الإمكانيات المتاحة لتطوير الانتاج الزراعي الفلسطيني - عدد 257

ندوة العدد

الإمكانيات المتاحة لتطوير الإنتاج الزراعي الفلسطيني

أدار الندوة وحررها: محمد خضر قرش

 

عقدت "شؤون فلسطينية" يوم 17/06/2014 ندوة متخصصة بعنوان: "الإمكانيات المتاحة لتطوير الإنتاج الزراعي الفلسطيني" أدارها أ. محمد خضر قرّش.

في البداية رحّب محمد خضر قرّش بطاقم مجلة "شؤون فلسطينية" والمشاركين في الندوة وهم: د.عبد اللطيف محمد، مستشار مدير عام الإغاثة الزراعية. د.فتحي السروجي، أستاذ مساعد في جامعة بيرزيت وباحث رئيسي في معهد ماس. خليل غبيش، رئيس دائرة المياه. زياد عنبتاوي، رئيس مجموعة عنبتاوي وشركة الأرض.

نلتقي اليوم لمناقشة إمكانية تطوير قطاع الزراعة في فلسطين، لكن من المهم بداية أن نستعرض الخطوط الرئيسة للنقاش من خلال الورقة التي أرسلت اليكم والتي تثير مجموعة استفسارات وأسئلة سنحاول الإجابة عليها، لذا من المفيد أن نشير باختصار إليها لاطلاع القارئ عليها، ومن ثم نفتح باب النقاش المهني.

المدخل

كلفني الأخ الدكتور سميح شبيب  لتولي إدارة الندوة المتخصصة في القطاع الزراعي الفلسطيني لنشرها في مجلة شؤون فلسطينية وعليه فقد طلب مني إعداد ورقة نقاش تتضمن أبرز النقاط والمواضيع التي يمكن أن تشكل قاعدة للنقاش. فمضمونها أو محتواها والحالة هذه لا يخرج عن كونه طرح مجموعة استفسارات أو أسئلة لها علاقة مباشرة بالقطاع الزراعي الفلسطيني للمساهمة في تفعيل النقاش وليس تقييده. وبدون الولوج في التفاصيل والمحتوى، فإن هذه الورقة لا تدعي بأكثر من أنها تشير إلى أبرز القضايا التي تخص القطاع الزراعي وبشكل أكثر تحديدا العوامل المؤثرة على نمو وتطور الإنتاج الزراعي في فلسطين. وستترك للخبراء والمختصين تبيان وجهة نظرهم بما هو مطروح للنقاش مع التركيز دوما على النتائج والمقترحات والتوصيات التي من شأنها انتشال القطاع الزراعي من حالة الضعف وبالأدق من التشوهات الهيكلية التي لازمته وخاصة منذ الاحتلال عام 1967.

الخصائص المميزة للقطاع الزراعي

يكاد يجمع الخبراء والمختصون على أن القطاع الزراعي الفلسطيني شهد تراجعات مستمرة ومنتظمة منذ عدوان حزيران 1967. والتراجع لم يلمس في تدني نسبته في الناتج المحلي فحسب بل وفي انخفاض مساحة الأراضي المخصصة للزراعة وهجرة الأيدي العاملة الزراعية الماهرة وإهمال ولامبالاة ملموسة في زراعة المنتجات ذات الطبيعة الإستراتيجية، كالقمح، وعدم إيلاء الأمراض الزراعية الاهتمام الذي تستحقه. بالإضافة إلى ما سبق فإن القطاع الزراعي يتميز بصغر وتشتت الحيازات الزراعية وشيوع الملكية الزراعية مما أدى عمليا إلى انخفاض الكفاءة الإنتاجية والعائد المتأتي من النشاط الزراعي وارتفاع عنصر المخاطر، وكنتيجة لما سبق لوحظ عزوف الكثيرين عن العمل في هذا القطاع بما فيهم أصحاب الأراضي الزراعية أنفسهم لعدم وجود جدوى اقتصادية. ومن البديهي أن يؤثر ذلك على تراجع الاستثمارات الزراعية نتيجة لعدم وجود تشريعات وقوانين متعلقة بتمويل الإنتاج الزراعي على نطاق واسع. وضعف العمل الجماعي والتعاوني ومحدودية استخدام الميكنة الزراعية على نطاق واسع.

العوامل و العناصر المؤثرة على الإنتاج الزراعي

يتأثر الإنتاج الزراعي بمجموعة من العوامل المباشرة وغير المباشرة لعل أهمها: الأرض المخصصة للزراعة توفر المياه وأساليب الري وكميات الأمطار التي تهطل سنويا لتعزيز المخزون المائي، زيادة أو نقص الاستثمار الزراعي وبالتالي حجم الأموال المستثمرة في تطوير الإنتاج الزراعي والأمراض النباتية المختلفة القدرة على التسويق واستخدام الميكنة الزراعية على نطاق واسع بالإضافة إلى الأسمدة وانتشار وفعالية التعاونيات. واذا كان كل ما سبق معروفا لنا إلا أن العوامل المرتبطة بالاحتلال ما زالت تلعب الدور السلبي الرئيس في ضعف الإنتاج الزراعي من خلال: مصادرة الأراضي الزراعية وإقامة الجدار العنصري الذي يلتهم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية مما يصعب وصول المزارعين وأصحاب الأرض إليها. وحتى ندرك خطورة هذا العامل فإن معظم وأغلبية الأراضي الزراعية تقع في المنطقة C التي تشكل نحو 62% من مساحة الضفة الغربية. فالأراضي الزراعية في القطاع محدودة والملوحة فيها ليست قليلة، من هنا تأتي الدور السلبي الكبير التي تسببه سلطات الاحتلال الإسرائيلي وتحول دون تطوير الإنتاج الزراعي وزيادة المساحة المزروعة بجكم سيطرتها الكاملة على المنطقة C كلها. وهناك عوامل أخرى ستناقشها الندوة وخاصة تلك المتعلقة بالجوانب الفنية واستخدام التقنيات الحديثة في الزراعة.

المشاكل والمعيقات التي تواجه القطاع الزراعي ككل

أبرز المشاكل يمكن حصرها في:

1- العوامل المتعلقة بالاحتلال

2- العوامل المتعلقة بالموارد الطبيعية والبيئية

3-  العوامل الفنية

4-  العوامل الاجتماعية والاقتصادية بما فيها التسويق

5- التمويل والاستثمار

6- نقص التشريعات والقوانين لحماية القطاع الزراعي

7- الدعم الحكومي والتعويضات عن الأضرار التي تنشأ عن المناخ والثلوج والصقيع

 

النقاش

على ضوء ما تقدم سنبدأ بفتح النقاش للتعرف على أبرز الخصائص والسمات التي تميز القطاع الزراعي الفلسطيني، وأعتقد بأن الدكتور السروجي بحكم اختصاصه يستطيع أن يبين لنا أبرزها ثم ننتقل لباقي المشاركين ليبينوا رأيهم ووجهة نظرهم.

- السروجي: إذا ما بدأنا بمناقشة الخصائص والسمات المميزة للزراعة في فلسطين، يمكن القول أنّ هناك ثلاثة أنماط للزراعة في فلسطين:

النمط الأول هو الزراعة الميكانيكية وهي الأكثر انتشاراً في فلسطين، حيث يستخدم المزارع نفس آليات الزراعة التي تعلّمها من المزارعين الأكبر سناً ويحاول تحسين المنتجات من خلال اعتماد الأساليب التقليدية في الزراعة.

والنمط الثاني الذي يعتمد على التكنولوجيا والآلات الحديثة، وهذا النمط أقلّ انتشاراً من السابق. حيث لا يوجد نسبة كبيرة من المزارعين في فلسطين يستخدمون التكنولوجيا الحديثة في الزراعة.

أما النمط الثالث فهو أن المزارعين بدأوا باستخدام الأسمدة والمبيدات وأساليب الري الحديثة. وقد جلب المزارعون هذه الأساليب وتعلّموها من خلال عملهم داخل الخط الأخضر. وبالتالي استفاد المزارعون من عملهم في الداخل لتحسين الإنتاجية، حيث جلبوا معهم آليات لزيادة الكفاءة الإنتاجية للأرض.

فالأرض الزراعية تعتبر من أهم الموارد الزراعية. فلدينا انخفاض في المساحات المزروعة وانخفاض وحدة المساحات المزروعة أيضا. نحن نتحدث في الزراعة عن وُفورات الحجم الكبير. عندنا المزارع يتحكم في المساحة المزروعة وليس الكمية التي يزرعها. والمساحات الكبيرة عندما تزرع بنوع واحد من المزروعات، ينخفض معدّل إنتاجية الدنم الواحد.

المياه هي مورد إنتاجي مهم جداً للزراعة. كما نعرف، لكن إسرائيل تسيطر على المياه في الأراضي الفلسطينية بدرجة كبيرة جداً، وحصة الزراعة من المياه لا تتجاوز 200 مليون م3 من المياه في السنة. وهذه نسبة منخفضة جداً لا تضاهي الاستهلاك المائي للمستوطنات الإسرائيلية. هذه أهم خصائص القطاع الزراعي التي يمكن أن أتحدث عنها.

- محمد (عبد اللطيف): د.فتحي تحدث عن مواضيع في غاية الأهمية. أوّل مرة أستمع لخبير يتحدث بهذه الموضوعية حول عدم ضرورة القلق من انخفاض نسبة مساهمة الزراعة في الدخل القومي، وهذه نقطة جوهرية. لكن، هناك شيء مهم، نحن كدولة أو كشعب، المستوى التكنولوجي عندنا منخفض في معظم القطاعات، الاستثمارات قليلة ومحدودة. أعتقد أنّ 5% نسبة قليلة، لأنّ الناتج القومي (الإجمالي) كله قليل. نحن من أضعف معدلات الناتج القومي. فالناتج الاجمالي عندنا يبلغ نحو10 مليارات دولارات، وهذه نسبة قليلة جداً بالنسبة للقطاع الزراعي، لأنّ القطاعات الأخرى ليست متطورة كثيراً، وبالتالي يجب أن نحول دون التناقص السريع الذي يحصل. خلال السنوات الأخيرة كان هناك تراجعاً كبيراً في مساهمة الزراعة في مجمل الناتج، فقد تناقص خلال 3 سنوات من 12% إلى 5% في العام 2013.

من الناحية المناخية، معظم الأراضي عندنا تقع في منطقتين؛ "المناطق شبه الجافة" و"المناطق شبه الرطبة". يعني مثلاً، إذا أخذنا مناطق الهضاب في الضفة الغربية، نسبة الأمطار من الجنوب إلى الشمال تتراوح بين 250 إلى 700 ملم في بعض المناطق، هذه النسبة في المناطق الشبه رطبة. لكن، أجزاء كبيرة من قطاع غزة كلها تأتي في المنطقة الشبه جافة ونسبة المياه فيها تتراوح بين 250 أو أقل في الجنوب، إلى حوالي 400 مم في الشمال، حيث تكون أكبر نسبة قد تصلها، في منطقة بيت لاهيا، بينما في الجنوب كمية الأمطار قد تكون أقل من 250 ملم وفي منطقة الأغوار وجنوب الضفة الغربية والسفوح الشرقية، فإن كمية الأمطار لا تتجاوز فيها 150 ملم، مما يمكن أن نصفها  بأنها منطقة جافة.

الزراعة معظمها عندنا بعليّة، من ناحية التكنولوجيا ومستوى استخدام التكنولوجيا، لولا مقيدات صغر وحدة الإنتاج، التي تجعل من استخدامنا للميكنة أكثر كلفة وأحياناً غير مجدٍ أبداً، فإن استخدامنا للتكنولوجيا البيولوجية ولوسائل الري الحديثة في فلسطين يجعلنا متفوقين على الدول المحيطة، باستثناء إسرائيل. يعني، كفاءة استخدام المياه عندنا في فلسطين أفضل بكثير من كفاءة استخدامها في الأردن وسوريا ومصر. والعائد على المتر المكعب عندنا في مختلف قطاعات الإنتاج، مثل قطاع النخيل، قطاع الخضروات، القطاع الذي دخل حديثاً إلى فلسطين وهو قطاع الأعشاب الطبية، أعتقد أنّ كفاءة استخدام المياه عندنا عالية.

المحددات الأساسية للزراعة عندنا هي المياه، إذا تحدثنا عن الأراضي المزروعة، نحن عندنا أقل نسبة أراضي مروية في المنطقة. مصادرنا المائية التي من المفروض أهن تكون من حقنا، مُسيطر عليها من إسرائيل.

وبالنسبة للسمات الأساسية للزراعة، المزارعين عندنا معظمهم في سنّ الكهولة والشيخوخة. فالشباب غير موجودين في الزراعة إلاّ على نطاق محدود كعمّال زراعيين وليس كمزارعين شباب.

- عنبتاوي: إذا ما أردنا تعريف المجتمع الفلسطيني، يمكن القول أنه مجتمع ريفي. هذا التعريف أصبح موجوداً في الكتب وبدأنا نبتعد عنه على أرض الواقع، رغم أننا بحاجة للرجوع لكوننا مجتمعاً ريفياً لأنّ في ذلك استفادة كبيرة من عدة زوايا: اقتصادية وسياسية مثل ارتباط الشباب بأرضهم وغيرها.. الجزء الأدائي، وهو المهم، في ثقافتنا كمجتمع ريفي قد تحطّم، وأصبح الفرد عندما يمرّ في قرية ما لا يشعر أنه في قرية، تشعر أنك تمشي في مدينة، ثقافة الريف كان هناك منهجية أوصلتنا إلى هذه المرحلة. مثلاً: زيت الزيتون هو المنتوج الوطني لنا، أبو عمّار رحمه الله حمل غصن الزيتون في يده، والقرآن ذكر الزيتون، وغيره. الآن، ثقافة الفرد الفلسطيني في التفاعل مع زيت الزيتون ضعيفة جداً، يعني، الفرد الفلسطيني عندما يتذوق زيت الزيتون، لا يستطيع تحديد نوعيته، أجدادنا كانوا بمجرد شمّ الزيت يميزون نوعيته إن كانت جيدة أو رديئة.

الموضوع له أكثر من بعد، أنا أريد الحديث عن البعد الأدائي الحكومي. شئنا أم أبينا، نحن اليوم محتلون، ولكن الزراعة، نحن الذين نتحكم في كثير من أمورها. هناك تأثيرات خارجية في مواضيع مثل موضوع المياه مثلاً، ولكن الزراعة البعلية تشكل جزء كبيراً من زراعتنا. الزراعة البعلية لا تتطلب ماءً كثيراً، هي بحاجة إلى همة شباب، وزيت الزيتون كله بعلي. في الحقيقة، ليس في موضوع الزراعة فقط، بل في مواضيع الاقتصاد وغيره، نحن نواجه قضية الأداء الوزاري أو الأداء الحكومي بشكل عام. وزارتنا لم تعد حديثة العهد، فقد أنشأت منذ حوالي 20 سنة. أنا كابن القطاع الزراعي أو قطاع زيت الزيتون أو القطاع الاقتصادي، أصبحت أعاني من أداء القائمين على القطاع.

- غبيش: القطاع الزراعي مرتبط أساساً بموضوع المياه. مشكلة المياه في فلسطين مشكلة تؤثر على مياه الشرب بشكل أساسي وعلى القطاع الزراعي. إذا نظرنا إلى واقع المياه في فلسطين نجده واقعاً يتراجع من سنة إلى سنة. وأكبر مستهلك في العالم لقطاع المياه هو القطاع الزراعي. نحن نتحدث عن أنّ كمية المياه المتاحة للزراعة في الضفة الغربية لا تتجاوز 60 مليون متر مكعب من كافة المصادر، في حين أنّ الضفة الغربية تحتاج إلى 200 مليون متر مكعب من المياه للقطاع الزراعي.

أصبحت أزمة المياه تنعكس على قطاع الزراعة بشكل أساسي. فبالتالي، أصبحت هذه مشكلة تحدّ من سمات هذا القطاع. تراجع توفّر المياه، حتى على مستوى الزراعة البعلية، الجفاف الذي مرّ في آخر 10 سنوات، وتراجع هطول الأمطار أثّر على الزراعة البعلية. كان القمح في آخر سنة في مرحلة خطرة، لو أنّ المطر لم يهطل في وقت معين. فبالتالي، إذا هناك مشكلة في القطاع الزراعي فهي مشكلة المياه. ولكن حالياً نعمل استراتيجياً على المياه غير التقليدية، وهذه للأسف تحتاج إلى وعي أكبر. المياه المعالجة تستخدم للزراعة في مجالات معينة، لري الأشجار والأحراش، لبعض الزراعات، والعالم كله يستخدم المياه المعالجة. نتمنى أن لا يحارب القائمون على القطاع الزراعي هذه المياه، وأن يكون هناك توعية لاستخدامها. المياه المعالجة هي مصدر مياه. حالياً التفكير الاستراتيجي أنّ هذه المياه تستخدم بشكل أفضل في القطاع الزراعي. ولكن حتى الآن، هناك اعتراض كبير عليها في كثير من المناطق. وللأسف صدرت فتاوى من بعض الناس بتحريمها. نتمنى أن يكون القائمين على القطاع الزراعي على وعي أكبر بحقيقة أزمة المياه وحاجة الزراعة إلى هذه المياه، والكل يعرف أنّ 80% من المياه في "إسرائيل" تُعالج. الموضوع قائم على شقين: الشق الأساسي أنّ إدارة مصادر المياه تشكل مشكلة، فالمزارع الذي يملك آباراً ليس بحاجة لمياه معالجة. من يبحث عن الماء هو الذي يحتاج الماء. فمن يحارب هذا الموضوع هي المناطق التي لا تعاني من مشكلة توفر المياه، حتى في الشرب. نحن نعاني من إدارة خاطئة  لمشاريع ومصادر المياه. للأسف أصبح موضوع المياه في الزراعة أو في الشرب له دور أكبر في المنفعة المالية أكثر منه في تقديم خدمة.

كلّ دول العالم تستخدم المياه المعالجة، ماعدا الدول التي لديها وفرة مياه. نحن جزء من منطقة فيها شحّ مياه، وفيها تراجع دراماتيكي في مصادر المياه. إسرائيل حالياً رقم واحد في استخدام المياه المعالجةحيث تستخدم 80% من المياه المعالجة في الزراعة. فالوعي لدى الناس بضرورة تطوير القطاع الزراعي والقطاع الصناعي يجب أن يزيد. بالنسبة للوعي، النقطة التي يتطرقون لها أحياناً، من ناحية دينية، والناس عندنا بسطاء، فأحياناً ينشرون أنّ هذا الماء غير طاهرة، واضطررنا للتوجه إلى دار الإفتاء للإفتاء بأنّ استخدام الماء المعالج ليس حراماً. فهكذا معلومة تضع الكثير من المعيقات أمام استخدام المياه المعالجة.

في القطاع الزراعي، كمية المياه فيها أزمة وفيها تراجع، مشكلة إدارة مصادر المياه، ومن ناحية استراتيجية، نحن نحتاج إلى زراعة فيها تكنولوجيا أكبر، وبالتالي الاعتماد على المياه المعالجة. فبالإضافة إلى أزمة المياه، يوجد لدينا أزمة داخلية، وهي أزمة إدارة مصادر.

- محمد: أودّ أن أضيف أنّ شحّ المصادر يجعل زراعتنا بعلية. أحد السمات الأساسية للزراعة البعلية هي هشاشتها وتأثرها بالمناخ. وبالتالي تكون معظم زراعتنا مرتبطة بالمناخ وخارج إطار السيطرة، وهذه سمة أساسية من سمات الزراعة الفلسطينية. يعني، موسم الزيتون عندما يكون جيداً ترتفع نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الدخل القومي بين 5 و7%.

- السروجي: رقمياً، إنتاجية الدنم المروي في بعض السنوات تكون حوالي 40 ضعف إنتاجية الدنم البعلي.

- محمد: وفي المتوسط إنتاجية الدنم المروي 13 ضعف إنتاجية الدنم البعلي.

- السروجي: هناك قول مشهور لاقتصادي زراعي: المزارع فقير ولكنه فعّال. فالموارد المتاحة له محدودة لكنه فعّال في نفس الوقت. هو يريد أن ينتج أكبر كمية ممكنة من هذه الموارد المتاحة. عند الحديث عن القمح فإن  معدّل إنتاجية الدونم، في بعض السنوات لا يزيد عن 100 كيلو قمح/ للدونم البعلي، بينما المروي ريّاً تكميلياً يمكن أن يصل إلى 750 كيلو ، أي حوالي 7 أضعاف. بمعنى أنّ مشكلتنا هي مشكلة مياه وإدارتها وكيفية استخدامها. ولأنّ إنتاجية الدونم البعلي من القمح متدني، فيتحوّل المزارع إلى إنتاج منتجات أخرى تكون إنتاجيتها أعلى.

- عنبتاوي: أميركا عندها مئات آلاف الهكتارات وليس الدونمات، والميكنة عندهم متاحة، طبعاً هذا ينافسنا ويفرض علينا استخدام القمح المستورد من الخارج. القمح البلدي نوعيته مميزة، وهو أفضل من أي قمح يأتي من الخارج. وهذا لا ينطبق فقط على القمح، حتى الخضروات وباقي المزروعات جودتها أفضل من المستوردة.

- قرّش: نسمع عن القمح المعدّل وراثياً أنه مضر بالصحة، لماذا لا نقوم نحن برفع إنتاجية الدونم من القمح في بلادنا من 100 إلى 500 كيلو مثلاً؟

- عنبتاوي: نحن عندنا مشكلة في تسويقنا لمنتوجاتنا، غير الاتجاه التنافسي مع القمح المعدل وراثياً الذي لا نستطيع منافسته، نحن نحتاج لمنهجية معينة، والأداء الحكومي يجب أن يعطي منتوجنا الزراعي المميز الاهتمام الكافي. نستطيع أن نعتمد الريّ التكميلي. الريّ التكميلي يضاعف المنتوجية. اليوم، شجرة الزيتون  تنتج كلّ سنة، فاليوم، نحن مشكلتنا إدارية، كيفية إدارة قطاع الزراعة، وهناك فرص كثيرة لتحسين المنتوج.

- محمد: أنا أودّ التأكيد على مسألة الفرصة الاقتصادية. المزارع إذا وجد أنّ دونم الأرض إذا زرع بالقمح والشعير سيعطيه مدخولاً أقلّ بأضعاف مما لو زرع بخضروات مثلاً، فبالتالي سيحوّل الدونم إلى زراعة الخضروات. السمة الأساسية التي تجعل هذا الوضع قائماً هي ارتباطنا بالمناخ وعدم وجود مصادر مائية تتيح لنا استخدام الزراعة حسب الأصول. بالنسبة للري التكميلي، أحياناً هطول 5 مم من الأمطار في موسم محدد تنقذ موسماً كاملاً وترفع إنتاجية الدونم ضعفين أو 3، كما حصل هذه السنة بالنسبة للقمح. هناك أكثر من معوق لاستخدام الري التكميلي، أولاً قلة المصادر المائية وثانياً نقص الاستثمارات. من الناحية المناخية، في أغلب السنوات المشكلة ليست في نقص كمية الأمطار، المشكلة الأساسية التي تؤثر على القطاع الزراعي هي توزيع الأمطار. فالري التكميلي أصبحنا نستخدمه في مشاريع الاستصلاح الزراعي. نشترط ضرورة وجود بئر تجميعي، لتجميع مياه الأمطار، في كل قطعة أرض يتم استصلاحها. هذا يحلّ جزء من المشكلة. لكن، عندما نتحدث عن زراعة محاصيل الحبوب، هذه تحتاج تدخلاً أكبر، مثل استخدام السدود الصغيرة، هذه مرتبطة بالإسرائيليين ومنعهم منعاً تاماً لإقامة أي سدود صغيرة، حتى، السد الوحيد الترابي الذي تم بناءه على العوجا هو مهدد في أية لحظة بالتدمير من قبل الإسرائيليين.

- غبيش: عندي إضافة واستفسار، موضوع الري التكميلي أنا برأيي لا يؤثر على كمية الماء. كثير من الأراضي الزراعية فيها بئر لجمع المطر، يمكن استخدامه في الري التكميلي. فبالتالي، الموضوع هو إدارة هذه المياه وإدارة المصادر المائية وتوزيع عادل للماء.

- محمد: عندما ارتفع سعر القمح في العالم، زاد إنتاجنا للقمح، خصوصاً في منطقة طوباس. ولكن نحن ننتج أقل من 10% من احتياجنا للقمح. الضفة الغربية والضفة الشرقية بقي عندها اكتفاء ذاتي من القمح حتى عام 1958 أو 1959. على إثر الجفاف القاسي جداً الذي شهدته المنطقة حينها، بعدها لم تصل إطلاقاً للمستوى السابق من ناحية الاكتفاء الذاتي، لأنّ تزايد عدد السكان أكثر بكثير من الإنتاج.

- قرّش: دعونا ننتقل للعوامل والعناصر المؤثرة على الإنتاج الزراعي، العوامل المتعلقة بالاحتلال الإسرائيلي، حيث تشكل منطقة "سي" 62% من الأراضي الزراعية التي لا نستطيع استثمارها بشكل جيد، ومحظور علينا أحياناً أن ندخلها. وهناك عوامل أخرى متعلقة بأساليب استخدام المياه وتفتيت الملكية الزراعية وغيره..

- السروجي: بالنسبة للاحتلال، بالتأكيد، معروف لدى الجميع أنه يصادر أراضٍ زراعية لأمور عسكرية وأمور استيطانية، في البداية لإنشاء معسكرات ومن ثم تحويلها إلى مستوطنات. ناهيك عن جدار الفصل، طبعاً. جدار الفصل لم يمنع الزراعة خلف الجدار، لكنه قلّل من نشاطها هناك. بالنسبة للمصادرة، هناك رقم مثير جداً، 60 ألف دونم مصادرة في الأغوار. و60 ألف دونم في الأغوار، أي نحن نتحدث عن 60 ألف دونم مروي. معدّل إنتاجية الدونم المروي في حدود 3 وربع طنّ، هذا يعطينا حوالي 1479 دولار كإجمالي، يعود صافي للمزارع 891 دولارا، بعد دفع النفقات والتكاليف. فبالتالي، نستطيع رفع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي بهذه الطريقة. الاحتلال مشكلة، ويسبب انخفاض قيمة الإنتاج وبالتالي مساهمة الزراعة بالإنتاج. أما على المستوى الداخلي أو الذاتي، فهناك مشكلتان رئيستان نعاني منهما وسأتبعهما بثالثة: المشكلة الأولى هي التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية، في جنين وطولكرم وقلقيلية مثلاً، نرى أنّ معظم التوسع العمراني في هذه المحافظات الثلاثة يمتد نحو الأراضي الزراعية. حدود البلدية تمتد نحو الأراضي الزراعية، وكثير من الأشخاص اشتروا أراضٍ في المناطق الجبلية وكانوا يقومون بنقل التراب الأحمر إلى الأراضي التي يشترونها في المناطق الجبلية ويعيدون استصلاحها، يعني، كأننا نزرع عمارات في المناطق السهلية ونستصلح الأراضي الجبلية لزراعتها مرة ثانية. وهذا مخالف للتعريف الاقتصادي، التعريف الاقتصادي هو أن نستغل الموارد الإنتاجية المتاحة بالصورة المثلى. الأرض المناسبة للاستخدام المناسب.

المشكلة الثانية هي مشكلة تفتت الملكية التي نعاني منها بصورة كبيرة جداً، وخاصة طريقة توزيع الأرض ما بين الورثة، فهي عادة تؤخذ بصورة طولية، ولغاية الآن معظمها مشاع، والتسجيل لكثير من الأراضي غير موجود. في مناطق "أ" الأراضي سعرها ازداد بصورة كبيرة لأنها مساحة محصورة وعدد سكانها كبير يتنافسون على هذه المساحة، فشيء طبيعي أن تكون أسعار الأراضي مرتفعة. من هذا المنطلق، عملية الاستثمارات بالزراعة، خاصة الاستثمارات الكبيرة، محدودة جداً. وجود شركات زراعية بمعنى الشركات محدود إلا في بعض المناطق مثل الأغوار وطوباس. بالنسبة لتفتت الملكية، يجب أن يكون هناك طريقة معينة لإعادة تجميعها، ليس ضد الشرع ولا ضد الدين، ولكن طريقة لتجميعها من حيث الاستثمار. على سبيل المثال، يمكن أن نجمّعها ضمن جمعيات تعاونية. كلّ فرد معروف قطعة أرضه، لكن، تكون المزرعة مزرعة تعاونية. الأراضي القابلة للزراعة في حدود 20% من أراضي الضفة والقطاع.

- محمد: كلّ الأراضي الجدر، وهي المنطقة المحيطة مباشرة للسكن، كانت بساتين وهي قابلة للزراعة، ولكنها غير مستغلة بسبب تفتت الملكية مما أخرجها من إطار الإنتاج الزراعي. بسبب ضيق المساحة المتاحة للبناء، الآن معظم قرانا تلجأ للتوسع العامودي. بلدة مثل كفر راعي كانت كلها بساتين خوخ ودراق، الآن هذه البساتين مهملة لأنّ تفتيت الملكية جعلها من الناحية الاقتصادية غير مجدية. الثقافة ترتبط بالواقع. عملياً، القرية أصبحت قرية بالاسم فقط، وأصبحت شبه حضرية أو حضرية.

-    عنبتاوي: نحن كنا مجتمع ريفي في فلسطين، أهم ما قضى أو أثر على هذه الظاهرة هو عدم العمل في الأرض. لو ذهبنا إلى طوباس صباحاً، لوجدنا سكانها يتجهّزون للخروج إلى وظائفهم. قبل 30 أو 40 سنة كنا إذا ذهبنا صباحاً إلى طوباس وجدنا سكانها عائدون من العمل في أراضيهم. أصبح الفلاح يفتخر بكونه مهندساً أكثر من افتخاره من كونه مزارعاً.

-  غبيش: من معرفتي بواقع المياه في الأراضي، معظم الزراعة سواء كانت مروية أو بعلية، معظمها في مناطق "سي"، الأغوار معظمها مناطق "سي" وكذلك المناطق المزروعة في الخليل، البقعة، بيت أمّر، حول بيت لحم كلها مناطق "سي". نجد بعض الأراضي الزراعية في مناطق "أ" في أريحا وطولكرم وقلقيلية، ولكنها قليلة، مناطق "أ" معظمها تحولت للسكن. أراضي مناطق "سي" معظمها أملاك خاصة.

-  محمد: واقع الأراضي ينقسم إلى قسمين: أراضي دولة وهي ليست قليلة في منطقة "سي"، أراضي المشاع وهي غير المسجلة في الطابو، وهي مشكلة أساسية في أراضي الضفة الغربية، ويبدو أنها كانت من الأساس مخطط لها سياسياً هي أراضي مسجلة في المالية، ولكن منذ زمن الأتراك، بما أنه لم يكن هناك مخطط مساحة للأراضي، كان المزارعون يسجلون مساحة أقل كثيراً من المساحة الحقيقية التي يملكونها حتى لا يدفعوا الضريبة المجحفة. وهذا ما تقوم إسرائيل باستغلاله عند مصادرة الأراضي. في كلّ منطقة توجد أراضي مشاع. وكان هناك اتفاق على استخدامها بشكل دوري بين العائلات أو تحديد مشاع لكل عائلة.

منذ 5 سنوات أصبح التضييق على أراضي منطقة "سي" مضاعفاً. كإغاثة زراعية، عملنا في استصلاح الأراضي، لم يسبق لنا أن طلبنا تصريحاً لاستصلاح أراضي، بينما كل المشاريع التي كان يديرها الUNDP مع وزارة الزراعة كانوا يحصلوا على تصريح. نحن نقوم بالاستصلاح لحماية الأرض من المصادرة كإثبات على أنها مستخدمة من قبل أهلها.

قبل سنوات، في منطقة بيت أولا في الخليل، أراضي تم استصلاحها، بعد 4 سنوات دمّروا كل الأراضي الواقعة في منطقة "سي" حتى حدود منطقة "بي" رغم أنّ أصحاب الأراضي يملكون سند ملكية مالي.

- عنبتاوي: البنك الدولي قال أنه إذا تم استخدم أراضي منطقة "سي" بشكل فعّال ستدرّ سنوياً ما لا يقلّ عن 3 مليارات دولار للاقتصاد الفلسطيني. ومن الناحية الاستثمارية تقسم الارض إلى ثلاثة أصناف: الاول الإنشائي، مثل روابي والريحان وغيرها، والثاني أن يتم التوسّع العمراني في مناطق "سي" ضمن خطة منهجية واضحة، والثالث القطاع الزراعي واستثمار البحر الميّت، عندنا مسافة 9 كيلومتر من البحر الميت من المفروض أن نتمكن من استثمارها حسب الاتفاقيات الموقعة، كانوا 13 كيلومتر ولكن إسرائيل استثنت عين جدي. واستثمار المعادن الموجودة في البحر الميّت تدرّ مبالغ ضخمة جداً.

- محمد: الأراضي المزروعة والمستصلحة مازالت تُزرع بدون عقبات، حتى المناطق التي أصبحت خلف الجدار يمكن زراعتها. الأراضي المستغلة في الزراعة تشكّل حوالي 20 – 30% من مساحة الضفة الغربية. لكن، لو أخذنا كلّ السفوح الشرقية، سنجد أنّ طرق المنع الإسرائيلية مختلفة، فهناك مناطق اعتبروها محميات طبيعية وهي مغلقة، وهذه تشمل أجزاء كبيرة من صحراء بيت لحم "البرّية" (التي يُسمّيها الاحتلال صحراء يهودا) والتي تمتد حتى تصل إلى البحر الميّت، هناك محميات أيضاً في شمال الغور، وهي المنطقة التي بنوا فيها مستوطنات في طوباس وتياسير، وهناك مناطق مغلقة عسكرياً، ويُمنع أيّ نشاط فلسطيني فيها، حتى الأراضي المملوكة وفيها إثباتات ملكية لا يمكن استعمالها بحجة أنها منطقة عسكرية، فمنطقة البقيعة مثلاً، كلّ أسبوعين يقيمون تدريباً عسكرياً في وسط المزروعات. وفي منطقة الغور، استخدموا قانون أموال الغائبين، أجزاء كبيرة جداً من الأراضي مُغلقة، أعطيت لمستوطنات أو ممنوع على الفلسطينيين العمل فيها. أنشأنا طريقاً زراعياً من حزما حتى أراضي تابعة لحزما تحت مستعمرة آدم، عملياً، بعدما انتهينا من الطريق، حرثوها، ومنعوها، بحجة أنّ الطريق في منطقة "سي" ولا يوجد ترخيص بفتحها، والترخيص لا يُعطى. بالنسبة للعوائق في منطقة "سي" وفي الضفة الغربية بشكل عام، هناك أيضاً موضوع الأدوية والأسمدة، نحن لا نملك مثلاً سماد 20 10 20 وهو سماد مركّب، ممنوع بحجج أمنية، الاسمدة الأزوتية الوحيدة الموجودة عندنا يوريا، باقي الأسمدة ممنوع دخولها إلى الضفة. أنابيب الريّ ممنوعة. قدّمت عن طريق الهولنديين طلب تصاريح لمواسير للريّ، إسرائيل رفضت إعطاءنا التصريح. المزارعون أحياناً يضطرون إلى تهريب هذه الأدوات ولكن هناك مخاطرة عالية والتكلفة تتضاعف.

- غبيش: تم عمل مشاريع كثيرة في مناطق "سي" وتم تمديد مشاريع مياه وفتح طرق حتى في المناطق المحيطة بالمستوطنات. أكبر منطقة "سي" بعد الأغوار هي منطقة الخليل، هناك كثيرون يعملون في هذه الأراضي وركّزوا نشاطهم على الثروة الحيوانية، ومشكلتهم الأساسية هي توفر المياه.

- عنبتاوي: إذا أردنا تقييم موضوعنا، حتى نكون مؤثرين في التوجهات التي نتحدث عنها، نحتاج إلى آلية علمية تشخّص الموضوع وتضع توصيات يتبناها قرار سياسي. أولاً، هناك غياب للاستراتيجية للنهوض بهذا القطاع، ويأتينا وزير زراعة يضع استراتيجية، بعده يأتي وزير آخر ويضع هذه الاستراتيجية على جانب ويضع استراتيجية جديدة. وهناك كثرة اللاعبين والمؤثرين وتداخل الأدوار. والمنظمات الأهلية تعمل وتضع مبادرات في غياب وزارة الزراعة وبدون التنسيق معها. المبادرات مهمة ولكن كيف يتم تحديد الأولويات؟ هذا القرار يجب أن يكون قراراً حكومياً ونحن مشكلتنا إدارية، يجب أن يكون هناك جسم حكومي يرتّب الأولويات وينظّم العمل ويؤسس هيكليات لقطاعات تطرح مشاكلها وتُدرس هذه المشاكل وتحلَّل وتُدعم. حتى المشاريع التي تنفّذ، نشعر أنها ذات طابع إغاثي أكثر من كونها ذات طابع تنموي، وفي غياب استراتيجية واضحة ومبنية على تنمية هذا القطاع لا يستطيع أحد القيام بمشروع تنموي، فإذا توفرت الاستراتيجية التنموية تأتي المشاريع التنموية. التحدّي كبير ولكن الحلول كثيرة، وحجم الاستثمارات في قطاع الزراعة ليس بالمستوى المطلوب نتيجة العوامل التي تحدثنا عنها. أنا أنشأت شركة لزيت الزيتون، إذا نظرت إلى خطتها الخمسية تجد أنها تتضمن الدخول في الاستثمار الزراعي، إذا دخلت في الاستثمار الزراعي وقررت شراء أراضٍ زراعية سأصطدم برفض المزارعين بيع الأراضي. بالتالي، نحتاج منهجية واضحة للتفاعل مع الأمور، ونحتاج تغييراً ثقافياً. وبالعودة إلى موضوع وزارة الزراعة، هناك غياب واضح لدور الوزارة في الإرشاد الزراعي، وغياب واضح في مكافحة الآفات الزراعية. نقطة البداية هي تفعيل أقوى واهتمام أكبر لوزارة الزراعة. أنا أعتقد أنّه يجب تفعيل دور وزارة الزراعة ووزارة الثقافة. على سبيل المثال، الغرب يغيّر مناهجنا الدراسية، يجب أن نحدث التغيير في مناهجنا الدراسية "زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون". نحن نحتاج إلى ورشة عمل لتحديد نقاط القوة والضعف في القطاع الزراعي واستعراض الفرص المتاحة للنهوض بهذا القطاع وهي كثيرة. كلّ هذه العناصر لو اجتمعت ستجد تفاعلاً من الجمهور، الجمهور ينتظر شيئاً من هذا القبيل، المزارع بدأ يحنّ إلى أرضه، لأنه لا يملك فرصاً كبيرة، تفتت الملكية أصبحت مشكلة يدركها المزارع وهو مستعدّ للتفاعل معها، ولكن هذا يحتاج إلى المبادرة والوصول إلى التشريعات والقوانين.

- السروجي: الموارد الزراعية استفضنا في الحديث عنها. أريد التحدث عن مشكلة التسويق. أحياناً كثيرة الإنتاج لا يشكّل مشكلة عند المزارع، بل عملية التسويق فيما بعد الإنتاج. أجرينا دراسة في معهد ماس وسألنا المزارعين هل يصنّفون أو يدرّجون المحصول قبل نزوله للأسواق، نسبة 80% ذكروا أنهم لا يصنّفونه. 20% فقط هم الذين يصنّفون المحصول ويدرّجونه (أ، ب، جـ). عندما سألنا ال20% لماذا يصنّفون ذكروا أنهم يصنفون لأنهم يصدّرون عن طريق تجّار إلى "إسرائيل"، مطلوب منهم الصنف أ لتصديره لإسرائيل، بمعنى، أنّ لديه الإمكانية للتصنيف والتدريج إذا طُلب منه ذلك، والتصنيف يتمّ لسوق غير السوق المحلّي. نحن عندنا مثل معروف "وجه البُكسة"، والغشّ موجود. التأمين الزراعي: سألنا المزارعين: إذا تمّ تكوين صندوق للتأمين الزراعي، هل عندك استعداد للمساهمة فيه؟ 92% من المزارعين الذين سألناهم أجابوا بنعم. لأنّ المخاطرة عندهم عالية، مستوى الوعي عندهم عالي، فالمزارع فقير لكنه فعّال، بشرط أن تقوم الحكومة بواجبها وتغطي الحصة الكبيرة، لأنّ المزارع عندما يقع في مشاكل رأساً يتوجه إلى الحكومة للتعويضات وغير ذلك. التمويل الزراعي أحياناً يشكل حجر عثرة أمام المزارعين، خاصة الزراعة المروية والزراعة المحمية والزراعة الحيوانية، نحن معظم حديثنا انصب على الزراعة النباتية، لكن الزراعة يمكن أن تكون حيوانية أيضاً. فالتمويل ضعيف للأسف، والبنوك ليس لديها الرغبة والحافزيّة لإعطاء قروض للمزارعين. مجموع القروض التي أعطتها المصارف للمزارعين 1%، حتى مؤسسات التمويل الصغير، التي بالأصل من المفروض أن تخدم المزارع، فقط 11% من تمويلها ذهب للمزارعين. الدعم الحكومي لقطاع الزراعة متدني جداً، لا يتعدى 1% من موازنة الحكومة. الإرشاد الزراعي أيضاً هو مشكلة من المشاكل التي نعاني منها، وكثير من المزارعين الذين زرتهم وقابلتهم يقولون لنا أنه أحياناً الإرشاد الزراعي الخاص أفضل من الإرشاد الحكومي. المشكلة الأخيرة التي أريد إثارتها هي الزراعة العضوية واستخدامنا للمبيدات والكيماويات، للأسف، هناك كثير من المزارعين الذين يستخدمون المبيدات والأسمدة بطريقة غير صحيحة لرفع الإنتاجية، طبعاً هذا يمكن أن يؤثر سلباً على صحة الإنسان.

- قرّش: ماذا عن الزراعة والمياه في قطاع غزة؟

- محمد: مساهمة قطاع غزة في الإنتاج الزراعي بشكل عام جيد، لكون معظم الأراضي الزراعية في غزة هي أراضي مروية، تختلف عنها في الضفة الغربية. مساهمة الإنتاج الزراعي في غزة 3 أضعاف إلى 4 أضعاف مساهمتها في الضفة. عندهم بالأساس مشكلتان: الأولى هي ملوحة المياه ، لأنه عملياً الخزان المائي مستنزف، ومعظم الآبار تعاني من اندفاع مياه البحر، فأصبحت مملحة. الآبار التي تنتج مياهاً صالحة للشرب أو ملوحة منخفضة، صالحة لأنواع مختلفة من الخضار والمحاصيل، محدودة للغاية. معظمها أصبحت ملوحتها زائدة إلى درجة خطيرة. فهذا يجعل خياراتهم للزراعة محدودة، يعني مثلاً، تجد البقدونس، لأنه يحتاج كمية مياه جيدة لا يُنتج إلا في منطقة محصورة جداً شمال القطاع، بيت لاهيا وبيت حانون. والمشكلة الثانية التي يعانون منها عملية الانفصال بين الضفة والقطاع والمنطقة العازلة، هذه مساحتها كبيرة، والعمل فيها مخاطرة كبيرة جداً. المشكلة الأساسية الثانية، والتي تحدد خياراتهم في الزراعة أصبحت مشكلة التسويق. إغلاق القطاع بالشكل الحالي يؤدي إلى أنّ كثيراً من المزارعين ينتجون كمية كبيرة وبنوعية عالية جداً، مثل الزهور، وهي من أفضل أنواع الزهور في العالم. النوعيات ممتازة ولكن، بعد أن ينتجها المزارع، تبقى فترة على معبر بيت حانون، ويؤخرونها مدة أخرى في الميناء، فتصل نوعية رديئة. يعني الشحنات التي نجح المزارعون في إيصالها في نفس يوم القطاف إلى بورصة هولندا مثلاً كانت نوعيات جداً عالية.

- غبيش: بالنسبة لمشاكل الزراعة ومشاكل المياه، أنا أتفق مع الأستاذ زياد بأنّ المشكلة هي بالأساس مشكلة إدارة، حيث أصبح دورنا هو حلّ مشاكل متفرقة وليس عمل تنمية في قطاع الزراعة والمياه. العلاقة بين الماء والزراعة، أريد أن أتجاوز الاحتلال. بالنسبة للواقع الداخلي، عندنا مشكلة كبيرة جداً في إدارة مصادر المياه. لو عندنا إدارة مصادر الماء سليمة، لوجدنا أنّ 70% من احتياجات الزراعة من الماء متوفرة. أنا سأضرب مثالين بسيطين، الفارعة كنبع كان ينتج لنا 7 مليون متر مكعّب ويروي مناطق كثيرة، حالياً تحوّل نبع الفارعة إلى احتكار فقط للأغنياء، لأنهم حفروا آباراً مخالفة في المناطق العالية، ولا أحد يستطيع حفر بئر هناك إلا إذا كانت أحواله المادية جيدة، فبالتالي المزارعون الصغار تضرروا. والمثال الثاني، نحن عندنا أغنى حوض في فلسطين هو الحوض الغربي، غرب الضفة الغربية. المياه موزعة 3 أحواض وحوض غزة. الحوض الغربي يمتد من غرب جنين إلى غرب رام الله، منطقة رنتيس، ويمتد إلى غرب دورا. هذا أغنى حوض، وطاقته الإنتاجية 360 مليون متر مكعّب. حصة الجانب الفلسطيني، حسب اتفاق أوسلو 22 مليون، والباقي للجانب الإسرائيلي. عندنا الحوض الشرقي، شرق بيت لحم والخليل، وصولاً للأغوار إلى منطقة الفشخة، هذا ينتج حوالي 145 مليون متر مكعّب، حصة الفلسطينيين 50 مليون ولإسرائيل 30 مليون والباقي في نبعة الفشخة. نحن لا يصلنا من الحوض الشرقي أكثر من 20 – 25 مليون متر مكعب والباقي يذهب إلى الفشخة. مع أنّ القرار السياسي كان أن يُسمح لنا باستثمار هذه المياه في قطاع الزراعة. وهناك حوض غني بالمياه هو الحوض الشمالي الشرقي، يأتي كمثلث بين نابلس وجنين، هذا تقريباً 170 مليون متر مكعب، نحن حصتنا منه 40 مليون والباقي للإسرائيليين. فبالتالي، كميات المياه المتاحة لنا حسب اتفاقيات أوسلو، لو أُديرت بشكل صحيح، على الأقل ما يتعلّق بالحوض الغربي، 22 مليون متر مكعب. 22 مليون متر مكعب لـ600 ألف نسمة، لمنطقة زراعية، هذه تكفي طولكرم وقلقيلية. هناك فوضى كبيرة في توزيع المياه، في حين محافظة الخليل، وهي أضعاف مساحة طولكرم وقلقيلية، 700 ألف نسمة، فيها زراعة وصناعة، ما يصلها لا يتجاوز 15 مليون متر مكعب في السنة. عندنا سوء إدارة مصادر الماء وأصبح عندنا مشكلة الآبار الغير مرخصة، في جنين 4 آلاف بئر ارتوازي غير مرخص، هذه الآبار تستنزف الحوض وتسبب الفوضى وتحرم الفقراء من المياه. في منطقة البقعة في الخليل يتم سرقة 7 آلاف متر مكعب يومياً، كلّ ما يحتاجونه على مدار العام للزراعة وليس ليوم واحد 5 آلاف متر مكعب، أصبحت المسألة مسألة ربح مادي من بيع المياه.

- عنبتاوي: أنشأنا شركتنا لزيت الزيتون في عام 2006. اضطرينا بالمنطق العلمي أن نوسّع سلّة منتجاتنا، واليوم عندنا سلة منتجات كبيرة مبنية على التفاعل مع المزارع ودعم المزارع، وليس منافسة المزارع. نحثّ المزارع على إعطائنا نوعية جيدة ونعطيه مقابل هذه النوعية. هذا ما يغطّي جزئية التصنيف والتدرّج. نحن عندنا فريق تذوّق ومختبر لفحص العينات. ليس عندنا معصرة، ولا نزرع، وكان هدفنا منذ البداية دعم المزارع وحثّه على رفع نوعية منتوجه. وعلى ذكر الفتاوى، وصلتنا فتوى أنّه إذا قمنا بحث المزارع على رفع نوعية منتوجه، الفرق الذي يحصل في السعر يخصم من الزكاة. ديننا يحث على هذا. اعتقدت أن المشوار سهل، ولكن، أنا أشبهه بنحت الحجر. دخول الأسواق العالمية ليس سهلاً. ولكن، سعر بضائعنا باهظ،. أوكسفام قامت بدراسة ووجدت أنّ تكلفة كيلو زيت الزيتون عندنا 13 شيكل. لماذا يُباع بـ 24 شيكل أو 21 أو 19؟ في إيطاليا يكلفهم كيلو زيت الزيتون 8 شيكل تقريباً ويبيعونه بـ 13. والعام الماضي كان محصول الزيتون سيئاً، الذبابة خرّبته. فالناس يشترون منتجاتنا تعاطفاً معنا وليس من منطلق النوعية. نحن نحتاج إلى تحفيز الناس لشراء بضائعنا من منطلق النوعية وليس من المنطلق التعاطفي. ونحن نمتلك نوعية ممتازة تستطيع المنافسة في السوق العالمية، ولذلك، نحن نحتاج إلى تخفيض أسعار منتوجاتنا ضمن منهجية مدروسة.

- قرّش: دعونا ننتقل إلى المقترحات والتوصيات لغرض تطوير القطاع الزراعي.

- المسروجي: بالنسبة للموارد الزراعية، أودّ الحديث عن نقطتين، تفتت الملكية: نحتاج إلى تجميع الملكيات بالطريقة المناسبة، إضافة إلى التوسع العمراني، يجب أن يكون توسّع حدود البلديات إلى الأراضي المناسبة للسكن والإسكان وليس إلى الأراضي الزراعية.

التسويق نوعان، داخلي وخارجي. بالنسبة للتسويق الداخلي: يشتكي كثير من المزارعين بأنّ الرسوم التي يدفعونها للأسواق المركزية عالية، هم يدفعون 10% من مبيعاتهم، فيطالبون بتخفيض هذه النسبة. بالنسبة للتسويق الخارجي، يجب تكوين شركات خاصة للتصدير مع التركيز على النوعية. في دراسة لمعهد ماس، 2% من المزارعين الذين نتعامل معهم يبيعون مزروعاتهم من الباطن لشركات تصدير.

يجب أن يقرّ قانون التأمين الزراعي الموجود على طاولة الرئيس منذ 4 أو 5 سنوات لأنّ فيه مصلحة للمزارعين وللقطاع الزراعي. ويجب أن يعطى المزارع الفرصة للوصول إلى التمويل الزراعي والقروض. نسبة كبيرة من المزارعين لا يقدمون على القروض لأنها ربوية. فيجب إتاحة الفرص أمامهم لأخذ قروض إسلامية.

يجب أن يُرفع الدعم الحكومي لقطاع الزراعة وترتفع الموازنة. الإرشاد الزراعي الحكومي يجب أن يُفعّل. ويصبح أكثر فعالية من القطاع الخاص.

- عنبتاوي: أحب أن آخذ المثل الهولندي في القط

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website