القدس بين حريقين 1948 - 1967 - مراجعة رضوى عبد القادر - عدد 256

القدس بين حريقين 1948-1967

محمد أبو عزَة، القدس بين حريقين (1948-1967)، دمشق، مؤسسة فلسطين للثقافة، بيروت، مؤسسة القدس الدولية، 2013.

مراجعة: رضوى عبد القادر[*]

 تتطور قضية فلسطين، بين عشية وضحاها، وبالطبع، إلى الأسوأ، والقدس أهم القضايا الشائكة المرتبطة بهذا التطور، والتي-على الأقل بمنظورنا- لا تقبل التفاوض والمراوغة، رغم معاناتها، وأهلها، ولأنها لب القضية الفلسطينية، حيث مكانتها الدينية والقومية، في مواجهة التحايل الإسرائيلي لإعلان القدس العاصمة الأبدية للكيان "الإسرائيلي".

كيف ضاعت القدس بين حريقين 1948-1967، وما اشتملت عليه الرواية الصهيونية والعربية، فقد قدم الكاتب محمد أبو عزة، هذا الكتاب؛ ليؤكد أننا العرب قضينا فترات من الزمن في كل ما من شأنه أن يوفر فرصة النصر للعدو؛ فأسباب الهزيمة تتعلق بنا، أكثر مما تتعلق بالعدو نفسه.

قسم أبو عزة كتابه إلى بابين، الأول "الحرب في القدس عام 1948"؛ واشتمل على ستة فصول؛ والباب الثاني "الحرب على القدس في حزيران (يونيو) 1967، المقدمات.. المجريات.. النتائج"؛ متضمنا خمسة فصول، وغطى الكتاب 196 صفحة من القطع الصغير. وجاء الفصل الأول، من الباب الأول بعنوان "المسرح.. القدس عشية الحرب"، حيث بدأت معالم التهويد للقشرة الخارجية للقدس تظهر، مع بناء المستعمرات الأولى على هضاب القدس. ولكن حتى صدور قرار التقسيم، في 29/11/1947، كانت علاقات اقتصادية جوهرية مادية متداخلة مع النسيج الاجتماعي قد نمت بين العرب واليهود في المدينة القديمة، وكذلك في الأحياء المختلطة، وبدا ظاهريا أن الصدامات والمواجهات التي نشبت بين الطرفين في منطقة القدس، في العشرينات والثلاثينات، قد هدأت. وبصدور قرار التقسيم، قسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق: منطقة عربية؛ وثانية يهودية؛ وتم تشكيل لجنة لتنظيم مستقبل منطقة القدس، وطريقة الحكم فيها حسب دستور، قدمته اللجنة المشكلة إلى اللجنة العاملة في مجلس الوصاية الدولية؛ لدراسته.

عن "إعداد مسرح العمليات" كان الفصل الثاني، حيث خرجت الحركة الوطنية الفلسطينية من الحرب العالمية الثانية منهكة القوى، وخرج زمام الأمور من أيدي الزعامة الفلسطينية إلى أيدي الزعماء العرب، وكان ذلك عاملا حاسما في تخدير الحس الجماهيري. وفي تلك الأجواء التي سادت في الأشهر القليلة التي سبقت صدور قرار التقسيم، أعلنت "الهيئة العربية العليا" عزمها على مقاومة المشاريع الناجمة عن تقرير الأمم المتحدة وتوصياتها، وبعد صدور القرار، أعلنت "الهيئة" عن تشكيل جيش "الجهاد المقدس"، بإمرة الحاج أمين الحسيني، وقيادة عبد القادر الحسيني (ميدانيا)، ودعم مصري، وفي المقابل، شكلت اللجنة العسكرية في دمشق "جيش الإنقاذ"، من متطوعين جاءوا من بلاد عربية عدة. فيما أعلنت التعبئة العامة في الاستيطان اليهودي كله، غداة الإعلان عن تقسيم فلسطين، وكان من الواضح أن ميزان القوى، عشية حرب 1948، كان يميل لصالح القوات اليهودية، التي كانت قد أنجزت عمليات تطوير بنية قواتها الضاربة، وتنظيم الهيكلية، وهيئة الأركان، بالإفادة من الخبراء والمستشارين العسكريين الأجانب، الذين يمثلون مدارس عسكرية مختلفة. وقد أصرت القيادة الصهيونية على احتلال القدس، وضمها إلى المنطقة اليهودية، ومع احتدام الصراع على منطقة القدس، التي تميزت عن بقية المناطق بتداخل الخطوط فيها، وبالتالي كثرة الجيوب السكانية والعسكرية، سعى كل طرف لاحتلال مواقع تخلق تواصلا أرضيا بين خطوطه، ومواقعه، وتعزل جيوب الطرف الآخر، وتحاصرها، في الوقت الذي توالت العمليات العسكرية والغارات، من قبل الطرفين، خاصة في الأحياء المختلطة، الأمر الذي أدى إلى حركة نزوح للمدنيين من الجانبين.

 شرح الكاتب "خطة نحشون"، في الفصل الثالث، حيث قررت قيادة "الهاغانا"، في الأول من نيسان (أبريل) 1948، حشد قوة مسلحة، من ألوية مختلفة، قوامها 1500 رجل، لفتح الطريق إلى القدس، وإيصال التموين، والعتاد، والسلاح لليهود المحاصرين في المدينة، بعدما أحكم المناضلون العرب إغلاق ذلك الطريق. وبالطبع، هناك روايتان لليلة احتلال قرية القسطل، صهيونية وعربية. وقد استشهد قائد "الجهاد المقدس"، وباستشهاده، دبت الفوضى في صفوف المجاهدين، وبدأت الطريق تنفتح أمام اليهود، من تل أبيب إلى القدس، ولكن عملية "نحشون" لم تحقق أهدافها كاملة، أمام العمليات البطولية للقوات العربية، فيما اعتبرها اليهود ناجحة، حيث استطاعوا توصيل القوافل اليهودية المحمَلة بالمؤن، والذخائر، والتعزيزات العسكرية أما مذبحة "دير ياسين" (9/4/1948)، فتضعها مئات المراجع في إطار مكمل لعملية "نحشون"، ورغم أن عدد شهداء هذه المذبحة ليس بالقليل، فإن الأطراف اليهودية عمدت إلى تضخيم العدد؛ لإلقاء الرعب في قلوب الفلسطينيين، خاصة المقدسيين منهم، ودفعهم للنزوح، وقد ذكر صهيونيون: "بدون دير ياسين ما كان ممكنا لإسرائيل أن تظهر إلى الوجود".

 جاء الفصل الرابع بعنوان "القدس.. نهارات الجمر؟!"، فبسقوط القسطل، مع مذبحة ياسين، في اليوم نفسه (9/4/1948)، أرسل "جيش الإنقاذ" نجدة، قصفت مستعمرة بالقرب من القسطل، ومباني، ومستودعات يهودية، ولكن "جيش الإنقاذ" انصاع لإنذار من القوات البريطانية المنتدبة، في 11/4، لوقف القصف، وهذا الوقف استغلته القيادة الصهيونية، في فتح الطريق بين الجامعة العبرية، ومستشفى هداسا. وفي أواخر الشهر نفسه، قامت القوات اليهودية بسابع عملية عسكرية في القدس، "عملية يبوسي"، لاحتلال جميع أحياء مدينة القدس، وكانت قوات "الجهاد المقدس"، عمليًا، وحدها في ساحة القتال، وفي شهر أيار (مايو)، جرى تعزيز القوات المدافعة عن القدس، بوحدات من جيش "الإنقاذ". وتمكنت الجبهة العربية من استرداد الأحياء، التي كان العرب قد فقدوها من قبل، وبعدها بدأت المفاوضات، بشأن الهدنة، التي كانت في صالح اليهود؛ ليلتقطوا أنفاسهم؛ وحتى يستعدوا للهجوم الكبير على باب الواد –القدس، ثم كانت معركتا مستعمرة "كفَار عصيون"، على التلال بين القدس والخليل، في منطقة عربية خالصة، وتدمرت المستعمرة، التي كانت شوكة في جسم منطقة عربية، وتم تطويق يهود القدس من قبل العرب.

 "وانفتح الباب على الهاوية"، في الفصل الخامس، ففي صباح 13/5/1948، قام اليهود بهجوم جديد مركَز على اللطرون؛ والطيرة؛ وقلقيلية؛ وكفر سابا؛ لتشتيت قوى المقاومة، التي أرغمت اليهود على الفرار، تاركين قتلاهم، ومصفحاتهم المحطمة. وفي هذه المرحلة الدقيقة، اتخذت جامعة الدول العربية قرارًا خطيرًا، قضى بإنهاء مهمة "جيش الإنقاذ"، وأصبحت منطقة القدس في عهدة الجيش الأردني. فيما رفع الاعترافان، الأمريكي والسوفياتي، بـ"إسرائيل"، معنويات اليهود، فحاولوا اجتياح مدينة القدس، بكاملها، في يومي 15 و16 أيار (مايو)، وأخذت أجزاء من المدينة تسقط، وعندما دخل عبد الله التل، القدس، على رأس الكتيبة السادسة الأردنية، قام بتقسيم القدس إلى ثلاثة قواطع عسكرية؛ لتحقيق أكبر قدر من الانضباط، وتحديد المسؤوليات، في الدفاع عن القدس، وتمركزت القيادة، وفي النهاية، تراجع اليهود، بعد أن دمرت لهم مصفحة، قتل جميع من فيها، و87 قتيلاً، واستولى المقاومون على 3 مصفحات، وغنم  المجاهدون عشرات البنادق، وأربع مصفحات، وعدداً من الرشاشات والأسلحة الخفيفة. 

جاء الفصل السادس بعنوان "سقوط حصان طروادة اليهودي"، فعلى غرار حصان طروادة الشهير في الأوديسة، كان الحي اليهودي، في القدس القديمة، الذي جعل دفاعه بالعمق، فيما اتخذ المقاومون قرارًا بالتقدم، ببطء، وتدمير المنازل اليهودية، وبدأت المعركة، فيما وافقت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية، بعمان، على الهدنة، بشروط، ووصف المناضلون في القدس، تلك الهدنة، بأنها جريمة بكل المقاييس، وتجدد القتال، ثم الهدنة الثانية، والتي لم تطبق من جانب اليهود. وابتداءً من مطلع آب (أغسطس) 1948، بدأ اليهود يستعدون لاحتلال القدس كلها، واستهدفوا بهجومهم  أبواب المدينة القديمة، فكانت أحداث ليلة 17-18/8/1948، حيث ركز العدو على قاطع القلب-الكتيبة السادسة الأردنية- بهدف الدخول إلى القدس القديمة، من الأبواب، كما حاول العدو اختراق الخط الأمامي لقاطع الميمنة، الذي كانت ترابط فيه قوات "الجهاد المقدس"، أما قاطع الميسرة، فكان مقاوموه ينقصهم التدريب العسكري الجيد، مما مكّن العدو من اختراق هذا القاطع. وفي صباح 18 من الشهر نفسه، أصبحت بعض الأحياء اليهودية ضمن رماية أسلحة المجاهدين، ومع غروب اليوم نفسه، بدأ اليهود بهجوم معاكس، ومع ساعات الفجر، تراجع المرابطون إلى المواقع السابقة، وتمسكوا بها، ولم يحاول العدو مواصلة هجومه. إلا أن ما تبقى من القدس والضفة الغربية- بعد توقف الحرب النظامية بين الجيوش العربية والقوات الصهيونية- ضم إلى المملكة الأردنية الهاشمية، بعد مؤتمر أريحا، الذي عقد في 1/12/1948.

"القدس في مفارق الطرق"، هو عنوان الفصل الأول، من الباب الثاني، فقد أوفدت الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت، منتصف أيار (مايو) 1948، كوسيط دولي، في سبيل إيجاد تسوية سلمية للوضع المستقبلي. وفي الثاني من آب (أغسطس) من العام نفسه، أعلنت الحكومة الإسرائيلية المؤقتة ضم القدس الغربية، وقد أخرت ذلك الضم؛ لأنها كانت مهتمة بالحصول على عضوية الأمم المتحدة، ولتدارك ما ينجم عن ذلك التأخر، استخدمت أنظمة أملاك الغائبين؛ لمصادرة بيوت العرب، وأراضيهم، وأماكن عملهم، وعمليًا، بدأ تطبيق قانون "أملاك الغائبين" لسنة 1950، قبل أن يسن، وتحديدًا قبل الهدنة التي أقرت في 11/6/1948، إذ بدأت لجنة الإسكان اليهودية توطين اليهود في الأحياء العربية-غرب القدس، ولم يتم ذلك لعدم وجود منازل بديلة لهؤلاء المهاجرين، بقدر ما كان استراتيجية سياسية، لخلق وقائع على الأرض، يكون من الصعب تغييرها، لاحقًا، في إطار اتفاق سياسي، كما كانت هناك "مبررات"، تتعلق بالسياسات الداخلية، وفي 11/12/1948، وافقت الأمم المتحدة على توصيات برنادوت (اغتالته منظمة ليحي، في أيلول (سبتمبر) 1948) بشأن القدس، أن تكون كيانًا منفصلاً، والدعوة إلى نزع السلاح من المدينة. وفي 2/2/1949، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها لم تعد تعتبر القدس الغربية أرضًا محتلة، وألغت الحكم العسكري فيها، وبدأت تنقل مكاتب الحكومة من تل أبيب إلى القدس، تمهيدًا لإعلانها عاصمة "لإسرائيل". وفي هذه الأوقات، اقترح مندوبون في الأمم المتحدة، مشروعًا لإبدال الوسيط الدولي بـ"لجنة التوفيق"، التي وصلت إلى فلسطين أواخر الشهر نفسه، وضمنت اللجنة في تقريرها: رفض "إسرائيل" لتدويل القدس وعودة اللاجئين. وواصل العرب الدوران في حلقة "لجنة التوفيق" المفرغة، حتى خريف 1951، حيث عقدت الأمم المتحدة  دورتها السنوية، في قصر "شايوه"، بباريس، ولعوامل عربية، وعالمية، تمكن اليهود، وحلفاؤهم من دفع القضية الفلسطينية والقدس إلى ثلاجة الأمم المتحدة، لينفتح الباب أمام سلسلة من المشاريع الدولية، التي تهدف إلى طمس وشطب قضية اللاجئين، وتصفية القدس وفلسطين.

تطرق أبو عزة، في الفصل الثاني، إلى "الكيان الفلسطيني الممنوع"، فقد اقترح رئيس "الهيئة العربية العليا" لفلسطين، الحاج أمين الحسيني، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1947، على مجلس جامعة الدول العربية، اقترح مشروع حكومة عموم فلسطين، والهدف منه هو إيجاد إطار دستوري، يملأ الفراغ الذي ينجم عن انتهاء الانتداب البريطاني، وتكرر الاقتراح، مرتين، بعد صدور قرار التقسيم، وتكرر الرفض من الجامعة، بذريعة أنها لا تملك تصورًا لما ستكون عليه فلسطين في المستقبل، والشكل الدستوري لها، والصفة القانونية الدولية لذلك الكيان. وأقصى ما تم التوصل إليه في الجامعة، في تلك المرحلة، هو إنشاء إدارة مدنية غير سياسية، مؤقتة، لتسيير الشؤون العامة، والخدمات الضرورية. وفي أيلول (سبتمبر) 1948، تمت الموافقة على إقامة حكومة فلسطينية، بعد مداولات، واعتراضات الحكومة الأردنية، على أن تكون تلك "الحكومة الفلسطينية" مسؤولة أمام مجلس نيابي، وأن تكون الإدارة المدنية، ومديرها، أحمد حلمي عبد الباقي، هي الحكومة الفلسطينية المؤقتة. وقد دعا عبد الباقي لتأليف المجلس الوطني الفلسطيني (البرلمان)، (في غزة، 1/10/1948)، برئاسة الحاج الحسيني، وأعلن عبد الباقي، استقلال فلسطين. وفي اليوم نفسه، عقد الملك عبد الله، مؤتمر عمان، ثم أريحا، بعده بشهرين، وأعلن فيه عن وحدة الأراضي الفلسطينية، والأردنية، ومبايعة الملك عبد الله ملكًا على الضفتين. وفي أواخر كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، عقد المؤتمر الثالث، في رام الله، الذي أكد على قرارات مؤتمر أريحا. أما قطاع غزة، فألحق بمصر إداريًا، وتحولت الحكومة الفلسطينية إلى هيئة شكلية، بعد إجبار عدد من وزراء الحكومة على الاستقالة، ومغادرة الحاج أمين الحسيني إلى القاهرة، تحت الحراسة. وفي شهر شباط (فبراير) 1949، بدأت بين الأردن والحكومة الإسرائيلية مفاوضات بشأن القدس، وباقي الأراضي الواقعة على طرفي خط الجبهة اليهودية-الشرق الأردنية. وكان تقسيم القدس بين الطرفين، دون أخذ رأي الفلسطينيين والعرب، أمرًا مفروغًا منه سلفًا. وشهدت القدس تغييرًا، لم يقتصر على الوضعين، الجغرافي  والديموغرافي، بل كان تغييرًا في المكانة والموقع، وصارت القدس وفلسطين قضية قومية، ولم يعد للتنظيمات السياسية التي كانت قائمة في عهد الانتداب وجود تقريبًا، في العهد الأردني، ونشطت أحزاب كان حضورها محدودًا في الفترة السابقة، فيما وجدت أحزاب جديدة، برز حضورها في ذلك العهد، وكانت أعوام 55-1957م، ذروة نشاط الحركة الوطنية في القدس، ثم جاءت الانتكاسة، مع إقالة حكومة النابلسي (ربيع 1957)، وحل الأحزاب السياسية، وفرض الركود على الحياة السياسية، في القدس والضفة الغربية، حتى أوائل الستينات.

"ولادة من العدم" جاء عنوان الفصل الثالث، ففي عقد الخمسينات، كان زمام القضية الفلسطينية، قد سقط من أيدي الفلسطينيين، في حين تحول الكيان الصهيوني إلى ثكنة استيطانية، جوهرها إقامة قاعدة آمنة لآلة عسكرية، فتم تشكيل الوحدة 101 الصهيونية، صيف 1953، كمجموعة كوماندوز؛ للعمل على توتير المناطق الحدودية، ثم في أوائل العام 1954، تشكلت كتيبة المظليين الأولى، التي اندمجت فيها الوحدة 101، وغيرها من الاستعدادات العسكرية الصهيونية، وأما الفترة بين عامي 49-1965، فشهدت مذابح بأياد إسرائيلية، واختراقات لخطوط الهدنة، وإطلاق نار عبر الحدود الأردنية والضفة الغربية، غير اشتراك القيادة الإسرائيلية، في "العدوان الثلاثي" على مصر، وقطاع غزة، عام 1956، كما بدأت إسرائيل، في أوائل الخمسينات، بتحويل مياه نهر الأردن. فيما شهدت الفترة، ما بين عامي 61-1964، عملية إعادة بناء للجيش الإسرائيلي، وتطويره، وقابل ذلك على الصعيد العربي تشابكات بينية. وفي 13/1/1964، عقد مؤتمر القمة العربي الأول، الذي دعا له الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر؛ لبحث موضوع تحويل إسرائيل لمجرى نهر الأردن، وظهر أن النية متجهة لإحياء حكومة عموم فلسطين، وتم إحالة جميع المقترحات بشأن الكيان الفلسطيني، منذ العام 1959، إلى ممثل فلسطين في مجلس الجامعة، أحمد الشقيري، ومن ثم تقديم تقرير إلى مؤتمر القمة الثاني، المزمع عقده في الإسكندرية (آب (أغسطس) 1964)، وقد قرر الشقيري أن يدعو إلى مجلس وطني، ينعقد في القدس (28 أيار (مايو)-2 حزيران (يونيو) 1964)، ويعلن قيام "منظمة التحرير الفلسطينية" (م.ت.ف.)، التي سوف تشترك في مؤتمر القمة الثاني، باسمها، لا تحت اسم ممثل فلسطين في الجامعة العربية. وكان الأمر الملح هو الحصول على الاعتراف العربي بالمنظمة، وتوفير الأموال اللازمة لها، وقد واجهت المنظمة صعوبات، خاصةً، أمام التحرك الأمريكي- الصهيوني، فيما وافق الملوك، والرؤساء على إنشاء جيش التحرير الفلسطيني، شرط أن يخضع في العمليات الحربية للقيادة العربية الموحدة، ويكون تشكيل هذه القوات، وتسليحها، وتدريبها، وفق خطة تضعها" القيادة العربية الموحدة"، بمشاركة "المنظمة"، ويكون مقر هذه القوات على الأرض العربية، بموافقة الدول العربية المضيفة. ولكن، ما تضمنته النصوص، هو غير ما كانت تضمره النفوس. وبدأت حركة "فتح" العمل العسكري، أوائل العام 1965، ولحقت بها "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، ومنظمات فدائية أخرى. وهذا أثار زوبعة كبرى من الضجيج السياسي في الساحة الفلسطينية، برز معها خلاف بشأن مقولة "الكفاح المسلح"، وعلاقته بالاستراتيجية العربية. وشهد النصف الأول من العام 1966، تباغضًا، وتحاربًا، وتبادل اتهامات، بين الدول العربية بعضها البعض، أما النصف الثاني، فشهد عددًا من الأحداث، التي زادت نغمًا في أوركسترا الخيبات. وفي 7/4/1967، دفعت إسرائيل بالجرارات الزراعية إلى المنطقة المجردة السورية- الفلسطينية، شرقي بحيرة طبرية، تمهيدًا لاحتلاها، وكان هذا العدوان مقدمة لعدوان 5/6/1967.

في الفصل الرابع "هكذا أطبق ليل الاحتلال على القدس"، أشار كاتبنا إلى بدايات نذر الحرب، بالتحديد من يوم 10/5/1967، عندما بدأت تهديدات من شخصيات إسرائيلية للحكومة السورية، بأنه إذا لم تتوقف العمليات الفدائية، فسوف تهاجم "إسرائيل" دمشق. وفي 14/5/1967، احتفلت "إسرائيل"، احتفالاً استفزازيًا، بمرور 19 عامًا على قيام الدولة، وغير ذلك العديد من نذر الحرب، وأعلنت مصر حالة الطوارئ، وطلبت يوم17/5، من هيئة الأمم سحب مراكز المراقبة، التابعة لقوات الطوارئ الدولية، من سيناء؛ لإقناع" إسرائيل "بأنه في حالة الهجوم على سورية، فإن معاهدة الدفاع المصرية –السورية (آذار (مارس) 1967) لن تبقى مجرد حبر على ورق. وفي اليوم نفسه، حشدت "إسرائيل" قواتها في منطقة صحراء النقب، على طول الحدود المصرية، وتحركت الإدارة الأمريكية، لنشر مزيد من الدخان، وفي 20/5 أعلنت "إسرائيل" التعبئة، وفي 21/5 استدعت مصر جنود الاحتياط. وفي 29/5، اجتمع مجلس الأمن، بناءً على طلب الجمهورية المتحدة، التي أكدت: "إنها لن تبدأ بأي عمل عدواني من جانبها، وإن هدفها هو تنفيذ شروط اتفاقية وقف إطلاق النار، الموقعة في عام 1949". ووضعت أمريكا خطة توحي بها بأنها قبلت فكرة المفاوضات، مع مصر، لحل الأزمة، ولكنها هي التي رسمت مؤامرة العدوان الإسرائيلي، كاملةً، فلزمت الصمت، تمامًا، خلال الأيام السابقة للعدوان. فتوصلت "إسرائيل" إلى تفاهم شامل مع واشنطن، عسكريًا وإعلاميًا، وطبَق الكيان الصهيوني خطة عمليات، مشتملة على ثلاث مراحل. وبعد النجاح الإسرائيلي في الهجوم الجوي، تحركت القوات البرية على ثلاثة محاور، مستهدفة القوات المصرية المرابطة على خطوط المواجهة، التي قاتلت دون مساندة، أو حماية جوية، كما تلقت من قيادتها أوامر متضاربة ومرتبكة، الأمر الذي سهَل على القوات الإسرائيلية اختراق خطوط التحصينات المصرية، والتغلغل في العمق، وراء الوحدات المصرية؛ لإغلاق طرق الانسحاب، ومنعها من تلقي التعزيزات. وفي نهاية اليوم الثاني للقتال، كانت المعركة البرية قد حُسمت لصالح "إسرائيل". أما القوات الأردنية، فقد قاتلت في يومي (6،5/6)، ثم صدرت لها الأوامر بوقف القتال، والانسحاب إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، لكن القدس كانت قد أصبحت محاصرة، ولم تستسلم حاميتها الصغيرة، بل قاتلت بشراسة، وكبَدت المهاجمين خسائر بشرية كبيرة.

الفصل  الخامس، كان بعنوان "الرواية الأخرى عن سقوط القدس"، أي الرواية الإسرائيلية، حيث دأب سكرتير البريغادير جنرال (عوزي ناركيس)، طوال حملة القدس، على تدوين مذكرات جنراله، التي تبين كيف بدت معركة المدينة المقدسة، دقيقة فأخرى، من نقطة (الإشراف الرئيسية)، أي من مقر القيادة "الإسرائيلية". وبعد انتهاء القتال، قال رئيس العمليات البريغادير جنرال (عيزر وايزمان)، مخاطبًا أحد الموظفين: "ينبغي لك أن تفهم لماذا أنشئت إسرائيل هنا، بدلاً من أوغندا، أو كندا، لم يكن بإمكاننا أن نقاتل من أجل دولة يهودية، بمثل هذه الروح، في أي جزء من العالم. إن القدس الغربية، بل فلسطين كلها ذات مغزى عميق جدًا لنا، إنها أساس الصهيونية"!.

وبعد، فقد اعترف الكاتب نفسه أن حجم الكتاب لا يسمح بالتوسع، والتفصيل في الأحداث، وأنه لا يمكن اعتباره تأريخًا للقدس في الحربين، ولكنه يروي جانبًا، أتيح للكاتب أن يشهد ويعايش جزءًا منه، اتكاءً على المقولة: "ما لا يدرك كله، لا يترك جُله".

ورغم أن حربي عامي 1948-1967، قد قُتلتا بحثًا، فإن ترتيب الأحداث، وتنظيم العلاقات بينها، وتوضيح تفاصيل الحربين، بطريقة مبسَطة، خاصة في الموقع القدسي، كان له أثر بالغ في نجاح هذا الكتاب. ولكن، إلى أين وصلت قضية القدس الآن، سواء في المحافل الدولية، أو العربية، لا سيما، بعد معاناتها-أي القدس- وما قدمته من التضحيات والشهداء والصمود؟.

[*] كاتبة فلسطينية، مقيمة في القاهرة.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website