تحديات التنمية الزراعية في فلسطين - محمود فطافطة - عدد 257

تحديات التنمية الزراعية في فلسطين

مراجعة: محمود الفطافطة[*]

الناشر: جامعة القدس المفتوحة، طبعة أولى،

رام الله، 2013، عدد الصفحات 320.

مثل القطاع الزراعي في فلسطين، قبل بضعة عقود، القاعدة الإنتاجية الأساسية للاقتصاد الفلسطيني، حيث أدى دوراً رئيساً في تكوين الناتج المحلي والمساهمة الفاعلة في توفير الغذاء، فضلاً عن اعتباره القطاع الرئيس لتشغيل المرأة في الريف، واستيعاب عدد كبير من العاملين.

غير أن تحول كثيرين من عمال الزراعة إلى العمل في إسرائيل، وتوجه الاستثمار والاهتمام من الزراعة إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى كالصناعة والتجارة والخدمات، نتيجة لتدني العائد الزراعي، واستمرار سياسات الاحتلال الإسرائيلي لتقويض هذا القطاع أدى إلى زيادة التحديات التي تواجهها الزراعة الفلسطينية والتسبب في انخفاض نسبة مساهمتها في الناتج المحلي.

 هذا التراجع الملحوظ تؤكده معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ففي حين بلغت هذه المساهمة في منتصف السبعينات من القرن الماضي نحو 37% من الناتج المحلي، انخفضت في عام 1994 إلى 13,4%، وازدادت انخفاضاَ في عام 2003 لتصل إلى 11% مواصلة تدنيها الشديد لتبلغ 5.6% في عام 2012.

ونظراً لتركيز مجمل الدراسات السابقة على التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي الفلسطيني، وتأثير الممارسات الإسرائيلية على هذا القطاع، بعيداً عن دراسة آليات المواجهة التي اتبعها الفلسطينيون سواء للتغلب على هذه التحديات والممارسات، أم للتعايش معها نحو الاستمرار في الإنتاج ودعم الصمود الفلسطيني، ارتأت جامعة القدس المفتوحة، عبر فرعها بمدينة قلقيلية، عقد مؤتمر يستعرض واقع هذا القطاع، ويعالج مشكلاته، ويستشرف مستقبله.

هذا المؤتمر العلمي، الذي يُعتبر الأول من نوعه، واستمر ليومين، هدف إلى تسليط الضوء على التحديات التي تواجه التنمية الزراعية في الأراضي الفلسطينية، وذلك من خلال تقديم 11 ورقة علمية، أعدها وقدمها باحثون من مختلف الجامعات الفلسطينية، وتوزعت على أربعة محاور هي: الإنتاج الحيواني، والتنمية الريفية، والإنتاج النباتي، والبيئة والمصادر الطبيعية.

استزراع وآبار

الدراسة الأولى جاءت تحت عنوان "آفاق نجاح الاستزراع السمكي في محافظة قلقيلية"، أعدها الباحث محمد بصلات. هدفت الدراسة إلى التعرف على آفاق تحقيق النجاح في الاستزراع السمكي في محافظة قلقيلية. ويذكر الباحث أن ازدياد التوجه لتربية الأسماك في المحافظة يعني رفع معدل الاستهلاك للفرد من منتجات الأسماك، وهذا ما له أثر على حالة الأمن الغذائي بصورةٍ عامة من خلال تطوير غذاء غني بالمصادر البروتينية، وغيرها، كذلك تحقيق التنمية الريفية، وزيادة الدخل إضافة إلى تطوير المرافق السياحية في المحافظة.

وبخصوص المعيقات التي تواجه الاستزراع السمكي في قلقيلية يجملها بصلات في التنافس الحاد على المياه بين الاحتلال والشعب الفلسطيني الذي يأخذ صوراً عدة من أهمها منع حفر آبار، وعدم حرية الوصول لمصادر المياه الجارية، إلى جانب نقص المياه ونقص بالمعرفة عامة لدى المجتمع بالاستزراع وأهميته والفوائد الاقتصادية له، علاوة على عدم وجود تخصصات علمية في هذا المجال، وعدم توافر فروع في الجامعات المحلية لتدريس هذا النشاط، وعدم تخصيص ميزانيات من وزارة الزراعة لتطوير هذا المجال.

وتوصي الدراسة بضرورة تنمية الكوادر البشرية المتخصصة في مجال الاستزراع السمكي من خلال برامج تدريب خارجية لاكتساب خبرة في هذا المجال، وتوفير تخصصات علمية بهذا الشأن، وتوفير الدعم من قبل الحكومة، واستغلال الأراضي غير الصالحة للزراعة في إنشاء مزارع الأسماك.

الدراسة الثانية عُنونت بـ"تدمير إسرائيل للآبار الجوفية في قرية كفر دان بين الآثار الاجتماعية والاقتصادية وآفاق المواجهة"، أعدها زياد قنام وإبراهيم عيسى. الهدف من الدراسة التعرف إلى الآثار التي أحدثتها عملية تدمير ستة آبار جوفية في شباط من عام 2010 لمزارعين من كفر دان بمحافظة جنين، والآليات الممكنة لمواجهة هذه الآثار من وجهة نظر المزارعين أنفسهم.

وحسب الباحثين فإن أهم الآثار الاقتصادية لهذا التدمير تمثلت في ضعف التوجه للاستثمار في الزراعة، وزيادة أسعار المنتجات الزراعية المتوافرة في السوق المحلي، وانخفاض حجم الإنتاج لوحدة المساحة، وكلفة استخدام أنماط ري جديدة، وخسارة العائد من المياه المباعة من الآبار الخاصة للغير من المزارعين. وأما أهم التأثيرات الاجتماعية لمثل هذا التدمير فتمثلت في ازدياد سوء الحالة النفسية للمزارع، واحتلال أزمة المياه لمساحة كبيرة من تفكير المواطن، وضعف قدرة الأهل في تزويج الأبناء، وتغيير أولويات العائلة.

وبشأن أفضل مقترحات المزارعين لمواجهة تأثيرات تدمير الآبار فقد تمثلت في السعي لدى الجهات الرسمية للحصول على تراخيص لحفر آبار بديلة، واستخدام أساليب ري حديثة لترشيد الاستهلاك، وتشجيع مشاريع الحصاد المائي "برك جمع المياه". وبخصوص أهم توصيات الدراسة فقد تضمنت ضرورة زيادة الدعم الحكومي للمنطقة (مادياً ومعنوياً)، وضرورة إيجاد جسم تعاوني لإدارة العلاقة بين المزارعين أنفسهم، وبين المزارعين والمؤسسات المساندة والداعمة، إلى جانب تبنِّ أوسع لمشاريع الحصاد المائي في المنطقة.

السوق والمواجهة

جاءت الدراسة الثالثة تحت عنوان "أهمية تطوير السوق الوطني للمنتجات الزراعية الفلسطينية"، أعدتها سلوى صبري. هدفت الدراسة إلى إلقاء الضوء على واقع التسويق الزراعي الفلسطيني، وما يواجهه من تحديات داخلية وخارجية باعتبارها إحدى المعوقات الرئيسية لتنمية القطاع الزراعي وسبل حلها. وأبرزت الدراسة أهمية تطبيق المفهوم الحديث للتسويق، وبناء نظام معلومات تسويقية زراعية لتطوير السوق الوطني للمنتجات الزراعية، كما واستعرضت بعض التجارب الواعدة الفلسطينية والأجنبية في تسويق المنتجات الزراعية المحلية بهدف الاهتمام بها وتطويرها باستمرار.

ومن أبرز المشكلات التسويقية التي يعاني منها القطاع الزراعي في فلسطين، وفق الباحثة، التحكم في عمليات التسويق لصالح المنتجات الإسرائيلية، وغياب المؤسسات التسويقية المحلية والخارجية، وتخلف في عمليات الفرز والتغليف والتعبئة، وضعف في إمكانيات التخزين والتبريد، وانخفاض جودة المنتجات الزراعية الفلسطينية، وعدم الالتزام بالمواصفات والمعايير الدولية، علاوة على عدم الاهتمام ببحوث التسويق ودراسة حاجات ورغبات المستهلكين في الداخل والخارج.

وخرجت الدراسة بجملة توصيات أهمها: بناء قاعدة بيانات زراعية تحتوي على معلومات تتعلق بالمنتجين وأصناف المنتجات ورتبها وأسعارها وحجم الإنتاج من كل نوع، وضرورة إنشاء سوق وطني الكتروني للمنتجات الزراعية الفلسطينية، والعمل على انفتاح السوق ووضع خطة تسويق عادلة، وتطوير عمليات النقل الخارجي.

الدراسة الرابعة عنوانها "القطاع الزراعي الفلسطيني بين الممارسات الإسرائيلية ووسائل المواجهة والتكيف الفلسطينية: دراسة حالة-محافظة جنين"، أعدها زياد قنام وشادية أبو الزين. هدفت الدراسة إلى التعرف على آثار الممارسات الإسرائيلية على القطاع الزراعي الفلسطيني عامة، وفي محافظة جنين خاصة، والتعرف إلى الوسائل التي تبناها المزارعون لمواجهة هذه الآثار أو التكيف معها.

وأظهرت نتائج الدراسة أن أهم الآثار المباشرة للاعتداءات الإسرائيلية على القطاع الزراعي في محافظة جنين تمثلت في: منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم، وتجريف الأراضي الزراعية، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار.

 

أما أهم الإجراءات ووسائل التخفيف من هذه الآثار أو التكيف معها، التي تبناها المزارع في جنين، فتمثلت في: استخدام الأسمدة العضوية عوضاً عن الكيماوية، وتوفير مصادر تمويل بديلة كالاستدانة لشراء مستلزمات الإنتاج، واستخدام البلاستيك من الدرجة الثانية، واستبدال المبيدات الكيماوية بالمبيدات العضوية، واللجوء إلى العمالة الأسرية، والاتجاه للتسويق المحلي للمنتجات. الدراسة خرجت بالعديد من التوصيات، أهمها: تشكيل لجنة وطنية لدراسة الأضرار وأولويات الدعم للمزارعين المتضررين وآلياته، واستصلاح الأراضي البور، وتشجيع القيام بعمليات الحصاد المائي، وحماية السوق الفلسطيني من دخول المنتجات الإسرائيلية إليها، وإنشاء تعاونيات لجمع البذور البلدية، وتشجيع التصنيع الزراعي للاستفادة من فائض الإنتاج.

الفواكه والنخيل.. قدرات التسويق والتطوير

الدراسة الخامسة عنوانها "التحديات والمشكلات التي تواجه تسويق الفواكه والخضراوات في محافظة قلقيلية"، أعدها عطية مصلح. الهدف من الدراسة تشخيص التحديات والمشكلات التي تواجه تسويق الفواكه والخضراوات في محافظة قلقيلية، والوصول إلى وضع مقترحات للمساهمة في حلها، ولا سيما أن هذه المحافظة تعاني من ويلات جدار الفصل العنصري والاغلاقات والحصار المفروض عليها، مع الإشارة إلى أن دخول هذه المناطق الزراعية يخضع لأوامر الاحتلال وإجراءاته الخاصة باستصدار تصاريح دخول لهذه الأراضي.

ويُجمل الباحث المشكلات المتعلقة بالأسواق في: طريقة البيع بوساطة المزاد العلني وهذا يؤدي إلى تذبذب الأسعار، وارتفاع رسوم البيع بنسبة تصل إلى 12%، وعدم وجود قانون ينظم عمل أسواق الخضار والفواكه، ومنافسة المنتجات الإسرائيلية، وعدم وجود برادات لتخزين الفائض، وعدم وجود شركات تصدير، وعدم وجود برامج توعية للمزارع من قبل الحكومة، ومعاناة المزارع من قلة جودة الأسمدة والمبيدات والبذور والأشتال التي يستخدمها ومصدرها إسرائيل، فضلاً عن عدم توافر الإمكانات المادية للمزارع التي تمكنه من استخدام التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج.

وأوصت الدراسة بوجوب تحديد أسعار الفواكه والخضراوات للتغلب على البيع بالمزاد العلني، وتنظيم عمل الأسواق المركزية (الحسبة) والرقابة عليها من قبل الحكومة، إلى جانب وضع قيود على استيراد الفواكه والخضار القادم من إسرائيل، وإيجاد برادات كبيرة.

الدراسة السادسة حول واقع زراعة النخيل في فلسطين وآفاق تطويره، أعدها د. علائي البيطار. هدفت الدراسة إلى التعرف على المشكلات التي يعاني منها قطاع النخيل في فلسطين، ووضع الحلول المناسبة لها، وزيادة المساحة المزروعة بالأصناف الجديدة، وزيادة إنتاج النخيل كمّا ونوعا، ورفع المستوى الفني والوعي لدى المزارعين العاملين في قطاع النخيل.

 

ويذكر الباحث أن مساحة النخيل المثمر في فلسطين تبلغ 5000 دونم، ومعظمها مزروعة بالأصناف البلدية، وتتركز في محافظة أريحا والأغوار، والمحافظات الجنوبية، في حين تبلغ مساحة النخيل غير المثمر حوالي 4000 دونم، وأن الكمية المنتجة لا تسد احتياجات المستهلكين وبخاصة في شهر رمضان الذي يشهد إقبالاً متزايداً على ثمار النخيل.

ويتطرق الباحث في دراسته إلى المعوقات التي تواجه قطاع النخيل في فلسطين، وأبرزها: إنتاج أنواع تقليدية لا تتمتع بقدرة تنافسية في الأسواق المحلية والخارجية، مما ينعكس سلباً على دخل المزارعين ومعاناة السوق من النقص الحاد في تأمين منتجات النخيل، كذلك ارتفاع أسعار فسائل النخيل من الأصناف الجديدة، وقلة الخبرة العملية لدى المرشدين والمزارعين فيما يتعلق بعمليات الإنتاج في بساتين النخيل. وأوصت الدراسة بهذا الخصوص بالعمل على إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات التي يعاني منها قطاع النخيل لا سيما المتعلقة بالجودة والتسويق، وزيادة مساحة الأراضي المزروعة بالأصناف ذات الإنتاجية العالية، وزيادة الوعي لدى مزارعي النخيل، وإنشاء مراكز البحث العلمي المتخصصة في زراعة النخيل، ودعم جمعية مزارعي النخيل في فلسطين في شتى المجالات.

التنمية.. احتياجات وتحديات

أما الدراسة السابعة والتي أُلقيت في اليوم الثاني من المؤتمر فكان عنوانها "الاحتياجات التنموية لسكان الريف الغربي في محافظة بيت لحم"، أعدها زياد قنام وريم عايش. هدفت الدراسة إلى التعرف إلى الاحتياجات التنموية لسكان القرى المبحوثة (بتير، وحوسان، ونحالين، ووداي فوكين) في المجالات الصحية، والتعليمية، والبنية التحتية، والزراعية، والخدمات الاجتماعية. وكذلك التعرف إلى أبرز المعوقات والتحديات التي تعترض تلبية هذه الاحتياجات، وأهم الموارد المتاحة، والجهات التي يمكن أن تسهم في تحقيقها.

وتبين الدراسة أن أهم التحديات والعقبات التي تعوق تلبية الاحتياجات التنموية في هذه القرى تتمثل أبرزها في: جدار الفصل العنصري، ومصادرة الاحتلال لأراضي السكان، وعدم تمويل الجهات الرسمية مشاريع في القرى. أما أهم الموارد المتاحة التي يمكن أن تساعد على تلبية الاحتياجات التنموية فتتمثل في رغبة المجتمع في التغيير، ووجود شباب متعلم، وامتلاك المجتمع للكفاءات. وتوصي الدراسة بضرورة دعم القطاع الزراعي، بشتى الوسائل، وتحسين مستوى الخدمات الصحية، وتطوير المدارس وزيادتها والبنية التحتية للمياه والكهرباء والاتصالات، وإنشاء شبكات صرف صحي.

أما الدراسة الثامنة فجاءت تحت عنوان "المشكلات التي تواجه إدارة وتنمية قطاع المشروعات الصغيرة في محافظة الخليل"، أعدها د. شاهر حجة. هدفت الدراسة إلى التعرف إلى واقع المشروعات الصغيرة في محافظة الخليل، والتعرف إلى المشكلات التي تواجه إدارة هذه المشروعات في سعيها لتنمية المجتمع والنهوض به.

وأظهرت نتائج الدراسة أن ملكية المشروعات الصغيرة قد توزعت بين ملكية لشخصٍ واحد، أو على أساس الشراكة بين أثنين أو أكثر أو للأسرة، كما تبين أن أعلى قطاع توزعت عليه المشروعات الصغيرة هو القطاع التجاري، ثم القطاع الإنتاجي، ثم القطاع الخدماتي، وأن غالبية العاملين في هذه المشروعات هم من العاملين بوقتٍ كامل سواء من داخل الأسرة أم من خارجها، كما أن عدد العاملين في معظمها لا يزيد عن 8 عمال، وأن غالبية المشروعات هي بتمويل ذاتي أو قائمة على تمويل عائلي، فضلا عن أن معظم منتجاتها متكاملة وجاهزة للبيع. أما المشكلات التي تواجه إدارة وتنمية المشاريع في محافظة الخليل وتنميتها فتمثلت بمشكلة العائد السنوي للمشروع، ومشكلة الضريبة على عوائد المشروع، ورأس المال المستثمر، والدور الذي تقدمه جهة التمويل.

الدراسة التاسعة كانت بعنوان "التحديات التي تواجه التنمية الزراعية في محافظة قلقيلية في ظل الجدار"، أعدها محمد بصلات. تهدف الدراسة إلى التعرف إلى الآثار التي خلفها جدار الفصل العنصري الُمقام في المحافظة على آفاق التنمية الزراعية المستدامة في المناطق المتأثرة.

 تبين الدراسة أن 21 تجمعاً قد تأثرت من بناء الجدار حيث صودر حوالي 5% من الأراضي الزراعية وعزلت 39% منها 15% لصالح الاستيطان، وعليه فإن الجدار قد تسلل في مصادرة وعزل حوالي 33076 دونماً، والتي تشكل ما نسبته 19% من المساحة الكلية للمحافظة. بالإضافة إلى تدمير وعزل 19 بئر ماء جوفي بطاقة إنتاجية تقدر بما نسبته 34% من الكمية المستخرجة في المحافظة، ولذلك فإن ما يقارب 69% من الأراضي المروية قد تأثرت نتيجة بناء الجدار. كذلك؛ فإن الجدار (وفق الدراسة) أثر كثيراً على البنية التحتية الزراعية، ودور الزراعة في تحقيق التنمية، وإضعاف مساهمة الزراعة كمصدر للرزق، وغيرها.

وأوصت الدراسة بتشجيع المزارعين على الاستمرار في زراعة أراضيهم وريها بشكلٍ دائم، ومساعدة المزارعين الذين عزلوا خلف الجدار لتسويق منتجاتهم وتسهيل نقلها. وتشجيع المهندسين والخبراء الزراعيين للعمل والتواصل مع المزارعين خلف الجدار، وتخصيص مشاريع لدعمهم، وتأهيل الآبار وشبكات الري.

المنخفضات والري.. واقع وآثار

الدراسة العاشرة جاءت تحت عنوان "أثر المنخفضات الجوية على الزراعة في فلسطين"، أعدها حجازي الدعاجنة. تناولت الدراسة أثر المنخفضات الجوية على الزراعة في فلسطين من حيث تأثير الظواهر الجوية المرافقة للمنخفضات الجوية على نمو المحاصيل الزراعية وإنتاجيتها. ويحاول الباحث وضع تصور للوسائل التي يمكن من خلالها تطوير الزراعة في فلسطين والطرق التي يمكن من خلالها استغلال مياه هذه المنخفضات لصالح الزراعة ووسائل حمايتها من الآثار السلبية لهذه المنخفضات لتكون رافداً أساسياً للسوق بالمنتجات الزراعية.

وأهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن درجة حرارة فلسطين تناسب زراعة محصول القمح في جميع مناطقها باستثناء المرتفعات التي تزيد عن 400م فوق مستوى سطح البحر. ومن النتائج التي تمخضت عنها الدراسة، كذلك، أن كثرة الموجات الباردة المرافقة للمنخفضات الجوية ترتب عليها توقف نمو المحاصيل الزراعية، فيقل الإنتاج أو ينعدم حسب طول أو قصر الموجة الباردة، علاوة على أن التفاوت في درجات الحرارة أثناء مرور المنخفضات الجوية يؤدي إلى حدوث أضرار بالغة في نمو بعض أصناف الخضراوات.

وأوصت الدراسة بزراعة المحاصيل التي تتلاءم مع الظروف الجوية السائدة، وتوسيع الرقعة الزراعية، والتعامل مع المنخفضات الجوية بصورةٍ مدروسة توظيفاً لقطاع زراعي منتج.

وبخصوص الدراسة الأخيرة في المؤتمر فكان عنوانها "آثار الري بالمياه المالحة وفترات الري على إنتاج محصول البندورة وخواص التربة"، أعدها كلٌّ من محمود رحيل، وحجاج حجة، وعلياء قناديلو. في هذه الدراسة تم استخدام دراسة ميدانية في محطة التجارب التابعة لوزارة الزراعة، والواقعة في حرم جامعة فلسطين التقنية "خضوري". وأظهرت نتائج التجرية أن نباتات البندورة المروية بالمياه المالحة بتركيز عالٍ أعطت أقل نقص في الإنتاج في المعاملات التي رويت كل يوم مقارنة بالمعاملات التي رويت يوماً بعد يوم وكل ثلاثة أيام. كما أن ري النباتات بالمياه المالحة بتركيز محدد أدت إلى زيادة ملوحة التربة، وتراكم كمية كبيرة من الأملاح في منطقة نمو الجذور رغم ري النبات لمدد زمنية لا تتجاوز الشهرين.

وأوصت الدراسة بضرورة المحافظة على خواص التربة في حال الري بمياه مالحة، وذلك بالعمل على غسيل التربة في بداية الموسم، وكذلك استخدام أقنية التناوب في عملية الري ما بين المياه المالحة والمياه العذبة للتقليل من تراكم الأملاح في منطقة الجذور.

ختاماً: يمثل هذا الكتاب مساهمة نوعية وإضافة متميزة في موضوعه سيما وأن الأدبيات التي تتطرق إلى واقع القطاع الزراعي في فلسطين تأخذ البعد التوثيقي لممارسات الاحتلال التدميرية بحقه دون التطرق إلى القضايا التخصصية والدقيقة بصورةٍ علمية وتحليلية. الدراسات المنشورة في هذا الكتاب تُغطي زاوية مهمة من الاهتمام البحثي بشؤون قطاع الزراعة في فلسطين وإن كان الأمر يحتاج إلى المزيد من الدراسات العلمية. نأمل من الباحثين والمؤسسات الفلسطينية ذات العلاقة الاهتمام بهذا القطاع من حيث الاستثمار والحماية والدراسة لما يمثله من أهمية قصوى في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

 

خاتمة واستخلاصات

بعد قراءة وعرض هذه الدراسات المتخصصة في مجالي الزراعة والمياه في فلسطين، سنقوم بتلخيص أهمية هذه الدراسات وما تتميز به من فائدة وأثر في المنظومة الزراعية والمائية، إلى جانب التعرف على موقعها في مجال البحث المائي والزراعي على المستوى الفلسطيني، وصولاً إلى وضع صورة تقييم عامة لمثل هذه البحوث.

أولاً: الأهمية

تمثل الدراسات العلمية المنشورة في هذا الكتاب أهمية معرفية وعملية لعدة أسباب، أهمها:

1. المساهمة النوعية في إثراء المجال العلمي والبحثي لقطاعي الزراعة والمياه في فلسطين عبر مجموعة من الدراسات المحكمة؛ القائمة على منهجية علمية متعددة الأدوات سيما المسحية والتجريبية؛ الأمر الذي منح هذه الدراسات بناءً داخلياً صادقاً، ووحدة موضوعية متينة.

2. الإضافة القيمة لهذه الدراسات من حيث الموضوع. فالمتتبع للأدبيات والبحوث المتعلقة بواقع القطاع الزراعي والمائي في فلسطين يجد الآتي:

أ‌. محدودية الدراسات من حيث الكم مع ما يعتريها من فقرٍ ملحوظ في النوع والتنويع. هذه السمات حالت دون أن تساهم مثل هذه البحوث في تقديم زادٍ معرفيٍّ يمكن على أساسه بناء استراتيجيات أو سياسات عملياتية لحماية وتطوير القطاعين. هذه الحيلولة سببها افتقار هذه الدراسات لمعلوماتٍ تتصف بالدقة والشمولية والتوازن، وإحصاءات مجردة من الربط والتحليل والتحديث، فضلاً عن توصيات أو مقترحات غير إجرائية أو عملية محددة.

ب‌.  كثير من هذه الدراسات يغلب عليها الطابع التقريري أو التوثيقي لممارسات الاحتلال بحق قطاعي الزراعة والمياه. فالكثير مما هو متوافر من منشورات يشتمل على رصد ومتابعة وتسجيل وتوثيق انتهاكات الاحتلال بحق هذين القطاعين الهامين في حياة الفلسطينيين.

ت‌.  افتقار كثير من الدراسات الصادرة عن قطاعي الزراعة والمياه في فلسطين إلى التركيز على دراسة أشكال المواجهة التي يتبعها الفلسطينيين سواء للتغلب على هذه التحديات والممارسات، أم للتعايش معها نحو الاستمرار في الإنتاج ودعم الصمود الفلسطيني في أرضه والحفاظ على مقدراته وموارده.

ث‌.  يُلاحظ على تلك الدراسات عدم الاهتمام بالقضايا الهامة والمتخصصة والحساسة لقطاعي الزراعة والمياه، وذلك لأسبابٍ متعلقة بالتمويل الخارجي وقلة الخبرات العلمية ومحدودية الإمكانيات ونقص الأدوات، إلى جانب ضآلة التخصص العلمي لموضوعات هذين القطاعين، علاوة على تقصير الحكومة الفلسطينية، ممثلة بوزارة الزراعة، في دعم الجانب البحثي، عدا عن انتهاكات الاحتلال المتعددة والمتواصلة كعدم السماح للباحثين بالدخول إلى كثيرٍ من المناطق للحصول على معلومات أو عينات مخبرية وما شابه.

ثانياً: السمات التي تميز هذه الدراسات

1.  الكم: عادة ما يتم نشر دراسات أو مؤلفات تتطرق إلى موضوع أو قضية واحدة أو اثنتين ذات اتصال بقطاعات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية وما شابه. في هذا الكتاب نجد 11 دراسة متخصصة وعلمية، تم مراجعتها من قبل نخبة من الأكاديميين الخبراء المتخصصين في مجال قطاعي الزراعة والمياه.

2.النوع: اشتملت الدراسات على ميزتين مهمتين هما: تعدد الموضوعات المبحوثة لتأخذ صورة مقبولة ومناسبة من التوسع والشمولية لقضايا قطاعي الزراعة والمياه. أما الميزة الثانية فتكمن في المعطيات والإحصاءات الواردة في الدراسات والتي اتسمت بالربط والتحليل والتسلسل المنطقي والتوصيات العملية والمقترحات المحددة والدقيقة.

3.تقديم هذه الدراسات في مؤتمر علمي شارك فيه عدد كبير من أصحاب الشأن والاختصاص أثرى الدراسات بزاد التقييم والتقويم سيما وأن الملاحظات والمقترحات التي عُرضت على هامش المؤتمر تم توظيفها في تمتين وتحصين الدراسات المنشورة.

4. امتازت بعض الدراسات بإتباع أدوات بحثية مسحية، ميدانية، وهذا ما كان له أثر نوعي وملحوظ في دقة المعطيات والتوصيات وآليات الحل والعلاج.

ثالثاً: موقع الدراسات في مجال البحث الزراعي والمائي

1. السمة الأكاديمية والتخصصية لهذه الدراسات أضفت عليها قسطاً كبيراً من المتانة والفائدة. فالدراسات البحثية عادة ما تمتاز مدخلاتها بالدقة والتوسع ومخرجاتها بالصدقية والأثر القابل للتطبيق العملي.

2. يدخل كثير من هذه الدراسات في إطار ما يُعرف بـ"الدراسات السياساتية" أو "أوراق موقف"، وهذا ما منحها أهمية بحثية مضاعفة في مصفوفة البحوث المتخصصة في قطاعي الزراعة والمياه في فلسطين.

3. المكتبة الفلسطينية بحاجةٍ ماسة إلى أوراق علمية استراتيجية في علوم الزراعة والمياه، لما يمثله القطاعان من أهمية قصوى في حياة الشعب الفلسطيني وصراعه مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يدمر الحياة والثروة الزراعية وينهب الموارد المائية ويتحكم في مصادرها.

4. هذه الدراسات العلمية التي تقدم معطيات وإحصاءات ومسوحات دقيقة وشاملة ونوعية من شأنها الإسهام في مواجهة تحديات التنمية الزراعية في فلسطين. هذه التحديات بحاجةٍ إلى أوراق بحثية رصينة وعملية، يمكن تقديمها لأصحاب الشأن والقرار لتطبيق ما جاء فيها من مقترحات عملية.

5. من شأن هذه الدراسات العلمية إثراء المجال البحثي لقطاعي المياه والزراعة. هذا الإثراء يساهم في سد الثغرات التي تعتري العمل الزراعي من معيقات، والقطاع المائي من تحديات، وصولاً إلى حشد جميع الطاقات للاستفادة من الخبرات في إنشاء منظومة زراعيةـ مائية للحد من هذه الثغرات.

رابعاً: تقييم عام

استناداً إلى ما تم ذكره يجب التأكيد على جملة نقاط أساسية:

1. قطاع الزراعة يمثل قاعدة أساسية في اقتصاد أي دولة، وهو الأكثر ثباتاً وعطاءً، وفي فلسطين يأخذ حساسية أخرى لأنه يرتبط بالأرض موضع الصراع مع الاحتلال، وبقدرة الطرفين على توظيف الأرض، فالمستوطنة توظف الأرض لصالح الاحتلال، وعلينا أن نوظف الأرض لصالح الاستقلال.

2.في معركة المياه يجب توظيف الإمكانات الصحيحة، وفي معركة الأرض نحافظ عليها ونصبح أكثر قدرة للدفاع عنها واستثمارها. إذا كانت هذه الأرض موضع الصراع. وهي توحدنا في عملية الصراع. فهي بحاجة إلى وحدتنا الوطنية، فلا يعقل أن نقف في وجه المستوطنة والحاجز والجدار منقسمين.

3. كل هذه المعطيات والمطالب تؤكد عليها الدراسات المستعرضة بهدف خلق حالة بحثية ومعرفية تولي قطاعي الزراعية والمياه أهمية في التناول والنشر. فضلاً عن إثارة قضايا هذين القطاعين للاهتمام بهما من قبل أصحاب الشأن والإعلام والمواطنين عموماً.

4. فيما يتعلق بمضمون الدراسات يمكن القول بأن اختيار كثير من موضوعاتها كان مناسباً، كما اتسمت بمنطقية التسلسل، وعمق التحليل، وثراء المعطيات، ودقة وحداثة الإحصاءات.

5. كل ذلك لم يمنع من وجود بعض السلبيات التي لازمت هذه الدراسات، كالنقص في تضمين بعض المحاور لموضوعات مهمة، وشح التحليل والاستشراف لبعضها، فضلاً عن احتواء قسم منها على إحصاءات قديمة، في حين كانت توصيات جزء منها عامة.


[*] باحث وكاتب، مقيم في رام الله.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website