أنماط التفكير والمواجهة المعيقة لنهضة عربية - مروان دويري - عدد 257

أنماط التفكير والمواجهة المعيقة لنهضة عربية

[*] بروفسور مروان دويري

 

تتموقع البلدان العربية في النصف الأخير من سلم التقدم لدول العالم بمقاييس الإنتاج والتكنولوجيا والتعليم والحريات، بالرغم من تاريخ العرب المجيد، وعدد  العرب الذي يضاهي 350 مليوناً، ووجود موارد طبيعية كالنفط والغاز وموارد زراعية وسمكيّة أخرى.

تعرض العرب طبعا في القرون الأخيرة إلى محاولات سيطرة وإخضاع من قبل دول عظمى مثل تركيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وحاليا أمريكا، وما زالوا يتعرضون لمخططات الصهيونية المدعومة من الدول الغربية للسيطرة على المنطقة. ويسأل السؤال: هل أن الامبريالية والصهيونية وحدهما تفسران الواقع العربي المتردي؟ ومن جهة أخرى: هل أن تقدم الدول المتطورة في العالم مثل اليابان أو فرنسا حصل في ظل غياب أعداء أو مؤامرات؟

في نظرة إلى التاريخ البشري يتبين أنه لم تكن هناك حقبة خالية من الصراعات أو المؤامرات التي خطّت مسار التاريخ، وبأن السيرورة البشرية هي سيرورة صراعات بين مجموعات (قبلية أو عرقية أو دينية أو قومية) وبين مجموعات أخرى، كل تحارب من أجل مصالحها أو السيطرة على غيرها. لذلك فوجود خصوم ووجود مؤامرة خارجية أو داخلية هو معطى في هذه السيرورة ينطبق على المجموعات التي انتصرت وعلى المجموعات التي هزمت. وعليه فاليابان مثلا تطورت بالرغم من تدميرها تماما في الحرب العالمية الثانية وبالرغم من وجود "مؤامرات" غربية وآسيوية ضدها، وبأن الولايات المتحدة تطورت في ظل سيرورة سباق مع الاتحاد السوفياتي ودول أخرى. لذلك فوجود أعداء أو خصوم أو مؤامرة لا يفسر فشل الأمة وإنما هو معطى يمكن التغلب عليه أو الخضوع له وذلك وفق معطيات الأمة الذاتية ووفق سياستها وطرق مواجهتها لهذه المؤامرة.

إن تغيير واقع أمة لا يتم فقط بتغيير سياسات وممارسات العدو أو الخصم التي هي أصلا لا تقع ضمن صلاحياتنا وسيطرتنا، بل تحصل أيضا بعد تغيير فهمنا وقراءتنا للسيرورات وتغيير ممارساتنا وطرق المواجهة التي ننتهجها والتي هي مسؤوليتنا الأولى التي تقع حتما تحت سيطرتنا. بداية هذا التغيير هي أن ندرك أننا لسنا "ضحية عاجزة" وأن هذا الطرح هو صياغة ذهنية متخيلة وخاطئة وهو بذاته يكرس هذا الواقع المتردي، وأن علينا إعادة النظر بقراءتنا لواقعنا وبطرق المواجهة التي ننتهجها وعلى هذا يركز هذا المقال:

1- التفكير الثنائي المقولب:

هناك ميل للعقل البشري، خاصة لدى الأطفال، أن يبسط الأمور المركبة ويصنفها في ثنائيات أسود وأبيض وخير وشر، بالرغم من أن سيرورات الطبيعة والمجتمع معقدة التركيب ومتعددة الألوان. ما زال هذا النمط الثنائي الطفولي يسيطر على قراءتنا لواقعنا وبالتالي يسود الاعتقاد بأن أمريكا والغرب وإسرائيل أقوياء وأشرار ونحن العرب ضعفاء وأخيار. دعونا نفحص هذه القراءة:

أولا: لو صدقنا هذه القراءة لبقينا في حالة عجز، إذ ماذا يستطيع ضعفاء وأخيار أن يفعلوا أمام أقوياء وأشرار سوى الندب على حالهم ولعن واقعهم، وهذا ما فعلناه على مدار عقود. لكن الحقيقة هي غير ذلك فالغرب ليس فقط شر بل هو أيضا تطوّر علمي وتكنولوجي ونظريات إنسانية وحركات تحرر وحقوق إنسان نستطيع أن نتفاعل معه لإثراء موروثنا الثقافي والإنساني، ومن جهة أخرى تكمن بداخله مواطن ضعف وصراعات داخلية يمكن الاستفادة منها. والصهيونية أيضا هي ليست لونا واحدا بل تكمن بداخلها صراعات عديدة يمكن الاستفادة منها أيضا. 

ومن جهة أخرى لم يكن دائما العرب والفلسطينيون أخيارا بل قاموا ويقومون بممارسات بعيدة كل البعد عن الخير، ولم يكونوا دائما ضعفاء. فمثلا، استطاع عبد الناصر تأميم قناة السويس والتصدي للقوى الاستعمارية في ذلك الوقت والانتصار عليها، واليوم باستطاعة دول الخليج لو أرادت أن تستخدم قوتها وتقيم تحالفات أخرى وتتصدى للغرب بدل التحالف معه والرضوخ لإملاءاته.

علينا أن نتحرر من هذا التفكير الثنائي والبدائي ونتجرأ على رؤية الإيجابي في عدونا ورؤية نقاط ضعفه أيضا من جهة، وأن نتجرأ على الاعتراف بأخطائنا وسلبياتنا، وأن نسخّر نقاط القوة ونفعل الأوراق الرابحة التي لدينا كي لا نبقى معتقدين بأننا ضحية عاجزة.

2-  نظرية المؤامرة وغياب المسؤولية الذاتية:

دون التقليل من دور الاستعمار والصهيونية إلا أن "نظرية المؤامرة" التي تنسب تردي واقع الشعوب العربية إلى هذين العاملين فحسب دون الأخذ بالاعتبار العوامل الذاتية في هذه المعادلة، هي نظرية خاطئة ومضللة لأن نتائج السيرورات تتحدد ليس فقط وفق العوامل الموضوعية الخارجية وإنما أيضا وفق فعالية العوامل الذاتية الداخلية. حتى في الطب، سقطت النظرية التي تنسب المرض للجراثيم الخارجية وتسود اليوم النظرية التي تنسب المرض إلى فشل جهاز المناعة في مقاومة هذه الجراثيم، لأن انتشار جراثيم في مكان لا يحتم بالضرورة مرض كل الناس في ذلك المكان، بل نجد بعضهم يمرض وبعضهم الآخر يبقى معافى بالرغم من تعرض جسمه للجراثيم. كذلك معالجة المرض وفق هذه النظرية لا يقتصر على إبادة الجراثيم وإنما على تمكين جهاز المناعة. بمعنى معين يمكن القول إنه تقع أيضا على المريض "مسؤولية" وعلى الضحية "مسؤولية" وذلك دون تجاهل "مسؤولية" العوامل الخارجية.

هناك ميل لدى كثير من الشعوب ومنها الشعب العربي إلى تنسيب ما يجري لهم إلى عوامل خارجية مثل مشيئة الله أو القدر أو الاستعمار أو الحاكم أو الآخرين دون تحمل المسؤولية الذاتية. في علاقتنا مع الاستعمار والصهيونية تقع مسؤولية أيضا على الحكام العرب والسياسات العربية التي تتطلب تغييرا جذريا في إدارة الصراع مع الغرب. وفي علاقة الحكام العرب بالشعب لا يكفي أن نحمل مسؤولية كل مآسينا للحكام ونقبل أن يكون الشعب "أحجار شطرنج" عاجزة عن التفكير والمبادرة. هذه مسلمة خاطئة تتطلب المراجعة. على الشعب أفرادا وجماعات تقع مسؤولية أيضا في هذا الواقع العربي المتردي. ربما أن العربي هو الوحيد الذي يستخدم مصطلح "قطعني الباص" بدل أن يتحمل المسؤولية ويقول "تأخرت عن موعد الباص". أعتقد أن هذا النمط الإسقاطي من التفكير الخاطئ يحول دون مراجعتنا لأدائنا الشخصي والاجتماعي والقومي ويحول دون استخدام الأوراق التي بين يدينا لتغيير واقعنا. أعتقد أن مراجعة مسؤولية الشعب الفلسطيني من مثقفين وتجار وعمال ودور أنماط التفكير والتعامل التي سادت إبان النكبة مثلا يجب ألا تبقى في إطار "الطابو" الممنوع بحثه. مراجعة مسؤولية الشعب الفلسطيني في نكبته، وفي الأساس تعويله على الأنظمة العربية وعلى الأفضلية العددية للعرب، هي شرط من شروط نهضته.     

منذ خطاب الرئيس جمال عبد الناصر الذي أعلن فيه بعد هزيمة حزيران أنه يتنحى ويتحمل كامل المسؤولية، لم نسمع قائدا واحدا يعلن مسؤوليته عما يجري في بلده أو مسؤولا واحدا يعلن مسؤوليته عن فشله. كل الأنظمة التي تحركت شعوبها في السنوات الأخيرة نسبت هذا التحرك إلى مؤامرة وإلى عوامل خارجية. ليس أنها لم تعترف بمسؤوليتها وفشلها بل ادعت أن المؤامرة وقعت لإجهاض نجاحاتها وإجهاض مشروعها القومي.

للدفاع عن "نظرية المؤامرة" تطلَق أصوات تقول "لا تتهم الضحية" ونحن في غنى عن "جلد الذات"، ومن جهة أخرى تطلَق أصوات تتهم من ينشط في نقد الذات القومية على أنه يلتقي مع المستشرقين في قراءتهم الاستعلائية للعرب. كذلك هذه الأصوات التي تصر على التمسك بقراءة الأسود والأبيض أبقتنا على مدار عقود أسرى قوالب تفكير "المؤامرة" وبالتالي حالت دون مراجعة الذات أو نقدها ودون إعادة النظر في سياساتنا وطرق المواجهة التي انتهجناها.

الخطورة في ترويج نظرية المؤامرة أنها توحي لمن يصدقها بأن هناك سيرورات خفية تعرفها القيادة فقط وتفوق قدرة المواطن على الفهم وبالتالي ما عليه إلا الانتظار. وهكذا تشل هذه النظرية القوى المدنية والاجتماعية والرأي العام الذي يعول على "حكمة ودهاء" القيادة التي "تفهم" عمق المؤامرة وبالتالي تحول دون محاسبتهم.  

3- تغليب القومي على الاجتماعي:

على مدار عقود جرى تغليب القضايا القومية (كالتحرر من سيطرة أمريكا والدول الأخرى ومن الاحتلال الإسرائيلي) على القضايا الاجتماعية (عدالة اجتماعية وحريات). إن هذا التأجيل لمعالجة القضايا الاجتماعية الداخلية هو خطأ استراتيجي فادح لأن الانتصار في أي معركة أمام العدو يتطلب تماسك الجبهتين الداخلية والخارجية. أما في حالنا فقد واجهنا التحديات القومية الخارجية كمجتمع غير متماسك يعاني من التمييز الاجتماعي وقمع الحريات الفكرية والسياسية وقمع المرأة وبالتالي ساهم هذا التغليب القومي في إخفاقنا القومي وتكريس الحالة الاجتماعية المتردية.

لقد ساد خلط في تقييمنا للأنظمة السياسية واعتبرنا أن كل نظام يحمل القضية القومية هو بالضرورة نظام تقدمي من الناحية الاجتماعية وهذا بعيد كل البعد عن الصحة. بل يمكن القول إن معظم الأنظمة العربية القومية كانت قامعة لشعوبها ومانعة للحريات. من هنا أرى ضرورة لوضع القضية القومية بموازاة وتكامل مع القضية الاجتماعية، وأصلا ما حاجتنا إلى استقلال ووطن إن لم يوفر هذا الوطن العدالة الاجتماعية والحريات؟!.

4- تغليب الانتماء على المرجعيات الأخلاقية:

في النقاشات الدائرة حول القضايا العربية نلاحظ تغليبا للانتماء والهويات على المرجعيات الأخلاقية والمبدئية، وعليه هناك ميل مثلا لاعتبار كل ما هو فلسطيني جيداً وكل ما هو إسرائيلي سيئاً. ومن جهة أخرى صديق عدوي هو عدوي وصديق صديقي هو صديقي. إن هذا النهج من التفكير القبلي والاصطفافي يحول من جهة دون مراجعة الذات الجماعية ومحاسبتها وفيه تخلّ عن المرجعيات الأخلاقية التي هي ركيزتنا في مقارعة العدو وإقناع الرأي العام العالمي بصدق قضيتنا.

في قراءتنا لمجريات الأحداث بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل لا بد من الالتزام بمعايير أخلاقية كالعدالة والحريات وحقوق الإنسان للحكم على أي حدث، وعندها علينا إدانة أي خرق لهذه الأخلاق حتى لو كان الفاعل فلسطينيا أو عربيا وعلينا تقدير أي التزام بها حتى لو كان الفاعل إسرائيلياً أو أمريكياً. ووفق نفس المعايير نقوم بتقييم ممارسات نظام الأسد وممارسات المعارضة وجيش التحرير وممارسات داعش والنصرة في سوريا، وبنفس المعايير نقيم ممارسات إيران وروسيا والصين. وعلى صعيد الصراعات الفلسطينية نقوم أيضا بتقييم ممارسات فتح وحماس، وفق نفس المعايير وليس وفق انتماءاتنا الحزبية.

في هذا الإطار، إذا كنا نؤيد جهود السلطة الفلسطينية في مقاومتها للاحتلال فيجب ألا يحول هذا التأييد دون استنكارنا للفساد في السلطة. وإذا كنا نؤيد سوريا في ممانعتها لأمريكا وإسرائيل فهذا لا يحول دون استنكار نظامها الدكتاتوري. وإذا كنا نستنكر السياسات التوسعية والقمعية لإسرائيل فيمكننا في نفس الوقت التعلم من منجزاتها التكنولوجية والعلمية وحتى من هامش الديمقراطية الذي يغيب في أي بلد عربي.   

5- تغليب المختلف عليه على المتفق عليه:

الغريب في الأمر هو أنه بالرغم من هيمنة نظرية المؤامرة والاتفاق الكامل بين جميع التيارات السياسية في العالم العربي على أن أمريكا وإسرائيل تعملان على السيطرة على المنطقة ومواردها نجد أن جميع التيارات السياسية تنسى هذا الأمر الموحِّد وتشتبك في صراعات حول نقاط الاختلاف الثانوية بينها. هكذا هو الأمر أيضا بين التيارات السياسية الفلسطينية في الداخل والخارج. حسناً، إذا كانت مؤامرة متفقاً عليها فدعونا نتوحد ضد هذه المؤامرة مع إبقاء حيز للحوار والتعددية فيما بيننا. الحقيقة هي أن مساحات الاتفاق بين التيارات السياسية الفلسطينية والعربية، وأيضا بين الطوائف والمذاهب المختلفة، تفوق بكثير على مساحات الاختلاف، ولا يوجد أي سبب موضوعي يفسر الخلافات والانشقاقات إلا المصالح الذاتية والحزبية الضيقة.

صحيح أن الاستعمار والصهيونية انتهجت سياسات فرق تسد لكن الحقيقة أن الفئوية والطائفية والقبلية ليست اختراعا استعماريا أو صهيونيا وإنما هي صناعة عربية دون منازع. الحقيقة أن العرب لم يتخلصوا من القبلية حتى في عزّ دولتهم الإسلامية، فالانضمام للإسلام لم يكن على أساس فردي بل قبلي، وتقاسم السلطة ورأس المال كان يجري على أساس قبلي. الدول العربية اليوم بما فيها الجمهوريات تدار على أساس عشائري وقبلي والأحزاب السياسية تتخذ طابعا طائفيا (لبنان مثلا) وقبليا (اليمن مثلا). لقد قام الاستعمار بالاستفادة من هذا الواقع السوسيولوجي وقسم الوطن العربي إلى دول إقليمية.    

إذا استمر العرب بنسب الفئوية للاستعمار وإسرائيل سيبقون أسرى هذا التنسيب الخاطئ، أما إذا أدركوا مسؤوليتهم على هذه الفئوية وفهموا جذورها السوسيولوجية والثقافية، والتي في أساسها غياب دول المواطنين دون تمييز بينهم، عندها سيجدون طريق الخروج من هذه الفئوية نحو تغليب القومي المشترك والمتفق عليه.  

6- التمسك بالثوابت كالأصنام وتخوين الاجتهادات:

كيف يمكن المحافظة على ثوابت والتمسك بها في هذا الواقع المتغير؟ ألا تتحول هذه الثوابت أحيانا إلى بقرات مقدسة وقوالب تفكير تحجز الابداع والاجتهاد وتصبح عائقا أمام أي نهوض؟

السيرورات السياسية والاجتماعية تتصف بثبات نسبي وبتغير نسبي أيضا وعليه لا مكان لثوابت كالأصنام يحظر إعادة النظر بها. إذا ساد الاعتقاد مثلا بُعيد الحرب العالمية الثانية بأن حقوق الشعوب تستعاد من خلال تحررها من الاستعمار وتقرير مصيرها والاستقلال، فيحق لنا في عصر العولمة الذي يدار فيه اقتصاد الدول من خلال شركات عابرة للقارات ويسيطر فيه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على اقتصاد جميع الدول ويحول دون استقلالها الاقتصادي، فيحق لنا أن نعيد النظر بهذا الثابت الذي يمجد الاستقلال القومي، خاصة بعد أن رأينا تحالف رأس المال القومي مع رأس المال العالمي الذي يستغل ثروات البلاد والأيدي العاملة فيها، معمقا بذلك الفقر في هذه البلاد التي "استقلت". ومن جهة أخرى نرى شعوبا لم تستقل مثل اسكتلندا ومثل مقاطعة كويبك في كندا حالها الاقتصادي أفضل بكثير من الدول التي نالت استقلالها.  

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، قامت منظمة التحرير بالفعل عبر مسيرتها بإعادة النظر بثوابتها وقامت بالاعتراف بإسرائيل. وفي هذا الواقع المتغير من واجبها أولا أن تعيد النظر في تركيبها وطريقة اتخاذ القرارات فيها وإشراك جميع مكونات الشعب الفلسطيني في جميع الأماكن بما فيه الفلسطينيون مواطنو إسرائيل. بعد إعادة التنظيم وبمشاركة جميع الفلسطينيين يحق للمنظمة (أو أي جسم تمثيلي جديد) أن تبحث من جديد في كل الثوابت وكيفية معالجتها من جديد بما فيها كيفية تحقيق حق تقرير المصير الفلسطيني وعلاقة الشعب الفلسطيني مع إسرائيل والدول العربية المجاورة.

الركود السياسي والاجتماعي الذي تقبع فيه الشعوب العربية مرتبط بالجمود الفكري الذي تقبع به عقول المثقفين والقيادات العربية. نحن أحوج ما نكون إلى مناقشة جريئة لكل الاجتهادات وللحوار بعيدا عن التخوين أو الإقصاء.

7- التمسك بالإجماع أو ديمقراطية الأغلبية بدل التعددية:

الشعب الفلسطيني، أسوة بالشعوب العربية، يشمل تيارات سياسية واجتماعية وطائفية متعددة. يجري في كثير من دوائر اتخاذ القرارات الاعتماد على الإجماع كآلية للتحرك وعليه يبقى هذا التحرك تحت سقف الحد الأدنى للنضال وبالتالي لا يرتقي إلى مستوى التحديات. هكذا هو الأمر في جامعة الدول العربية، وفي منظمة التحرير، وفي لجنة المتابعة العليا للفلسطينيين في إسرائيل.

يعتقد مؤيدو الإجماع بأن الرأي المجمع عليه أصوب من الآراء الأخرى. لدحض هذا الادعاء لا بد لنا أن نتذكر بأن الثورات العلمية والاجتماعية وقعت بفضل من أصروا على الخروج عن الإجماع السائد والمتفق عليه هكذا اخترق جاليليو جاليلي إجماع الفيزيائيين والكنيسة في عصره، وكذلك سيجموند فرويد وألبرت أينشتاين وكثيرون غيرهم. ومن جهة أخرى يؤكد دعاة الإجماع أن وحدة الصف أمام التحديات تفرض على جميع الفئات تنحية الخلافات والاصطفاف وراء ما هو مجمع عليه. لا أعتقد أن وحدة الصف تحتم لجم التيارات السياسية والفئات الاجتماعية كي تنحصر في إطار ما هو مجمع عليه فحسب، بل إن وحدة الصف يجب أن تندرج ضمن ثقافة التعددية وتشجيع الاجتهاد والحوار بين الأحزاب والفئات المختلفة دون إقصاء أو تخوين. أجل نحن بحاجة إلى انفتاح فكري خارج القوالب والثوابت والإجماع ليطلق الطاقات الفكرية والإبداعية وليفعّل العقل الجماعي لمواجهة هذه التحديات. إنها وحدة صف أطياف قوس القزح التي رغم تباينها تقف متماسكة أمام الغيوم والعواصف.

يجري عادة الخلط بين الديمقراطية وبين التعددية دون التمييز بينهما. المفهوم السائد للديمقراطية هو مفهوم ديمقراطية الأغلبية، والليبراليون يدعون أن هذه الديمقراطية تضمن العدالة والحريات للجميع بما فيها الأقليات. الحقيقة هي أن معظم الأنظمة الديمقراطية الليبرالية في العالم هي أنظمة تمكن الأغلبية من السيطرة على الأقلية ومصادرة حقوقها باسم الديمقراطية والقانون، كما تفتح الأبواب على مصراعيها أمام الرأسمالية الكاسحة. باسم الأغلبية والقانون والتشريعات التي تسنها الأغلبية ومراكز القوى الاقتصادية يجري هضم حقوق الأقليات والعمال والمستضعفين. إسرائيل هي المثال المتطرف لمثل هذه الديمقراطية إذ إنه بقوة الأغلبية اليهودية فيها جرى منع عودة اللاجئين ومصادرة أموالهم وهدم قراهم ومصادرة الأراضي العربية وانتهاج التمييز بل وشن الحروب وممارسة الاحتلال والاستيطان. ونفس هذه الديمقراطية تودع اقتصاد البلاد بيد بعض العائلات اليهودية المتمكنة وتبقي نسبة عالية من المواطنين، وخاصة من الفلسطينيين، تحت خط الفقر.

في الوقت الذي تكون فيه الديمقراطية أداة غلبة وحسم بنسبة 51% من الأصوات، التعددية pluralism في المقابل هي نظام اجتماعي وسياسي يعطي شرعية للآخر المختلف ويحفظ حقوق الأقليات القومية والإثنية والطائفية ولا يسمح للأغلبية الدوس على حقوق هذه الأقليات. مثل هذه التعددية ثقافة ونظاما سياسياً منتهجة في كثير من الدول مثل سويسرا وبلجيكا وكندا والدول الاسكندنافية. في جميع هذه الدول يضع النظام التعددي (الديمقراطي التوافقي) فيها كوابح أمام الأغلبية لمنعها من المس بحقوق الأقليات العرقية أو الإثنية أو السياسية. في هذه الدول تسود ثقافة التعددية التي تقبل وتحترم الآخر المختلف والأجنبي والغريب وتتيح له الحفاظ على هويته في مناخ التعددية الذي يشجع التلاقح والتفاعل بين التيارات بدل المناكفة وإلغاء الآخر.   

نحن الفلسطينيين بحاجة إلى ثقافة التعددية لإتاحة حوار صادق وعميق بين التيارات القومية والإسلامية واليسارية دون تخوين وبعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة وعن الصراع على السلطة. نحن بحاجة لمناخ التعددية في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين والدروز دون هيمنة طرف على الآخر. في إطار هذه التعددية يجب أن يقف جمهور فتح وحماس والشعبية والديمقراطية في نفس التظاهرة أو المنصة أو المقاومة التي تتصدى للاحتلال بدلا من انفراد كل منهم في منصته أو تظاهرته. في إطار هذه التعددية يجب أن يقف الشيخ والمطران معا للدفاع عن القدس ويقف الرجل والمرأة معا من أجل العدالة بين الجنسين. التعددية لا تكبت الحريات والاجتهادات بل تطلقها في إطار فسيفساء تثري ثقافتنا ومسيرتنا الاجتماعية والقومية.     

***********

هذه سبعة أنماط تفكير سائدة تعيق نهضتنا، نشأت من خلال تجربتنا الجماعية عبر الأجيال. ربما يدعي البعض بأن أنماط التفكير والثقافة هي انعكاس للواقع الموضوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعليه لا يمكن إحداث تغيير في هذه الأنماط إلا بعد تغيير الواقع الموضوعي. هذا هو أيضا فرض خاطئ يكرس حالة العجز والاستسلام. العلاقة بين الموضوعي والذاتي هي علاقة ديالكتيكية ومنظومية تتطور بفعل تغيّر أي مركب من مركبات المعادلة. أجل بإمكان الوعي إحداث تغيير في الواقع الموضوعي وعليه حين يعي الإنسان العربي أنه ليس غرضا بل إنسانا يملك إرادة وعقلا، وحين يدرك دور أنماط التفكير والمواجهة المعيقة للنهوض، عندها يستطيع تغيير أدائه وطرق مواجهته وتغيير السيرورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن نفس المنطلق المنظومي فإن النضال السياسي والاجتماعي الجاري على أرض الواقع يسهم من جهته بتغيير وعينا وتغيير مسار تطورنا ونهضتنا.


[*] عالم نفسي وباحث من مدينة الناصرة.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website