العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 2014: قراءة أولية - تيسير محيسن - عدد 257

العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 2014: قراءة أولية!

م.تيسير محيسن[*]

تزامن الانتهاء من إعداد هذا التقرير مع إعلان الاتفاق على تهدئة جديدة لمدة خمسة أيام تبدأ يوم الخميس الموافق 14 آب (أغسطس) 2014. مضى على بداية العدوان الإسرائيلي 36 يوما، ومن غير المعروف بعد كيف يمكن أن ينتهي ومتى؟ هناك ثلاثة سيناريوهات: أن تنتهي مفاوضات القاهرة إلى اتفاق ينهي العدوان ويستجيب لبعض مطالب الطرفين، أن تستمر المفاوضات لفترة زمنية طويلة دون التوصل إلى اتفاق نهائي، ويتخللها بين الحين والآخر "إطلاق نار"، الثالث أن ينسحب أحد الطرفين أو كلاهما وتتوقف المفاوضات لتندلع المواجهة العسكرية مرة أخرى "إطلاق نار منخفض ومسيطر عليه".

وفي كل الأحوال، يبدو واضحا أن هذه الجولة من الصراع قد انتهت بطريقة أو بأخرى، وأن حال قطاع غزة في قادم الأيام لن يكون كما كان عليه قبل بدء العدوان. الحروب لا تخلف ركاما وقتلى فحسب، وإنما ندوبا وجروحا لا تندمل! والأخطر أنها تخلق، بالضرورة، واقعا جديدا مهما علت نبرات الانتصار أو ناحت بوم الهزائم!

بعيد توقيع "اتفاق الشاطئ"، طلب مني الأستاذ سميح شبيب إعداد تقرير يرصد ويتابع ويحلل خطوات المصالحة المجتمعية وإجراءاتها. أثناء انشغالي بالتحضير وجمع المعلومات وتصميم الإطار التحليلي للمادة، انتابني شعور غير مريح أن الأمور ليست على ما تبدو عليه؛ فكيف لموضوع بحجم "المصالحة المجتمعية" وخطورتها أن يُعالج في غياب شرطها الأساسي: الإنجاز الوطني والاستقرار السياسي؟

مع بدء العدوان الإسرائيلي "الجرف الصامد"، اتصل رئيس التحرير مرة أخرى طالباً تغيير الموضوع، ليتناول العدوان، أسبابه وتداعياته ومجرياته! والحق أنني قبلت على مضض لسببين: الأول يتعلق بظروفي الخاصة بوصفي أحد النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة بيوتهم ومحل سكناهم، إذ يقع منزلي في حي الشجاعية على مسافة لا تتجاوز 500م من خط الهدنة. السبب الثاني، أن لي رأيا فيما يحدث يختلف عن المزاج العام السائد في أوساط شعبنا، ولا أريد أن أغرد خارج السرب وسيل الدماء الطاهرة يغطي أنحاء القطاع.

وعليه، أرجو من قراء المجلة الكرام اعتبار هذا التقرير مجرد سرد انطباعي، يجمع بين القص والتحليل وينطوي على وجهة نظر شخصية لم تتبلور فقط "تحت وطأة القصف" وإنما نابعة من رؤية شاملة لطبيعة الصراع وأبعاده. التقرير يرصد بعض التفاصيل، تلك التي لم تستطع وسائل الإعلام أو ربما لم ترغب في تغطيتها، مشيراً في الوقت ذاته إلى المعاني والدلالات السياسية والإستراتيجية لهذا العدوان وما يمكن أن يفضي إليه، والتعقيب على بعض المواقف والتحليلات التي انهالت علينا من كل حدب وصوب، حتى بدا أنه من الصعوبة بمكان فهم ما الذي يحدث على وجه الدقة؟

لا يمكن فهم أسباب عدوان "الجرف الصامد" وأبعاده، خارج سياق 3 لحظات سياسية: المصالحة وألغام حكومة التوافق (الرواتب، الأمن، السياسة)، الوضع السياسي والحزبي داخل إسرائيل، أوضاع الإقليم والإعلان عن دولة الخلافة الإسلامية والمنظور الأمريكي. وبالطبع، دائما في سياق المنظور الإستراتيجي لمعضلة غزة من الجانب الإسرائيلي.

شكل قطاع غزة ولا زال معضلة بالنسبة لإسرائيل؛ من حيث ضيق مساحته مع كثافة سكانية هائلة، قلة الموارد والضغط الناجم عن ذلك، انتماء غالبية سكانه إلى اللاجئين الذين يرون بقايا بيوتهم بالعين المجردة ما يؤجج إصرارهم على النضال من أجل العودة، وجود تشكيلات عسكرية مدربة ومجهزة وقادرة، احتمالية أن تتحول غزة إلى رأس حربة مدعومة من دولة إقليمية قوية أو تحالف إقليمي قوي، وقوع قطاع غزة في منطقة تقاطع النيران بين إسرائيل ومصر واعتبار القطاع امتدادا طبيعيا لشبه صحراء سيناء. لهذه الأسباب، مضافا إليها صلابة أهل غزة، وقدرتهم الفائقة على الصمود والتحمل والمقاومة؛ يبقى قطاع غزة معضلة حقيقية، تسعى إسرائيل، مثلما فعلت دوماً، للتخلص منها.

في إطار التعامل مع هذه المعضلة بعد الفصل أحادي الجانب شنت إسرائيل ثلاثة حروب، في سياق متصل من الحصار والتحكم في منافذ القطاع؛ حملت أسماء موحية بدلالات دينية وإستراتيجية وأمنية: فمن الرصاص المصبوب إلى عامود الدفاع إلى الجرف الصامد. السمات المشتركة لهذه الحروب العدوانية عديدة، غير أن السمة الأهم من وجهة نظري أنها شنت في أزمان سياسية مصرية مختلفة (نظام مبارك، نظام محمد مرسي، القيادة الجديدة بعد انتخاب عبد الفتاح السيسي). هل لذلك دلالة ما؟ بالتأكيد. إسرائيل التي قوضت حل الدولتين، لا زالت تسعى إلى الحل الإقليمي وكخطوة أولى زعزعة الشرعية الفلسطينية ووحدة التمثيل، وتكريس فصل قطاع غزة. ترى إسرائيل أن السياق الإقليمي الذي يشهد صراعا قد يفضي إلى كيانات طائفية ومذهبية أو إلى حرب الكل ضد الكل أي "الفوضى غير الخلاقة"، ربما يساعدها على تحقيق مآربها.

في أعقاب فشل المفاوضات نهاية نيسان (إبريل) 2014، شكلت الدينامية السياسية الناجمة عن الخطوات والقرارات التي اتخذها الرئيس محمود عباس، ملامح إستراتيجية جديدة، يقع في القلب منها هدف تحصين الموقف الفلسطيني المستند إلى وحدة وطنية حقيقية في مواجهة الاحتمالات التالية: الاضطرار للقبول بتمديد المفاوضات، رفض التمديد وتحمل تبعات ذلك، انتزاع اعتراف العالم بحكومة التوافق الوطني. وكان من المتوقع ألا يتأخر الرد الإسرائيلي. بالتأكيد لم تفاجأ إسرائيل بخطوات الرئيس، وهو ما لا ينتقص من أهميتها. يذهب البعض حد الاعتقاد أن إسرائيل ربما تكون دفعت الرئيس دفعا إلى هذه "الزاوية".

راهن الرئيس على تحقيق إنجاز وطني عبر المفاوضات يمكّنه من استعادة غزة واستعادة الكل الوطني في إطار دولة فلسطينية مقبولة ومعترف بها. ولما لم تمكّنه إسرائيل من ذلك، وواصلت سياسة فرض الأمر الواقع في الضفة الغربية، وتنكرت الولايات المتحدة لوعودها ومارست الضغط والابتزاز على السلطة، قرر الرئيس العودة إلى غزة (أو استعادة غزة) ولكن هذه المرة عبر المصالحة، فيما يشبه الخطوة الاحتجاجية.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة أقلقت حكومة نتنياهو كثيرا. مصدر القلق الإسرائيلي يتمثل في أمرين: المصالحة تقطع الطريق على الإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تحديد مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 بشكل منفصل ضمن رؤيتها للحل الإقليمي، والأمر الثاني، على عكس ادعاء إسرائيل، خشيتها من اقتراب حماس من برنامج الرئيس، وبالتالي بلورة إستراتيجية وطنية جديدة تنفي إخفاقات العملية التفاوضية وتعقلن المقاومة ضمن مفهوم أوسع على النحو الذي اتفق عليه الرئيس عباس مع رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل نهاية 2012 في القاهرة. أثبتت الأحداث التالية أن هذا القلق سرعان ما تحول إلى سياسة ترجمت إلى ممارسات في الضفة الغربية ومن ثم في قطاع غزة.

القصف المدفعي العشوائي: تعبير عن القلق واستحضار لسياسة الاقتلاع والتشريد!

في مؤتمر صحفي بمستشفى الشفاء، وقبل انسحاب قوات الاحتلال منه بفترة وجيزة بموجب اتفاقية أوسلو، أجاب حاييم رامون، وزير الصحة في حكومة إسحق رابين آنذاك على سؤال يتعلق بمستقبل العلاقة مع قطاع غزة وطبيعة الرد الإسرائيلي في حال استمر الفلسطينيون في مقاومتهم، قائلاً "من مزايا الانسحاب من غزة" أنه يطلق يد جيش الدفاع الإسرائيلي للتعامل في مثل هذه الحالات كما يتعامل مع جنوب لبنان. ثم أفصح قائلا: القصف المدفعي!

حرب إسرائيل 2014 على قطاع غزة هي حرب القصف المدفعي العشوائي بامتياز! وما كان لحوالي نصف مليون أن يتركوا بيوتهم لولا هول ما اختبروه في سويعات من قصف مروع! قالت امرأة نازحة فقدت خمسة من أفراد أسرتها "لم نصدق اتصالاتهم وتحذيراتهم عبر الجوال أو التليفون الأرضي" واعتبرناها مجرد حرب نفسية كما روجت لذلك الإذاعات المحلية، وأضافت باكية "حوصرنا في المنزل حوالي 19 فردا بينهم أطفال وكبار سن ومعاقين، نتنقل مذعورين بين زوايا المنزل اتقاء الشظايا المتناثرة في كل مكان مع أصوات انفجار مزمجرة ومرعبة تصم الآذان. وحين أدركنا أننا سنموت حتما إذا ما بقينا، قررنا أن نخرج تحت وابل القصف... تفرقت بنا السبل ونحن نجري لاهثين وسط لهب القذائف وفرقعتها وتناثر شظاياها،،، لم يلتفت أحدنا للآخر، انتهى المطاف بنا في مستشفى الشفاء وإذا عددنا فقط 14، وبعد خمسة أيام اكتشفنا أن البقية قادهم حتفهم إلى أقارب لنا في شارع النزاز ليستشهدوا مع أصحاب المنزل بهدمه فوق رؤوسهم جميعا"!!

هذا ونقل عن شهود عيان، أن ما لا يقل عن خمسة آلاف من سكان خزاعة قد خرجوا من بيوتهم بعد تعرضهم للقصف المدفعي العنيف والمتواصل، وجنود الاحتلال يلاحقونهم من فوق ظهور الدبابات بالقنص حتى تمكنوا من الوصول إلى مشارف عبسان لتتفرق بهم السبل إلى مراكز الإيواء ولتحمل سيارات الإسعاف المصابين والجرحى، بينما بقيت جثث القتلى تحت الركام في القرية بضعة أيام.

شنت إسرائيل حربها العدوانية خلال شهر على ثلاث مراحل: الأولى هدفت إلى استدراج المجموعات المسلحة باستفزازها وقتل 6 من كتائب القسام في رفح، لتواصل بعد ذلك استهداف بعض المطلوبين ونسف بيوت بعضهم وقد أطلقت عليها تعبير "بيوت القادة" بعد تحذير سكانها بإطلاق "صاروخ زنانة" ومنحهم خمس دقائق للإخلاء، في كثير من الأحيان والحالات قُصفت المنازل دون تحذير من طائرات أف 16.

المرحلة الثانية سميت بالحرب البرية وهو تعبير غير دقيق على كل الأحوال، فالسلاح الرئيس كان القصف المدفعي ولم تتوغل الآليات العسكرية أو الجنود إلا لمسافات محدودة أو لغايات محددة. الحرب البرية هو الاسم الرسمي لعملية "اقتلاع وتشريد" غير مسبوقة في قطاع غزة منذ عام 1948، عبر مجازر مروعة في الشجاعية وخزاعة وبيت حانون ورفح على التوالي وبنفس الطريقة تقريباً وباستخدام ذات الذرائع، ليصل عدد النازحين حوالي نصف مليون إنسان. بالتأكيد لن تسعى إسرائيل إلى احتلال هذه الأراضي مباشرة، ناهيك عن الاستيطان فيها، ولكن من غير المعروف حتى الآن، هل تسمح بعودة النازحين إلى مناطقهم المدمرة بالكامل؟ كيف؟ ومتى؟

لجأ النازحون إلى مناطق غرب شارع صلاح الدين، وسط مدينة غزة والزوايدة ودير البلح ومخيم النصيرات ومدينة خانيونس وغرب رفح. استوعبت مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث اللاجئين تلثهم تقريباً في مدارسها التي تعرض بعضها للقصف وإيقاع خسائر بالنازحين. البقية لجأت إلى ما يمكن تسميته بالإيواء الأهلي لدى الأقارب والأصدقاء أو في المرافق العامة كالمستشفيات ومقرات المؤسسات والأحزاب والحدائق العامة وغير ذلك.

أما المرحلة الحالية، فهي مرحلة التهدئة الإنسانية للمرة الثانية حتى تاريخ إعداد هذا التقرير. شهدت الفترة ما بين التهدئتين قصفا جويا وبحريا مركزا وعنيفا وسقط مزيد من الضحايا واستمرت عمليات ملاحقة المطلوبين واستهداف بعض المنازل. تراهن إسرائيل على أن تكون هذه المرحلة بداية لحالة من الفوضى العارمة وكي الوعي وخلق ذاكرة جديدة بعد أن يتفقد الناس مدى ما لحق ببيوتهم وممتلكاتهم وأحيائهم من خراب! ما يسهل عليها لاحقا تمرير مخططاتها.

العدوان قصة معاناة فردية لكل منا علاوة على كونه عدوانا على كل الفلسطينيين بل على كل العالم المتمدن وعلى قيمه وقوانينه واتفاقياته. قتل قريب لي من سرايا القدس في كمين، وقتل رفيق لي، قيادي في حزب الشعب، وهو في طريقه إلى خزاعة لإغاثة بعض ممن بقي هناك من كبار السن، وقتل زميل عمل في وزارة الزراعة، ينتمي لحركة حماس وهو خارج من المستشفى، وقتل جار لي، كبير في السن تحت أنقاض بيته في الشجاعية مع حفيدين شابين. قتل حوالي 2000 من أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة (ربعهم من الأطفال) وأصيب ما لا يقل عن 10 آلاف، سيبقى بعضهم، إن كتبت له الحياة، مع إعاقة دائمة.

في انتظار ما يمكن أن تتمخض عنه المفاوضات غير المباشرة في القاهرة عن نتيجة ما، يتلهف سكان القطاع على تثبيت التهدئة ويميل عدد كبير منهم إلى ضرورة تحقيق بعض الإنجازات التي تليق بحجم التضحيات والبطولة. البعض يشدد على ضرورة وقف العدوان أولاً والحيلولة دون قيام إسرائيل بما هو أفظع مما ارتكبته حتى الآن، وذلك ضمن رؤيتها الإستراتيجية لمعضلة غزة.

حين يصدر عدد المجلة الحالي، تكون بعض الأمور قد اتضحت أكثر، بما في ذلك كيف ومتى سيتوقف هذا العدوان؟ ولذلك سأكتفي بإيراد بعض الملاحظات التي قد تشكل أرضية للاستشراف والفهم.

ماذا أرادت إسرائيل وماذا حققت وماذا خسرت:

-       إسرائيل تصر على أن عدوانها على غزة ليس حربا وإنما "عملية عسكرية" وهي تتذرع ربما بحقيقة أن قطاع غزة لا زال أرضا محتلة، علما أن الدولة الوحيدة التي تعامل قطاع غزة بوصفه "كيانا" هي إسرائيل ذاتها مدعية أنها انسحبت منه بموجب خطة الفصل أحادي الجانب. إسرائيل تتقن التلاعب بالقوانين والاتفاقيات وتوظفها جيداً بما يخدم أهدافها أو يغطي جرائمها. ولا زالت إسرائيل تقدم ذاتها أمام المجتمع الدولي بوصفها ضحية تتعرض للاعتداء، وللأسف تجد من بين سلوكنا وخطابنا الانفعالي ما يعينها على ذلك.

-  يرى مراقبون أن نتنياهو أقدم على شن عدوانه مقدراً أنه لن يتجاوز بضعة أيام يتمكن خلالها من: توجيه صفعة قوية لحركة حماس، يحرج الرئيس الفلسطيني، يتخلص من الضغوط الداخلية والخارجية عليه، يجهز على الهبة الجماهيرية في الضفة الغربية وبين صفوف فلسطينيي 48، وإذا به يصطدم بموقفين، اضطر معهما لاستخدام مبدأ "ما لا يأتي بقوة، يأتي بقوة أكبر"؛ الموقف الأول موقف فصائل المقاومة التي رفضت وقف إطلاق النار على أساس "تهدئة مقابل تهدئة"، والموقف الثاني، إصرار القيادة المصرية على وجود وفد فلسطيني موحد يمثل الشرعية الفلسطينية وهو ما لا ترغب به إسرائيل.

-  ويرى آخرون أن هذا العدوان هو محاولة جديدة، مخططة، للتعامل مع معضلة غزة. في نتيجته تسعى إسرائيل إلى خلق واقع جديد في القطاع: سيطرتها العسكرية غير المباشرة على منطقة عازلة بعمق لا يقل عن كيلو متر خالٍ من السكان، وعلى طول الحدود معها، واقع إنساني لا يطاق فيما تبقى من مساحة القطاع؛ حيث الاكتظاظ السكاني وتدمير البنية التحية والمرافق وقلة الموارد وهي تراهن على اندلاع حالة من الفوضى العارمة تستدعي تدخل المجتمع الدولي بقرار أو غطاء عربي.

-  تبدو إسرائيل غير راغبة في التفاوض مع وفد فلسطيني موحد حول مستقبل غزة. من المتوقع أن تتذرع بأي حجة ميدانية أو سياسية تدفعها للانسحاب من التفاوض. أو/ستكتفي بمناقشة القضايا الإنسانية وبعض التسهيلات. إذ تفضل إسرائيل: التفاوض مع مصر نيابة عن غزة وباسمها، أو التفاوض مع المجتمع الدولي حول الوضع الإنساني في القطاع، توقف عملياتها من طرف واحد لتعفي ذاتها من أي مسؤولية (وتترك قطاع غزة في فوضى عارمة وفي مرمى نيرانها)، في حال مارست الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطا عليها، يمكن أن تقبل التفاوض مع السلطة دون أن تقبل مطالبها (ذات الطابع السياسي)، أو أن تطرح شروطا تعجيزية كأن تطلب سحب سلاح المقاومة أو الموافقة على منطقة عازلة بعمق كيلو متر أو نحو ذلك في المناطق الشرقية المحروقة، وتظل تراوغ وهي مستمرة في خلق وقائع جديدة على الأرض (يمكن أن توافق فقط على تهدئة طويلة وما عدا ذلك يترك لآليات متابعة لاحقاً).

-  بالتأكيد إسرائيل تخطئ وترتبك بالرغم من جبروتها، وهي قابلة للهزيمة بالمعنى التاريخي، وقد تفشل في تحقيق أهدافها أو بعضها، لكنها لا زالت قوية بما يكفي لإيلامنا وتغيير وجه المنطقة، فحذار من المس بنرجسيتها في زمن غير موات. إسرائيل قادرة أن تتعلم من أخطائها، لديها من الحلفاء ما يعوضها، ولديها من الإمكانات ما يديم عدوانها. كتب ناحوم برنياع أن أفدح خسائر إسرائيل هو احتمال زعزعة مكانتها وتغير صورتها في أوروبا وأمريكا بتأثير الصور الفظيعة من غزة. أما توماس فريدمان فيوضح طبقا لنظريته حول "اليوم التالي في الشرق الأوسط واليوم الذي يلي اليوم التالي "أن العبرة بالخواتيم، فإذا كانت إسرائيل تخسر الآن، غير أنها قادرة على الفوز في المدى البعيد، تماما مثلما حدث في حرب 2006 في لبنان.

-  كشفت الحرب أن نتنياهو، الذي من المتوقع أن يدفع ثمنا باهظا من رصيده السياسي، يقع في منطقة تقاطع نيران يمين حكومته ووسطها؛ فبينما يطالبه اليمين بعدم توقف العملية حتى إنهاء حكم حماس حتى لو اضطر لاحتلال القطاع، قدمت تسيفي ليبني ويائير لبيد مبادرتين منفصلتين، لكنهما حملتا ذات المضمون تقريباً: إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة ونزع سلاح المقاومة. هذا علاوة على استفحال الخلاف بينه وبين الرئيس الأمريكي أوباما بالرغم من الحماية والدعم الذي حظيت به إسرائيل أثناء عدوانها، يقول برنياع "أصبحت إسرائيل تُرى في واشنطن مثل ولد مدلل: ولد له أعداء حقيقيون لكن التدليل والغرور أضرا بتفكيره. وقد حان الوقت لتأديب الولد. الغضب على نتنياهو لكن الثمن ستدفعه إسرائيل".

ماذا يريد الفلسطينيون، ماذا حققوا وماذا خسروا:

-  فور تشكيل حكومة التوافق الوطني، قدمت اقتراحا مكتوباً لبعض الأصدقاء داخل الحكومة وخارجها، مفاده أن المضمون الأساسي للمصالحة هو كيفية إعادة دمج قطاع غزة في النظام/المشروع الفلسطيني وأن ركائز نجاح هذه العملية ثلاثة: توسيع القاعدة الاجتماعية للمصالحة؛ بضمان تأييد أوسع جمهور ممكن في قطاع غزة عبر شعوره بالمنفعة المباشرة، وتحييد أي جهة قادرة أو راغبة في تخريب العملية بما في ذلك داخل طرفي الخلاف، واتباع سياسة حذرة لا توفر لإسرائيل أي ذريعة للانقضاض على هذا المنجز وربما أبعد منه الانقضاض على ما تبقى من مشروع وطني "وخصوصاً في الضفة الغربية". وغني عن البيان، أن الخطوة التالية هي الحوار والاتفاق على إستراتيجية وطنية شاملة لمواجهة التحديات. وختمت مقترحي بعبارة "يجب المحافظة على مسار المصالحة حتى النهاية، ولكن دون أن يتحول القطاع مرة أخرى إلى ضحية (وأبشع صور ذلك عودة الفلتان والاقتتال أو الحرب)، ودون أن تتمكن حكومة اليمين الإسرائيلي من اتخاذ ذلك حجة وذريعة لمخططاتها العدوانية!. اللافت أنه في الفترة بين تشكيل حكومة التوافق وبدء العدوان على قطاع غزة، عدا عما سمي بموقعة "البنوك"، وتلكؤ تطبيق بنود الاتفاق، واندلاع الهبة الجماهيرية العارمة في أعقاب جريمة المستوطنين بإحراق الفتى أبو خضير، بدا أن قطاع غزة يعيش حالة من عدم اليقين. فحماس خرجت من الحكومة ولم تخرج من الحكم كما جاء على لسان إسماعيل هنية، وحكومة التوافق لم تبسط سيطرتها بعد. وكان من غير المعروف ماذا سيكون في اليوم التالي؟ ناهيك عن اليوم الذي يلي اليوم التالي حسب نظرية فريدمان. واللافت أيضاً أن هذه الحالة من "غياب السلطة" انسحبت على فترة العدوان بدرجات مختلفة، وتُرك الناس وشأنهم في تدبير أمور حياتهم تحت نيران الاحتلال.

-  لا داعي أبدا للتقليل من شأن خسارتنا كالقول إن غزة ولّادة، فالشهداء ليسوا مجرد أرقام في حسابات البعض الفئوية والشخصية، ولا تكون التضحيات إكراهية ولا يكون التدمير الهائل للقرى والأحياء والمناطق مجرد خسارة معركة. مرة أخرى أثبت الفلسطينيون أنه لا تنقصهم البطولة ولا التضحية ولا الإبداع ولا القدرة على التحمل ولا التوق الشديد للحرية والاستقلال. لكنهم مرة أخرى، يعانون من ضعف الإدارة السياسية ومن غياب الرؤية الإستراتيجية ومن عدم القدرة على المطابقة بين العقل والكون. يضخمون الإنجازات ويعزفون عن صورة الضحية، ويغلبون المصالح الفئوية، ويغضون الطرف عن أمراض اجتماعية أخرى لها علاقة بمدى منعة الجبهة الداخلية وتضميد جراح الناس وتعزيز صمودهم.

-  صحيح أن ما لا تحققه في ميدان الحرب يَصعُب تحقيقه على طاولة المفاوضات، غير أنه يمكن القول أن غزة انتصرت على النوايا المضمرة للعدوان. صمدت المقاومة وفاجأت الجميع بقدراتها، يقول قائد سلاح البحرية الإسرائيلي السابق "لم نحقق قوة الردع الإسرائيلية" ويقول عوزي لاندو، وزير السياحة الإسرائيلي "خسرنا معركة إستراتيجية أمام قطاع غزة". عمّدت غزة بدماء أبنائها وتضحياتهم الوحدة الوطنية، وعلى خلاف ما حدث في الحربين السابقتين، تشكل وفد فلسطيني موحد ليفاوض وهو يحمل مطالب الشعب الفلسطيني. الحكمة تقتضي ألا ننشغل الآن في الإجابة على سؤال لا معنى له: هل انتصرنا أم هزمنا؟ فالعدوان مستمر، ويبقى المعيار الأول والحاسم للحكم على مصير المعركة هو: هل حقق العدوان أهدافه، وفي المقابل هل حقق الفلسطينيون أهدافهم؟ وربما يكون المعيار الأهم هو إلى أي مدى قطعنا الطريق على المخططات الإسرائيلية. كما يبقى وقف العدوان فورا هو الأولوية الأولى وكذلك المحافظة على الوحدة وتوحيد مركز القرار السياسي الفلسطيني (العقلاني، الثوري، المسؤول وطنياً وتاريخياً (وأخيراً عدم التعامل مع قطاع غزة بوصفه مركز إيواء ضخم، على أهمية الجانب الإنساني!

وبعد،،

تحمل الساعات والأيام القليلة القادمة مفاجآت: قد تصدر عن مفاوضات القاهرة وقد ترتسم ملامحها في الميدان. وأياً ما كانت عليه هذه المفاجآت، فمن الواضح أن إسرائيل تخوض حربا على مصير قطاع غزة في سياق شديد التعقيد والخطورة، سمته الرئيسة تقاطع مصالح واجتهادات وبرامج وإرادات يراد لها أن تحسم في غزة، وربما على حساب مصيره الوطني وأحوال سكانه. ورغم البطولة والتضحية والقدرة على إيذاء العدو، سرعان ما سوف ينوء القطاع تحت ثقل هذه التقاطعات: التناقضات الفلسطينية-الفلسطينية، حيث تعدد الاجتهادات وغياب الرؤية الموحدة، والتنافس الفئوي واختلاف الأهداف، الخلافات والتناقضات العربية-العربية المتمثلة في حرب الكل ضد الكل وصراع المحاور، الخلافات الإسرائيلية-الإسرائيلية، حيث الصراعات الحزبية وانفتاح شهية اليمين المتطرف على مزيد من الدم والقتل والعدوان، وحيث انتهازية الوسط واليسار الذين يقدمون مبادرات لا تختلف من حيث أهدافها ومراميها عن دعوات المتطرفين، التباينات الأمريكية-الإسرائيلية فيما يتعلق برؤية كل منهما لمصير الشرق الأوسط وضمان مصالح كل طرف، وحيث الخلاف الشخصي بين أوباما ونتنياهو، موقف القيادة المصرية الجديدة من حركة الإخوان المسلمين المحظورة وفرعها الفلسطيني الذي تمثله حماس، الخلافات المصرية-الإسرائيلية حول مصير "كرة النار الملتهبة". إلى ذلك كله يبقى مصير غزة رهن إرادة أبنائها الذين يصارعون اليوم من أجل البقاء من ناحية ومن أجل كرامتهم الوطنية من ناحية ثانية. ويقينا أن دم الشهداء لن يذهب هدرا ولن تضيع التضحيات سدى ولن يفلت المجرمون القتلة من العقاب!


[*] كاتب سياسي/غزة، عضو مكتب سياسي حزب الشعب الفلسطيني.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website