن المنظمة باتت تجسيداً للكيانية الوطنية الفلسطينية المستقلة وتعبيراً عن تمايز الهوية الفلسطينية وتبلورها، وشكلت بذلك الوطن المعنوي للشعب الفلسطيني والتعبير عن طموحه إلى الاستقلال وممارسة حقه في العودة وتقرير المصير.

والثاني هو أنّ المنظمة أصبحت الإطار الجامع للشعب الفلسطيني بمختلف تجمعاته، داخل الوطن وفي الشتات، وشكلت العنوان لوحدته السياسية التي استعيدت بعد سنوات عجاف من التشتت والتبديد. وتوفر بذلك أحد أبرز المعطيات الضرورية لانتزاع الاعتراف الدولي بالفلسطينيين كشعب موحد له الحق في تقرير المصير.

والثالث هو أنّ المنظمة باتت أكثر قدرة على نفض قيود الاحتواء والوصاية التي فرضها النظام الرسمي العربي على الشان الفلسطيني، وعلى انتزاع استقلالية الإرادة والقرار الوطني الفلسطيني.

بذلك توفرت المقومات لخوض معركة وحدانية واستقلالية التمثيل الوطني الفلسطيني، وهي معركة انطوت على فصول دامية واستنزفت سنوات من الصراعات المضنية، ولم تكن لتحسم لو لم تستكمل مقوماتها بالقرار الاستراتيجي الذي اتخذته المنظمة، في أعقاب حرب تشرين 1973، بأن تكرس نفسها كطرف مستقل في الصراع العربي – الإسرائيلي بصفتها الناطق بلسان شعب فلسطين في أي بحث يتناول قضيته الوطنية أو أياً من جوانبها. كان هذا هو المغزى السياسي لقرار المجلس الوطني الفلسطيني في أيار 1974 الذي تبنى برنامج "النقاط العشرة".

على هذه القاعدة انتزعت م.ت.ف. الاعتراف العربي، ومن ثم الدولي، بصفتها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. وكانت هذه نقطة الانطلاق لتكريس الاعتراف الدولي بالحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه بعاصمتها القدس. وبات الاعتراف بهذه الحقوق جزءاً لا يتجزأ من الشرعية الدولية فيما يتصل بحل الصراع العربي – الإسرائيلي. هكذا استطاعت المنظمة أن تعيد إحضار فلسطين على الخارطة السياسية للمنطقة، الأمر الذي شكل خطوة جبارة على طريق ترجمة هذا الحضور إلى دولة مستقلة كاملة السيادة.

يتلازم الدفاع عن هذه الحقوق والانجازات تلازماً عضوياً مع الدفاع عن وحدانية واستقلالية التمثيل الوطني الفلسطيني مجسداً في م.ت.ف. بصفتها الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا، فالمنظمة هي ليست فقط مؤسسة، بل هي عنوان سياسي للشعب الفلسطيني ورمز لوحدته وكيانه الوطني. والحفاظ عليها بهذه الصفة مصلحة وطنية عليا، بصرف النظر عن الموقف من مؤسساتها التي عانت وما تزال، كما سنرى، من العديد من الثغرات ومظاهر الخلل والترهل.

كذلك ثمة علاقة تلازم وثيق بين وحدانية التمثيل الفلسطيني وبين استقلاليته. جميع محاولات النيل من استقلالية التمثيل الفلسطيني، وفرض الوصاية على القرار الوطني واحتوائه، كانت تمر عبر محاولة تمزيق وحدانيته عبر شق وحدة م.ت.ف. أو افتعال القيادات البديلة أو الموازية لها. وقد شهدت المسيرة التاريخية للمنظمة العديد من هذه المحاولات التي وقفت وراءها قوى دولية و/أو إقليمية عاتية وسخرت من أجلها إمكانيات هائلة، ولكنها انتهت كلها إلى فشل ذريع لأنها اصطدمت بالإدراك العميق المترسخ في الوعي الوطني الفلسطيني بأن الدفاع عن وحدة المنظمة ومكانتها التمثيلية هو مصلحة وطنية عليا بصرف النظر عن الموقف إزاء التكوين القيادي للمنظمة أو بعض سياساتها.

ولكن الخطر الأكبر الذي تعرضت له مكانة م.ت.ف. جاء من داخلها، عندما راجت لدى بعض أوساطها القيادية، في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو، الأوهام بأن هذه الاتفاقيات تفتح طريقاً سالكاً نحو حل دائم، في ختام مرحلة السنوات الخمس الانتقالية، يضمن قيام دولة مستقلة تشكل السلطة الوطنية الفلسطينية نواة لها. من هنا مارست تلك الأوساط سياسة متعمدة للنفخ في دور السلطة الوطنية على حساب تهميش المنظمة وتقزيم مكانتها وتحويلها إلى امتداد للسلطة بدل أن تكون مرجعيتها.

بيد أن هذه السياسة، رغم ما ألحقته من ضرر جسيم، انتهت بدورها إلى طريق مسدود بفعل عاملين: أولهما أن الوقائع بددت بقسوة الآمال الوهمية التي علقت على مسيرة اوسلو وقادت العملية السياسية التي أطلقتها إلى مأزق استراتيجي يزداد استعصاء يوماً بعد يوم. والثاني أن تهميش المنظمة فتح الباب لصراع شرس على التمثيل الفلسطيني من خلال مشروع انقسامي يستند إلى اقتسام السلطة لدعم اقامة مرجعية بديلة شكلت أخطر التحديات للمكانة التمثيلية للمنظمة عبر مسيرتها.

لذلك يستعاد اليوم الإجماع على أهمية صون وتعزيز دور المنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وكمرجعية عليا للسلطة الوطنية الفلسطينية. ومن المهم أن هذا الإجماع بات شاملاً للكل الفلسطيني بعد أن أكدت التطورات أن المشروع الانقسامي لاصطناع مرجعية بديلة هو مشروع عقيم يفتقر إلى أفق مفتوح، ولا يلقى قبولاً من جماهير الشعب الفلسطيني الذي عبر –في سياق التحولات الدرامية للربيع العربي– عن إرادته الجازمة في إنهاء الانقسام. وهكذا كان من ثمار اتفاق المصالحة الذي وقع في القاهرة في الرابع من أيار من العام الماضي، أن انضمت حركتا حماس والجهاد الإسلامي إلى اللجنة العليا لتفعيل وتطوير م.ت.ف. على قاعدة الاعتراف بدورها كممثل شرعي و-وحيد لشعبنا الفلسطيني.

ولكن الاعتراف الفلسطيني الشامل بالمكانة التمثيلية للمنظمة، يقابله (بل ويشكل تهديداً ماثلاً له) استمرار الترهل والتكلس الذي أصاب مؤسسات المنظمة، عبر سنوات طويلة من التهميش والتقزيم والانقسام، والذي خلق هوة عميقة بين هذه المؤسسات وبين جماهير الشعب. والتحدي الأبرز الذي تواجهه المنظمة اليوم هو استكمال المصالحة بين الفصائل في إطار المنظمة بإحداث مصالحة بين مؤسسات المنظمة وبين جماهير الشعب. فهذا هو السبيل إلى إخراج تلك المؤسسات من حالة الترهل وانعدام الوزن. وهو وحده الذي يكفل تعزيز مكانة المنظمة وصون دورها التمثيلي.

وإذا كان لهذا من معنى فهو أن مساعي المصالحة والوحدة الوطنية ينبغي أن تقوم على أسس ديمقراطية تحتكم إلى إرادة الشعب، لا على اقتسام السلطة والمواقع القيادية بالتوافق الفوقي بين القوى. إن الوحدة في إطار م.ت.ف. يجب أن تمر عبر التجديد الديمقراطي لمؤسسات المنظمة بانتخابات شاملة (للرئاسة والمجلسين التشريعي والوطني كما للاتحادات والمنظمات الشعبية والمجالس المحلية) وفق نظام التمثيل النسبي الكامل الذي يضمن لكل قوة دوراً في مؤسسات صنع القرار يتناسب مع وزنها الفعلي بين صفوف الشعب.

ونحن نحيي اليوم الذكرى الثامنة والأربعين لقيام المنظمة، هذا هو التحدي الذي لا بد أن نعقد العزم على التصدي لما يطرحه من مهام: الوحدة القائمة على الديمقراطية والمشاركة والإرادة الشعبية. فهو السبيل إلى صون الانجازات التي حققتها المنظمة، وهو السبيل –وهذا الأهم– لمواجهة التحدي الأكبر الذي يطرحه استمرار الاحتلال واستشراء ممارساته التوسعية الاستيطانية.

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website