الحرب النفسية في معركة العصف المأكول - طارق حميدة - عدد 257

الحرب   النفسية

في معركة العصف المأكول

طارق مصطفى حميدة

تعرّف الحرب النفسية بأنها أنشطة سيكولوجية مخططة تُمارَس في السلم والحرب، وتوجَّه ضد الجماهير المعادية والصديقة والمحايدة من أجل التأثير على مواقف وسلوكيات هؤلاء؛ لكي تؤثر إيجابيا نحو إنجاز هدف سياسي أو عسكري معين.

 فهي أولاً أنشطة سيكولوجية أي تستهدف النفس بالوسائل المختلفة ومنها الكلمة والصورة وحتى الأفعال المادية ... وهي مخططة لا مجال فيها للارتجال وردود الأفعال لمن كان معنيا بتحقيق النصر... وإذا كانت الحرب المادية لها بدء وانتهاء فإن الحرب النفسية لا تضع أوزارها، إذ هي سابقة للحرب المادية، وهي مستمرة معها، وهي باقية بعد انتهائها... ولئن كانت الحرب المادية موجهة للأعداء وحدهم فإن الحرب النفسية تعمل على كل الجبهات في الداخل والخارج، وتتوجه للجنود والأنصار... وللأصدقاء والمحايدين كما تتوجه للأعداء... وغاية هذه الحرب التأثير في المواقف والسلوكيات لإنجاز الأهداف العسكرية والسياسية المخطط لها، وتعزيزها وإدامتها والحفاظ عليها بعد تحقيقها.

وقد كانت أمتنا وشعبنا منذ عقود هدفا للحرب النفسية من القوى الاستعمارية والمعادية، ولا تملك إلا أن تتلقى اللكمات والركلات، وهي في موضع الانفعال ورد الفعل، ولا تسعى بل لا تحلم أن تتحول إلى موقع الفعل والتأثير... لكن المقاومة قد بدأت تقلب المعادلة وتغير البوصلة وتعكس اتجاه الحرب النفسية، حتى إنها في معركتها الأخيرة -العصف المأكول -قد تفوقت على الحرب النفسية الصهيونية.

وهذه السطور لا تتغيا استقصاء أهداف وأساليب ووسائل الحرب النفسية في هذه المعركة، إذ ليس بمكنتها ذلك، ولكنها تلتقط بعضاً من النماذج والعينات والشواهد، وتركز من خلالها على عدد من المحاور، وتقف عند مجموعة من الملاحظات... كما أنها ستركز بالأساس على الحرب النفسية الصادرة عن الجانب الفلسطيني المقاوم، ولن تتوقف عند الحرب النفسية الموجهة من جانب الاحتلال.

 

أولاً: العصف المأكول .. عبقرية التسمية وسحرها

أطلقت حركة المقاومة الإسلامية -حماس -على المعركة الحالية 2114م اسم (العصف المأكول)، وكانت أطلقت على 2008-2009م، اسم (معركة الفرقان)، بينما سمت معركة 2012م معركة (حجارة السجيل).

ويأتي نجاح اسم (الفرقان) في المعركة التي ابتدأت بمجزرة الأجهزة الأمنية والشرطية المباغتة والصادمة بل والصاعقة أيضاً ... لكن حماس قد امتصت الضربة الأولى، وجاء اختيار التسمية تيمناً بمعركة بدر والتي كانت نصراً كبيراً ومفصلاً مهماً ومنعطفاً تاريخياً فاصلاً بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة القوة والتمكين (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)، ما يعني أن الروح المعنوية التي تكلل القيادة والتي يراد لها أن تبث في الجنود والأنصار وإلى الإخوة والأصدقاء، عالية ومتفائلة وواثقة بالنصر إلى درجة اليقين.

وبالمثل فإن تسمية معركة 2012م بحجارة السجيل عقب اغتيال الشهيد الجعبري، والرد على الاحتلال بالصواريخ التي طالت تل أبيب تتجلى فيها روح الانتصار وهزيمة العدو، ثم جاءت هذه المعركة (معركة العصف المأكول) لتقتبس اسمها من السورة ذاتها – سورة الفيل – مع فارق أن الحرب السابقة ركزت على الأداة والسلاح (حجارة السجيل) كما لو كانت ستكتفي بوصول الصواريخ إلى تل أبيب والقدس ولا يهمها ترغيم أنف العدو، بينما معركة العصف المأكول معنية بما تفعله من إثخان في العدو وجنوده خاصة. علماً بأن حجارة السجيل هي التي أدت إلى جعل جيش أبرهة كالعصف المأكول، وهنا يمكن أن نتوقع بأن قيادة المقاومة كانت ترى أن معركة السجيل كانت مقدمة لمعركة العصف المأكول، وأن معركة العصف المأكول ليست إلا امتداداً لمعركة حجارة السجيل، سيما وأن معركة السجيل قد توقفت سريعاً بتأثير موقف الرئيس المصري محمد مرسي.

 إن استحضار قصة أصحاب الفيل ومفردات السورة الكريمة: (حجارة السجيل، وطائرات الأبابيل، والعصف المأكول) في عناوين المعركة وأسماء الأسلحة، له أثر معنوي عظيم في نفسيات المجاهدين والشعب الفلسطيني وجبهة الأصدقاء عموماً، والتي تشمل كذلك العمق العربي والإسلامي، هذه الجبهة التي يحفظ صغارها وكبارها عن ظهر قلب سورة الفيل، ويعرفون جميعاً ما جرى لجيش أبرهة وقد ارتبطت القصة والسورة بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث دعي عام مولده بعام الفيل.. ولذلك فاستحضار القصة من خلال رمزية التسميات تؤدي إلى رفع المعنويات من خلال ما يأتي:

1)  التأكيد على قدسية المعركة: حيث العدو يستهدف المكان المقدس، الكعبة هناك، وهنا المسجد الأقصى والأرض المقدسة .. والطرف المهاجم هو ظالم ومعتد في الحالين، والاحتلال اليهودي جاثم في الأقصى وما حوله وبادئ ومبادر بالعدوان على قطاع غزة ومن فيه.

2)  أن المقاومين يشبهون الطير الأبابيل؛ فهم جنود الله وسلاحهم حجارة السجيل، فهي لا بد مصيبة أهدافها وفاعلة فيهم فعلها.

3) حتمية الانتصار المؤزر، واليقين بهزيمة الأعداء، فتلك حرب الله تعالى على أعدائه الذين يعتدون على المسجد الأقصى والأرض المقدسة، والمجاهدون جنوده وطيره الأبابيل، وهو سبحانه لا بد هازم أعداء دينه، وجاعلهم كالعصف المأكول، وبالتالي ناصر جنوده، ومن هنا يقاتل المجاهدون ويصمد معهم شعبهم، وهم متيقنون من نصر الله وعدالة قضيتهم.

وقد كان لافتاً في هذه المعركة والتي قبلها تعدد التسميات بحسب تعدد الفصائل، وربما كان أولى بجماعات المقاومة، كبراها قبل صغراها، أن توحد التسمية باعتبارها صفاً واحداً مع ما يتركه ذلك من رفع لمعنويات المقاومين والشعب عموماً، فضلاً عن الظهور بمظهر الجسم الواحد أمام الأعداء... ولكن يحسب لسرايا القدس أنها وبالرغم من اختيارها اسماً غير الذي اختارته كتائب القسام، إلا أن الاسم الذي اختارته وهو: ( البنيان المرصوص) والمشتق من مطلع سورة الصف، يؤكد للأصدقاء والأعداء على حد سواء أن المقاتلين صف واحد كالبنيان المرصوص، وهو ما عززه سلوك الجميع في ميدان الفعل العسكري والإعلامي والسياسي.

وكان من اللافت أيضاً أن اسم ( العصف المأكول) قد تأخر بعض الوقت، ومن كان يتابع فضائية حماس من غزة – الأقصى- فلا بد أنه لاحظ كيف أنهم وضمن متابعتهم لأحداث الضفة وما جرى عقب قصة اختفاء المستوطنين الثلاثة، واختطاف وقتل الفتى أبو خضير، والتفاعلات الشعبية المرافقة فقد اختارت فضائية الأقصى عنوان ( انتفاضة القدس)، وركزت عليه فترة غير قليلة، على اعتبار أن ما يجري هو انتفاضة جديدة، وبالتزامن مع ذلك كان السلوك الحمساوي في غزة يتميز بضبط النفس وتحذير الاحتلال من التورط في حرب على غزة، ولكن عندما ركب المحتلون رؤوسهم وتمادوا في غيهم، خرج أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام ليعلن بدء ( معركة العصف المأكول) ويتوقف ظهور عنوان: ( انتفاضة القدس)، وقد ركز أبو عبيدة كما ركز خالد مشعل وإسماعيل هنية في رسائلهم الأولى على أن حماس لم تكن البادئة بل حرصت على تجنب المعركة، وأنهم صبروا طويلاً على الأذى، لكن العدو لم يستمع للتحذيرات فبادر بالعدوان وارتكب المجازر.

ويظهر أن قيادة حماس كانت تعلم أو تستشعر الحرب التي تدبر ضدها في الضفة والقطاع، فتصبرت وضبطت نفسها، وأمهلت وحذرت، وأعذرت وأنذرت، كأنما أرادت أن تقول للعدو قبل الصديق أنها غير راغبة في خوض هذه الحرب، وأنها كانت كارهة مضطرة، وإذا لم يكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها.

 وأهمية ذلك أن يتعزز لدى الشعب والمحبين أنها ليست حركة مغامرة مجازفة متهورة، بل هي حركة راشدة عاقلة وازنة، حريصة على شعبها ومقدراته ولا يدفعها حتى حب الشهادة وعدالة القضية إلى الاستهانة بحياة جنودها... وثمة معنى آخر قد يستفاد من التصبر والإعذار وعدم المبادرة، وهو أن الدمار الذي سيحل والدماء التي ستسيل والمجازر التي ستقع، كلها مسؤولية من بدأ العدوان، لا مسؤولية من يرد ليردع ويمنع ويحمي.

 

ثانياً: سفر حزقيال ... بعد سورة الفيل!!

في إطار الحرب النفسية الموجهة لرفع الروح المعنوية للجبهة الداخلية، كانت سورة الفيل وما انبثق عنها من حجارة السجيل والعصف المأكول والطير الأبابيل، وبالمقابل فإن البيان الأول لأبي عبيدة والذي أعلن فيه بدء معركة العصف المأكول قد تضمن في خلفية الصورة، اقتباساً – نسخ ولصق -بالعبرية من سفر حزقيال، فيه نبوءة حزقيال: (الآن النهاية عليك، وأرسل غضبي عليك، وأحكم عليك كطرقك وأجلب عليك كل رجاستك، فلا تشفق عليك عيني ولا أعفو بل أجلب عليك طرقك، وتكون رجاستك في وسطك، فتعلمون أني أنا الرب)[1].

حيث " النبي هنا يتنبأ بالخراب الآتي على أرض إسرائيل، وأنه خراب نهائي وقريب جداً بل هو على الأبواب ولا يمكن تحاشيه، فقد جلبوه على أنفسهم بخطاياهم ولا يمكنهم الدفاع ضده لا بقوتهم ولا بثروتهم، بل حتى الهيكل الذي وضعوا فيه ثقتهم سيخرب، إذاً هو خراب عام"[2]

وهذا السفر يتكرر فيه الحديث عن غضب الرب على شعب إسرائيل نتيجة عصيانهم وكفرهم وجرائمهم، حيث جرى تشبيه فجورهم وخروجهم على تعاليم الرب بالزنى الذي نُسب إلى أورشليم والسامرة، وقد استخدم حزقيال (الزنا) كصورة مجازية حيث إنه كان يرى أن تاريخ الشعب كله منذ الخروج تاريخ عصيان[3].

والحرب النفسية في هذا الاقتباس أنها تقول للمحتلين، بنص كتابهم المقدس، إنكم اليوم كما كنتم بالأمس عصاة ظلمة معتدين، فعلتم كل ما يغضب الرب وارتكبتم كل رجاسة، ولذلك سيحل عليكم غضب الرب على أيدي الفلسطينيين هذه المرة، مثلما حل عليكم سابقاً على أيدي البابليين، ولن تنالكم شفقة الرب ولن يشملكم عفوه بل قد حكم عليكم الرب بالنهاية.

وإن نظرة سريعة لسفر حزقيال، وبالذات الإصحاح السابع الذي اقتبس منه بيان القسام يظهر شدة غضب الرب عليهم ومقدار ما ينتظرهم من عقابه:

1 وكان إليّ كلام الرب قائلا:

2 وأنت يا ابن آدم، فهكذا قال السيد الرب لأرض إسرائيل: نهاية قد جاءت النهاية على زوايا الأرض الأربع

3 الآن النهاية عليك، وأرسل غضبي عليك، وأحكم عليك كطرقك، وأجلب عليك كل رجاساتك

4 فلا تشفق عليك عيني، ولا أعفو، بل أجلب عليك طرقك وتكون رجاساتك في وسطك، فتعلمون أني أنا الرب

5 هكذا قال السيد الرب: شر شر وحيد هوذا قد أتى

6 نهاية قد جاءت. جاءت النهاية. انتبهت إليك. ها هي قد جاءت

7 انتهى الدور إليك أيها الساكن في الأرض. بلغ الوقت. اقترب يوم اضطراب، لا هتاف الجبال

8 الآن عن قريب أصب رجزي عليك، وأتمم سخطي عليك، وأحكم عليك كطرقك، وأجلب عليك كل رجاساتك

9 فلا تشفق عيني، ولا أعفو، بل أجلب عليك كطرقك، ورجاساتك تكون في وسطك، فتعلمون أني أنا الرب الضارب

10 ها هوذا اليوم، ها هوذا قد جاء دارت الدائرة. أزهرت العصا. أفرخت الكبرياء

11 قام الظلم إلى عصا الشر. لا يبقى منهم ولا من ثروتهم ولا من ضجيجهم، ولا نوح عليهم

12 قد جاء الوقت. بلغ اليوم. فلا يفرحن الشاري، ولا يحزنن البائع، لأن الغضب على كل جمهورهم

13 لأن البائع لن يعود إلى المبيع، وإن كانوا بعد بين الأحياء. لأن الرؤيا على كل جمهورها فلا يعود، والإنسان بإثمه لا يشدد حياته

14 قد نفخوا في البوق وأعدوا الكل، ولا ذاهب إلى القتال، لأن غضبي على كل جمهورهم

15 السيف من خارج، والوباء والجوع من داخل. الذي هو في الحقل يموت بالسيف، والذي هو في المدينة يأكله الجوع والوباء

16 وينفلت منهم منفلتون ويكونون على الجبال كحمام الأوطئة. كلهم يهدرون كل واحد على إثمه

17 كل الأيدي ترتخي، وكل الركب تصير ماء

18 ويتنطقون بالمسح ويغشاهم رعب، وعلى جميع الوجوه خزي، وعلى جميع رؤوسهم قرع

19 يلقون فضتهم في الشوارع، وذهبهم يكون لنجاسة. لا تستطيع فضتهم وذهبهم إنقاذهم في يوم غضب الرب. لا يشبعون منهما أنفسهم، ولا يملأون جوفهم، لأنهما صارا معثرة إثمهم

20 أما بهجة زينته فجعلها للكبرياء. جعلوا فيها أصنام مكرهاتهم، رجاساتهم، لأجل ذلك جعلتها لهم نجاسة

21 أسلمها إلى أيدي الغرباء للنهب، وإلى أشرار الأرض سلبا فينجسونها

22 وأحول وجهي عنهم فينجسون سري، ويدخله المعتنفون وينجسونه

23 اصنع السلسلة لأن الأرض قد امتلأت من أحكام الدم، والمدينة امتلأت من الظلم

24 فآتي بأشر الأمم فيرثون بيوتهم، وأبيد كبرياء الأشداء فتتنجس مقادسهم

25 الرعب آت فيطلبون السلام ولا يكون

26 ستأتي مصيبة على مصيبة، ويكون خبر على خبر، فيطلبون رؤيا من النبي، والشريعة تباد عن الكاهن، والمشورة عن الشيوخ

27 الملك ينوح والرئيس يلبس حيرة، وأيدي شعب الأرض ترجف. كطريقهم أصنع بهم، وكأحكامهم أحكم عليهم، فيعلمون أني أنا الرب)[4].

 

فهذا النص يتكرر فيه الحديث عن النهاية، وعن غضب الرب وعدم شفقته عليهم أو عفوه عنهم، وشمول العقاب للكبار والصغار وللرؤساء والمرؤوسين، والعقوبة لها جانبان: داخلي كالأوبئة والجوع، وسيف الأعداء والخزي عليهم من الخارج.

 وبالتالي فإن مجرد إيراد فقرتين من الإصحاح ضمن بيان القسام، مع الإشارة إلى مصدرها – سفر حزقيال -كافٍ في التذكير بباقي الإصحاح وما فيه من التهديد، ما يفعل فعله في نفوس المؤمنين بهذا الكتاب من يقين بالعقوبة وتحقق للهزيمة.

إن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد زاخر بما يصلح للحرب النفسية ضد المحتلين، حتى ليمكن اعتباره أكثر النصوص " معاداة للسامية" بحسب المواصفات والمقاييس الصهيونية!!، وإن بالإمكان الإكثار من الاقتباس منه للتأثير في نفسياتهم من جهة، وللتأثير في الغربيين المؤمنين بالكتاب المقدس، وتقريب مواقفهم لصالح القضية، أو تقليل انحيازهم وضمان حيادهم في الحد الأدنى.

وعلى سبيل المثال فقد لوحظ أن بعض الجنود قد وصفوا المقاومين بالعماليق الذين يبلغ طول أحدهم ثلاثة أمتار ولا يؤثر فيهم الرصاص، وذلك من تأثير حكايات العهد القديم، ما يعني مزيد الإمكانيات للاستفادة من هذا التراث.

وقد ذكرت بعض المصادر أن المقاومين الفلسطينيين أنشأوا موقعاً إلكترونيا باللغة العبرية موجهاً للمحتلين، ولم يتسن للكاتب الاطلاع عليه لعدم معرفته بالعبرية، ويبقى السؤال: ما نسبة الجمهور الإسرائيلي الذي يمكن أن تصله رسائل المقاومين؟ ثم ما درجة إتقان المقاومين للغة العبرية حتى لا يؤثر ضعف الأداء اللغوي على مفعول الرسائل؟ وما درجة تعمقهم في الثقافة الصهيونية بمختلف جوانبها لاستخدامها في الحرب النفسية؟ والأهم من ذلك كله هو واقع المقاومة والشعب الفلسطيني في المواجهة إذ هو الفيصل والأساس.

ثالثاً: المفاجآت

في العام 2008/ 2009، كانت " إسرائيل" هي صاحبة الصدمة الأولى والمفاجأة الصاعقة، وكذلك كان الحال في العام 2012، بعكس الحال في هذه المرة، ولعل مما حال دون وقوع مفاجأة من العيار الثقيل، تسلسل الأحداث من جهة، واستشعار حماس المبني على وقائع وتحليلات، وربما معلومات أيضاً، لشيء ما يدور في الأفق، فقد كان إضراب الأسرى الإداريين، والتفاعلات الشعبية المرافقة، وما سمي بحكومة التوافق، والأحداث التي رافقت وتلت قصة المستوطنين الثلاثة، وخطف الفتى أبو خضير وحرقه، والجنون الإسرائيلي المبالغ فيه في الحرب على حماس وكل ما يتصل بها، وتوجيه أصابع الاتهام إلى غزة والتحرش بها وبأهلها، كل ذلك فيما يبدو أعطى مؤشراً لقادة المقاومة السياسيين والعسكريين، كي يأخذوا حذرهم ويحتاطوا لإمكان مباغتتهم من قبل العدو، الذي يسعى لتحقيق إنجازات معنوية في هذه المعركة.

ومعنى عدم تمكن العدو من تحقيق مفاجآت واصطياد قيادات طيلة الحرب، وقلة الشهداء من المقاومين بالرغم إثخانهم فيه، وكذلك استمرار إطلاق الصواريخ بالرغم من ادعاءات الاحتلال تحطيم منصاتها وقواعدها ومخازنها، أن عيونه التي كان يعتمد عليها سابقاً قد اقتلعت، وأن ما تبقى منها قد جرى تضليله أو استتابته وبالتالي قيامه بدور معاكس.

وفي الوقت الذي عجز فيه المحتلون عن تحقيق مفاجآت في المقاومين، فإن المقاومين قد حققوا العديد من المفاجآت الكبيرة والتي كانت لها آثارها العظيمة لدى الشارع الفلسطيني وعمقه العربي والإسلامي، ومن جهة أخرى آثارها الصاعقة في العدو جنوده وقيادته ومستوطنيه وحلفائه... وكل واحدة من تلك المفاجآت تعتبر ملحمة وأسطورة بحد ذاتها:

1) زيكيم والإنزال البحري: حيث إن اقتحام تلك القاعدة العسكرية البحرية ومهاجمة الجنود فيها وتصوير وبث مشاهد من العملية، وفيما بعد عرض لمشاهد الضفادع البشرية القسامية وهم يؤدون الصلاة في البحر، والحديث عن وصولهم زيكيم سباحة أو في زوارق، كل ذلك يبعث على النشوة والاعتزاز لدى الجمهور الفلسطيني ويعمق الانتماء والولاء للمقاومين، ويرسخ معاني الإيمان والحب.

 

2) الإنزال في المعسكرات والمستوطنات: وذلك باستخدام الأنفاق، وتكرار ذلك، ومهاجمة الجنود، والعودة بسلام أو بخسائر محدودة، وتصوير بعض العمليات، وما يفعله ذلك في معنويات المستوطنين الذين غادر أكثرهم المستوطنات القريبة من القطاع، وتكرر محاولات أسر جنود حتى اضطرت قيادات الاحتلال، ربما أكثر من مرة، إلى قتل العديد من جنودهم قبل اكتمال عملية الأسر.

 وإذا كانت هذه العمليات تظهر مدى شجاعة وفدائية المجاهدين، فإنها كذلك تظهر مقدار السكينة التي يتمتعون بها، ودرجة التحكم العالية التي يتحلون بها، وحرص قيادتهم عليهم أن يرجعوا سالمين لمعاودة الكرة، وفي ذلك تأكيد على أن الاقتصاد في الأرواح متزامن مع الاقتصاد في النيران.

وبمناسبة الإنزال فإن مفاجأة شبكات الأنفاق، وامتداداتها في قطاع غزة وخارجها وبلوغها عدداً من المعسكرات والمستوطنات، تشكل واحدة من أبلغ المفاجآت الصاعقة للعدو وقيادته، حتى ليصرح نتانياهو بأن حماس قد أعدت سلاحين استراتيجيين ضدهم هما الصواريخ والأنفاق.

إن تخيل كمّ الأنفاق وامتداداتها وأطوالها والجهود المبذولة فيها، وما يمكن أن نتخيله من (غزة التحتا)، وهل هي غزة واحدة أم غزات!! والتي تشتمل أماكن التدريب وتصنيع الأسلحة وتخزينها، ومخابئ المقاومين ومقار قياداتهم، كل ذلك يبعث على الدهشة الإعجاب والتقدير والاحترام، لهذه العقول الجبارة والإرادات القهارة والعزائم الصادقة والجهود الدائمة التي لا يصيبها الملل ولا الكلل.

3) أسر الجنود واغتنام أسلحتهم: مع أن أحد الأسباب الظاهرة الرئيسة للمعركة هي ما يقال عن أسر المستوطنين الثلاثة، وتهديد المقاومة بأنها ستأسر جنوداً إذا غامر المحتلون بالعدوان، فإن المفاجأة الصاعقة التي حلت على رؤوس القادة الصهاينة كانت إعلان القسام أسر أحد الجنود، وقد تجاهلوا الأمر في البداية، ثم ادعوا أنهم يفحصون الأمر، ثم اضطروا إلى القول إن الجندي المفقود معدود في القتلى، كي يستفزوا المقاومين لتأكيد هذا الزعم أو نفيه، لكن المقاومين تناسوا الموضوع باعتبار أنه قضية مستقلة تبحث فيما بعد، تاركين للتفاعلات السلبية أن تأخذ دورها في الشارع الإسرائيلي بمستوياته السياسية والأمنية والإعلامية والعسكرية والمدنية.

والحق أن خبر أسر الجندي أرون قد كان له مفعول السحر في الشارع الفلسطيني، ولعله من أكبر العوامل التي أدت إلى مزيد من الالتفاف حول المقاومة ومضاعفة الصبر والتحمل لمجازر المحتلين، ولم يتمالك الكثيرون أنفسهم في التعبير عن تأييدهم ومناصرتهم للمقاومين حتى من خصوم حماس في الشارع الفلسطيني، إلى الحد الذي غير البعض من السياسيين والإعلاميين جلودهم وصارت ألسنتهم تتحدث بلغة غير التي اعتادوا عليها، وحتى عندما زعمت مصادر الاحتلال أسر جندي آخر وقامت بمجازر بشعة خاصة في رفح، فإن النشوة المرافقة لهذه الشائعة قد هونت وخففت كثيراً من آثار تلك المجازر.

ونستطيع أن نقرر وبحق معادلة معاكسة لما هو معتاد من أن: الصمود يصنع النصر، لنؤكد بأن بعض الانتصارات الجزئية المتمثلة في عمليات الأسر وغيرها تؤدي إلى مزيد من الصمود المؤدي بالضرورة إلى النصر الأكيد في قابل الأيام.

4) الصناعات العسكرية: كل ما في معركة العصف المأكول يرد الروح ويبعث على الانتشاء ويشعر بالعزة والكرامة، ومن أبرز هذه العناصر مصطلح صناعاتنا العسكرية!!

إن الكلمة كبيرة كبيرة، ومحملة ومشحونة بالكثير من الظلال والإيحاءات، ويكفي أنها ترتبط بالدول العظمى والقوية والمتقدمة، وهي تبرز الإرادة والتصميم وتبعث على تساؤلات من مثل: أين هذه المصانع ومتى وكيف أقمتموها؟ وماذا لديكم من مخترعات غيرها؟، ولم غفلت دولنا العربية بمئات ملايين سكانها وتريليونات خزائنها وقصرت وعجزت عن أن تفعل شيئاً مشابهاً.

وقد كان بداية الإعلان عن هذا الحدث الصاعق للاحتلال والأعداء، والمدهش المبهج لجبهة الإخوة والأصدقاء، من قبل العدو ذاته إذ أعلن إسقاط طائرتين دون طيار في منطقتي القدس وتل أبيب فيما أذكر، لتبادر المقاومة إلى إعلان أن صناعاتها العسكرية قد أنتجت ثلاثة أصناف من طائرة الأبابيل، ثم تعرضها وهي تطير في سماء فلسطين.

ثم تعود الصناعات العسكرية لتعرض لنا البندقية القناصة (الغول) وتخبرنا بأن عدداً من حالات القنص التي عرضت أفلامها كانت باستخدام هذه البندقية.

كل ذلك دون أن ننسى صناعة الصواريخ والتي كدنا ننسى معجزة صناعتها وتطويرها وما بلغته من مدى وما تحتويه من قدرة تدميرية ودقة في الإصابة، وما تثيره من رعب في جبهة الأعداء، خاصة مع عجز القبة الحديدية عن إيقافها.

رابعاً: مفاجأة اللامفاجأة: ولعل هذه من أبلغ المفاجآت في المعركة، وذلك حين صدر بيان القسام الناطق بالعربية والعبرية يعلن بأنه سيقصف تل أبيب في ساعة محددة، داعياً وسائل الإعلام إلى الترقب والتصوير، ومطالباً المدنيين بأخذ الحذر!!

والمفاجأة تتمثل ابتداء في جانب التحدي الصارخ والذي يقول للمحتلين الذين تغطي طياراتهم سماء غزة: لن تستطيعوا وقف الصواريخ ولا تحديد منصاتها، ولن تقدر قبتكم الحديدية على اعتراضها، وستضربكم في رمز دولتكم وقمة مأمنكم، وسنشل حياتكم ونوقف نشاطكم وندفعكم إلى الملاجئ.

ومن جوانب قوة هذه الرسالة أن قيادة الاحتلال لا يمكنها إخفاءها، بل لا بد وأن تعيد نشرها في أوساط الإسرائيليين مع كل ما يرافقها أو يستتبعها من مشاعر القلق والذعر واضطرار الجمهور نحو الملاجئ.

واللافت أن هذه الرسالة قد استخدمت عبارة لطيفة لسكان تل أبيب حين دعت المدنيين لأخذ الحذر، ولم تستخدم عبارات مستفزة كأن تطالبهم بأن يفروا إلى الملاجئ كالفئران!

ومثل هذه الرسالة تؤدي وظيفة بث الرعب في صفوف المحتلين وتظهر عجز جيشهم وقيادتهم عن حماية شعبهم أو اعتراض سلاح المقاومة، وفي الوقت ذاته تبث مشاعر الثقة والتأييد والانتشاء في الشارع الفلسطيني.

ولا ننسى أن قصف تل أبيب له مفعول السحر لدى الفلسطينيين، إذ هي العاصمة الفعلية ورمز الكيان وأكثر مدنه شعوراً بالأمان، وكانت الأمنية القديمة والدائمة لدى الجماهير الفلسطينية والعربية أن تنال الجيوش أو المقاومون من هذا الرمز سيما والكرة دائماً في ملاعبنا، حيث جاءت المقاومة لتجعل من هذا الحلم حقيقة واقعة وحدثاً مشاهدا ومتكرراً.

خامساً: النقطة صفر

تكرر في بيانات المقاومة حديثهم عن قتال جنود الاحتلال من النقطة صفر، بمعنى أن القتال كان وجها لوجه، الأمر الذي يبرز شجاعة المقاومين وإقدامهم بالمقارنة مع جنود الأعداء، وقد أعطى المقاومون للصفر قيمة تساوي أضعاف ما يساويه أو يؤدي إليه حتى ولو كان إلى جهة اليمين.

وإلى جانب ذلك فقد كان المقاومون لا يحتسبون في قتلى الصهاينة إلا من يقتلونهم من المسافة صفر أو ما يقاربها، ولم يحصوا بالتالي ولم يقدروا خسائر العدو الناجمة عن قصف الحشود والقنص وإطلاق الصواريخ، كما أنهم كانوا يعلنون عن عدد الشهداء فيهم، حيث كانت بيانتهم مدعمة بالشواهد والصور حتى ليضطر الاحتلال إلى الاعتراف بما كان تجاهله، الأمر الذي يعزز مصداقيتهم في مقابل اهتزاز مصداقية مصادر الاحتلال الذي كان يضطر الكثير من مراسليه إلى إنهاء تقاريرهم بالقول: هذا ما سمح به الرقيب العسكري.

والحق أن الزمن الذي كان فيه العرب والفلسطينيون يبحثون عن أخبارهم في وسائل الإعلام الأجنبية كإذاعة مونتي كارلو والبي بي سي، وحتى إذاعة الاحتلال، قد ولى إلى غير رجعة، وهنا فإن مصادر المقاومة ووسائل إعلامها قد أضحت موضع الثقة والاحترام من شعبها وأمتها، لا بل إن المحتلين أنفسهم قد أصبحوا يثقون بالناطقين الفلسطينيين أكثر من ثقتهم بمسؤوليهم، وهو ما اتضح عندما رفض الكثيرون من سكان مستوطنات ( غلاف غزة ) العودة عندما طلبت منهم قيادتهم ذلك، ولم يعودوا إلا بعدما صرح مسؤول فلسطيني من القاهرة ببدء سريان الهدنة.

سادساً: الاقتصاد في النيران

على مدار الساعة كانت شاشات فضائيات المقاومة تبث أخبار القصف والصواريخ، فتتحدث مرة عن إطلاق صاروخ باتجاه تل أبيب، وثلاثة من طراز جراد على منطقة كذا، وعدد من قذائف الهاون باتجاه حشود، وعبوة برميلية أو صاروخ كورنيت باتجاه دبابة أو ناقلة جند، وغالباً ما كان يذكر العدد المحدد لما أُطلق، ما يعني أن القيادة في غاية التعقل والتحكم والسيطرة، وعلى دراية فائقة ووعي كامل بالأهداف المقصودة، وتوزيع النيران على مختلف المناطق ضمن الخطة وبحسب الواقع والأهداف.

لقد كان مدهشاً طلب الإسرائيليين لشحنات أسلحة إضافية بالرغم من كونها تمتلك ترسانة كبيرة من السلاح الأمريكي والأوروبي وبالرغم من كون دولة الاحتلال من الدول المصدرة للسلاح، فضلاً عن تصريحاتهم بأن صواريخ القبة الحديدية قد نفدت أو كادت، بينما المقاومون ذوو السلاح القليل النادر المقطوع عن الإمداد والمحاصر والمحارب من الجميع، ظلوا قادرين على الاستمرار بالوتيرة ذاتها وحتى اللحظة الأخيرة، بل والتلويح بالاستئناف إن لم يستجب المحتلون لمطالبهم.

وبينما يظهر الاقتصاد في النيران لدى المقاومين تعقلاً وحكمة وشعوراً بالثقة وصلابة في الموقف، فإن الجنون الإسرائيلي والإسراف في النيران يعكس قدراً كبيراً من القلق والتوتر وفقدان السيطرة وضعف التحكم واهتزاز الموقف، فضلاً عن الشعور بالفشل والإخفاق بسبب عدم القدرة على تحقيق الأهداف الكبيرة من وقف الصواريخ والقضاء على المقاومين وقادتهم، أو النجاح في إنهاء الأنفاق والتقدم في الحرب البرية.

إن الاقتصاد في النيران ومثله الاقتصاد في الأرواح والحرص على عودة المقاومين بسلام، يعكس نظرة استراتيجية لدى المقاومين فحواها أن هذه جولة ستتبعها جولات حتى بلوغ معركة التحرير النهائية، وبالتالي يجب الاقتصاد بالأرواح والعتاد استعداداً لذلك اليوم.

 سادساً: طهارة السلاح وأخلاقيات الفروسية

في الوقت الذي أوغل فيه جيش الاحتلال تقتيلاً في الأطفال والنساء والمدنيين عموما، واستهدف طواقم الإسعاف والصحافيين ورجال الدفاع المدني، فإن المقاومين قد حرصوا على مقاتلة الجند واستهداف أبراجهم معسكراتهم وآلياتهم وحشودهم، وحتى عندما كان بعض المقاومين يتسللون إلى إحدى المستوطنات فإنهم كانوا يتركون الأهداف المدنية انتظاراً لحضور الجنود.

ومثل هذا السلوك من جهة، يبرز مقدار شجاعتهم ويضاعف ثقة شعبهم بهم وتأييدهم لهم والتفافهم حولهم، ومن جهة أخرى يهز ثقة الجمهور الإسرائيلي في جيشه الذي لا يقهر، ويشعره بالخوف وعدم الأمان، ويزيد من عدد الراغبين في التهرب من الجندية.

إن سلوك المقاومين هو سلوك من يرى أنه يمثل المستقبل وأنه صاحب رسالة وامتداد حضارة، ولذلك فهو يتحرج حتى مما تتيحه له الشرائع الأرضية قبل السماوية من مقاومة مغتصبي أرضه ولو لم يرتدوا لباس الحرب، ذلك أنه حريص على صورته من أي خدش أو تشويه، أما السلوك الإسرائيلي فهو سلوك المنتحر المندحر ولا يهمه ما يقال عنه أو بعده.

وفي الختام، فإن الخطاب الصادر عن المقاومة سواء منه القولي أو الفعلي، وما كان منه مكتوباً أو بالصورة، ما نطق به اللسان أو صدحت به الأسلحة والنيران، كل ذلك قد فعل فعله في الجبهة الداخلية أو الجبهات الخارجية؛ فعلى المستوى الداخلي زاد من الالتفاف الجماهيري، وجمّع حوله حتى الخصوم السياسيين، ووحد الصف الداخلي،  وأكد عدالة القضية، وعزز الثقة بإمكانية تحقيق الانتصار وهزيمة المحتلين، بعد أن كان ذلك ضرباً من المستحيل، وفي المقابل فإنه زلزل معنويات المحتلين وأضعف ثقتهم بجيشهم وساستهم، بل وهز ثقة حلفاء المحتل في قدراته على البقاء والصمود على هذه الأرض وحماية مصالحهم في المنطقة. 

 

[1]) العهدالقديم: (سفرحزقيال:7: 3-4)

[2]) شرح الكتاب المقدس -العهدالقديم – القس أنطونيوس فكري، http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Antonious-Fekry/31-Sefr-Hazkyal/Tafseer-Sefr-Hazkial__01-Chapter-07.html

[3]) المسيري، د عبد الوهاب، موسوعة اليهود واليهودية، http://www.elmessiri.com/encyclopedia/JEWISH/ENCYCLOPID/MG5/GZ2/BA05/MD14.HTM

[4]) سفر حزقيال: الإصحاح السابع (1-27).

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website