الواجب - مذكرات وزير في الحرب - مراجعة محمود اللبدي - عدد 256

مراجعة: محمود اللبدي[*]

ROBERT M. GATES

DUTY

MEMOIRS OF A SECRETARY AT WAR 

ALFRED KNOPF

NEW YORK 2014

624 PAGES

روبرت م. غيتس

الواجب – مذكرات وزير في الحرب

دار النشر :ألفرد كنوبف

صدر في نيويورك 2014

624 صفحة

في مطلع العام 2014 أصدر وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت غيتس كتاباً تحت عنوان "الواجب"، تحدث فيه عن  أحداث عايشها خلال فترة ترؤسه للمؤسسة العسكرية الأمريكية الجبارة. اعتبر غيتس  قبوله لمنصب وزير الدفاع  كواجب وطني إجباري أسوة بأولئك الجنود الأمريكيين الذين خاضوا حربين دمويتين في أفغانستان والعراق. وقد جيء به في النصف الثاني من ولاية الرئيس جورج ووكر بوش الثانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حربين متعثرتين كلفت الخزينة الأمريكية ما يزيد عن تريليون دولار إضافة إلى عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمشوهين والأرامل واليتامى. بينما بدأ الجيش الأمريكي انسحابه من العراق في عام 2009 لينتهي في 2011. إلا أن جرح أفغانستان ظل ينزف ويستنزف العشرات من أرواح الجنود الأمريكان وحلفائهم من جنود حلف شمال الأطلسي.

خدم روبرت غيتس في بداية حياته كضابط طيار في القوات الجوية الأمريكية ثم انتقل للعمل في المجال الأمني لكي يعمل مبكراً في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي-آي-إي)CIA . كذلك خدم في مجلس الأمن القومي في ثماني إدارات أمريكية، إلى أن عينه الرئيس جورج بوش الأب رئيساً لـ(سي-آي-إي). وفي مرحلة الحرب الباردة قام بعمل رسالة الدكتوراه في دراسة التاريخ السوفييتي والروسي مما فتح له المجال ليصبح لاحقاً رئيساً لجامعة A&M في تكساس. وعندما تقرر الإطاحة بوزير الدفاع السابق دونالد رامسفلد أحد أبرز وجوه المحافظين الجدد، وبناء على ترشيح الرئيس جورج بوش الأب تم استدعاؤه في العام 2006 لتسلم منصب وزير الدفاع، وظل في هذا المنصب حتى منتصف 2011.     

يعتبر روبرت غيتس أول وزير دفاع أمريكي خدم في إدارتين مختلفتين في التاريخ الأمريكي، إذ بدأ عمله مع الرئيس الجمهوري، جورج ووكر بوش الذي أشعل حربين ضاريتين ضد بلدين إسلاميين تحت غطاء عملية "الهجوم الإرهابي" على برجي التجارة العالميين في مدينة نيويورك في    11 أيلول (سبتمبر) 2001 ليكمل "واجبه" مع رئيس ديمقراطي ألا وهو باراك أوباما.

يقول روبرت غيتس إنه لم يستمتع بوظيفته كوزير للدفاع في خضم حربين دمويتين في العراق وأفغانستان، إضافة إلى حروب داخلية مع الكونغرس ومع المؤسسة العسكرية والبيروقراطية داخل وزارة الدفاع. والأهم من ذلك كله أنه كان عليه إرسال الشباب إلى دروب الحرب والهلاك، خصوصاً أولئك الشباب الذي اعتبرهم كأولاده وطلبته من المتخرجين من جامعةA&M  في تكساس الذين قابلهم في أفغانستان.

في الفصلين الأولين طرح الكاتب مشاعره المتناقضة حول الانخراط مجدداً في دهاليز السياسة في واشنطن وفي مرحلة نزاع غير شعبي، ثم تسلمه منصب وزير للدفاع مع رئيس غير محبوب (جمهوري) في مرحلة سيطر فيها الحزب الديمقراطي على البيتين (مجلس النواب ومجلس الشيوخ).

خصص الكاتب جزءاً هاماً من الفصل الثالث للحرب على العراق، ناقش فيه ملاحظاته حول أعضاء مهمين في إدارة بوش والأجهزة الأمنية. وتحت عنوان "حرب على البنتاغون" ركز الكاتب حربه على البيروقراطية المتفشية في وزارة الدفاع الأمريكية، معترفاً أن الحربين قامتا بناء على معلومات مغلوطة، وتقديرات خاطئة قدمت حول امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل. كما يقر بالتخبط الأمريكي من ناحية الخطط العسكرية وفشلها مما زاد عدد الخسائر بين الجنود بعد الحرب وليس أثناءها. وقيل إن الحربين ستكونان قصيرتين وسيتسلم بعدها الجيشان العراقي والأفغاني المسؤولية كل في بلده. ويقول إن حروباً كهذه يجب أن لا تخاض مستقبلاً تماماً كحرب فيتنام التي كلفت أرواحاً باهظة.

وتحدث في الفصل الخامس عن "ما بعد العراق"، أي عن سوريا، وروسيا، وإيران، وإسرائيل، وباكستان، والصين، وكوريا الشمالية، وحلف شمال الأطلسي، وأوروبا الشرقية، وجورجيا، وعن القرصنة البحرية الصومالية. وأقوى ما تحدث عنه غيتس هو كيفية التعامل مع القيادة الصينية والروسية ومحاولة نصب الصواريخ الأمريكية في تشيكيا وبولندا بحجة مواجهة الصواريخ الإيرانية التي قد توجه إلى أمريكا والغرب. لكن بوتين لم يقبض تلك الادعاءات عاملاً على إفشالها. كذلك عارض بوتين توسيع حلف شمال الأطلسي شرقاً وضم دول حلف وارسو السابق مثل جورجيا وأوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي وهو ما أثار مخاوفه وظنونه. ويروي غيتس ما قاله الرئيس بوش الابن عن بوتين عندما التقى به في 2001 وعندما نظر في عينيه "استشعر ما في أعماقه"، وقال غيتس لبعض الزملاء بشكل خاص إني عندما نظرت في عيني بوتين، كان كما  توقعت، إذ رأيت فيهما "قاتلاً بدم بارد كالحجر".

ويقول غيتس إنه حفظ على مكتبه حكمة لونستون تشرتشل صدرت في 1942 تقول: "لا تعتقد أبداً أن أي حرب ستكون ناعمة وسهلة، أو أن أي شخص يخطو في رحلة غريبة قادر على  توقع التيارات والعواصف التي سيواجهها". ولكنه لم يكف عن القول إن إسرائيل وكذلك السعودية ركزتا ضغطاً شديداً على الولايات المتحدة بهدف ضرب إيران. ولما لم تستجب أمريكا، استعيض عنها ببيع السعودية صفقة أسلحة أمريكية متطورة بقيمة 60 مليار دولار اعترضت عليها إسرائيل.    

وتحت عنوان "حرب جيدة وحرب سيئة" تحدث الكاتب في الفصل السادس عن تغيير الرؤية العملية والإستراتيجية بعد تغير موازين القوى العسكرية في العراق لصالح الأمريكان بفضل ما أسماه "قوة الاندفاع" وزيادة عدد القوات وتطوير الأسلحة من حاملات الجنود المصفحة تصفيحاً سميكاً لكي يقلل من عدد الخسائر بين الجنود الأمريكان ويحد من ارتفاع عدد الأطراف المبتورة بينهم. كما تحدث عن تطوير سلاح الجو وزيادة إنتاج الطائرات بدون طيار "الزنانات" التي قللت من انخراط الطيارين الأمريكيين المباشر في الحرب. وتحدث غيتس عن تفاعله مع فلاديمير بوتين مما يزيد الكتاب متعة، وكذلك عن تسريح الجنرال فالون قائد السنتكوم مما يوضح حقيقة أن الإدارة الأمريكية تطلب من قادتها العسكريين الصدق والإخلاص ولا يحبذون رؤية تصريحات متباينة من القادة العسكريين في الصحافة.

وتحدث غيتس في الفصل الثامن حول الانتقال السلس من الإدارة الجمهورية لجورج ووكر بوش إلى الإدارة الديمقراطية لباراك أوباما وكيف طلب منه الرئيس المنتخب الاستمرار في مزاولة عمله كأول وزير دفاع في التاريخ الأمريكي يخدم في إدارتين مختلفتين. وتحدث بإطراء عن الرئيس أوباما وعن معاملته المحترمة التي دلت على كرم أخلاق، إذ قال عنه أنه أكثر رئيس تشاوري عمل معه من بين ثماني رؤساء أمريكيين عمل تحت لوائهم. وقدم مدحاً كبيراً لهيلاري كلينتون التي كسبت احترامه وثقته بشكل سريع، بينما لم يكن مرتاحاً لنائب الرئيس جو بايدن وتدخلاته.

كذلك تحدث عن إغلاق سجن غوانتنامو في كوبا والذي لم يغلق لأسباب داخلية وقانونية. وعن حرب أفغانستان التي ظلت مشتعلة، وعن فرقة التدخل السريع لإخلاء الجرحى من ساحة المعركة بواسطة المروحيات. وكيف أنه لم يكن معجباً بالرئيس حامد كرزاي ووصمه بالفساد، وعن علاقة كرزاي السيئة مع السفير الأمريكي في كابول.

وتحدث في الفصل التاسع عن مهمة جورج ميتشل كمبعوث خاص للسلام في الشرق الأوسط، وعن حكومة فلسطينية ضعيفة في الضفة الغربية مكونة من سياسيين براغماتيين وعن حكومة حماس في غزة المكونة من متطرفين مصممين على تدمير إسرائيل حسب رأيه. وتحدث عن الائتلاف اليميني في إسرائيل بقيادة نتنياهو الذي لا يريد اتخاذ أي خطوة ذات معنى نحو حل الدولتين. وتحدث كيف كان فريق أوباما منقسماً حول الشرق الأوسط بين التيار القديم الذي يمثله  دنيس روس الذي اعتقد بالسير خطوة - خطوة في العملية السلمية وبحذر شديد، وبين الآخرين مثل جيم جونز وأمثاله من الذين فضلوا اتخاذ خطى أكثر إقداماً وطرح الولايات المتحدة خطة شاملة لاتفاق سلام لكي يعرف الطرفان ما سيكسبان وما عليهما التنازل عنه. إلا أن الفريق القديم قد ساد وظل جورج ميتشل يذهب ويعود بلا نهاية.

وتحدث عن سعي الرئيس أوباما لتلطيف العلاقة مع العالم الإسلامي في خطابين في القاهرة وإسطنبول والذي لم يلق استحساناً في إسرائيل، كما لقي انتقاداً لدى المحافظين الجدد الذين اتهموا أوباما بالاعتذار عن أمريكا، أما بوب غيتس فقد اعتبر أن خطابي أوباما أثارا توقعات لدى العرب بأن أمريكا ستجبر إسرائيل على وقف الاستيطان والقبول بدولة فلسطينية مستقلة.     وتحدث بإسهاب عن قرار تجنيد المثليين في الجيش في عهد الرئيس أوباما مما أدى إلى إلغاء قانون سابق عرف تحت عنوان "لا تسل ولا تخبر"، أي أن الجيش كان يجند المثليين دون السؤال عن خصوصياتهم العاطفية والجنسية.

وتحدث في الفصل العاشر عن مسألة تعقب بن لادن. بعد كشف موقعه من أجهزة الاستخبارات الأمريكية ومكان تواجده في باكستان، لم يكن غيتس من المؤيدين لضربه لحساسية الموقف ولعدم استعداء باكستان. في المقابل كان أوباما حازماً ودون تردد، وبعد أخذ ورد وبعد ساعة من تغيير غيتس موقفه صادق الرئيس أوباما على العملية التي تمت دون مشاكل تذكر.

ضرب المفاعل النووي الإيراني

وفي الفصل الحادي عشر تحدث بإسهاب عن العلاقة الإستراتيجية بين أمريكا وإسرائيل والتنسيق الأمني والعسكري معها، وعن إيهود باراك الذي عمل وزيراً للدفاع الإسرائيلي وزياراته المتكررة لواشنطن، أي كل شهرين بهدف التنسيق العسكري وطلب السلاح المتطور من أمريكا، وإثارة موضوع المفاعل النووي السوري ثم الحديث عن المشروع النووي الإيراني. وقال غيتس إنه اختلف مع نتنياهو في تموز (يوليو) 2009 عندما طرح الأخير فكرة أن النظام الإيراني مهزوز وأن ضربة للمفاعل النووي الإيراني سوف تؤدي إلى إسقاط النظام، ولكني "عارضت بشدة، وقلت إن أي ضربة عسكرية خارجية سوف تعمل على التفاف جماهيري حول النظام الإيراني". وقال نتنياهو إن أي رد إيراني بعد الضربة سيكون شكلياً، ربما تطلق إيران بضع عشرات من الصواريخ ويطلق حزب الله بعض الصليات الصاروخية. وقال إن الإيرانيين واقعيون وأنهم لا يريدون افتعال حرب واسعة مع الولايات المتحدة بضرب أهداف أمريكية وخصوصاً سفن أمريكية في الخليج، أو ضرب منشآت بترولية، وأن إغلاق الخليج أمام تصدير النفط سيقطع عنق  الاقتصاد الإيراني، وهذا ما عارضته أيضاً. وقلت له إنه ربما خدع بعدم الرد العراقي على تدمير مفاعلها النووي "أوزيراك" في 1981 وغياب الرد السوري على تدمير مفاعلها في 2007 وقلت له إن الإيرانيين –الفرس- يختلفون عن السوريين والعراقيين. توقع باراك رداً ناعماً من الإيرانيين، وفيما أخطأت تقديراته فإن ضربة للمفاعل النووي الإيراني سوف تشعل حرباً في كل المنطقة، حسبما قال غيتس لنتنياهو. وقال إن هذين الموقفين المتباعدين ظلا على حالهما طوال مدة حكمه رغم عدم وجود تباين في المعلومات الاستخبارية والتوافق على عدم السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية. وقال في سياق آخر: "يجب أن لا نعمل على ضرب أي مشروع نووي في المنطقة فقط من أجل طمأنة إسرائيل". لذلك عارض غيتس وكذلك الرئيس أوباما شن هجوم احترازي على إيران لضرب برنامجها النووي رغم استفزازات محمود أحمدي نجاد الذي هدد علناً بتدمير إسرائيل وأنكر المحرقة. وقال إنه رغم برودة العلاقات السياسية بين إدارة أوباما ونتنياهو في فترة 2009-2012، إلا أن العلاقات العسكرية ظلت قوية على المستويات كافة وتجاوزت كل المقاييس لتصل إلى حد غير مسبوق.

وتحدث في نهاية ولايته عن التبديل، أي بعد أربع أعوام ونصف، وعندما حان وقت الرحيل تم تعيين ليون بانيتا وزيراً للدفاع والذي كان يشغل رئاسة الـ(سي-آي-إي)، وتعيين الجنرال بترايوس رئيساً لـ(سي-آي-إي). أما الجنرال جو ألن فقد خلف الجنرال بترايوس كقائد للقوات المشتركة  ISAF إيساف في أفغانستان. في آخر الكتاب تحدث غيتس عن صراعه على موازنة وزارة الدفاع التي وصلت إلى 700 مليار دولار لتخدم حوالي ثلاثة ملايين موظف بين مدني وعسكري، وكيف ضغط أوباما لتقليص الموازنة خصوصاً بعد الخروج من العراق في 2011، بينما يأمل الرئيس أوباما الخروج من أفغانستان مع نهاية 2014. في النهاية اعترف بوب غيتس أن الحرب لم تكن ضرورية لولا التصميم المطلق على اجتثاث جذور الإرهاب الذي نفذ عملية الاعتداء على برجي التجارة العالمية في نيويورك.   

الكتاب قيم ومليء بالمعلومات الهامة التي تدل على ضخامة الآلة العسكرية الأمريكية وقدرتها على التكيف ومراجعة الأخطاء وتبديل القيادات الميدانية في الوقت المناسب. على كل مهتم بالشأن السياسي الفلسطيني والعربي أن يقرأ هذا الكتاب لما فيه من غزارة في المعلومات والتحليلات الموضوعية البعيدة عن التشنج والعصبية والحزبية.                            

[*] كاتب وإعلامي، مقيم في رام الله.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website