اللغة في الخطاب الاعلامي الفلسطيني - عماد موسى - عدد 257

اللغة في الخطاب الإعلامي الفلسطيني

[*]عماد موسى

 

نستهل هذه المحاولات بالتعريف الذي قدمه رافد عجيل فليح، في مدونته (الفنون الصحافية) فيقول: "إنها الأداة التي يقوم الإعلاميون من خلالها، بتحويل المعلومات، والأفكار إلى مادة مقروءة أو مسموعة أو مرئية يمكن تلقيها، وفهم واستيعاب ما تحمله من مضامين توضع في أشكال فنية معينة"[1].

أما سلطان بلغيث فيعرف اللغة الإعلامية فيقول: "إنها لغة جماهيرية، فلا بد من تحديد واختبار الرموز والإشارات التي تطابق تلك التي يختزلها المتلقي في الإطار الدلالي، (المخزون المعرضي) وهذا يقتضي البعد عن المفردات والكلمات الوحشية، أو الأعجمية، كي يتمكن المتلقي من تفكيك الرموز المودعة في الرسالة"[2].

ويمكننا القول إن اللغة الإعلامية: هي شكل من أشكال التواصل اللغوي في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية المقروءة، والمتعددة الوسائط والالكترونية والتي يتوسل منتجو الخطاب الإعلامي، وكذلك واضعو سياساته التحريرية باستعمال اللغة، ويعملون على ابتكار استعمالات جديدة لعدد من المفردات بقصد التوسع في إيصال الرسالة الإعلامية وبهدف تحقيق التأثير في الذوات المتلقية (الرأي العام) /الجمهور المستهدف/ (المستقبل)، من هنا يمكننا القول: إن اللغة الإعلامية تتسم بقوة التجديد والابتكار لتحقيق قوة التوسع، والانتشار وامتلاك القدرة على الإقناع والتأثير. فاللغة الإعلامية تستمد قوتها "من قوة الكلمات المرتبطة بالصور التي تثيرها، وهي مستقلة تماما عن معانيها الحقيقية. والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق هي التي تمتلك أحيانا أكبر قدرة على التأثير والفعل، نضرب على ذلك مثلا، الكلمات التالية:          ديمقراطية، اشتراكية، مساواة، حرية...الخ، فمعانيها من الغموض بحيث نحتاج إلى مجلدات ضخمة لشرحها، ومع ذلك فإن حروفها تمتلك قوة سحرية بالفعل كما لو أنها تحتوي على حل لكل المشاكل"[3].

 والذي يمكنها من الذيوع والانتشار أن "كل كلمة في اللغة الإعلامية يجب أن تكون مفهومة من قبل الجمهور المستقبل، كما يجب أن تعرض بطريقة جذابة تحقق يسر القراءة، أو الاستماع، أما أنواع التورية، وازدواج المعاني أو الهالات الانفعالية حول الألفاظ وغيرها من فنون الأدب التي تؤدي إلى المعاني الخاصة في الشعر فهي بعيدة تماما عن لغة الإعلام لأنها تقطع تيار الاتصال الذي يجب أن يظل مجراه صافيا نميرا"[4].

 ومن أبرز هذه التعريفات، هي: "اللغة التي تشيع على أوسع نطاق في محيط الجمهور العام، وهي قاسم مشترك أعظم، في كل علوم المعرفة والثقافة والصناعة والتجارة والعلوم البحتة والعلوم الاجتماعية والإنسانية والفنون والآداب وذلك لأن مادة الإعلام في التعبير عن المجتمع والبيئة تستمد عناصرها من كل فن وعلم ومعرفة"[5].

وفي سياق المحاولات الدؤوبة لتأطير مصطلح اللغة الإعلامية يرى بعض المختصين بأن "اللغة ليست كلاما فحسب، وهي تعتمد على الكلمة كأساس لتأسيس الكتابة، ولكن هناك عناصر أخرى تعين على الإفهام منها، مثل هندسة العناوين، والجداول الإحصائية، وهندسة الصفحة والصورة الثابتة والرسوم البيانية والرسوم الكاريكاتيرية"[6]. مما يقودنا إلى نتيجة مفادها أن "اللغة إذن في ذاتها ليست وسيلة اتصال (إعلام) وإنما يمكننا القول بأن اللغة تؤدي وظيفة اتصالية، أو بمعنى آخر إن الاتصال وظيفة من وظائف اللغة. وقديما أكدوا أن اللغة وعاء الفكر وأن وظيفتها هي التعبير عن الفكر البشري سواء أكان متعلقا بأمور عقلية محضة أم بالعواطف والأحاسيس والرغبات الإنسانية"[7].

من هنا تتسم اللغة الإعلامية بالقدرة على الانزياح إلى كافة الاتجاهات، ويساعدها على ذلك اتسامها بالمرونة والانفتاح، لذا فهي من أكثر اللغات تطورا ونموا من لغات الاختصاص الأخرى كاللغة الطبية والقانونية والهندسية، لأنها تتصف بالجدة والتنوع انسجاما مع الموضوع والحدث والوسيلة والجمهور المستهدف، لهذا فإن "اللغة الإعلامية لا تستهدف النقل الساذج للمضامين بقدر ما تبتغي النقل الفعال الجاذب، وهنا يكتسب التجديد اللغوي والأسلوبي صفة الضروري اللازم، حتى لا يتورط الإعلامي في فخ الابتذال والاستهلاك والمحاكاة دون النهل من المصادر الأولى للغة والأدب، الأمر الذي يدخل الطرافة على مادة الرسالة الإعلامية والدهشة إلى المتلقي بما يمثله من خرق للمألوف.. وانزياح عن المعتاد من الاستعمالات[8].

في الوقت الذي نجد أنه "داخل اللغة... للخطاب القانوني، والخطاب الطبي قوانينها، التي لا تشمل فقط تأويل الرسائل، بل تحدد ماهية من يخول بقولها، ومن يطبق، ومن ينفذ ما جاء فيها، أيضا، فالوصفة الطبية مثلا يجب أن يشفرها طبيب، ويفك شفرتها صيدلي، وهذه القوانين هي أجزاء من الخطاب الطبي"[9].

ولكن الأمر مختلف في عصر العولمة، فقد تمكنت من صناعة لغتها، وأصبحت اللغة الإعلامية خاضعة للتطور في وسائل الاتصال فأخذت هذه اللغة، تلبس لكل قيمة استهلاكية لبوسها، في الجمال والرياضة والاقتصاد... الخ لهذا فإن اللغة الإعلامية في عصر العولمة نجدها" لا تستقر على حال، فهي في تطور مطرد لا يكون دائما في  خدمة اللغة"[10].

مما يولد صعوبات جديدة لأي محاولة تسعى لوضع تعريف للغة الإعلامية خصوصا في ظل توظيف الإعلام لمستويات متعددة من اللغة تتراوح ما بين اللغة الفصحى في فضاء الإنتاج الأدبي وبعض الإنتاج الفني وخصوصا في الدراما التاريخية، والحوارات والندوات والمقابلات، ومن أجل الوصول إلى أكبر عدد من الجماهير، يلجأ إلى استعمال العامية في الحوار والإنتاج التلفزيوني والسينما، وإلى استعمال اللغة الثالثة في مستوى وسيط يقع ما بين العامية والفصحى. وتأتي هذه الاستعمالات في سياق التنافس الحاد بين قوى العولمة في مد النفوذ وإحكام السيطرة على الشعوب، والتحكم بسلوكها الاستهلاكي. فيدور بينها صراع حول  امتلاك القدرة على الترويج والتأثير والإقناع.

ولكن اللغة الإعلامية التي تتمكن من إنجاز مهامها بنجاح، هي التي "تتمكن من تحقيق التواصل اللغوي بين عناصر العملية الاتصالية، والذي يقوم عادة على استعمال الرموز، كما يقوم وبصفة أكثر على استعمال الدلالات"[11].

اللغة الإعلامية في الخطاب الإعلامي الثوري

مر الإعلام الفلسطيني كغيره من وسائل الإعلام العربي والدولي بمراحل مختلفة من التقدم والتطور والتراجع والانحسار، الأمر الذي أجبر منتجي الخطاب على استعمال لغة إعلامية مختلفة وفقا للاحتياج في كل مرحلة من المراحل، فاللغة الإعلامية قبل أوسلو مثلا، كانت لها قاموسها اللغوي الثوري، والذي من مفرداته ومصطلحاته الشائعة (الكفاح المسلح، الثورة الفلسطينية المعاصرة، المقاومة المسلحة، العمليات الفدائية، والتضحية والفداء، والشهادة، المخيم، البطولة، جماهير الأرض المحتلة...الخ).

وفي توصيف إسرائيل، (الكيان الصهيوني، العدو الصهيوني، والصهيونية العالمية، والعدو الإسرائيلي، والكيان العبري، وفي وصف عمليات الاغتيال وعدوانه المتكرر: جرائم النازية، والعدو المجرم، والعملية الجبانة، والإمبريالية الأميركية، الرجعية العربية...).

أما اللغة الإعلامية في خطاب  اليسار الإعلامي، فكانت: (المثقف الوطني الملتزم، النظرية الثورية، الحتمية التاريخية، الانهزامي، الانبطاحي، الاشتراكية، وثنائية التقدمي-الرجعي، الرجعية العربية، الصراع الطبقي، القوة المتنفذة في منظمة التحرير، صراع إرادات، البرجوازية، الوعي الاجتماعي، القوى التقدمية، قوى التخلف العربي، العلمانية، والتحرر الاجتماعي، مناهضة الصهيونية).

حيث اتكأت اللغة الإعلامية في خطاب اليسار الإعلامي، على القاموس اللغوي المستعمل في الخطاب الإعلامي للأحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم.

ولكن بعد أوسلو أصبحت هناك لغة إعلامية مختلفة تماما عنها، وأصبح لها قاموسها اللغوي، خصوصا بعد قيام السلطة. ويمكن أن نستعرضها حسب المراحل التي مرت بها السلطة أيضا:

اللغة الإعلامية بعد أوسلو:

ظهرت مفردات جديدة في اللغة الإعلامية الفلسطينية كما أسلفنا ذكره، في الخطاب الإعلامي والسياسي السلامي مثل: (سلام الشجعان، خيار السلام، والخيار الاستراتيجي هو خيار السلام، والطرف الآخر، والطرف الثاني في إشارة إلى إسرائيل تجنبا للإحراج، السلام العادل والشامل، السلطة الوطنية، إعادة الانتشار بدلا من الانسحاب. وقد تلقفه الإعلام الفلسطيني وردده لأن الانسحاب يتماشى مع المرجعيات الدولية، ولكن إعادة انتشار تعني من-إلى أي اعادة تموضع داخل المنطقة نفسها وأن السيادة على الأرض ليست للفلسطينيين) هذا موضوع يتعلق بفلسفة اللغة وفقهها في هذه القراءة، وفي مرحلة تالية تم إعادة إنتاج بعض المفردات استجابة للغضب الشعبي مثل: (الاحتلال الإسرائيلي، ولكن دون وصفه بالعدو لأن هناك سلاماً مأمولاً، وهذا استخدام حذر للغة الإعلامية، وقطعان المستوطنين لأن ملف الاستيطان كان وما يزال يشكل عقبة أمام السلام).

 وأما اللغة الإعلامية الفلسطينية فقد استعملت مفردات وجمل مثل: (انتفاضة الأقصى، وكتائب شهداء الأقصى، وكتائب أبو علي مصطفى... لا سلام مع الاحتلال، لا سلام مع الاستيطان، البؤر الاستيطانية، لا سلام بدون القدس، لا سلام بدون إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين من سجون الاحتلال) وهي قد تكون لازمة يومية في كل خطاب إعلامي لأنها أصبحت مكونا لغويا أساسيا في لغته الإعلامية. وربما هي البنية اللغوية المهيمنة على الخطاب الإعلامي.

اللغة الإعلامية بعد سيطرة حماس على غزة

إن المطلع على اللغة الإعلامية في المجتمعات المضطربة وغير المستقرة والتي تعاني من صراعات على الهوية وصراعات طائفية واثنيه لن يجد صعوبة في اكتشاف مدى الاختلاف في اللغة الإعلامية، والتي تتسم أحيانا بسرعة التحول من قاموس لغوي إلى آخر وفقا للتحالفات السياسية والمصالح، إذ لا توجد صداقات دائمة بل توجد مصالح دائمة حسب تعبير هنري كسينجر، والمجتمع الفلسطيني بمختلف فصائله السياسية لا يخرج عن هذه الدائرة الصراعية فهو من جانب يعيش في حالة صراع مع الاحتلال ومن جانب آخر أصبح يعيش حالات صراعية مركبة مع ذاته الجمعية: صراع على التمثيل: من يمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وصراع على التمثيل في الداخل من خلال الصراع على السلطة والمجلس التشريعي، والتي تجاوزت قواعد اللعبة الديمقراطية لتصل إلى قواعد اللعبة الدموية.

 كما حصل أثناء قيام حماس بالسيطرة على غزة، مما أوجد خطابا إعلامياً تتسم لغته بالهيمنة والسيطرة، وبعث خطابا تضاديا تصارعيا ظهر فيه طغيان اللغة الإعلامية وسلطتها  لكلا الطرفين، هذا مما يؤكد على أن ليس للمجتمع الفلسطيني استثناء عن القاعدة التي حكمت المجتمعات العربية لأنه محكوم بمرجعيات ثقافية واحدة هي: (الدين والتاريخ، والقبيلة..). مع ذلك فقد استخدم الطرفان اللغة الإعلامية ذاتها تقريبا وحدث التغيير في اللغة الإعلامية. عبر الانتقال من حالة الصلابة إلى حالة السيولة بسرعة ذوبان الحليب في الماء الساخن، فاستل كل طرف قاموسه اللغوي وراح يملأ بها خطابه الإعلامي. ويقوم بضخه في الوسائل الإعلامية المختلفة.

 وما هذا التراشق الإعلامي بهذه اللغة إلا تعبير عن ذاك القابع في المرجعية الثقافية العربية في اللاوعي في حروب عرفت بأيام العرب. إذ اتخذت من الشعر إعلاما ومن المفردات قنابل وسهاما، ما الفرق إذن بين الثقافة العربية في الجاهلية والثقافة الممارسة حاليا، سوف نكتشف أن هذه الثقافة الممارسة حاليا. والتي تتمظهر في سياقات اللغة الإعلامية ما هي إلا امتداد طبيعي  للثقافة العربية الجاهلية، فقد أحدث العقل العربي قطيعة ابستمولوجية مع كل شيء تقريبا وبقى متواصلا ومتصلا مع ثقافة القبيلة وسردياتها التاريخية الثقافية التي تضم في رحمها سردية داحس والغبراء، وسردية حرب البسوس، فمن هذه السرديات نهلوا لغتهم الإعلامية فقد استعملها الطرفان بشكل يقترب أحيانا من لغة النقائض لجرير والفرزدق، لأن إعلام كل طرف يحاول أن يتوسل باللغة لتفجير طاقتها الاستيعابية كي يرسم صورة بشعة للآخر، حتى يتمكن من إحداث تأثير في الرأي العام، لأن مرتكزات اللغة موجودة في السياق التاريخي المعرفي للسرديات العربية الثقافية، والتي كانت إلى وقت ليس بعيدا يعاد إنتاجها في المقاهي. مما يشير إلى نقطة بالغة الأهمية وهي عدم قدرة المجتمع الفلسطيني على إنتاج ثقافته اليوم التي تضم في رحمها ثقافات متعددة، ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والجندر والسلام وثقافة الصورة والاستهلاك.

 إنه من الواضح أيضا أن الصراع بين أطرافه هو صراع ثقافي. لذلك، فإن عملية الوصول إلى السلطة  والاحتفاظ بها لفترة طويلة، يحتاج إلى ثقافة، لذا، كان من السهولة بمكان الارتداد نحو المرجعيات الثقافية القبلية والتاريخية والدينية، لتوظيف الوعي التاريخي بأيام العرب أي حروب العرب وما رافقها من سرديات أدبية (شعر وقصص وحكايات)، ولمزيد من التوضيح ولاكتشاف مدى خطورة هذه اللغة الإعلامية على الثقافة الوطنية الفلسطينية نستعرض نموذجين للغة الإعلامية بعد سيطرة حماس على غزة وهما:

1- اللغة في الخطاب الإعلامي (السلطة وفتح).

2- اللغة الإعلامية في خطاب حماس.

 

1-إعلام السلطة وفتح

سنعرض المفردات والمصطلحات والجمل التي وردت في اللغة الإعلامية في إعلام السلطة وفتح بعد سيطرة حماس على غزة فقد استعملت المفردات التالية: وصفت ما حدث بالانقلاب، ووصفت عناصرها بالميليشيات السوداء. وميليشيا الإجرام الحمساوية، وميليشيا حماس الخارجة عن القانون، والميليشيات الغادرة التابعة لحماس، الميليشيا الانقلابية الإرهابية التابعة لحركة حماس، وميليشيا حماس الدموية، وميليشيا القوة التنفيذية الخارجة عن القانون، والانقلاب البشع، والانقلابيين، وجماعة الانقلابيين، والقتلة الانقلابيين، والانقلابيين الخونة، والانقلابيين القتلة، ومجرمي الحرب في غزة، ومجرمي حرب وقتلة عصابات التنفيذية، عصابات حماس، والتكفيريين، والمندسين الخونة، تنفيذ الأجندات الإقليمية، وفضائية القتل والتحريض لحماس.[12]

وقد تنوع الاسلوب وتعددت صور الاستعمال اللغوي مثل الجمل:

(وليد طعنات الغدر والخيانة، الهجوم الهمجي الهتلري المغولي الهكسوسي)[13] نلاحظ كيف يتم استدعاء المفردات الدالة على الجرائم الوحشية، وضد الإنسانية من الثقافة التاريخية لكل الثقافات البشرية ووضعها في السياق التاريخي للأحداث في غزة من أجل تفجير كل المعاني والدوالّ السيميائية للعنف والإبادة والقتل والدمار والخراب من أجل إحداث أكبر تأثير على الرأي العام لدفعه لإجراء مقاربات ذهنية بين ما يحصل في غزة وبين ما حصل في التاريخ في مراحل مختلفة ليستدل على قاسم مشترك بينها جميعا.

إن مجرد ذكر هذه المفردات سيقوم العقل بترجمتها إلى صور حسية مستعينا بالمخزون البصري الذي عملت الصورة الثابتة والمتحركة في الإعلام على تخزينها في الذاكرة الطويلة، وهذا يشعر الرأي العام بالفزع وبفوبيا ممتدة. ثم تلجأ وسائل الإعلام إلى استعمال اللغة الضدية الثقافية من أجل إقناع الرأي العام وببراعة شديدة ومثال ذلك:

استعمال ما نسميه بالتقابلات الضدية الثقافية:

ثقافة الهدم في مواجهة ثقافة البناء،

وثقافة التكفير في مواجهة ثقافة التنوير،

ثقافة الانقلاب في مواجهة ثقافة الانفتاح[14].

أما الماكنة الإعلامية لحركة حماس فقد استغلت هي الأخرى حقل التضاد اللغوي موظفة كل ما في مخزونها اللغوي من مفردات وجمل ومصطلحات من أجل تجريم السلطة وحركة فتح، نبدأ بالتضاد اللغوي:

(الصحف الصادرة في قطاع غزة تمنع من النشر من قبل مؤسسات غير شرعية)[15].

(إن سلام فياض رئيس حكومة الطوارئ اللاشرعية مطلوب للمقاومة بعد اعترافه الصريح بالعمالة للاحتلال)[16].

 

مصطلحات دينية             

وقد أكد إبراهيم ضاهر مدير الأخبار في الإذاعة وتلفزيون الأقصى في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية (أ ف ب) يوم 13-1-2006 على أن الإعلام (... لا يبث أخبارا تتنافى مع عاداتنا، كما أن لدينا مصلحتنا)[17].

منذ البداية يرسم هذا الإعلام سياسته الإعلامية ويضع إطارا للغته الإعلامية ويتضح ذلك فيما ورد في المقابلة والتي تحمل مرتكزين:

 الأول: أن الأخبار تنسجم مع عاداتنا وهل يقصد عادات المجتمع الحمساوي أم عادات المجتمع الفلسطيني. وهذا مرتكز هام للبناء اللغوي في الخطاب الإعلامي في مواجهة اللغة الإعلامية في خطاب السلطة وفتح، فهو يريد أن يعطي الطمأنينة للرأي العام ويريد أن يبرر لغته.

والمرتكز الثاني:

وهو قول إبراهيم ضاهر: وأن لنا مصلحتنا وهذا يؤكد على أهمية التخطيط المسبق لكيفيات استعمال اللغة الإعلامية، ولتبني سياسة تحريرية مدروسة، وليس ردة فعل أو مجرد ارتجال لغوي في الخطاب الإعلامي لحركة حماس.

لذا نجد اللغة الإعلامية قد ضمت مفردات وجملا قصيرة، ومصطلحات دينية وغير دينية، خارج السياق الصراعي في غزة. لأنه صراع غير ديني كما هو معروف، ومن المصطلحات الدينية التي استعملت مثل (المنافقين، والمرتدين، والباغين).[18]

1- اللغة التشكيكية:

لجأ الخطاب الإعلامي إلى استعمال لغة التشكيك التي تحمل دلالات مبطنة وكأنها حقيقة وأمثلة ذلك:

(العثور على معلومات أمنية تفصيلية متعلقة ببيت الرئيس...).[19]

"العثور على وثيقة تؤكد على أن موازنة المخابرات الفلسطينية للعام الحالي 30 مليون دولار".[20] "وثائق تؤكد تورط جهاز المخابرات في تصوير مواقع نووية باكستانية لصالح الصهاينة".[21]

"كشف الدكتور خليل الحية عن وثائق تؤكد تمويل جهات خارجية للتيار الانقلابي للقضاء على المقاومة".[22]

ومن ثم تأتي لغة الخبراء من الأكاديميين الذين لا يخالطهم الشك فهم العارفون ببواطن الأمور فيستعملون لغة اصطلاحية لتعزيز موقفهم ولدعم ما تقدم في سياق سابق للاتهامات مثال على ذلك:

(أنا أقول الشعب الفلسطيني مع من يتحاور، مع مجموعة فقدت كل الأخلاقيات والأعراف الدينية والدولية).[23]

إذن يضع الخبير الشعب الفلسطيني في مواجهة مجموعة بشرية فقدت حسب رأيه كل الأخلاقيات والأعراف الدينية والدولية وكأن الصراع ليس بين حماس والسلطة وفتح، وتعني هذه أنهم من يمثل الشعب الفلسطيني، وأن هذه المجموعة خارجة عن الشعب الفلسطيني.

وأكاديمي يصف ما يجري في الضفة بأنه "هو مذبحة بحق الإنسانية... وهذه عمليات قرصنة مبرمجة".[24]

اللغة في سياق اصطلاحي وصفي

زمرة أوسلو، الشلة الأمريكية الإسرائيلية، الأهلية الوطنية، الثلة المارقة، المجموعات الباغية، التيار الانقلابي، لا حوار مع الانقلابيين، عصابة طاغية وبلطجية، عصابات رام الله، الحكومة اللاشرعية زمرة فاسدة، الفريق الخياني اللحدي، التيار الخياني، مسلحون من التيار الخياني، الخائن الجاسوس، القيادة العميلة، العملاء والخونة، (الشعب الفلسطيني ضحية مراسيم عباس اللاقانونية، توظف حماس مفردات لغوية ذات دلالة واضحة بقصد التشوية للسلطة ولرئيسها.

استغرب قرار عباس... لا يليق حتى بزعيم حارة يمنح النوط لكل عربيد أن يقوم بانتخابات في المنطقة السوداء التي تقع فيها عصابات رام الله بحماية المحتل).[25]

 

اللغة التصالحية في الخطاب التوافقي

اللغة اشبه بالكائن الحي، فهي تنمو، وتتطور بشكل دائم، وقد ينتابها كرب ما فيتوقف نموها، فتذوي وتضمر وتضمحل فتموت، ولكن اللغة في الخطاب الإعلامي الفلسطيني متغيرة، ولهذا، فلا غرو أن تجدها قد قلبت ظهر المجن للسياق الاستخدامي للغة في عهد الانقسام أو عهد الثورة المسلحة وفي عهد الأيديولوجيات.

فبعد فترة زمنية دامت زهاء سبع سنوات من الانقسام السياسي والجغرافي والاجتماعي والنفسي، وجدنا أن اللغة في الخطاب الإعلامي تقف على مفترق طرق تتأرجح تارة باتجاه التوافق، وتارة أخرى باتجاه الانقسام، وتارة ثالثة تتسمر في مكانها وفقا للرغبات المخبوءة في ذوات منتجي الخطاب الإعلامي، ولكننا بعد تمعن وتمحيص، وجدنا أن هناك بداية على شكل حزمة من الأفكار والمبادئ، التي قد تساعد على تشكيل لغة جديدة، وهي:

اولا: توحيد الخطاب الإعلامي، وإصدار ميثاق إعلامي فلسطيني يكون ملزما  للجميع.

ثانيا: إقصاء لغة التحريض والفتنة والاصطفاف، فالمراقب للغة الإعلامية في الخطاب سيجد أن هناك انعطافة في الاستعمالات اللغوية سواء على مستوى الألفاظ أو المصطلحات أو الأنساق اللغوية، ويمكننا رصد أهم المفردات والجمل التي بات جميع الأطراف المنتجة للخطاب يستعملونها وهي تشكل القاموس اللغوي الجديد والذي نطلق عليه القاموس اللغوي في الخطاب التصالحي:

جني ثمار الحوارات، الاحتفاء بالاتفاق، وتسود لغة الخطاب مفردات عاطفية تشير إلى معاني القبول والرضا والارتياح، مثل:

الفرح للشعب الفلسطيني، سعادة مطلقة، العرس الفلسطيني، عرس فلسطيني تاريخي، فهذه المفردات تحمل معنى التعميم والإطلاق بحيث يستثني الفئات الحذرة والمشككة أو التي لها مصلحة بالانقسام أو الفئات المتأنية التي ترى أن الاتفاق حقل الغام يحتاج خبراء ووقتاً وجهداً ومالاً لتفكيكه.

أجواء طيبة، فجر جديد، مفردات ذات بعد سياسي:

نجاح المشاورات، مشاورات غزة تستكمل، تشكيل حكومة الوفاق، إنجاز التفاهم، لا توجد عقبات بشأن حكومة التوافق، لا عقبات، اتفاق المصالحة، المصالحة المجتمعية، حكومة الوفاق، حكومة التوافق،

الابتعاد عن اللغة التشكيكية:

"استكمال إنجاز التفاهم، لا عقبات بشأن تشكيل الحكومة، فتح وحماس تحققان تقدما، ذهبنا للوحدة، نؤمن بالوحدة، تطبيق اتفاق المصالحة.

مفردات جديدة: "قيد الزوال، أن يكتشف كل فرد قيمته المضافة التي يتفرد بها: لغة من القاموس اللغوي الاقتصادي، المصالحة المجتمعية، الشيطان في التفصيل، مصطلح عقلاء الوطن" استعملته حماس في أزمة الرواتب.

عودة لغة الانقسام: عصابات البلطجة في حركة حماس.

أزمة المصطلحات: شرطة غزة، شرطة حماس، حكومة غزة وحكومة رام الله وما تلبث أن تتوارى حكومة المكانين والحركتين لتصبحا "حكومة التوافق الوطني" والإعلام الفلسطيني بدوره أنتج مصطلح "حكومتي الانقسام في غزة والضفة" وكذلك أضاف منتجو الخطاب الإعلامي الفلسطيني مصطلحات أخرى مثل: "أجسام سياسية، ومؤسسات حكومية" "وحكومتي الانقسام" وهناك مأزق استخدامي أيضا في إعادة تعريف وتوصيف مصطلحات مثل: "موظفو غزة وموظفو الضفة".

ويرى بعض الباحثين أن تعريف حكومة غزة هو حكومة حماس أو الحكومة المقالة...الخ.

إن الزمن التصالحي الفلسطيني قد دارت عجلته، بشكل مباغت للجميع، لذا لم تكن أطراف المصالحة جاهزة مسبقا على مستوى الخطاب الإعلامي، فتركت الأمور للاجتهاد حسب الوقائع على الأرض من هنا يظهر التباين في اللغة ما بين حنين إلى استعمال اللغة السائدة إبان الانقسام وبين محاولة القفز اللغوي والاصطدام بالجمل والمفردات السائدة، إننا نرى أن التغيير في البنى اللغوية يحتاج إلى فترة اختبار زمني لمعرفة إن كان هناك تغيير على بنى الخطاب الإعلامي اللغوية بعد المصالحة مع البيئة التصالحية تؤسس لميلاد قاموس لغوي جديد، ويمكن إذا توفرت النوايا الحسنة والرغبات الفعلية أن تنتج لغة جديدة بعيدة عن مأسستها الرسمية وأقصد مأسسة اللغة وتوظيفها في الخطاب وتركها للإبداع بحيث تشكل اللغة رافعة للوعي الوطني الجمعي.

 

الهوامش:

[*] باحث مقيم في رام الله.

[1] رافد عجيل فليح، سودانير، رابطة الإعلاميين الاستقصائيين السودانيين.

[2] سلطان بلغيث، "وسائل الإعلام واللغة الغربية الواقع والمأمول"، اللغة الإعلامية، موقع: ترم ثاني، منتدى طلبة كلية الإعلام التعليم المفتوح، جامعة القاهرة، وموقع  www.diwan alarab.com

[3]غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي بيروت، ط2، 1997، ص116.

 {C}[4]{C}الموقع www.forum.k00ra.com

[5] www.iseco.org.ma/ arabe

[6] اللغة الإعلامية، موقع: ترم ثاني، منتدى طلية كلية الإعلام التعليم المفتوح، جامعة القاهرة.

[7]عماد أحمد حسينن، مساهمة وسائل الإعلام في نشأة اللغة وموتها جامعة عبد الحميد بن باديس. 

[8] أسامة عثمان، في جدلية الإعلام واللغة، الموقع الالكتروني، ديوان العرب 18، شباط 2011.

[9]روبرت شولتز، السيمياء والتأويل، ترجمة سعيد الغانمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1994، ص15.

[10]  www.iseco.org.maLarab

[11] بتصرف، تودروف فريجة، شاف بيت، سنزوسن دامرسون، دوميت، المرجع والدلالة في الفكر اللساني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2000 ص29. 

[12]  انظر، كتاب التغطية الإعلامية لما بعد سيطرة حماس على غزة، المبادرة الفلسطينية من أجل تعميق الحوار العالمي والديمقراطية، وحدة الرصد الإعلامي، التقرير الرابع، المرحلة الثانية نيسان (أبريل) 2008، ص46-47.

[13] التغطية الإعلامية لما بعد سيطرة حماس على غزة، المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار العالمي والديمقراطية، وحدة الرصد الإعلامي، التقرير الرابع، المرحلة الثانية ص27.

[14] المصدر نفسه، ص27.

[15] التغطية الإعلامية، ص 70.

[16] التغطية الإعلامية، ص 70.  

[17] التغطية الإعلامية، ص60.

[18] انظر، كتاب التغطية الإعلامية لما بعد سيطرة حماس على غزة.

[19] التغطية الإعلامية، ص63.

[20] المصدر نفسه، ص 63.

[21] المصدر نفسه، ص 63.

[22] المصدر نفسه، ص70.

[23] التغطية الإعلامية، ص68.

[24] التغطية الإعلامية، ص 67.

[25]  انظر، التغطية الإعلامية.

 

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website