مذكرات وخواطر محمد اسحق درويش 2/2 - سميح حمودة - عدد 257

شخصيات وأوراق فلسطينية

مذكرات وخواطر محمد إسحق درويش

2/2

سميح حمودة[*]

تناول القسم الأول من هذه الدراسة، والمنشور في العدد السابق من مجلة شؤون فلسطينية، حياة محمد إسحق درويش ودوره السياسي ومشاركته في الحركة الوطنية الفلسطينية، وعرض لمخطوطة مذكراته وخواطره وأهميتها، وذكر ما تناولته من موضوعات وخواطر، وشرح القسم الصورة التي رسمها درويش في هذه المذكرات لزعيم حزب الاستقلال العربي الفلسطيني عوني عبد الهادي، كونه أحد معارضي المفتي. يستكمل القسم الثاني هذا من الدراسة عرض صورة المعارضين من أعضاء حزب الدفاع العربي، المشهور بحزب النشاشيبية، وصورة بعض الشخصيات الأخرى التي اختلفت مع المفتي مثل موسى العلمي وجمال الحسيني، كما يعرض ما دوّنه درويش حول شخصيات فلسطينية أخرى، ويعرض مقابل ذلك الصورة التي رسمها درويش لخاله الحاج أمين، ويتطرق هذا القسم لما كتبه درويش حول المشاريع السياسية لحل القضية الفلسطينية التي عرضت على الحاج أمين، وحول بيع الأراضي لليهود، وأخيراً حول بعض مواقف التخاذل التي وقفتها شخصيات رسمية وسياسية عربية خلال فترة الانتداب البريطاني، وقد أورد درويش الكثير منها، ولكن نكتفي ببعض الأمثلة. وبناءً على ما عرضناه في القسم الأول من الدراسة من العلاقة الوثيقة واللصيقة بين درويش وخاله الحاج أمين فإنّ لنا أن نفترض أن أفكاره وآراءه هي أفكار وآراء الحاج أمين نفسه، ومن هنا تكمن أهمية عرضها ودراستها.

صورة المعارضين للمفتي

دوّن إسحق درويش عدداً من الحوادث التي تعكس النظرة السلبية التي حملها تجاه معارضي الحاج أمين، وقد كتب ما يدلل على اعتقاده بخيانة هؤلاء المعارضين للقضية الوطنية، فالأمر عنده ليس خلافاً في الرؤية السياسية، بل أعمق من ذلك، إذ هو خروج عن الأمّة والوطن. وقد كتب درويش حول راغب النشاشيبي وعائلته أنّ الخيانة أصبحت "وآل النشاشيبي في القدس كلمات مترادفة في العالم العربي والإسلامي، فبعد إلغاء المجلس التشريعي في الكويت، أصبح الوطنيون يلقبون الأشخاص الذين يتعاونون مع أمير الكويت بالنشاشيبيين."[1] كما كتب أنّ من الأمثال الدارجة في بغداد "أنت مخبل. أنت نشاشيبي،" موضحاً أنّ هذا المثل "يُقال عند وصم الشخص بالخيانة،" وأضاف درويش أنّه "كان من تحمس العراقيين أن طلب شخص مبارزة راغب النشاشيبي في المكان واليوم والسلاح الذي يختاره." ويضيف لهذه الصورة عن النشاشيبيين من الكويت والعراق صورة شبيهة من الهند، ناقلاً عن العضو المسلم في البرلمان الهندي، وعضو الوفد الهندي للمؤتمر البرلماني المنعقد في مصر، وعضو الوفد البرلماني الهندي إلى لندن، عبد الرحمن صديقي "أن الخونة في الهند يلقبون بالنشاشيبيين.."  

يعرض درويش لعدد من المواقف التي تتعلق براغب وفخري النشاشيبي وتظهر تآمرهما على الثورة وقلة التزامهما بالعمل الوطني، فحين أرسل فخري النشاشيبي كتابه الشهير للمندوب السامي البريطاني في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1938م، قبل انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في لندن لتسوية القضية الفلسطينية، والذي تناول فيه مسألة تمثيل عرب فلسطين في المؤتمر، وحمل على المفتي واتهمه بممارسة العنف والإرهاب ضد خصومه ومناوئيه، وقال إنّ معارضي الحاج أمين يمثلون 75% من مصالح فلسطين، وأنّ أتباعهم ومعتنقي مبادئهم يزيدون كثيراً عن نصف عرب فلسطين، وطالب المندوب بتمثيل المعارضين للمفتي في المؤتمر وعدم استثنائهم،[2] قامت موجة استنكار واسعة في فلسطين ضد هذا البيان، ويروي درويش أن التلميذ حسن عزة نسيبة مزق البيان وداسه بقدمه، فسجن ووالده في القدس، ويضيف أن حسن تلميذ مدرسة كان يستعد لفحص المتركوليشن. ولكن الحكومة أبقته في السجن، فضاع عليه الفحص، ممّا يدلِّل على رضا الحكومة البريطانية عن فخري ومعاداته للحاج أمين. 

وحول راغب النشاشيبي يقول درويش إنّه في لقائه في لندن خلال مؤتمر المائدة المستديرة سنة 1939م مع وزير المستعمرات البريطاني "طلب من الوزير (كارت بلانش) تفويضاً عاماً وهو يقضي على الثورة." وخلال بحث المؤتمر موضوع ضمانة حماية الأقليات في فلسطين، قال جمال الحسيني: "نحن نقبل في أن تتعهد الحكومات العربية وتكفلنا بتنفيذ هذا الضمان، فما كان من راغب النشاشيبي إلا أن قال: بنصبح مثل زوج الأربع نساء. وسنكون تحت أربعة انتدابات بدلاً من انتداب واحد، وأظهر عدم رضاه، وكان حديثه موضوع سخرية واشمئزاز مندوبي البلاد العربية، ومما قاله علي ماهر باشا: "ده الراجل ما عنده عقل ولا ذوق." 

دوّن درويش تفاصيل حول شخصيات أخرى من رجال حزب الدفاع المعارضين للحاج أمين، وقد استمدها من حديث مع المحامي حنا خلف من رام الله،[3] فبعد نشر تقرير لجنة بيل سنة 1937 "كان رجال حزب الدفاع في نُزُل بمدينة رام الله، ودُعي حنا خلف لحضور اجتماع يبحث فيه عن فائدة التقسيم، وكان مع الحضور متري فراج،[4] وسليمان طوقان،[5] وعيسى العيسى،[6] وعادل شوا،[7] وراغب النشاشيبي، وفخري نشاشيبي وغيرهم، وكان أول حديث لمتري فراج أن هذا أوكازيون للعرب بقبول هذا الترتيب، وخالف حنّا المجتمعين، وأصبح معتقلاً بأمر البوليس.."

وحول المعارضين أعضاء حزب الدفاع يدوِّن درويش أبياتاً من الشعر الشعبي تشهِّر بهم وبعضو حزبهم بولص شحادة صاحب جريدة مرآة الشرق، وقد علّق بأنها جريدة موالية للاستعمار:

يا بولص قل لامرأتك                                    ويش ماله[8]وشك مهبوش[9]

قل لها سلامة عقلاتك                                   قل لها شو صار بالطربوش

تعلَّمها أنت وحزبك                                      مرة ثانية ما تخونوش[10]

وحول شخصيات أخرى عارضت الحاج أمين ووقفت مع السلطة البريطانية ضده يدوِّن درويش قصة تتعلق بعجاج نويهض، مدير قسم البرامج العربية في إذاعة هنا القدس خلال الحرب العالمية الثانية، وكان عجاج من مؤسسي حزب الاستقلال ولكنه خلال المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية 1937-1939م أخذ يميل لحزب المعارضة، ووثق علاقاته براغب النشاشيبي وبالحكومة الانتدابية،[11] ونقل درويش القصة عن الشاعر إبراهيم طوقان، وقد سمعها منه في بغداد بتاريخ 27 رمضان 1359هـ، 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1940م، وكان طوقان قد عمل فترة في الإذاعة، ثم استقال وسافر للعمل مدرساً في العراق. يقول درويش: "في كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ قصة شخص وجد عقد لؤلؤ بينما كان يطوف في الكعبة، وأعاده لصاحبه، وكان بينهما علاقة ودية، ووفاء بالعهد. اتخذ إبراهيم طوقان هذه القصة موضوعا يلقيه على الأطفال، ودعى الشخص الذي أعاد عقد اللؤلؤ أميناً، وصاحب العقد الذي وفّى لمن وجده وفاءً.. وقدمها ليلقيها... رفض عجاج نويهض إلقاءها، وأوهم السلطة أن المقصود من هذه القصة الإشادة بفضائل السيد محمد أمين الحسيني.."

صورة موسى العلمي وجمال الحسيني

دوّن درويش العديد من الأخبار والمواقف المتعلقة بموسى العلمي وزوج أخته جمال الحسيني، ومن المؤكد أن ما كتبه تأثر بالخلاف بين الرجلين وبين المفتي، وترجع جذور هذا الخلاف للعام 1946 حين هرب الحاج أمين من معتقله قرب باريس ولجأ للقاهرة، وأصبح رئيساً للهيئة العربية العليا حديثة التأسيس، فوجد أمامه المشروع الإنشائي العربي ومشروع المكاتب العربية، اللذين قررت جامعة الدول العربية تأسيسهما بناءً على اقتراح من العلمي، وأوكلت له إدارتهما. وقد حظي العلمي بدعم من العراق والأردن الخصمين اللدودين للمفتي، واللذين تبنيا العلمي أملاً في إيجاد قيادة فلسطينية بديلة للمفتي.[12]وحين طلب المفتي من العلمي تسليم المشروعين للهيئة العربية العليا رفض العلمي الطلب، وأصّر على إبقاء المشروعين بعيداً عن المفتي كونه شخصية غير مرغوب بها لدى العراقيين، خصوصاً بعد اشتراكه في حركة رشيد عالي الكيلاني في أيار 1941م، وهم الذين كانوا الأكثر التزاماً بين الدول العربية في تمويل المشروعين.

توسع الخلاف بين الرجلين حين بدأت الآلة الإعلامية للمفتي، وبالأخص كتابات إميل الغوري، تهاجم العلمي وتتهمه بالخيانة، وبالارتباط بالإنجليز، فلم يرق هذا الأمر لجمال الحسيني، الذي تربطه بالعلمي علاقة تعاون وتفاهم سياسي وثيقة، بالإضافة لعلاقة النسب بينهما، والذي يعرف مبلغ وطنية الرجل وحرصه على القضية الفلسطينية وإنجازاته في حقلها،[13] كما لم يرق الموقف أيضاً لشقيقي جمال: توفيق الذي كان يرأس الحزب العربي في القدس بالوكالة عن أخيه، وداود الذي كان يعمل مع العلمي مديراً للمكتب العربي في بيروت. وقد أصدر الحزب العربي في القدس بيانات يدعم فيها مواقف موسى العلمي ويدافع عن مشاريعه الاقتصادية والسياسية في فلسطين.

توجد صورتان لموسى العلمي في مذكرات درويش، الأولى تظهره وطنياً يعمل وجمال الحسيني جنباً إلى جنب مع المفتي وسائر الزعماء القريبين منه في بيروت وفي بغداد؛ والصورة الثانية تظهره عميلاً لبريطانيا وبائعاً للأراضي لليهود، وهذه الأخيرة تظهر بعد الحرب العالمية الثانية، أي في الفترة التي اختلف فيها العلمي مع المفتي حول المشروع الإنشائي والمكاتب العربية.

تتضح الصورة الأولى للعلمي فيما دوّنه درويش حول الاتصالات التي كان يقوم بها الرجل مع المسؤولين البريطانيين من أجل شرح وجهة النظر الفلسطينية، وهي اتصالات كانت تتم بمعرفة المفتي وموافقته، وقد ذكر درويش الرسائل التي كانت تصل الحاج أمين من العلمي تشرح نتائج هذه الاتصالات، ومنها ما كتبه عن رسالة من العلمي مؤرخة في 15 حزيران (يونيو) 1939م يقول فيها "إن أحد كبار الساسة البريطانيين أكد له أن وزارة المستعمرات كانت متهيئة مشروعاً باستقلال فلسطين مع فترة انتقال لا تزيد على خمس سنوات، ولكنهم لما رأوا من وفود البلاد العربية تهافتاً على رضاء الإنجليز عدّلوا المشروع بالكتاب الأبيض الصادر 27 أيّار (مايو) 1939م، وأوهموا وفود الدول العربية أنه لولاهم لما أعطيت فلسطين هذه المطالب." ويكتب درويش عن الدور السياسي لجمال الحسيني وموسى العلمي فيذكر أنهما حين وصلا الإسكندرية في 28 حزيران (يونيو) 1939م، وجدا "الأمير شكيب موفدا من الحكومة المصرية للبحث معهم بخصوص توقيف الاضطرابات في فلسطين، والقبول بمقترحات الحكومة، على أن تتعهد الحكومة المصرية بالتوسط وتعديل ما يمكن تعديله." ويكتب أيضاً أنّه حين اشتدت الأزمة المالية للمفتي وجماعته بعد أن منع الفرنسيون عنهم التحويلات المالية بالتبرعات من الخارج لعب العلمي دوراً في محاولة حلِّها: "وحتى 24 أيلول (سبتمبر) 1939 لم تظهر بادرة حل، واستكلب الإنجليز بعد أن شعروا بضعف اللجنة [العربية العليا] المالي، وتمردوا ورفضوا كل وساطة وسافرتُ وجمال الحسيني والشيخ حسن أبو السعود إلى بغداد لتعجيل وساطة الحكومات العربية، وللاهتمام بتسهيل مغادرة الحاج أمين أفندي لبنان إلى بغداد وإرسال ما أمكن من الأموال للمنكوبين. وقبل مغادرتنا بيروت بأسبوع كان السيد موسى العلمي سافر إلى العراق ليبحث قضية التوسط وإرسال المال، وكان سفره بصورة خاصة ومن تلقاء نفسه."

تنقلب الصورة بعد ذلك، إذ يدوّن درويش ما يعكس صورة سلبية للعلمي، ويورد ما يشير إلى ارتباطه بالإنجليز، فيقول أن أسعد داغر التقى سنة 1942م "أثناء احتفال عام مع المستر كلايتون ورونفيلد ودار الحديث حول قضية فلسطين فقال كلايتون، سنمسك موسى العلمي من أذنه ونلقي به في فلسطين ليتولى زعامتها." وفي الحقيقة أنّ ما دوّنه درويش هنا لا ينسجم مع الوقائع التاريخية إذ أن موسى العلمي لم يكن معنياً بالزعامة، وحين عاد لفلسطين سنة 1941م انشغل في إعادة ترتيب أملاكه، وقد اشترط عليه الإنجليز كي يسمحوا له بالعودة من العراق السكن في مزرعة شرفات، حيث كان له بيت وأملاك، ولم تسمح حكومة الانتداب في البداية له بالعودة إلى القدس، ولكن بعد تعيين اللورد غورث مندوباً سامياً سمح له بالعودة إلى القدس.[14]

ويدون درويش ادعاءً آخر ضد العلمي خلال الفترة التي شهدت مساعي للدول العربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأثناء مداولات تأسيس جامعة الدول العربية، لتأسيس هيئة عربية جديدة تحل مكان اللجنة العربية العليا التي ماتت خلال الحرب العالمية الثانية، وتكون مسؤولة عن تمثيل عرب فلسطين، وقد جاءت هذه المساعي بعد فشل الأحزاب والشخصيات الفلسطينية في الوصول لاتفاق حول أعضاء هذه الهيئة، نتيجة لإصرار جماعة المفتي أن تكون لهم الأغلبية فيها، ويقول درويش أنّ التونيان، مندوب القيادة البريطانية، اجتمع والزعيم السوري جميل مردم، "وطلب منه تأييد جبهة موسى العلمي في القدس، أثناء زيارته لانتخاب هيئة عربية".  ويضيف لذلك ادعاءً ثانياً بأنّه "لما اجتمع مندوبو الدول العربية لإقرار ميثاق الجامعة، جاء السيد موسى العلمي مندوبا عن فلسطين، واعتذر عزام عن قبوله، فجاءه بتوصية من كلايتون." وحول هذه القصة التي دونها درويش روى موسى العلمي لجوفري فرلونغ، الذي كتب سيرة حياة العلمي، قصة مختلفة، مفادها أن البريغادير التر كلايتون كان قد ضغط على النحاس باشا لمنع العلمي من الدخول كممثل لفلسطين في مؤتمر تأسيس جامعة الدول العربية بالإسكندرية، وقد استجاب النحاس للضغط البريطاني، فغضب العلمي لهذا الأمر وتوجه لمقابلة كلايتون في مكتب اللورد موين، الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط، وقابل كلايتون، وكان هو الموظف السياسي البريطاني المسؤول بصورة أساسية عن ملف الجامعة العربية، ومعه موظف آخر، وقد واجههما العلمي بحقيقة الضغط البريطاني على النحاس، وطالبهما بسحب ذلك. وأبلغهما أنّه إذا لم يتم ذلك فسيقوم بالعودة إلى فلسطين منسحباً من المؤتمر، وسيقوم بنشر السبب في العودة في الصحف، ممّا سيجلب الضرر لبريطانيا. حينها راجع كلايتون مسؤوله الأعلى الوزير موين، والذي سأل سؤالاً محدداً حول من سيمثِّل العلمي في المؤتمر، جميع سكان فلسطين، أم عرب فلسطين فقط؟ وبعد اطمئنان المسؤولين الإنجليز حول هذه النقطة، والتي عكست تخوفاً بريطانياً من ردة فعل صهيونية رافضة لتمثيل كل الفلسطينيين، سلّم كلايتون للعلمي ورقة موجهة للنحاس باشا تقول: "إن وزير الدولة ليس له اعتراض في إدخال موسى العلمي إلى المؤتمر التحضيري لتمثيل الفلسطينيين العرب بموجب التفويض الذي يحمله منهم."[15] 

يورد درويش مسألة أخرى تتعلق بقيام العلمي ببيع أرض الزرّاعة لليهود، فيكتب، ناقلاً عن العميد فايز القصري، أنّ مستعمرة تيرات زفاي أقيمت سنة 1945م على أرض الزرّاعة، وأنّ يوسف العرسان من بدو بيسان باع الأرض إلى موسى العلمي، "وهذا باعها إلى اليهودي السوري جوزف فاكياني." وآخر عناصر الصورة السلبية يوردها درويش اعتماداً على حديث لشكري بك القوتلي أدلى به يوم 15 تمّوز (يوليو) 1952م، وقال فيه أنه سأل صلاح الشوربجي أثناء الحرب العالمية الثانية "عن سبب تغيبه مدة طويلة عن دمشق، فأجاب: استدعيت إلى بغداد لدراسة مشروع معمل نسيج، يساهم في رأس ماله: الأمير عبد الإله، ونوري السعيد، وموسى العلمي، وكين بويد. وطلب مني المساهمة بالمشروع." ومن الواضح هنا أنّ العلمي مرتبط بمصالح اقتصادية مع شخصية بريطانية ومع اثنين من حلفاء وأتباع بريطانيا في العراق.

 أمّا جمال الحسيني فيذكره درويش ضمن رجالات الحلقة العاملة مع الحاج أمين، والوثيقة الصلة به، ولكنه يغمز من طرفه في موقف حصل خلال حرب 1948م. يكتب درويش عن دور جمال الحسيني في السعي لحل الأزمة المالية التي سبق ذكرها، ويذكر اجتماعات عديدة شارك فيها جمال مع المفتي منها اجتماع جرى ببغداد بتاريخ يوم الأربعاء 13 شباط (فبراير) 1941م، 17 المحرم 1360هـ، مع وزير الخارجية العراقي توفيق السويدي في بيته، وبناءً على طلبه. أمّا الموقف السلبي لجمال من المفتي فينقله درويش من حلقة من سلسلة مذكرات محسن البرازي نشرت في جريدة الحياة البيروتية بتاريخ 3 شباط (فبراير) 1953م (العدد 2068)، وقد كتب البرازي بتاريخ 23 كانون الثاني (يناير) 1948م: "تأخرت في الرياض للاجتماع والسيد جمال الحسيني، وأطلعته بعد وصوله على أن جلالة الملك [عبد العزيز آل سعود] أمر بإرسال السلاح. وتنفيذا لرأيه وإخوانه أشرت أن يسلم السلاح والتبرعات إلى اللجنة الفنية وأن لا يسلم شيء للمفتي.. فوافق جمال على ذلك." 

شخصيات أخرى

يدوّن درويش وقائع تتعلق بعدد من الشخصيات الفلسطينية، فيكتب عن بخل عيسى العيسى الذي ظهر حين قرر بيت المال عليه دفع مبلغ خمسين جنيها فلسطينيا "كل سنة أسوة بغيره، فما كان منه إلا مقابلة سماحة رئيس الهيئة لإعفائه من الدفع." ويذكر حادثة حصلت مع القائد الشيوعي فؤاد نصار خلال حرب 1948، فيقول أنّ العسكري المصري أحمد بن عبد العزيز، قائد المتطوعين في بيت لحم، لاحظ حين كان "يراقب الجبهة ليلا في الساعة الحادية عشرة أنوارا متقطعة تصدر من خلف سجن النساء. وبعد قليل ظهرت الأنوار المتقطعة من رامات راحيل، وأمر بمداهمة المكان الذي اعتقد أن الأنوار صدرت منه، فوجد فؤاد نصار ولديه بعض الأوراق والمصابيح الكاشفة. أمر بسجن فؤاد نصار، وسلمه إلى ضابط يحقق معه ويقدمه صباحا له، وأثناء التحقيق سأل فؤاد نصار الضابط المصري إن كان يعرف رفيق عويس، وكان يعمل مع المتطوعين بقيادة منير أبو فاضل.. فأجابه: نعم، وادعى أنه قريبه، وأنه متهم ومظلوم، وبعد قليل استأذن بالذهاب للمرحاض ثم هرب واختفى".

ويدوِّن درويش قصةً غريبةً تتعلق بالشيخ تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير، فيقول أنّه في سنة 1952–1953م "استدعت القنصلية الأمريكية في القدس الشيخ موسى أفندي العيزراوي لمقابلة القنصل. ولدى حضوره طلبوا منه التعاون معهم في توحيد المسلمين.. فأجاب دعوني أفكر بالأمر.. وفي مقابلة ثانية، أجاب أن الأمر يحتاج لشخص آخر أتعاون معه وأنا لم أوفق لمثله. فقالوا له، هنا تقي الدين النبهاني.. ما رأيك فيه؟ فقال حسنا، ولكن دعوني أفكر مرة ثانية.. ولم يرجع." وتكمن غرابة القصة في رغبة الأمريكيين توحيد المسلمين من خلال علماء الدين الإسلامي، وفي إشارتهم للشيخ النبهاني الذي كان معروفاً بعدائه للاستعمار الغربي.

صورة الحاج أمين

يحظى الحاج أمين بصورة إيجابية في مخطوطة درويش، فهو يتمتع بالعناية الإلهية وبالدعم الشعبي والعربي والإسلامي الواسع، وهو عدوّ اليهود الصهاينة الذين يتمنون قتله، ولا يشير درويش لخاله إلاّ بصفته سماحة الحاج أمين أفندي الحسيني، أو السيد أمين الحسيني، تعبيراً عن الاحترام والتقدير. يروي درويش حادثتين تظهران العناية الإلهية بالحاج أمين، فحين بلّغته الحكومة الفلسطينية يوم الجمعة 1 تشرين الأول (أكتوبر) 1937م أنه لم تعد له السلطة الدينية في المجلس الإسلامي والأوقاف وبعزله عن إدارتهما، ولم تتعرض لمركز الإفتاء، جاء في مساء ذلك اليوم إلى دائرة الإذاعة الفلسطينية بالقدس، التي كانت تشرف عليها الحكومة الانتدابية البريطانية، موظف بريطاني يحمل ثلاثة مغلفات فيها نص قرار العزل باللغات الثلاث، الإنجليزية والعربية والعبرية، وطلب الموظف من إبراهيم طوقان تلاوة القرار باللغة العربية، وكان الوقت المقرر في البرنامج هو لتلاوة القرآن الكريم، فتلي البلاغ الرسمي باللغات الثلاث، "ثم طلب من الشيخ إسماعيل المرتجى قراءة ما تيسر من القرآن فتلا سورة النجم، ومطلعها: ’والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى،‘ إلى آخر السورة، وكان لهذا الاختيار الموفق تأثير عظيم على نفوس المستمعين."[16] والحادثة الثانية حصلت عندما خرج ابن أخت المفتي، منيف الحسيني، من بيروت قاصداً بغداد مساء يوم الجمعة 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1940م، وغادر بنفس اليوم الحاج أمين ذوق مكايل في بيروت ميمماً أيضاً شطر بغداد، "وكان الجميع مضطربا يخشى وقوع ما لا تحمل عقباه، وفي هذه الحالة النفسية وبينما السيارة تسير بين بحمدون وعاليه، طلب السيد منيف من السائق أن يفتح الراديو لعله يتسلى بما يذيعه ويخفي ما بنفسه من اضطراب، وإذا بالراديو يذيع القرآن بلسان أحد القراء ما يأتي: ’هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم،‘ وكانت هذه الآية أحسن علاج لتهدئة النفس المضطربة."

وعن الدعم الشعبي للحاج أمين فقد دوّن درويش ثلاث قصص تدلّ عليه، الأولى نقلاً عن المقدسي أنور الخطيب أنه "عندما كان سجينا في سجن القدس، سمع تحية المجاهدين لسماحة الحاج أمين أفندي الحسيني عندما كانوا يساقون للمشنقة... وأول وصية لهم تقبيل أياديه. وكان الجند والبوليس الإنجليزي يعجبون من شجاعة المجاهدين ويأسفون لإعدامهم، ويقدرون فيهم الوطنية الصحيحة والتضحية في سبيل وطنهم وقوميتهم. وكانوا يسمون المعتقلين جنود الحاج أمين، وفي طريق الخليل فاجأ الثوار سيارة مملوءة بالجند [البريطاني] فألقوا بنادقهم، وقالوا نستحلفكم باسم الحاج أمين (حتى يكفّوا عن قتلهم)." وينقل درويش قصةً ثانية تمثِّل صورةً أخرى للدعم الشعبي للحاج أمين عن فريد العنبتاوي، وتتعلق بما رآه الأخير حينما كان معتقلا في سجن عكا، ويعتبرها درويش من دلائل شدة الوطنية في ثورة فلسطين. وقد روى عنبتاوي "أن المجاهد الذي يحكم عليه بالإعدام، كان يمضي ليلة إعدامه وهو يهتف باسم الحاج أمين أفندي الحسيني، ويغني أغانيه القومية الحماسية، حتى مطلع الصبح حيث يساق للشنق." أمّا القصة الثالثة فحدثت بعد مغادرة الحاج أمين فلسطين إلى لبنان في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1937م، فقد "زار المستر سايمس حاكم حيفا، بعض القرى العربية، وحاول أن ينال من سماحته، لتركه بلده وأهله، فأجابه أحد الحاضرين: ’إنه اقتدى بجده الرسول حينما هاجر إلى المدينة،‘ فصمت ولم يتكلم."

تتوسع دائرة الدعم للحاج أمين في مخطوطة درويش إلى العالم العربي، فيذكر نقلاً عن

 السيد علي رشدي عنان، وهو عالم أزهري من مصر كان قد عمل مع الحاج أمين في المجلس الشرعي الإسلامي مشرفاً على دائرة المعاهد الدينية، "أن وزير خارجية اليمن راغب بك، أطلعه على برقية أرسلها الإمام يحيى إلى رئيس جمهورية فرنسا يطلب فيها السماح للمفتي أفندي بالحضور إلى اليمن. وإن لم يرغب سماحته بذلك، رجاه أن يهتم براحته كل الاهتمام." وفي ذات السياق يذكر درويش ما يدلّ على دعم الحكومتين العراقية والسعودية للحاج، فيروي عن دعم الحكومة العراقية، قبل حركة الكيلاني ضد الإنجليز، أنّه "صدف عند قدوم سماحته إلى بيروت، أن كان بها السيد طالب مشتاق قنصلا للعراق، فقابل المندوب السامي الفرنسي، وطلب منه باسم حكومة العراق أن يهتم براحة وسلامة الحاج أمين الحسيني، لصفته الدينية والسياسية، وكل هذا قبل الاتصال بحكومته، وبعد أن عرّفها بما فعل، شكرته الحكومة العراقية." أمّا عن دعم الحكومة السعودية فقد "صدف أن قدم الشيخ يوسف ياسين [وزير خارجية الملك عبد العزيز ابن سعود] إلى سورية ولبنان وبيروت، واجتمعت به وطلبت منه مقابلة الحاج أمين أفندي في بيت الدكتور سامح الفاخوري، فوافق وأعطت دائرة الأمن العام التعليمات اللازمة لتسهيل المقابلة. غير أن الشيخ يوسف سافر ولم يقابل سماحته، أما أنه أوصى الفرنسيين بسماحته فمؤكد."

يتطرق درويش في تسجيلاته إلى العداء اليهودي للحاج أمين، فينقل ما رواه له المجاهد الشيخ حسن سلامة في بغداد أن اليهود عندما كانوا يتمرنون على إطلاق النار، كانوا يضعون صورة الحاج أمين الحسيني هدفاً ويطلقون عليها النار.

الحلول السياسية للقضية الفلسطينية

يدوّن درويش بعض التفاصيل حول مقترحات عديدة قدّمت للحاج أمين من قبل شخصيات عربية وغير عربية، رسمية وغير رسمية، من أجل حلّ القضية الفلسطينية، من أغرب هذه المقترحات ما سعى من أجله فارس نمر، صاحب جريدة المقطّم بالقاهرة، فحين زار صهره جورج أنطونيوس في القدس في صيف إحدى السنين 1932-1934، صرح له أنه يرغب في محادثة الحاج أمين الحسيني لحل قضية فلسطين على أساس انتقال سكانها العرب إلى شرق الأردن، وأن يعوَّضوا عن أملاكهم. ولكن أنطونيوس نصح حماه، بعدم بحث هذا الموضوع.[17]

مقترح ثانٍ لحل قضية فلسطين من وزير المستعمرات، المستر ماكدونالد، حمله للحاج أمين الدكتور عزت طنوس لما رجع من لندن في شهر أيلول (سبتمبر) 1938م، أي بعد صدور توصية لجنة بيل بتقسيم فلسطين، وينصّ الاقتراح على تعديل خطة التقسيم المقترحة في تقرير بيل بحيث يتمُّ ضم منطقة الجليل إلى المملكة العربية، وقسم من المنطقة العربية جنوبي غرب يافا ورفعها من المملكة اليهودية، فإذا قبل هذا الاقتراح توقف الاضطرابات ويعدل التقسيم، وكان نصيب هذا الاقتراح الرفض من قبل الزعامة الفلسطينية. وبلغ الحاج أمين مشروع من الحكومة المصرية للتوسط لحل القضية الفلسطينية، ويكتب درويش أنه لمّا وصل جمال الحسيني وموسى العلمي في 28 حزيران (يونيو) 1939م الإسكندرية، قابلهم الأمير شكيب أرسلان موفدا من الحكومة المصرية للبحث معهم بخصوص توقيف الاضطرابات في فلسطين، والقبول بمقترحات الحكومة [البريطانية]، على أن تتعهد الحكومة المصرية بالتوسط وتعديل ما يمكن تعديله من خطة التقسيم. ويعرب درويش عن استغرابه من قيام المناضل الليبي بشير السعداوي بحمل كتابٍ بهذا المسعى من الملك عبد العزيز آل سعود إلى المفتي، وكان السعداوي قد ذهب الى لبنان بصحبة ابن عم الملك عبد العزيز ابن سعود.

يكتب درويش عن مشروعٍ بريطانيٍ أعد سنة 1939م لاستقلال فلسطين مع فترة انتقال لا تزيد على خمس سنوات، ويستند درويش في حديثه عن هذا المشروع لكتاب أرسله موسى العلمي للحاج أمين في 15 حزيران (يونيو) 1939م، وفيه أن أحد كبار الساسة البريطانيين أكد للعلمي أن وزارة المستعمرات كانت مهيئة لهذا المشروع، ولكنّ مسؤوليها لما رأوا من وفود البلاد العربية تهافتاً على رضاء الحكومة الإنجليزية عدّلوا المشروع بالكتاب الأبيض الصادر بتاريخ 27 أيّار (مايو) 1939م وأوهموا وفود الدول العربية أنه لولاهم لما أعطيت فلسطين هذه المطالب. ويوضح درويش أن الدول العربية لا يمكنها أن تملي إرادتها على بريطانيا لأنها بحاجة لها وتطلب جيشها لحماية حدودها، فمصر تهددها مطامع ايطاليا، والعراق تهددها تركيا، ولأن مصر كانت لا تعتبر نفسها من الدول العربية. ويضرب درويش مثلا على ذلك بما حدث عندما أعطي خطاب تشمبرلن الذي سيعلن في حفلة افتتاح مؤتمر فلسطين [مؤتمر المائدة المستديرة] إلى حسن نشأت باشا، سفير مصر للمؤتمر، للاطلاع عليه، وكان الخطاب موجهاً إلى مندوبي الدول العربية، قام السفير بشطب هذه الجملة وجعلها هكذا، مندوب مصر والدول العربية.  ويضيف درويش موقفاً آخر للسفير المصري يدل على ضعف الموقف العربي في المؤتمر جرى خلال حفلة عشاء كان مدعواً إليها هذا السفير وتوفيق أبو الهدى، رئيس الوزراء الأردني آنذاك، والسيد علم الدين. وحين بحث الحاضرون في قضية فلسطين قال السفير المصري: نحن لدينا في مصر 160 ألف يهودي و200 ألف عربي، وعلينا أن نرضي الفريقين؟ وجرت بينه وبين السيد علم الدين بهذا الأمر مناقشة شديدة. ويستنتج درويش أنّ وجود رجال الوفود العربية في المؤتمر "بهذا الضعف وهذه العقيدة جعل إمكان حل قضية فلسطين لمصلحة العرب بعيد الاحتمال." ويضيف أيضاً أنّ "من الأمور التي أضاعت هيبة الوفد [العربي] أن الأمير فيصل [بن عبد العزيز آل سعود] نفسه لم يكن يملك رأيا، ولا يقدر مكانته بين الأجانب في لندن، فكان لفؤاد حمزة أثر كبير على سلوكه الشخصي وعلى تصرفاته السياسية."

يدوّن درويش بتاريخ 30 جمادى الأولى 1358هـ، 18 تموز (يوليو) 1939م تفاصيل أخرى عن مقترحات بريطانية وصلت للحاج أمين وتتعلق بتعديل الكتاب الأبيض الذي رفضه الأخير، فكتب أنّه وصل لطرف الحاج أمين في اليوم السابق كتابٌ من الأمير محمود شوكت بن سيف الدين عبد العزيز، وكتابٌ آخر من عزيز علي المصري، وعقّب على ذلك بالقول بأن الأمير متصل بالمستر جيمس رئيس استخبارات الشرق ومراسل الديلي ميل، وقد حدث الأمير محمود شوكت وعزيز المصري بخصوص تعديل الكتاب الأبيض. وأعلمهما "أن توقيف الهجرة مقدمة لتوقيفها دائما، وأنه في ثلاثة أغسطس [آب] 1939 سيجري تبديل آخر في السياسة [البريطانية]، وعند حصول هذا التبديل سيحضر الأمير أو هو [المستر جيمس] شخصيا للبحث مفصلا بما يقتضى إجراءه." اعتبر درويش هذا المسعى من المستر جيمس لعبة إنجليزية خطرة، بدأتها الحكومة الإنجليزية في مصر قبل صدور الكتاب الأبيض، بهدف أن يُظهر عرب فلسطين رغبة في تنصيب الأمير محمود شوكت ملكا على فلسطين، وليوقع الشقاق بين الدول العربية وأهل فلسطين.

وتحت عنوان مذكرة عامة كتب درويش بتاريخ 25 شوال 1359هـ، 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 1940م، تفاصيل حول مذكرة وصلت للحاج أمين تتعلق بمشروع تقدم به الكولونيل البريطاني نيوكمب، وفيها أن الكولونيل يشتغل مع جماعة مهمة من أعضاء الحكومة البريطانية ومؤيديها، وقسم كبير من اليهود الإنجليز والأمريكيين والفلسطينيين، ولا سيما قسم غير قليل من الصهيونيين المعتدلين، وذكرت أنّه سيكون في فندق أوريان بالاس بدمشق قبل ظهر يوم السبت 2 تموز (يوليو) 1938م، وسيحضر معه عدد من اليهود المعتدلين الفلسطينيين. ويرجو مرسل المذكرة الاتصال به في اليوم المعين، لأنه سيغادر دمشق مساء نفس اليوم، وأن تكون المداولة معه "على الأسس التي جاءت في مقترحاته الشخصية، والتي يعتقد بأنها ستكون أساسا مبدئيا للتفاهم والمذاكرة بين ذوي العلاقات، كما أنها نالت رضا العرب من حيث الأساس، ولهذا الغرض يكون من الضروري جعل المفتي وجماعته مطلعين على ما سيجري من المباحثات في هذا الشأن." ويضيف كاتب المذكرة أنّه أجرى "بعض التنقيحات بشكل لا يمس جوهر المقترحات الأصلية التي يمكن جعلها أساسا للمداولة، وقد تم هذا التنقيح بناء على ما أوضحه المومئ إليه أثناء الاجتماع به."

ويشرح درويش أنّ المذكرة تتضمن ملحوظة فيها اقتراح عقد مؤتمر عربي فيما إذا قبلت الشروط المقترحة من قبل نيوكمب أساسا للمناقشة ما بين العرب واليهود، "وذلك لتعيين التدابير والشروط التي يمكن بمقتضاها قبول هجرة يهودية معقولة إلى شرق الأردن وسوريا والعراق بقدر ما تسمح بذلك قوانينهم الخاصة." وقد علّق كاتب المذكرة أنّه "لما كانت هذه الملاحظة غير عملية وموجبة للأتعاب والتشويشات في البلاد العربية فقد لفت نظره إلى ضرورة اجتناب البحث في هذه القضية." ويرفق كاتب المذكرة معها أصل مقترحات الكولونيل نيوكامب باللغة الإنجليزية، ويلخص المقترحات بالعربية بعد تنقيحها، مع الاعتناء بالاحتفاظ بجوهرها:

1. تأسيس دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة (يعين تاريخ هذا التأسيس باتفاق خاص).

2. لكل فلسطيني حق سياسي ومدني محفوظ في الدولة الفلسطينية بدون تفريق جنس ومذهب.

3. تبقى وتستمر مسؤولية بريطانيا في إدارة شؤون الدولة الفلسطينية لمدة تحدد ما بين الطرفين (والرأي الغالب فيه أن تكون عشر سنوات). في خلال هذه المدة يسمح للأهلين من عرب ويهود بأن يزاولوا الوظائف يزداد هذا المنح بالاشتراك في الحكم تدريجيا إلى أن تنتهي مسؤولية بريطانيا (كما جرى في العراق مثلا).

4. يكون للطوائف بما يتعلق بأمورهم الطائفية صلاحيات واسعة على أن لا تشمل هذه الصلاحيات أي قضاء على أفراد الطوائف الأخرى في عين المكان.

5. يكون للبلديات في المدن والقرى العربية واليهودية لامركزية واسعة تمكنها من أن تسيطر على التعليم والأمور الشخصية والدينية والإدارة المحلية.

6. إن أعظم عدد لليهود في فلسطين يكون مقدارهم الحالي.

7. تضمن من قبل الحكومة البريطانية مصالح الطوائف المختلفة في فلسطين بعد تأسيس الدولة الفلسطينية (وهذا الضمان يكون عهديا حسب العادة لمدة معلومة أو يدخل في صلب دستور الدولة).

8. تصان مصالح بريطانيا المشروعة.

يختم درويش حديثه عن هذه المذكرة بأنّ نيوكمب لم يأت لدمشق، "ولو أتى لتبدلت الحالة في فلسطين."

وردت تفاصيل أخرى حول نيوكمب ومساعيه لحل القضية الفلسطينية في كتاب ناصر الدين النشاشيبي[18] عن حياة موسى العلمي وآرائه السياسية، فقد أورد النشاشيبي نقلاً عن العلمي أن الكولونيل نيوكمب كان معروفاً بقوة اتصالاته بالعرب منذ الحرب العالمية الأولى، وأنّه ذهب لبغداد أواخر سنة 1940 كي يجتمع بالزعماء العراقيين والزعماء الفلسطينيين الموجودين في بغداد، للبحث في الأسس والشروط التي يقبل بها الفلسطينيون من أجل قبول الكتاب الأبيض، ويضيف أنّ الذي أرسله هو اللورد هالينكس وزير الخارجية البريطانية، ويذكر العلمي أنّ نيوكمب اجتمع به وبالمفتي وبجمال الحسيني وبعددٍ آخر من رجالات فلسطين، وقدّم اقتراحاته المنصفة للعرب والمتفهمة لمطالبهم السياسية، ولكن الحكومة البريطانية لم تأخذ بها وأهملتها.

قضية بيع الأراضي لليهود

يولي إسحق درويش اهتماماً بجذور المشروع الصهيوني والسعي لشراء الأراضي لصالحه، فينقل عن كتاب ويلفريد بلنت التاريخ السري للاحتلال البريطاني لمصر قوله: "12 يونيو (حزيران) 1880، تناول لورانس أوليفانت، طعام الغداء على مائدتي. وقد عاد أخيراً من القسطنطينية، حيث كان يحاول الحصول من السلطان على امتياز ليسمح لأبناء إسرائيل، بأن يستعمروا الأراضي الواقعة خلف نهر الأردن." ويذكر روايةً عن أمين عبد الهادي، وكان قد شغل في العهد العثماني مناصب عالية، منها قائمقام الناصرة، مساعي هرتسل والبارون هرش وروتشيلد في القسطنطينية، حيث "قابلوا وزير النافعة في تركيا خمدجيان أفندي، وعرضوا عليه تقديم قرض بثلاثة ملايين جنيه، على أن يسمح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، ورفض السلطان عبد الحميد العرض. وفي مقابلة ثانية، أشار خمدجيان إلى الوفد اليهودي، على خارطة المملكة العثمانية، وقال اختاروا أية بقعة لهجرة اليهود عدا فلسطين... فرفضوا. وهنا صدر أمر بإعطاء بطاقة حمراء، لكل سائح تخوله الإقامة في القدس ثلاثة شهور، ثم يغادر البلاد."

ويتناول درويش نماذج من صفقات بيع الأراضي التي قام بها عرب غير فلسطينيين، فيذكر أنّ الكونت شديد وسليمان نصيف جاءا إلى حيفا سنة 1920، وتوسطا في بيع مرج ابن عامر لليهود، والذي كان من أملاك آل سرسق البيروتيين. ويضيف أن سليمان نصيف أغرى "بعض أشخاص من بيروت، فنالوا امتياز استغلال حمامات طبريا الساخنة وباع الامتياز لليهود، وتوسط مع الأمير عبد الله، حيث نال امتياز حمامات الحمة، ثم ألحقت المنطقة بفلسطين."  ويفرد حيزاً للحديث عن ما أسماه "مأساة بيع أراضي المغاربة بين طبريا والناصرة" التي تسبب بها الأمير سعيد الجزائري،[19] حفيد المجاهد عبد القادر الجزائري، فقد باع في سنة 1935م جميع أراضي القرى التي سكنها مهاجرو الجزائر الذين فرّوا من الاستعمار الفرنسي، فاقتطعتها لهم الحكومة العثمانية، ولم يكتف الأمير بهذا بل بدأ يقنع المهاجرين ببيع حصصهم على أن يعطيهم دونمين من أراضيه الخاصة في سوريا، لقاء كل دونم يبيعونه لليهود، واحتجَّ بأنه في حاجة إلى أيدٍ عاملة، فاقتنع أكثرهم وباعوا حصصهم. ويسرد درويش نقلاً عن الشيخين طاهر وصدقي الطبري قصة عالم ديني يدعى الشيخ خضر، وكان من سكان قرية الشعارة من قضاء طبريا، الذي رفض أن يبيع أرضه، وعبثا حاول إقناع أقاربه بعدم البيع. جلا الجزائريون إلى سوريا حيث سكنوا مزرعة للأمير سعيد الجزائري، ولكنها "كانت موبوءة بأمراض الملاريا وغيرها، واختلف المناخ فمات أكثرهم. وشوهد يوما من الأيام الشيخ خضر يحضر إلى طبريا ويذهب إلى أطلال قرية الشعارة، حيث يتوضأ، ويصعد فوق شجرة ويؤذن ثم يصلي ويقعد تحت الشجرة منتحبا.  فعجب سكان القرى المجاورة حيث يسمعون في الغروب بكاءً وعويلاً وجاءوا فوجدوا الشيخ خضر فحملوه إلى قرية قريبة بحالة مؤلمة، وأصبح عليه الصباح وهو جثة هامدة، ودفن في تلك القرية."

تخاذل بعض العرب تجاه فلسطين

اهتم درويش في مذكراته بتدوين وقائع عديدة تشير إلى تخاذل بعض الشخصيات السياسية العربية تجاه القضية الفلسطينية، فيذكر شيخ الأزهر أبو الفضل الجيزاوي ورفضه التعاون في بثّ الدعاية لصالح فلسطين وضد الحركة الصهيونية في مصر، ويقول درويش إن الأمر حصل في سنة 1921م، وفق 1348هـ، حين أرسلت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الفلسطيني العربي بعد ثورة يافا إلى الحجاز أثناء موسم الحج، للدعاية من أجل القضية الفلسطينية، وبمرورهم بمصر قابلوا شيخ الأزهر. وطبعت اللجنة "آلافاً من الصور التي تمثل الصخرة المشرفة محاطة بالتاج اليهودي والشارات اليهودية. وقابل الوفد شيخ الأزهر أبو الفضل الجيزاوي، وبحث معه عن قضية فلسطين، فرفض شيخ الأزهر البحث في الموضوع لأنه لا يتدخل في الشؤون السياسية، وقدم له نسخة من صورة الصخرة المشرفة محاطة بالشارات اليهودية فوضعها جانباً، ولما يئس الوفد من البحث ومن إثارة عاطفته لمساعدة فلسطين غادره ليجتمع مع أشخاص آخرين، ولما ابتعد الوفد عن دار شيخ الأزهر، هرول شخص يحمل صورة الصخرة طالباً منهم استلامها لأن الشيخ لا يأخذ مثل هذه الصورة، وعبثاً حاولوا إقناع الرسول ليقبل بإعادة الصورة إلى الشيخ.[20]

ويكتب درويش عن تواطؤ محمد الأنسي، أحد مساعدي الأمير عبد الله ورسوله للوكالة اليهودية، مع الأخيرة، ويقول أنّه في صيف سنة 1936م كان السيد حسن عويضة من القدس، يدير الفندق العصري في شارع ماملا، فنزل في الفندق محمد الأنسي، فجاء لمقابلته شخص من الوكالة اليهودية، وقدم له شيكا بمبلغ 5000 جنيه فلسطيني، فرفض الأنسي قبول الشيك إلا بمبلغ عشرة آلاف جنيه، وبعد ذلك اتصل مندوب الوكالة اليهودية مع أحد البنوك واتفقا على مبلغ دفع إلى محمد الأنسي، من أجل عدم إشراك الأردنيين في الثورة الفلسطينية.

الهوامش:

[*] باحث في التاريخ الفلسطيني ومحاضر في دائرة العلوم السياسية بجامعة بيرزيت.

[1] يروى درويش هذا الأمر عن التاجر الكويتي عبد الله حمد الصقر، ووالده أول رئيس لمجلس الشورى الكويتي.

[2] حول البيان راجع: زعيتر، الحركة الوطنية الفلسطينية، المصدر نفسه، ص521.

[3] جرى الحديث في ذوق مكايل بلبنان في 30 ربيع ثاني 1358هـ، 18 حزيران (يونيو) 1939م.

[4] مسيحي أرثوذكسي من القدس، وكان يشغل منصب قائم مقام رام الله في تلك الفترة.

[5] من أقطاب حزب الدفاع، وكان رئيساً لبلدية نابلس.

[6] مسيحي أرثوذكسي من يافا، وكان صاحب جريدة فلسطين.

[7] ابن الحاج سعيد الشوا الذي كان من أنصار الحاج أمين، وكان عضواً في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ممثلاً عن قضاء غزة، أخذ عادل وأخوه الأكبر رشدي منحاً معارضاً للحاج أمين، في حين كان شقيقاهما عز الدين ورشاد من أنصاره ومن العاملين معه خلال الثورة الكبرى، 1936-1939م.

[8] أي ماذا به.

[9] أي وجهك مجروح.

[10] أي لا تخونوا.

[11] لتفاصيل حول هذه القضية راجع دراسة الكاتب "يوميات طاهر الفتياني وإضاءات على الحياة والمجتمع العربي في القدس خلال الحرب العالمية الثانية،" مجلة حوليات القدس، العدد 14، خريف-شتاء 2012، ص46-51.

[12] حول هذا الموضوع راجع كتاب: مصطفى، د

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website