العدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة: الأسباب والتداعيات - عزام شعث - عدد 257

 

العدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة: الأسباب والتداعيات

عزام شعث[*]

 

يعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة الذي بدأ في الثامن من تموز (يوليو) 2014، واصطلح على تسميته إسرائيلياً بـ"الجرف الصامد"، وهو المسمى المقتبس من الكتاب المقدس ليحمل معنى التطهر والصمود؛ العدوان الثالث على القطاع خلال السنوات الخمس الماضية[1]، ولكنه يعتبر العدوان الأخطر من حيث الأهداف والطموحات الإسرائيلية، ومن حيث حجم الخسائر والتدمير الذي لحق بالقطاع، ومن حيث حجم الخسائر[2] على الجانب الإسرائيلي، وفشل الحكومة الإسرائيلية في توفير غطاء سياسي يفسر أسباب العدوان من ناحية، وفشلها في تحقيق الأهداف من ناحيةٍ ثانية، وبالذات هدف القضاء التام على قدرات المقاومة الفلسطينية، وهدف فرض واقع سياسي جديد يقود إلى عزل قطاع غزة عن الضفة الغربية وتقويض تجربة المصالحة الفلسطينية وإفشال حكومة التوافق الوطني.

تتناول هذه الدراسة  تطور الأحداث خلال العدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة خلال الفترة من  تموز (يوليو)- آب (أغسطس) 2014، وتعرض لأبرز الإحصاءات "البشرية والاقتصادية"، وتركز على أهم المواقف الاقليمية والدولية من العدوان، ثم تعرض للموقف الوحدوي الفلسطيني، والذي تمثل في تشكيل وفد فلسطيني موحد للقاء القيادة المصرية وعرض المطالب الفلسطينية لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، برعاية مصرية، بغرض تثبيت وقف إطلاق النار وتلبية الشروط الفلسطينية.

أولاً: مقدمات العدوان:

دخلت المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية مرحلة جديدة من التصعيد بشن القوات الحربية الإسرائيلية عدواناً شاملاً على قطاع غزة، وذلك بعد تجميد المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية في شهر نيسان (أبريل) 2014، على خلفية استمرار الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة، ومراوغة إسرائيل في تلبية استحقاقات التسوية السياسية، وعدم إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين القدامى، وبعد أن استغلت إسرائيل اختفاء[3] ثلاثة من مستوطنيها في محافظة الخليل في الضفة الغربية، في 12 حزيران (يونيو) 2014، ومن ثم العثور على جثثهم في 30 حزيران (يونيو)، وبعد تزايد أعمال العنف من جانب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وقد وصل الأمر لذروته مع اختطاف وقتل الفتى "محمد أبو خضير"، من مدينة القدس، في 2 تموز (يوليو) 2014، بالإضافة إلى الاعتداء المبرح على ابن عمه "طارق أبو خضير".

بدأت إسرائيل عملية "الجرف الصامد" بهدف تدمير البنية التحتية لحركة "حماس"، والقضاء التام على القدرات العسكرية والصاروخية للمقاومة الفلسطينية، وتقويض تجربة المصالحة الفلسطينية وإفشال حكومة التوافق الوطني[4]، التي عارضتها الحكومة الإسرائيلية، وعبرت عن استيائها الشديد إزاء تشكيلها، وقرر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر عدم إجراء أي مفاوضاتٍ معها.

الأكثر من ذلك، أن حكومة إسرائيل استبقت القرار الفلسطيني بالتوافق على موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأعلنت أنها لن تسمح بمشاركة فصائل فلسطينية (إرهابية) في هذه الانتخابات، وواصلت تحريضها ضد الرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، وبدأت حملة لمنع اعتراف المجتمع الدولي بحكومة التوافق الفلسطينية، غير أن تلك الضغوط والمساعي الإسرائيلية لم تحقق مبتغاها. كان ذلك واضحاً من الترحيب الواسع بحكومة التوافق مع الساعات الأولى للإعلان عنها.

وما أن أخفقت الحكومة الإسرائيلية في تحقيق أهدافها وتطلعاتها لجهة توفير المقاطعة الدولية لحكومة التوافق الوطني، حتى اتجهت لفرض العقوبات ضدها في اتجاهين، أولهما: وقف التعامل مع الحكومة الفلسطينية، وبدأت أولى إجراءاتها بمنع وصول الوزراء "الأربعة" المكلفين من قطاع غزة إلى رام الله، عبر معبر بيت حانون "إيريز" لأداء اليمين الدستورية، ومنع وزراء الحكومة جميعهم من التنقل ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي بذلك تكرس وتعمق سياسة الفصل في محاولة منها للإيحاء بأن اتفاق المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس" لن يقود إلى إزالة معوقات التواصل بين الضفة وغزة. وثانيهما: اقدام الحكومة الإسرائيلية ومصادقتها على مواصلة بناء وتشييد آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة. أرادت إسرائيل من وراء ذلك التأكيد على أنها لم تعد تكترث بالمطالب الدولية الداعية إلى وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا بالشرط الفلسطيني الداعي إلى وقف الاستيطان كمقدمة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

 

ثانياً: آثار العدوان[5]:

يعتبر العدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة هو الأعنف والأكثر دموية ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، فقد استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانها، أنواعاً مختلفة من الأسلحة، وقامت القوات الجوية والبرية والبحرية بإطلاق قذائفها باتجاه المنازل السكنية والمنشآت العامة والخاصة في مختلف محافظات غزة، من جنوبها إلى شمالها. وكانت المناطق الحدودية شمال وشرق محافظات غزة الأكثر عرضة وتركيزاً للعمليات الحربية الإسرائيلية، الأمر الذي أوقع خسائر بشرية وأضراراً اقتصادية مضاعفة في تلك المناطق.

بلغت الحصيلة النهائية للعدوان على قطاع غزة، بحسب تقرير وزارة الصحة الفلسطينية، في 23 آب (أغسطس) 2014، (2102) من الشهداء، بينهم (567) طفلاً، و(259) امرأة. فيما بلغ عدد الجرحى (10630)، بينهم (3192) طفلاً، و(2018) امرأة.

الملاحظ هنا، أن القوات الحربية الإسرائيلية لم تراعِ ما يوفره القانون الإنساني الدولي من حماية خاصة للمدنيين وقت الحرب، وأجمعت جميع الاتفاقيات المنبثقة عن تلك القواعد، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب للعام 1949، واتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة، والإعلان بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة؛ على ضرورة حماية النساء والأطفال، بشكل خاص، أثناء اندلاع النزاعات المسلحة. وألزمت تلك الاتفاقيات والإعلانات الأطراف المتنازعة على ضرورة تجنب النساء والأطفال غير المنخرطين في الأعمال القتالية بصفتهم الجهة الأكثر حاجة إلى الرعاية والمعاملة الخاصة[6].

يمثل القانون الإنساني الدولي المظلة القانونية التي تحدد القواعد العامة للسلوك الحربي للقوات العسكرية الجوية، والبحرية والبرية خلال العمليات العسكرية.

وتشمل تلك القواعد اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها. وتسعى هذه القواعد دوماً في أوقات النزاعات المسلحة الدولية، أو غير الدولية، إلى تقييد السلوك العسكري لتلك القوات في نطاق ما يعرف بالضرورة الحربية، وعلى قاعدة الحماية العامة للسكان المدنيين وممتلكاتهم، وتوفير المتطلبات والاحتياجات الإنسانية لهم. ورغم أن مصطلح الضرورة الحربية يشير إلى تلك الإجراءات الأساسية، والتي تعتبر ضرورة لتحقيق أهداف الحرب الرئيسية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفسر ضمن إطلاق يد القوات الحربية في القتال، بل يتوجب أن تشن كافة العمليات القتالية وفقاً لقوانين وأعراف الحرب: أي قوة تتجاوز الحد الأدنى من الضرورة تعتبر غير قانونية.[7] وقد بنيت كافة القوانين المتعلقة بشن العمليات القتالية، بما فيها سلوك القوات الحربية، وفقاً لهذا المبدأ.

وتعتبر اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والخاصة بحماية المدنيين في أوقات النزاعات المسلحة إحدى أدوات القانون الإنساني الدولي التي تنطبق على وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها قطاع غزة. وتسعى أحكامها باستمرار إلى خلق توازن بين الضرورات الحربية والمتطلبات الإنسانية التي ينبغي تحقيقها عبر توفير الحماية للسكان المدنيين وممتلكاتهم من أهوال الحروب.

ويصنف العدوان الذي شنته القوات الإسرائيلية المحتلة على قطاع غزة في نطاق النزاع الدولي المسلح، وفي إطار الاحتلال الحربي المستمر لأراضي القطاع قانونياً ومادياً. ويتوجب على القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة، وخلال قيامها بشن الهجمات القتالية أن تتقيد بجملة من الأحكام الأساسية التي تحددها اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تمثل أحكاماً مشتركة من الاتفاقيات الثلاثة الأخرى. وتشمل المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، أحكاماً أساسية تنظم، في جملة أمور أخرى، شن الهجمات القتالية، الوسائل والأساليب المشروعة المستخدمة في الحرب، الحماية الممنوحة للسكان المدنيين والمعايير التي تميز المقاتلين عن غير المقاتلين (المدنيين والأشخاص الذين يخضعون لنطاق حماية خاصة). ويرتبط البروتوكولان الإضافيان الملحقان باتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، بالقانون الإنساني الدولي، وهما ملزمان لإسرائيل باعتبارهما جزءاً من أحكام القانون العرفي الدولي. ويتضمن البروتوكولان الإضافيان شرحاً وتفسيراً أكثر شمولية وعمقاً للنصوص التي ترد في اتفاقيات جنيف الأربعة، بما فيها الاتفاقية الرابعة. وتشمل تلك القواعد والأحكام تحديداً مبدأ التمييز، شن الهجمات القتالية وتحديد نطاق الحماية للمدنيين، وهي وثيقة الصلة بتطبيق قواعد القانون الإنساني الدولي.

1- استهداف الممتلكات والأعيان المدنية:

§  هدم وتدمير المنازل والمباني السكنية:

شكلت جرائم قصف المنازل على رؤوس ساكنيها، إحدى سمات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، على الرغم من علم القوات الحربية الإسرائيلية المسبق بوجود مدنيين داخل هذه المنازل. وقد استهدفت الطائرات الإسرائيلية أكثر من(40,000) وحدة سكنية، منها (5238) وحدة سكنية مهدمة كلياً، و(30,000) وحدة سكنية مهدمة جزئياً، منها (4374) وحدة سكنية مهدمة جزئياً بشكل غير صالح للسكن[8].

واضطر مئات الآلاف من السكان إلى إخلاء منازلهم قسراً، خاصة مع إعلان القوات الإسرائيلية عن بدء العمليات البرية في القطاع في 17 تموز (يوليو) 2014. ووفقاً لتحقيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فقد أخلى أكثر من (300.000) مواطن منازلهم، وذلك بسبب العمليات الحربية التي أدت إلى دمار واسع في المباني السكنية في كافة أحياء، وقرى، ومخيمات ومدن القطاع، أو خشية من تعرض منازلهم للتدمير بسبب قصف منشآت أو منازل أخرى مجاورة[9]

§ استهداف القطاع الصحي:

استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية المنشآت الطبية، بما فيها المنشآت الثابتة والمتحركة، ووسائط النقل الطبي، بما فيها سيارات الإسعاف، بشكل متعمد، أثناء توجهها لإجلاء الشهداء والجرحى الذين تعرضوا للاستهداف بواسطة الطائرات الحربية. وخلف ذلك مزيداً من المخاطر للعاملين في القطاع الصحي، فضلاً عن حرمان العديد من المرضى، الشهداء والجرحى من الوصول إلى المشافي والمراكز الطبية لتلقي العلاج.

ووفقاً لإحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية، فقد نفذت القوات الحربية الإسرائيلية (35) اعتداءً ضد العاملين في القطاع الصحي والمنشآت الصحية (المستشفيات، والعيادات، والمراكز الصحية، ومحطات وسيارات الإسعاف). أدت تلك الاعتداءات إلى استشهاد (21) من العاملين في القطاع الصحي، وإصابة (83) آخرين، فضلاً عن الأضرار الكلية والجزئية التي تعرضت لها المنشآت الطبية الحكومية والخاصة في القطاع[10]

تمثل الاعتداءات الإسرائيلية على المنشآت الطبية والعاملين في القطاع الصحي انتهاكاً لأحكام المواد من (14-23) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والتي تكفل حرية عمل رجال المهمات الطبية وكفالة حرية تنقل وسائط النقل الطبية وحماية المنشآت الطبية والجرحى والمرضى المدنيين، وتكفل إجلاءهم وإسعافهم وتطبيبهم بأمان.

§ استهداف قطاع التربية والتعليم:

استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال عدوانها الشامل على قطاع غزة، المؤسسات التربوية والتعليمية في القطاع، ووفقاً لتحقيقات وزارة التربية والتعليم العالي فإن أكثر من (180) مدرسة تابعة للوزارة ووكالة الغوث الدولية وقطاع التعليم الخاص قد تضررت جراء العدوان، وأن مدارس عديدة منها لا يمكن استخدامها عند بدء العام الدراسي إلا بعد إعادة اعمارها وتأهيلها[11].

 

2- استهداف البنية الاقتصادية:

§ القطاع الصناعي:

شكلت الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت القطاع الصناعي نموذجاً صارخاً للهجمات العشوائية، المحظورة بموجب قواعد القانون الإنساني الدولي، فقد استهدفت القوات الإسرائيلية عدداً كبيراً من المصانع في قطاع غزة تقدر بنحو (1000) مصنع ومنشأة صناعية، منها (400) مصنع حيوي تم تدميره كلياً، و(600) ورشة منشأة حرفية صغيرة تعرضت للتدمير الجزئي، منها (21) مصنعاً غذائياً، و(10) مصانع للملابس، إضافة إلى تدمير المنطقة الصناعية في منطقة بيت حانون[12].

§ القطاع الزراعي:

طالت الهجمات الإسرائيلية القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني. وتقدر قيمة الخسائر الأولية التي لحقت بالقطاع الزراعي (251) مليون دولار[13]. وقد نجمت هذه الخسائر عن قصف البيوت البلاستيكية، وتدمير شبكات الري، وتدمير العشرات من المزارع الحيوانية ومزارع الدواجن، ومرافئ الصيادين وقوارب الصيد.

3- استهداف البنية الأساسية للخدمات:

§ محطة توليد الكهرباء:

في اليوم الحادي والعشرين من أيام العدوان، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة. طال القصف الغلايات ومخازن الوقود الرئيسة، ما أدى إلى أضرار جسيمة فيها. كما دمرت القوات المحتلة (6) خطوط ناقلة للكهرباء من إسرائيل إلى القطاع، الأمر الذي فاقم من عجز الطاقة الكهربائية في القطاع إلى نحو (90%)، وأوقف كلياً عمل غالبية المرافق الحيوية كقطاعي المياه والصرف الصحي والخدمات الصحية التي تعتمد على الطاقة الكهربائية[14].

§ قطاع المياه والصرف الصحي:

تعرضت البنية التحتية لقطاعي المياه والصرف الصحي لعمليات تدمير شاملة وجزئية، شملت آبار استخراج المياه والخزانات، بما فيها الآبار المخصصة للاستخدام المنزلي، والشبكات الرئيسية والفرعية، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي وشبكات وأحواض الصرف الصحي، وأثر ذلك بشكل كبير على إمكانية توفير الاحتياجات الضرورية لسكان القطاع، طيلة فترة العدوان، وبحسب تقديرات رئيس سلطة المياه[15]، فإن الخسائر الأولية في قطاعي المياه والصرف الصحي تتراوح بين (30-35) مليون دولار. ووفقاً  للخبراء  والمتخصصين في مجال المياه، من المرجح أن تستمر آثار العدوان على قطاعي المياه والصرف الصحي لشهور عديدة، ما لم يُلتفت إلى الأضرار التي خلفها العدوان، وتبدأ عملية الإعمار بشكلٍ عاجل.

ثالثاً: المواقف الإقليمية والدولية:

موقف جامعة الدول العربية:

أدانت جامعة الدول العربية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ودعا الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي الأمم المتحدة إلى توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني من الهجمات الإسرائيلية، بالسرعة اللازمة. وأعرب عن أمله في التوصل إلى اتفاق لتنفيذ المبادرة المصرية بكافة بنودها، بما يحقق المطالب الفلسطينية المشروعة، ويؤدي الي رفع الحصار الإسرائيلي الجائر علي قطاع غزة، وينهي معاناة الشعب الفلسطيني[16].

وأعلن الأمين العام أن وفداً وزارياً عربياً يضم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي، ممثلاً لرئيس القمة العربية، ووزير خارجية المغرب، رئيس الدورة الحالية لمجلس الجامعة، ووزير خارجية مصر، ووزير خارجية الأردن، بالإضافة إلى الأمين العام للجامعة العربية، سيقوم بزيارة إلى قطاع غزة للتعرف على حقيقة الأوضاع ودراسة الاحتياجات الإنسانية وفى مجال إعادة الإعمار، وللتعبير عن التضامن العربي مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

وفي 11 آب (أغسطس) 2014، عقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً على مستوى المندوبين الدائمين برئاسة المغرب، ومشاركة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية "صائب عريقات" لبحث تطورات العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، ومتابعةً لتنفيذ القرار رقم (7786) الصادر عن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورته غير العادية بتاريخ 14 تموز (يوليو) 2014، والذي أبقى المجلس في حالة انعقاد دائم لمتابعة المستجدات. ودعا المجلس، في بيان له، إلى مواصلة الجهود الرامية لتثبيت اتفاق التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، واستئناف المفاوضات غير المباشرة في القاهرة للتوصل لاتفاق نهائي من شأنه إنهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني[17].

وجددت الجامعة العربية على لسان الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة السفير "محمد صبيح"، مطالبتها بضرورة إلزام إسرائيل بفتح معابر قطاع غزة وفك الحصار ووقف العدوان. مضيفاً: "إن ما طرحه الوفد الفلسطيني الموحد خلال المفاوضات غير المباشرة بالقاهرة ليست شروطاً وإنما استحقاقات فلسطينية بما فيها المطار والميناء، فالمطار تم افتتاحه في عهد الرئيس الراحل "ياسر عرفات"، والرئيس الأميركي الأسبق "بيل كلينتون"، بينما دمرته إسرائيل، ما يتطلب ضرورة إعادة تشغيله، وأن تدفع إسرائيل تعويضاً لإعادة اعماره، خصوصاً أنه تم بناؤه بأموال عربية ومساعدات أوروبية، بينما الميناء تم الاتفاق عليه مسبقاً بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بناء على اتفاق أوسلو حيث وضع الرئيس الفرنسي الأسبق "جاك شيراك" حجر الأساس له"[18].

الموقف المصري:

رغم عمق الأزمة بين مصر وحركة "حماس" منذ الثورة الشعبية المصرية في 30 حزيران (يونيو) 2013، وعزل الرئيس "محمد مرسي"، وإنهاء حكم الإخوان المسلمين في مصر، وما واجهته الحركة من اتهامات من قبل دوائر رسمية مصرية بالتورط في استهداف الجيش المصري، الأمر الذي دفع محكمة الأمور المستعجلة باتخاذ قرار يقضي بـ"حظر أنشطة حركة حماس ومصادرة ممتلكاتها وجمعياتها"، إلا أن الحكومة المصرية ميزًت بحكمة واقتدار بين علاقتها بحركة "حماس"، ودورها المطلوب لإنقاذ المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة ووقف الأعمال الحربية الإسرائيلية ضدهم.

تبدى ذلك بوضوح في إدانة مصر للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في يومه الأول، ووفقاً لتصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية "جددت مصر رفضها الكامل لكافة أعمال العنف، كما أكدت مطالبتها بضبط النفس والتوقف عن سياسة الانتقام والعقاب الجماعي، أخذاً في الاعتبار أن استمرار تدهور الوضع الراهن يحمل في طياته مخاطر الانزلاق إلي حلقة مفرغة لا تنتهي من العنف، وهو ما يفرض الكف تماماً عن السياسات الاستفزازية، وفي مقدمتها النشاط الاستيطاني وسياسة فرض الأمر الواقع"[19]. وأعلنت مصر فتح معبر رفح الحدودي، بوابة قطاع غزة إلى العالم الخارجي، أمام تنقل جرحى العدوان، والمرضى الفلسطينيين، وأصحاب الإقامات، والأجانب المقيمين في القطاع، وذلك تمهيداً لفتحة بشكلٍ دائم بالتنسيق مع حكومة التوافق الوطني، وبإشراف الحرس الرئاسي الفلسطيني. كما قررت الحكومة المصرية بالتعاون مع حكومة النرويج وبدعم من الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" استضافة مؤتمر إعادة إعمار قطاع غزة.

وعلى صعيد جهودها السياسية، طرحت مصر مبادرة[20] لوقف إطلاق النار في 14 تموز (يوليو) 2014، أبدت الحكومة الإسرائيلية استعدادها لمناقشتها ووافقت عليها في اليوم التالي، بينما رفضت الفصائل الفلسطينية "حركتا حماس والجهاد الإسلامي" المبادرة بدعوى أنها لا تلبي المطالب والشروط الفلسطينية.

واصلت مصر مشاوراتها على المستويين الإقليمي والدولي لوقف العدوان الذي يتعرض له سكان قطاع غزة، وقد أثمرت جهودها، وبالتنسيق مع الرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، باستضافة وفد يمثل الفصائل الفلسطينية، برئاسة "عزام الأحمد"، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، ومن بين أعضائه ممثلون عن حركة "حماس". كان الرئيس الفلسطيني قد أصدر قراراً بتشكيل الوفد[21] للقاء القيادة المصرية والاتفاق على وقف نهائي لإطلاق النار.

أجرى وزير المخابرات العامة المصرية اللواء "محمد فريد التهامي" لقاءات مكثفة مع الوفد الفلسطيني، فور وصوله إلى القاهرة، وتولى مهمة إجراء مفاوضات غير مباشرة بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي، أفضت إلى وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة (72) ساعة، انتهى صبيحة يوم الأحد 8 آب (تموز)، دون أن يتفق الطرفان (الفلسطيني والإسرائيلي) على تمديد وقف إطلاق النار بينهما، واستمرار التفاوض للاتفاق على صيغة حل نهائية ودائمة. لم توقف مصر جهودها السياسية ومشاوراتها، رغم فشل تمديد وقف إطلاق النار، وواصلت لقاءاتها ووساطتها بين الجانبين لتثبيت وقف دائم لإطلاق النار. تمكنت القاهرة من تمديد وقف إطلاق النار لمدة (72) ساعة أخرى من 11-14 آب (أغسطس)، وواصلت مساعيها لتقريب وجهات النظر بين الجانبين، وعقدت لقاءات مكثفة مع كل وفد على حدة، غير أن تلكؤ ومراوغة الجانب الإسرائيلي أعاق فرص التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار ورفع الحصار عن قطاع غزة، الأمر الذي دفع الراعي المصري إلى اقناع ممثلي الوفدين إلى تمديد وقف إطلاق النار لخمسة أيام تالية، تنتهي عند منتصف ليل 18 آب (أغسطس)، تجري خلالها القيادة السياسية والفصائل الفلسطينية مشاوراتها الداخلية حول مجريات جلسات التفاوض في القاهرة، وتفاصيل المقترح المصري، وتجري القاهرة، من جانبها، مشاوراتها مع الوفدين بغية التوصل إلى اتفاق نهائي.

وعلى الرغم من التعليق المؤقت للمفاوضات غير المباشرة في القاهرة في 19 آب (أغسطس)، بالتزامن مع تجدد الأعمال الحربية الإسرائيلية في قطاع غزة، استمرت الجهود المصرية من أجل تجديد وقف إطلاق النار والتوصل إلى تهدئة جديدة، واستئناف المحادثات حول ورقة فلسطينية "مرنة" قدمها الوفد الفلسطيني إلى الجانب المصري تتعاطى مع اتفاق من مرحلتين، يُتفق في المرحلة الأولى على قضايا رفع الحصار وفتح المعابر وإعادة الإعمار، بينما تؤجل قضيتا المطار والميناء لمدة شهر.

موقف الأمم المتحدة:

على صعيد الأمم المتحدة، يمكن القول بأن تحولاً في المواقف إزاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قد حدث، فقد اضطر الأمين العام للأمم "بان كي مون" أثناء زيارته لكوستاريكا للقول: "تعرضت مدرسة تابعة للأمم المتحدة تستقبل آلاف العائلات الفلسطينية لهجوم يستدعي الإدانة.. هذا هجوم غير مبرر يستوجب المحاسبة وإحقاق العدالة". واضطر مجلس الأمن كذلك في إطار القيود القانونية التي تحيط بعمله إلى الاكتفاء بالدعوة إلى الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار والمطالبة بهدنات إنسانية لإغاثة السكان، وهو ما رفضته إسرائيل، حيث أعلن رئيس حكومتها أنه لن يقبل أي اقتراح يمنع الجيش الإسرائيلي من إتمام مهمة نسف الأنفاق. أما مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فقد أدان بأشد العبارات الانتهاكات واسعة النطاق والممنهجة والجسيمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية الناشئة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وذلك بموافقة (29) دولة وامتناع (17) دولة عن التصويت، غالبيتها من دول الاتحاد الأوروبي، ورفض دولة واحدة هي الولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، اتهمت رئيسة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إسرائيل بالتحدي المتعمد للقانون الدولي بمواصلة قصف المدارس والمستشفيات والمنازل في غزة، وصرحت للصحفيين في جنيف بأن هذه الأمور لا تتم بصورة عرَضية بل تبدو كتحدٍ متعمد للالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على إسرائيل[22].

وسارعت منظمة العفو الدولية إلى التنديد بإعلان وزارة الدفاع الأميركية البدء في تزويد إسرائيل بكميات من الذخيرة لتعويض النقص في مستودعاتها جراء العمليات المستمرة ضد قطاع غزة، وقالت منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيان لها في 31 تموز (يوليو) 2014: "إن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يتوانى عن استهداف الصحفيين الفلسطينيين سواء كانوا يقومون بتغطية وصول الجرحى إلى المستشفيات في غزة أو يواكبون تظاهرات الضفة الغربية المناهضة للعدوان". وأدانت المنظمة بأشد العبارات ما يقترفه الجيش الإسرائيلي من استهداف متعمد لوسائل الإعلام التابعة لحركة "حماس"، وأوضحت أن قيام المؤسسات بالدعاية الإعلامية لا يشكل حجة كافية لجعلها أهدافاً عسكرية، وذكّرت في هذا الصدد برأي لجنة الخبراء التي أنشأها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بخصوص قصف حلف الأطلسي في 1999، وسائل إعلام معادية، حيث أوضحت اللجنة أن الصحفي أو وسيلة الإعلام لا يمكن أن يشكلا هدفاً مشروعاً لمجرد نشر الدعاية. وكذلك أدانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الهجوم على سيارتي إسعاف أثناء محاولتها قيامها بمهمة إجلاء القتلى والجرحى، باعتباره انتهاكاً خطيراً لقوانين الحرب[23].

 

الموقف الأمريكي:

مع بدء العدوان على قطاع غزة، أعلنت الإدارة الأمريكية تأييدها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وشددت "لفظياً" على ضرورة ممارسة أقصى درجات ضبط النفس حيال المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة. لكن الولايات المتحدة وهي تعلن تأييدها المطلق لإسرائيل لم تكن راغبة في تنفيذ عملية عسكرية إسرائيلية موسعة في قطاع غزة، فبعد يومين من بدء العدوان، اتصل الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" برئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو"، وأبلغه أن الولايات المتحدة مستعدة للتوسط من أجل العودة إلى اتفاق التهدئة عام 2012، بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، الذي قامت إلى جانب مصر بدور الوساطة فيه، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، أعلن في مؤتمر صحافي مواصلة وتوسيع العمليات. عاد "أوباما" ليتحدث هاتفياً مع "نتنياهو"، للمرة الثانية، ولكن بلهجة حادة، لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية واصل التصعيد على نحوٍ واسع ليشمل القصف مدارس إيواء تابعة للأمم المتحدة، ومساجد ومؤسسات عامة وخاصة وبيوتاً آمنة، مما أدى إلى ارتكاب المزيد من المجازر بحق المدنيين.

بالغت الإدارة الأمريكية، كما هي عادتها، في رفع سقف انحيازها لمصلحة إسرائيل، فهي من ناحية حمّلت الفصائل الفلسطينية في غزة المسؤولية بشأن ما يترتب على العدوان الإسرائيلي من جرائم، ومن ناحيةٍ ثانية سارعت إلى تقديم طلب إلى الكونجرس لتخصيص تمويل إضافي بمئات ملايين الدولارات لدعم النظام الصاروخي لإسرائيل وتطويره، والمعروف بـ"القبة الحديدية" المخصصة لاعتراض صواريخ المقاومة الفلسطينية، وبالفعل، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي في مطلع شهر آب (أغسطس) تخصيص (225) مليون دولار كتمويل عاجل لهذه المنظومة. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية سمحت لإسرائيل التزود بالذخائر من مخزون محلي للأسلحة الأمريكية ضمن برنامج يديره الجيش الأمريكي ويطلق عليه: "مخزون احتياطات الحرب-إسرائيل"[24].

لم تبادر إدارة "أوباما" لاحتواء التصعيد في قطاع غزة، إلا بعد مرور أسبوعين على العدوان، (أي بعد سقوط وإصابة مئات الشهداء من المدنيين الفلسطينيين جراء استهداف الآلة العسكرية الإسرائيلية للتجمعات السكنية في القطاع). تمثل ذلك بإرسال وزير الخارجية "جون كيري" إلى المنطقة في 21 تموز (يوليو) من أجل التنسيق مع دول الإقليم للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار المتبادل بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، إلا أن جهود "كيري" لم تنجح في اقناع أو إرغام إسرائيل على وقف الحمم التي تلقيها على رؤوس الأطفال والنساء والمدنيين عموماً في قطاع غزة، وتوجت مساعيه بالفشل، حتى أن اجتماع باريس في 26 تموز (يوليو) الذي ضم إلى جانب "كيري" وزراء خارجية كلٍ من: فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وقطر وتركيا ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، ولم تُدع له السلطة الفلسطينية ولا مصر ولا إسرائيل، لم يحقق اتفاقاً فلسطينياً إسرائيلياً للتهدئة ووقف إطلاق النار.

رابعاً: وحدة الموقف الفلسطيني:

عكس العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وحدة الموقف والحال الفلسطيني الذي لم تشهده الأراضي الفلسطينية منذ وقوع الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة عام 2007، وما اعقبه من سيطرة لحركة "حماس" على السلطة بالكامل في القطاع، وبسط نفوذها على المؤسسات الأمنية والإدارية والوزارية، وإقصاء حركة "فتح" ومعها بقية مكونات منظمة التحرير الفلسطينية أحزابًا وقوى سياسية ومؤسسات مجتمعية. الأمر الذي أدخل القضية الفلسطينية في واحدٍ من أهم المنعطفات التي خاضتها في الفترة الماضية، وهدّد وحدة المشروع الوطني كمشروع تحرري، وأضعف بشكلٍ غير مسبوق ما يمكن تسميته "الجانب الأخلاقي"، الذي يعد مُبرراً للمجتمع الدولي وكثير من الدول العربية لدعم كفاح الشعب الفلسطيني[25].

تجلت أبهى صور الموقف الوحدوي الفلسطيني، منذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في جهود القيادة السياسة الفلسطينية لتعزيز الوحدة الوطنية من ناحية ومساعيها لوقف العدوان الإسرائيلي من ناحيةٍ ثانية عبر تحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن أحداث العنف الدائرة في قطاع غزة، وتشكيل وفد موحد للقاء القيادة المصرية والعمل على وقف العدوان الإسرائيلي والتوصل إلى تهدئة تلبي المطالب الفلسطينية، أبرزها رفعها الحصار المشدد على قطاع غزة منذ منتصف العام 2007، فضلاً عن الجهد الكبير الذي بذله الرئيس "محمود عباس" على الصعيدين الإقليمي والدولي بهدف وقف استهداف المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وجهود القيادة الفلسطينية من أجل الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية والتوقيع على ميثاق روما لمحاكمة اسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين على مدى سنوات احتلالها.  

إن نوايا إسرائيل، المخبوء منها والمعلن، كانت تستهدف بالأساس وحدة الفلسطينيين، وتحاول جهدها، وعلى جميع الأصعدة، النيل من أي تقارب بين القوى والأحزاب السياسية الفلسطينية. بدا ذلك واضحاً في موقفها-أي إسرائيل- حيال اتفاق المصالحة الفلسطينية الموقع في غزة في 23 نيسان (أبريل) 2014، وسياساتها تجاه حكومة التوافق الوطني لاحقاً، والتي بدأت بحملة لمنع اعتراف المجتمع الدولي بها، وفرض العقوبات الاقتصادية ضدها، ومنع وصول الوزراء الأربعة المكلفين من قطاع غزة إلى رام الله، عبر معبر بيت حانون "إيريز" لأداء اليمين الدستورية، ومنع وزراء الحكومة جميعهم من التنقل ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

تمكن الرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، من إزالة أية مخاوف قد تنتاب المجتمع الدولي من التقارب الحاصل بين حركتي "فتح" و"حماس"، وما تبعه من تشكيل حكومة التوافق الفلسطينية. فهو لم يغفل أن الانتخابات التشريعية في العام 2006، وما نتج عنها من وصول حركة "حماس" إلى الحكم أدت إلى المقاطعة الدولية وتشديد الحصار على قطاع غزة، الأمر الذي دفعه إلى الإعلان، أكثر من مرة، عن أن حكومة التوافق الوطني هي حكومته وتلتزم التزاما تاماً ببرنامجه السياسي- أي برنامج منظمة التحرير- وأن مهمتها تنصب أساساً في إزالة أثار الانقسام والتحضير للانتخابات العامة في غضون الشهور الستة التالية لتشكيلها، كما أن الرئيس أجاد اختيار رئيس وأعضاء الحكومة من التكنوقراط "الخبراء"، دون أن يكون أيٍ منهم عضواً بارزاً في أي من التنظيمات الفلسطينية.

صحيح أن حكومة التوافق الوطني منذ تشكيلها في مطلع حزيران (يونيو) الماضي، واجهت عقبات كثيرة، ولم يكن الطريق معبداً أمامها لممارسة ولايتها على قطاع غزة بسبب انقسام النظام السياسي الفلسطيني، وما أحدثه من تغيرات إدارية وقانونية ووظيفية، إلا أن الأوضاع الراهنة تستدعي الإنهاء الفعلي لحالة الانقسام، وتوحيد النظام السياسي الفلسطيني، والبدء في شراكة وطنية حقيقية تؤسس لمرحلةٍ جديدة يكون عنوانها إعادة الاعتبار للنظام السياسي الفلسطيني، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية، وعدم الارتهان للتقلبات السياسية والتطورات التي يشهدها الإقليم، لا سيما في ظل الإدراك بأن استمرار حالة الانقسام سوف تنتج تداعيات سلبية ليس فقط على مستوي العلاقات الفلسطينية- الفلسطينية، ولا على مستوى تراجع دور ومكانة المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وإنما على مستوى المشروع الوطني الفلسطيني الشامل الذي يُمكن من رسم ملامح المستقبل الفلسطيني ومستقبل الدولة الفلسطينية العتيدة.

وعليه ثمة حاجة إلى التخلص من الحسابات الفصائلية والفئوية، وبالتالي توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني، والاتفاق على استراتيجية موحدة، والبدء في إجراءات تشييد مؤسسات وطنية جامعة تبدأ بترسيخ المسار الديمقراطي والمحافظة على المنجز منه، في إطار استراتيجية وطنية متكاملة لإعادة بناء مؤسسات الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس تمثيلية بما يجسد وحدة نضاله وما يمكنه فعليًا من ممارسة حقه في تقرير المصير.

 

الهوامش:

[*] باحث في الشؤون الفلسطينية، مقيم في غزة.

[1] كان العدوان الإسرائيلي الأول على قطاع غزة خلال الفترة من 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 وحتى 18 كانون الثاني (يناير) 2009، بينما العدوان الإسرائيلي الثاني على قطاع غزة خلال الفترة من 14- 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، وانتهى بتوقيع التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل برعاية مصرية ودولية بتاريخ 22 تشرين الثاني (نوفمبر). 

[2] تشير الاحصاءات الرسمية الإسرائيلية حتى حين كتابة هذه الورقة إلى مقتل (63) ضابطاً وجندياً إسرائيلياً، وإصابة (1500) آخرين خلال العدوان على قطاع غزة.

[3] اتهمت إسرائيل حركة "حماس" باختطاف المستوطنين الثلاثة، الأمر الذي نفته الحركة. وكانت القوات الإسرائيلية المحتلة نفذت حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية طالت مئات الفلسطينيين، من بينهم رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وعدد من أعضاء المجلس.

[4] محمد محمود السيد، تراكمات الفشل: أبعاد ودوافع العملية العسكرية ضد قطاع غزة، القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، موقع مجلة السياسة الدولية، www.siyassa.org.eg. 

[5] الأرقام الواردة في هذا الجزء من الدراسة ليست نهائية، ولا تشتمل على كل الخسائر "البشرية والاقتصادية" التي تعرض لها قطاع غزة خلال فترة العدوان الحربي الإسرائيلي.

[6] للمزيد حول حماية المدنيين في القانون الإنساني الدولي راجع، عزام عبد الستار شعث، حقوق الطفل الفلسطيني في ضوء الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، دراسة مقدمة لمؤتمر الطفل الفلسطيني وتحديات القرن الحادي والعشرين، جامعة القدس المفتوحة، 16-17 كانون الأول (ديسمبر) 2012.

[7] اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التعليق على البروتوكولات الإضافية، 8 حزيران (يونيو) 1997، لاتفاقيات جنيف الأربعة الموقعة بتاريخ 12 آب (أغسطس) 1949.

[8] للمزيد راجع تصريحات مفيد الحساينة، وزير الأشغال العامة والإسكان، بتاريخ 31 تموز(يوليو)2014، المنشورة على الصفحة الإلكترونية لوزارة الأشغال العامة والإسكان http://www.mpwh.ps/. 

[9] للمزيد انظر، بيان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان حول الأوضاع الإنسانية للسكان المدنيين في قطاع غزة جراء العدوان الحربي الإسرائيلي بتاريخ 23 تموز (يوليو) 2014، على الصفحة الإلكترونية للمركز   http://www.pchrgaza.org.

[10] تقرير حول الاعتداءات الإسرائيلية على الطواقم والمؤسسات الطبية، وزارة الصحة الفلسطينية، مركز المعلومات الصحية الفلسطيني، 7 آب (أغسطس) 2014.

[11] راجع تصريحات وكيل وزارة التربية والتعليم العالي بغزة زياد ثابت، بتاريخ 7 آب (أغسطس) 2014، الصفحة الإلكترونية لوزارة التربية والتعليم العالي http://www.mohe.ps.

[12] للمزيد حول أثر العدوان الإسرائيلي على القطاع الصناعي، راجع تصريحات علي الحايك، رئيس جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين في قطاع غزة بتاريخ 13 آب (أغسطس) 2014، الصفحة الإلكترونية أمد للإعلام www.amad.ps.

[13] للمزيد من التفاصيل حول خسائر القطاع الزراعي راجع، الصفحة الإلكترونية لوزارة الزراعة الفلسطينية http://www.moa.gov.ps

[14] بيان صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان حول الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، 31 تموز (يوليو) 2014، على الصفحة الإلكترونية للمركز www.pchrgaza.org.

[15] راجع تصريح رئيس سلطة المياه، شداد العتيلي، بتاريخ 13 آب (أغسطس) 2014، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية وفا، www.wafa.ps.

[16] للمزيد انظر، تصريحات الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، المنشورة على موقع جامعة الدول العربية، http://www.lasportal.org.

[17] بيان بشأن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين لبحث تطورات العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، 11 آب (أغسطس)، موقع جامعة الدول العربية       http://www.lasportal.org.

[18] راجع تصريحات السفير محمد صبيح، الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة، بتاريخ 22 آب (أغسطس) 2014، على الصفحة الإلكترونية لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية وفا         http://www.wafa.ps.

[19] راجع تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية حول العدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة، الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، 8 آب (أغسطس) 2014، على الرابط التالي:

http://www.sis.gov.eg/Ar/Templates/Articles/tmpArticleNews.aspx?ArtID=88784#.U-Ye5EDF9kQ

[20] تنص المبادرة المصرية على: أ- تقو

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website