القدس والإسلام.. دراسة في قداستها من المنظور الاسلامي - عوني فارس - عدد 257

قراءة في كتاب

عثامنة، خليل، القدس والإسلام دراسة في قداستها من المنظور الإسلامي، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط1، 2013.

مراجعة: عوني فارس[*]

يأتي كتاب "القدس والإسلام دراسة في قداستها من المنظور الإسلامي"، للمؤرخ الفلسطيني خليل عثامنة، في سياق تصاعد اهتمام أكاديمي فلسطيني بمدينة القدس تقوده بعض المؤسسات البحثية والشخصيات العلمية الوازنة[1]، أثمرت عن صدور عدد من الأبحاث والدراسات الرصينة.

لكنَّ هذه الإصدارات ما زالت دون مستوى أهمية المدينة ومركزيتها، خصوصا إذا ما أدركنا أنَّ جل الاهتمام الأكاديمي بتاريخ المدينة إلى يومنا ما زالت تتصدره الدوائر البحثية الاستشراقية، لكنَّها تعبر عن تباشير "صحوة" أكاديمية قد تقود مستقبلا لوضع أكثر عافية، وتسد ثغرة علمية طالما أقلقت المؤرخين الفلسطينيين وإخوانهم من العرب والمسلمين.

يناقش عثامنة ارتباط مدينة القدس بالإسلام، بمفهوميه الروحي والحضاري، ويقدم عبر فصول كتابه الستة خلاصات جهوده البحثية حول المدينة وتاريخها الإسلامي، والتي توصل لها عبر الحفر عميقا في طبيعة علاقة المسلمين بالقدس والتطور الذي شهدته بمستوياتها المختلفة الدينية والسياسية والإدارية والثقافية.

ويركز على فترة صدر الإسلام، مجال أبحاثه الأهم طوال حياته الأكاديمية، باعتبارها المرحلة التي تجلت فيها أبهى أشكال العلاقة بين المسلمين والمدينة وأفرزت نتاجات بديعة، ما زالت ماثلة أمامنا بتأثيراتها الدينية والثقافية وأبعادها السياسية وبقاياها الأثرية.

ويفند مزاعم المستشرقين حول هشاشة العلاقة بين المسلمين والمدينة كما وردت في أدبياتهم الكلاسيكية، مشيرا إلى تحولات جديدة، بدأت بالظهور في الكتابات الاستشراقية حول الموضوع تنزع نحو الموضوعية ولكنها على نطاق ضيق.

ويورد أمثلة على هذه المزاعم كادعاء المستشرق شريكي (Schrieke) قبل قرن من الزمن بأن المسجد الأقصى المذكور في حادثة الإسراء والمعراج موجود في السماء، وقد عارضت هذه المقولة لاحقا الباحثة الألمانية أنجيلكا نُويفرت Angelika Neufert، ومسألة بناء قبة الصخرة وعلاقتها بالنزاع بين الأمويين وعبد الله بن الزبير التي تبناهها المستشرق إغناتس غولدتسيهرIgnaz Goldziher))، وخالفه فيها المستشرق شلومو دوف غويتين(S.D. Goitein) .

ويوظف معرفته العميقة بأدبيات المؤرخين المسلمين المتقدمين أمثال الطبري واليعقوبي وغيرهما، وما أوردوه من روايات تاريخية حول المدينة، إضافة إلى سعة اطِّلاعه على الأدب العربي القديم، سيما الشعر لتوضيح المحطات التاريخية التي مرت بها العلاقة بين المسلمين ومدينة القدس.

 ويستخدم خبرته في النقد التاريخي في تأكيد بعض الروايات وإضعاف أخرى، مثل نقده لرواية الطبري حول محاولات بني أمية نقل المنبر النبوي إلى المسجد الأقصى، أو تضعيفه لرواية اليعقوبي حول سعي عبد الملك بن مروان إلى ثني الناس عن الحج للكعبة واستبدالها بالحج إلى قبة الصخرة.

يؤكد الباحث في الفصل الأول على قدم العلاقة التي ربطت مدينة القدس بالأجيال العربية، إذ نُحتت وشائج صلة وجدانية ضاربة في التاريخ بين العرب والمدينة من خلال احتضانها لنشوء عقيدتين، تمثلت الأولى في التراث الروحي للنبي ابراهيم عليه السلام الذي أقام علاقة خاصة بالقدس انعكست على أماكن انتشار دينه وبالخصوص الجزيرة العربية، وتمثلت الثانية في المسيحية التي كانت القدس مهدها، حيث انتشرت في الجزيرة العربية أيضا وفي مراكزها المهمة ومنها مكة.

ويتناول االباحث مسألة الفتح العمري للقدس، مبينا أهمية الدافع الديني لزيارة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمدينة، إذ حظيت دون غيرها بأهمية كبرى في نفوس المسلمين، ولها مكان الصدارة في وجدان الخليفة الثاني، على صعيد القدسية الدينية لا يضاهيها صدارة إلا مكة والمدينة.

ويناقش الباحث طبيعة الضمانات التي أعطاها الخليفة عمر بن الخطاب لمسيحيي القدس، ويخلص إلى أنَّها الضمانات نفسها التي كفلها لهم الإمبراطور البيزنطي، فكأن هدف صفرونيوس، حسب عثامنة، استبدال ضامن بضامن آخر، ويفند الروايات التي تشير لدور لليهود في وضع نصوص العهدة العمرية، معتبرها غير منطقية، وجزءا مما شاع من روايات إسرائيلية داخل النصوص التاريخية العربية.

ويذهب عثامنة إلى تضعيف الرأي القائل بأنَّ النصوص الواردة في العهدة العمرية حول منع اليهود من دخول المدينة تعكس اتجاهات تأريخية متأخرة تأثرت بالظروف السياسية وليست أصيلة في كتاب الأمان بدعوى عدم وجود ما يؤيدها في المصادر العربية المتقدمة[2]، ويؤكد على تشابه الضمانات العمرية مع تلك التي كفلها الإمبراطور البيزنطي لرعاياه في المدينة طوال خمسة قرون، ويورد نصوصا متقدمة أثبتت المنع، مثل نص محمد بن جرير الطبري.

ويسلط الضوء في الفصل الثاني على الدلالات والأبعاد السياسية والإدارية للزيارة، معتبرا أن أهم ما رشح عنها يكمن في تحويل المدينة لتكون أول "مِصْر" في الإسلام، الأمر الذي يعني تحويلها إلى "دار هجرة" يقصدها كل مسلم مؤمن ينذر " نفسه للجهاد في سبيل الله، بعد أن يكون هيأ نفسه للنزوح عن بيته وترك قومه ووطنه ليستقر مع بقية إخوانه المهاجرين بموطن هجرته الجديد، وبهذا تكون القدس، وقد ارتقت إلى هذه الدرجة الرفيعة من التشريف، تبوأت المركز الثاني في سلم دور الهجرة في الإسلام بعد المدينة المنورة" (ص 21).

ويسرد عثامنة جانبا من تاريخ المدينة ومكانتها في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وكيف حولها بإقامته فيها وببنائه المجمع الإداري ببناياته الست في الجهة الجنوبية والجنوبية الغربية للحرم الشريف، إلى عاصمة للخلافة الإسلامية، وإعلانه من نفسه خليفة للمسلمين من على منبر المسجد الأقصى، ومبايعته في القدس والتأسيس لمؤسسات دولته فيها، وبناء دار لضرب العملة الذهبية الإسلامية.

كما يعطي أمثلة كثيرة على استمرار اهتمام خلفاء بني أمية بالقدس، وكيف أنها ظلت عاصمة لجند فلسطين منذ أن مصَّرها عمر بن الخطاب حتى اكتمال بناء مدينة الرملة في خلافة هشام بن عبد الملك، ويشير إلى أن الاهتمام بالمدينة دخل مستويات أخرى تعدت الجوانب العمرانية والإدارية والسياسية والثقافية، حين أصبح بعض الفقهاء يربطون بين امتلاكها وشرعية الحكم في الإسلام، كما ورد عن الفقيه نُعيم بن حماد (ت 229ه-844م).

ويلاحظ الباحث في الفصل الثالث أن التعبير عن قداسة المدينة لدى المسلمين لم يقتصر على الإشارات المجردة في القرآن والسنة، بل وجد طريقه نحو التجسيد الحسي الملموس من خلال عدة أمور منها: كون المدينة أولى القبلتين وحادثة الإسراء والمعراج وبناء قبة الصخرة ...

ويدحض بعضا من المزاعم التي ارتبطت بتاريخ العلاقة بين المسلمين والقدس في صدر الإسلام، فينفي ما أورده بعض المؤرخين من ربط بين التوجه للقبلة الأولى ومحاولة استمالة اليهود، ويؤكد على أن الحدث سبق الهجرة إلى المدينة ودخول اليهود في المعادلة الإسلامية.

كما أنَّه لا علاقة بين تحويل القبلة وغضب النبي صلى الله عليه وسلَّم من اليهود، لأن حادثة تحويل القبلة كانت جزءا من "توجه استراتيجي ثوري اعتمدته الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حينما جعلت من عقيدة التوحيد التي بشر بها إبراهيم الأساس الجديد الذي ستنطلق منه الدعوة تلك العقيدة التي جعلت من مكة وأهلها (قريش) محور رسالة التوحيد" (ص 39) وقد ارتبط هذا التحويل بالبدء بتنفيذ الخطة الاستراتيجية التي بدأت عمليا بإرسال سرية إلى نخلة بين مكة والطائف.

ويتناول في الفصل الرابع روافد القداسة للمدينة ويذكر منها مدافن الموتى وقبور الأولياء الصالحين، والاعتقاد الذي ساد بأن القدس أرض المحشر والمنشر، وهنا انعكس تخصصه بالفرق الإسلامية سلبا على الموضوع حيث أعطى، دون مبررات بحثية، تفاصيل كثيرة عن تاريخ الخوارج وقداسة مدافن زعمائهم وصراعهم مع الأمويين، فبدا كلامه عنها خارج السياق.

كما بدت ندرة اطلاعه على واقع الممارسات التعبدية داخل المسجد الأقصى وقبة الصخرة هذه الأيام، حين أكَّد على استمرار ممارسة الفلسطينيين للبدع داخلهما حتى هذه الأيام، رغم محاربة الفقهاء منذ عدة قرون، وهذا التعميم فيه تجنٍّ على الواقع؛ نظرا لأن المجتمع الفلسطيني هذه الأيام أقل تمسكا بالبدع، وما أورده الباحث من أمثلة ما هي إلا ممارسات من التاريخ لم يعد لها وجود.

ويلاحظ خلطه في هذا الفصل بين الإسلام بمفهومه الحضاري وتعاليمه السماوية حين أكَّد على أن قدسية أضرحة الأنبياء والشهداء وأولياء الله الصالحين من الإسلام، دون الإشارة إلى أنَّ ذلك مرتبط بنتاجات المسلمين الحضارية والثقافية وليس له علاقة بجوهر الإسلام كدين سماوي.

ويثير الانتباه استخدامه لبعض الروايات التاريخية دون تحقق، منها الادعاء أنَّ الحسن البصري دعا أتباعه إلى الحج إلى قبور بعض قادة الشيعة الذين قتلهم معاوية، فهذه الرواية لا تستقيم مع فقه الحسن وحربه على البدع الدينية.

ويركز في الفصل الخامس على القدس في أدب الفضائل مستعرضا بدايات ظهور هذا النوع من الأدب، وأسباب انتشاره، وعدد ما ألف من كتب الفضائل حول القدس وأشهرها، ومشيرا إلى أن الدراسات التي أجريت على كتب الفضائل الخاصة ببيت المقدس قام بها مستشرقون باستثناء دراستين لإسحاق موسى الحسيني وكامل العسلي، ومرة أخرى يقع الباحث تحت تأثير اهتماماته البحثية خارج نطاق القدس، فنراه يزيد من المساحة المخصصة للحديث عن أدب الفضائل، بما يتجاوز الضرورات البحثية.

ويفرد الباحث في الفصل السادس مساحة للحديث عن القدس وفريضة الجهاد، معتبرا أنَّ مدينة القدس قد ساهمت في بعث فريضة الجهاد في نفوس العرب بعد أن كادت جذوة الجهاد تذوب، وذلك بسبب ما تستأثر به من مكانة مميزة في قلوب المسلمين، على أنَّه كان أجدر بالباحث لو وسّع في دراسته لمشوار الكفاح لتحريرها والحفاظ عليها، ولم يقتصر على الأحداث التي مرت بها المدينة في فترة تحريرها من الفرنجة، بل تعداها إلى العصر الحديث، خصوصا وأن المدينة ما زالت تحت الاحتلال، وما زال الفلسطينيون والعرب يكافحون من أجل تحريرها.

الهوامش:

[*] باحث وكاتب فلسطيني.

[1]  هنالك العديد من المؤسسات الفلسطينية الناشطة في هذا المجال، في مقدمتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي قدمت أكثر من بحث ودراسة حول القدس خلال السنوات القليلة الماضية، وكذا مؤسسة باسيا ومركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ناهيك عن نجاح جهود بعض المتخصصين في إيجاد برامج دراسات عليا متخصصة في تاريخ القدس كجزء من مشروع معرفي واعد، مثل برنامج دراسات بيت المقدس الذي يشرف عليه البروفيسور عبد الفتاح العويسي المعتمد في أكثر من جامعة عربية وإسلامية وغربية.

[2]  من الذين تبنوا هذا الرأي المؤرخ عبد العزيز الدوري، للمزيد من المعلومات حول الموضوع، انظر: الدوري، عبد العزيز، القدس في الفترة الإسلامية الأولى من القرن السابع حتى القرن الحادي عشر، في: العسلي، كامل جميل، القدس في التاريخ، عمان مطبعة الجامعة الأردنية، 1992، ص133.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website