جبهة الثقافة الفلسطينية: عناصر القوة والمبادرة والنجاح - مهند عبد الحميد - عدد 256

جبهة الثقافة الفلسطينية: عناصر القوة والمبادرة والنجاح

مهند عبد الحميد [*]

توقف البروفيسور إدوارد سعيد، عند السلوك المعرفي والثقافي، الذي مهد وترافق مع الغزو والاحتلال الاستعماري القديم، للبلدان والشعوب في أرجاء واسعة من العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وطرح بالاستناد إلى غرامشي ديناميكية الهيمنة وربطها بالهيمنة الثقافية، وأوضح أن معادلات القوة والسيطرة أفضت إلى أن يتعرف "الشرق" وسائر الشعوب التي تعرضت للاحتلال على نفسها من خلال ما قدمه المستشرقون من معارف وثقافات، بإعادة إنتاج الشرق في صورة "الآخر" الدوني والأقل شأناً، وهي مناورة حاذقة تدعم وتساهم في تشكيل صورة للغرب كحضارة متفوقة. الشرق مستبد، إرهابي، غير عقلاني ومتخلف، في مقابل غرب، ديموقراطي، عقلاني، أخلاقي وتقدمي. وأُريد من تلك الشعوب أن تتبنى الحلول التي طرحها المستشرقون وبخاصة قبولهم بالاحتلال والتوسع الاستعماري لبلدانهم، على قاعدة تزعم: "أن قدر الشرق أن يتبع الغرب" وبفعل ذلك اتضحت فعالية الثقافة التي أدت إلى سيطرة القوى الاستعمارية على 85% من سطح الأرض. كتاب الاستشراق، وكتاب الامبريالية والثقافة اللذان أحدثا نقلة نوعية في الفكر والثقافة وكشفا الأقنعة وسعي إدوارد سعيد من خلالهما تفكيك ثقافة الاستعمار والنهب التي فصلت بين أسود وأبيض، وعرق وآخر، وحضارة وأخرى، ودين وآخر وأقرت بهيمنة ثقافة على أخرى.

المشروع الصهيوني جاء امتداداً للاستشراق، وكما قام إدوارد بتفكيك ثقافة الكولونيالية وما بعدها تولى مؤرخون وأكاديميون فلسطينيون وإسرائيليون تفكيك ثقافة إقصاء الشعب الفلسطيني كان أبرزهم من الفلسطينيين محمد عزة دروزة، وعارف العارف، ومصطفى مراد الدباغ، ووليد الخالدي، وإدوارد سعيد، ورشيد الخالدي. ومن الإسرائيليين إيلان بابيه في كتابه الهام (التطهير العرقي في فلسطين)، وشلومو ساند في كتابيه (اختراع الشعب اليهودي) و(اختراع أرض إسرائيل)، وإيال وايزمان في كتابه (مناطق محظورة)، ونوريت بيليد في كتابها (فلسطين في الكتب المدرسية الإسرائيلية). وبيني برونر في فيلمه (السرقة العظمى للكتب)، أبحاث ومذكرات وأفلام كشفت استبدال شعب بشعب عبر عملية تطهير عرقي، واستبدال ثقافة بثقافة، وتاريخ بتاريخ. ومحو هذه العملية من الذاكرة العامة العالمية، واعتبار كل ذلك بمثابة "عمل مقدس يزاوله جلاد مقدس"، يضع نفسه فوق القانون.

من يكتب حكايته يرث أرض الحكاية

لم يكتف إدوارد سعيد وكوكبة المؤرخين والباحثين والفنانين والأدباء والطاقات والقوى الجديدة بتفكيك ثقافة النفي والهيمنة، وبإزالة الغطاء الذي تلفع به عمالقة الفكر الكولونيالي العنصري العرقي المتعالي وغير الإنساني. بل طرحوا فكرة التعددية الثقافية أو الثقافات المتقاطعة التي تشكل الأساس القوي للهوية، وأكدوا على ضرورة التفاعل والتواصل والإثراء المتبادل بين الثقافات والمجتمعات، وعلى الصراع ضد الهيمنة والاحتلال. قدموا ذلك في سعي جاد لتأسيس وجود إنساني جماعي بثقافات أعظم ثراء بنزوعها الإنساني، تقاوم الإرغام والسيطرة وصدام الحضارات ونهاية التاريخ وفصل الأعراق.

 وقد انعكس ذلك على الصراع الفكري الفلسطيني الإسرائيلي والدخول في عملية نقد مقارن لكل من عمليتي اختراع شعب وتفكيك آخر، نقد يطال الاستجابة والتواطؤ والخداع والمقاومة. يسلط الأضواء على التناقض والاختلال الذي اكتشفه العلماء في فرضيات الاختراع بالاستناد إلى "الهستوريوغرافيات" الجديدة وإنجازات علوم الآثار، وأبحاث تاريخية قديمة منسية، بالإضافة إلى نظريات عصرية في مسألتي الأمة والقومية. وإبراز اختلال وتهافت رواية الاختراع و"عدالتها" المصطنعة وتحديداً عملية نقل "التناخ" أو التوراة من رف الكتب اللاهوتية إلى رف الكتب التاريخية، وترقيته إلى مرتبة "ميثو تاريخ" لا يجوز الاستئناف عليه لأنه يشكل حقيقة مفروغاً منها، يقرأه الصغار ليعرفوا من هم آباؤهم القدماء ولينطلقوا به جنوداً إلى حروب الاستيطان والتحرير. علماً أن حصر اليهودية في عرق فريد منعزل ومنغلق ينتقل من الماضي إلى الحاضر لا يسنده غير الأيديولوجيا والأساطير. لم يكن في الماضي شعب يهودي واحد ينتمي إلى أصول بيولوجية متجانسة، ولا يوجد اليوم أمة يهودية"، اليهودية كانت على الدوام مثل المسيحية والإسلام حضارة دينية مهمة وليست ثقافة شعبية قومية. إن أصل معظم اليهود في العالم غير مرتبط نهائياً بإسرائيل القديمة، فقد تهود جزء من قبائل عربية في الجزيرة العربية، وتهودت مملكة حِمْيَر، وينحدر يهود المغرب في غالبيتهم من البربر، أما يهود إسبانيا فهم من أصول عربية وبربرية وأوروبية. ومملكة الخزر كانت العنصر الأهم في المكونات اليهودية وهي ائتلاف من العشائر القوية من أصل تركي وبلغاري ومجري وسلافي امتزجوا مع السكوثيين واعتنقوا اليهودية بعد عصف الأدمغة. هذا ما يؤكده شلومو ساند في كتابه الهام (اختراع الشعب اليهودي) وغيره ومكتشفات علوم الآثار والأركيولوجيا. يأتي ذلك في اللحظة التي يحاول فيها تحالف اليمين الإسرائيلي فرض الاعتراف بيهودية الدولة، وما يعنيه ذلك من التسليم الفلسطيني بالرواية التاريخية الإسرائيلية الهشة والمتناقضة. مقابل ذلك تتعزز عناصر القوة التي امتلكها (السكان الأصليون) الشعب الفلسطيني الذي تعرض لعملية تطهير عرقي ولعمليات إسكات تاريخه، إذ تلتقي صيرورة تبلور الكيان الفلسطيني ككيان سياسي واجتماعي مستقل مع منظومة المواثيق الدولية والمبادئ الأخلاقية والضمير الإنساني للبشرية. ومع التطور الذي طرأ على القانون الدولي وحقوق الإنسان.

تفوق فلسطيني على جبهة الثقافة     

 استمر الاشتباك الأبستمولوجي المعرفي بين النخبتين الثقافيتين المتصارعتين على أرض فلسطين. فتبين لباحثين إسرائيليين، أن فلسطينيي اليوم هم سليلو الفلسطينيين القدماء، وهم ينتمون لسلالة يبوس وأدوم الذين كانوا الأقدم في فلسطين قبل أن يأتي العبرانيون، بحسب عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كمرلينغ وعالم الاجتماع يوئيل مغدال في كتابهما (الفلسطينيون صيرورة شعب). رغم ذلك تقدم المؤسسات الإسرائيلية حكاية تاريخية واحدة "لليهود" وتقدم حضارة "يهودية" منعزلة عن سائر الحضارات في فلسطين، إنها الحكاية الواحدة التي تحل مكان آلاف الحكايات، وحضارة منفصلة عن تعاقب الحضارات التي حفرها الزمن وما زالت معالمها ظاهرة للعيان. إنها تعترف فقط بطبقة واحدة من المبنى الحضاري وتتنكر لـ19 طبقة أخرى، ولهذا فهي تسعى لإسكات التاريخ الفلسطيني وإلقاء القبض على الماضي. في هذا الصدد قال الشاعر محمود درويش: "كانت فلسطين دوماً ملتقى الغزاة والأنبياء والرسالات والحضارات والثقافات. والشعب الفلسطيني هو نتاج ما قالته أرض فلسطين في مراحلها المختلفة "أنا نتاج جميع الثقافات التي عاشت في فلسطين كاليبوسية والكنعانية والفرعونية واليهودية واليونانية والرومانية والفارسية والإسلامية والعثمانية. إن كل حضارة مرت من هنا تركت شيئاً مهماً. أنا ابن هذه الحضارات المتعاقبة وما تركته على أرض فلسطين من مبنى ثقافي وحضاري أنا ابن شعبها المتجدد". كانت فلسطين وما زالت تعترف بالتعدد الديني والتنوع الحضاري والثقافي على أرض فلسطين، ولا تنكر تاريخ العبرانيين واليهودية. خلافاً لذلك فإن إسرائيل حاولت اجتزاء حضارة لم تعمر أكثر من 70 عاماً وحاولت وما تزال اجتزاء فئة سكانية بمعزل عن امتزاج الشعوب وتلاقح الحضارات الأخرى التي لا توليها أي اهتمام ولا حتى اعتراف. كما نرى، عندما تشتبك الحكايتان ترجح كفة الحكاية الفلسطينية وتبقى المفارقات ساطعة.

 الجبهة الثقافية شكلت على الدوام رافعة كبرى للنضال الوطني الفلسطيني وبات ما يعرف بحرب الثقافة، التي قال عنها إدوارد سعيد: إنها مواجهة بين "ثقافة القوة وقوة الثقافة". وفي هذا الصدد أحرزت الجبهة الثقافية الفلسطينية في مرات كثيرة تفوقاً أخلاقياً وإنسانياً ومعنوياً على المحتلين وانتزعت مكتسبات رمزية ومعنوية مهمة جداً. كانت فلسطين تنتصر في المعارك الثقافية بمشاركة روحي الخالدي، وخليل السكاكيني، وسميرة عزام، وغسان كنفاني، وإميل توما، ومحمود درويش، وإدوارد سعيد، وهشام شرابي، وإبراهيم أبو لغد، وفدوى طوقان، ونعيم خضر، ومحمود الهمشري، ووائل زعيتر، وماجد أبو شرار، ووليد الخالدي، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وجبرا إبراهيم، وإسماعيل شموط، وناجي العلي، وسلمى الجيوسي وغيرهم. في كل السجالات والمعارك الثقافية تفوز فلسطين وتخسر إسرائيل، تتغلب قوة الثقافة على ثقافة القوة.

 يقول الناقد فيصل دراج: لا تعرف البشرية الآن شعباً طرد شعباً آخر من وطنه وبقي مستعداً لإنزال كل أنواع العقاب بالشعب كما لو كانت مطالبة الإنسان المضطهد بحقوقه أمراً مخالفاً للأعراف والشرائع الإنسانية، هذا الوضع الشاذ الذي لا ينسجم ولا بأي حال من الأحوال مع شعار حقوق الإنسان والقانون الدولي بمختلف عناصره.

 تلك معادلة يعيشها الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين، وتترك بصماتها على كل فرد فيه. غير أن الوعي الذي قدمته الثقافة الفلسطينية منذ البداية حوّل "اقتلاع شعب" إلى قوة معنوية هائلة، حول طاقة الشعب من مستوى الانفعال إلى مستوى عقلاني، إلى إرادة تحرر جعلت الحاضر غير المحتمل محتملاً، وساهمت في بلورة الهوية والكيانية الفلسطينية. وما كان ذلك ليحدث لولا بطولة البقاء والصمود والمقاومة للشعب داخل وخارج الوطن.

 كان الرد على النكبة، بتوليد قوة سياسية ثقافية وأخلاق تحرر وطني تحتفي بالإنسان وحريته وبحق الاختلاف والانفتاح على هويات أخرى، والتعلم من التجارب التحررية واستلهام كل ما هو إيجابي. وبفعل ذلك ارتبط النهوض الوطني في كل المراحل السابقة بمشروع تحرر وطني ديمقراطي، وهوية وطنية جامعة تستوعب التعدد الديني والثقافي والسياسي. لكن وفي مراحل الأزمة وانغلاق الأفق السياسي والانقسام برزت الهويات الثانوية (كالطائفة والعائلة والحامولة والجهة وانتعشت قيم وعادات سلبية رجعية). وطرحت الهوية الدينية كبديل للهوية الوطنية.  

الثقافة الوطنية تعني بحسب روحي الخالدي: معرفة الأنا ومعرفة الآخر، وحدة السياسة والمعرفة، مقاومة المحتل ومقاومة الذات. وامتلاك المجتمع قدرة على تجديد ذاته. وبناء الإنسان الجديد القادر على الدفاع عن الوطن.

 ورأى خليل السكاكيني في الثقافة: أولوية الوطن على العقيدة الدينية، ومساءلة وقائع الحياة والإجابة عن أسئلتها، ونقد المجتمع والواقع السلبي وتقديم البديل. وخلص إلى أن (الثقافة ممارسة والممارسة ثقافة).

الثقافة عند نجيب نصار هي: إعادة بناء الأرض والإنسان والمجتمع والوطن. وإعلان الحرب على الظواهر المريضة: كظاهرة المتزعمين الذين يتاجرون بالقضية، وميوعة المثقفين، والعادات السلبية الموروثة.

أما جبرا إبراهيم جبرا: فقد أعلن عن ثورة ثقافية تسلح المجتمع بالمعرفة الحديثة وتنتصر للمجتمع المدني.

ثم جاءت كواكب من المبدعين والمفكرين والمثقفين الفلسطينيين (ليستشرفوا) قدرة الشعب على إدارة الصراع وإنتاج وإعادة إنتاج الهوية الوطنية ويكشفوا عن عناصر قوته. الآن أصبح الأدب والشعر والمسرح والغناء والموسيقى والتشكيل والتصوير والسينما والفنون والحكاية الشعبية والصناعات الحرفية والموروث التراثي، أصبح كل ما يبدعه فلسطينيون من قلب المعاناة، ومن داخل جبهة الثقافة هو سر البقاء الفلسطيني على الأرض، بقاء ليس كضحية مستكينة بل كشعب يقاوم الظلم ويرفض التسليم به، وكبشر يمضون في صنع حريتهم، ويطورون أنماط حياتهم تحت الحراب وأمام البلدوزر، ومن داخل سور الفصل العنصري وأمام الحواجز العسكرية وفي مواجهة المستوطنين، إنهم يقدمون مقاومتهم وإبداعاتهم وعذاباتهم وتصميمهم على التحرر، ويوجهون خطابهم للبشرية وضميرها الحي كي يحكموا لهم أو عليهم.

ظلت الثقافة الفلسطينية تصطدم مع ثقافة الاحتلال والإقصاء التي بقيت تراوح عند مقولة: صعود فلسطين يعني سقوطاً نهائياً لإسرائيل. ما زال مستوى التحول في الثقافة الإسرائيلية لا يرقى للمقاربة التي قدمتها الشرعية الدولية لحل القضية الفلسطينية رغم الظلم التاريخي الذي ألحق بالشعب الفلسطيني كما تقول وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني. إن استمرار النضال التحرري، واستمرار المقاومة الثقافية، واستمرار القضية الفلسطينية حية وحاضرة ومتفاعلة مع قوى التحرر العربي وقوى السلام العالمية، سيجبر المجتمع الإسرائيلي على مراجعة بدهياته، التي ستفتح الباب أمام استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية والإنسانية. إنها معركة الثقافة الفلسطينية والعربية التي تستهدف مراجعة أسئلة المشروع الصهيوني واختراق الوعي الإسرائيلي السائد الذي لم يغادر مقولات (الشعب المختار والوعد الرباني بالأرض، وفلسطين هي بلد اليهود منذ زمن سحيق، وكل الثقافة والحضارة على أرض فلسطين كانت من أصل يهودي، والعمل لإعادة بناء كل شيء بطابع يهودي بما في ذلك استباحة الثقافة العربية في فلسطين). هل تستطيع الجبهة الثقافية دفع الإسرائيليين للتساؤل حول حقيقة مشروعهم الكولونيالي وأطماعه، وأيديولوجيته الاستعمارية، ثم البدء في تغيير التوجهات؟

استقطاب عالمي يرجح الكفة الفلسطينية

التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، ينطلق من معايير العدالة وحقوق الإنسان، وحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، ومن منطلق رفض الاحتلال العسكري والسيطرة على شعب آخر ورفض التمييز العنصري وقمع الحريات ورفض سرقة الأرض والموارد ورفض العبث بمعالم التراث والحضارة المتشكلة على الأرض الفلسطينية. المعايير تتفق مع القانون الدولي بكل مكوناته سيما حقوق الإنسان وتقرير المصير ومع رغبة الشعوب في تحقيق السلام. إن السواد الأعظم من الشعوب وأكثرية دول العالم تلتقي مع هذه المعايير. وكان من شأن ذلك تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية كونية وثيقة الصلة بمناهضة شعوب العالم للحرب والنهب والعنصرية.

 مقابل ذلك فإن الدول التي تؤيد دولة الاحتلال، وترعى أو تلتزم الصمت إزاء استباحتها للقانون الدولي وللحقوق الفلسطينية على حد سواء، هي دول قليلة لحسن حظ الشعب الفلسطيني وغالباً ما تظهر أثناء التصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة والمؤسسات الدولية الأخرى. لكن هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة لها سطوة على النظام الدولي وقرارات المؤسسة الدولية، وما زالت تستطيع تعطيل القرارات والسياسات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني أو تفريغها من مضمونها. كما أن شركات الاحتكار والنهب وامبراطوريات الإعلام تقف في الاصطفاف المؤيد لدولة الاحتلال.

 هكذا تبدو إسرائيل في المشهد العالمي كدولة إقليمية عظمى (Super power) تستند إلى ثقافة القوة العسكرية والدعم الأميركي الدائم وأموال الملياردير الأميركي "ليف ليفاييف"، والملياردير "أبراموفيتش"، والملياردير "موسكوفيتش"، ورؤوس الأموال وتجار الأراضي والمقاولين ووكلاء ثقافة القوة الذين يدافعون عن الاستيطان الكولونيالي، وتهويد مدينة القدس وفرض حل الفصل العنصري على الشعب الفلسطيني.

 هذا ما فعله "إيلي فيزل" الأميركي اليهودي الحائز على جائزة نوبل للآداب الذي التقى الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض بتكليف من نتنياهو. وطالبه بإخراج مدينة القدس من المفاوضات، ووجه فيزل رسالة للرأي العام الأميركي اعتمد فيها على النصوص التوراتية في تسويغ تهويد المدينة وضمها لإسرائيل، وبرر في رسالته الاحتلال وانتهاكاته الفظيعة داخل المدينة.

ولم يمض طويل وقت على الضجة التي أحدثها فيزل، حتى خرجت وثيقة "نداء العقل" التي وقع عليها حوالي 5 آلاف مثقف أوروبي تدعو الإدارة الأميركية وأوروبا للضغط على إسرائيل من أجل إقامة سلام على أساس دولتين وتعتبر الاستيطان عملاً لا أخلاقياً.

 

كبار المثقفين مع فلسطين

جاء في تقرير لجنة نوبل التي منحت الجائزة للمبدع البرتغالي خوسيه ساراماغو في العام 1998: "إنه من أكثر الكتاب المؤثرين الذي عالج المواضيع الاجتماعية، وطرق مواضيع ذات اهتمام إنساني وعالمي". هذا المبدع جسد اهتمامه الإنساني بزيارة فلسطين ضمن وفد رفيع المستوى من أهم الكتاب العالميين المتضامنين مع الشعب الفلسطيني بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 2002 للمدن الفلسطينية وقدم الشهادة التالية: "إن ما يجري في فلسطين يشبه ما جرى في معسكرات أوشفيتز وبوخنفالد النازية". وأضاف رأيت في فلسطين أناساً مجبرين على العيش كمنفيين على أرضهم، وما لا أستطيع فهمه هو عجز الإسرائيليين عن استخلاص الدروس من المعاناة جراء التمييز والتعذيب الذي تعرض له اليهود على يد النازيين، كان من المفترض أن تتعامل إسرائيل بإنسانية وبتسامح مع الفلسطينيين، لكنها عملت العكس. ساهم موقفه آنذاك في فتح عيون العالم على الآلام والمعاناة الفلسطينية التي تصنعها إسرائيل".

 استضافت جامعة بيرزيت، عبر الفيديو كونفرانس الفيلسوف الأمريكي اليهودي نوعام تشومسكي، لإلقاء محاضرته حول الدور الأميركي في إحباط السلام، وذلك بعد أن منعته السلطات الإسرائيلية من الدخول للأراضي الفلسطينية.

 قال تشومسكي: "السلام ممكن، لكنه لن يتحقق، لأن أوباما لم يمارس الضغوط على حكومة نتنياهو. ولأن أميركا وإسرائيل عملتا ترادفياً من أجل تمديد الاحتلال وتعميقه". موقف الطرد الإسرائيلي للفيلسوف استفز أوساطاً واسعة في مختلف أنحاء العالم، وقوبل بسخط النخب الثقافية والأكاديمية. موقف يكشف حالة التوتر وفقدان الثقة بالنفس التي تعيشها حكومة نتنياهو التي ما فتئت تردد تهمة "اليهودي الكاره لذاته" التي تعادل تهمة معاداة السامية لناقدي السياسة الإسرائيلية من غير اليهود.

وكانت سلطات الاحتلال قد منعت البروفسور اليهودي الأميركي المرموق "نورمان فنكلشتاين" من دخول إسرائيل عبر مطار اللد. والسبب هو معارضته ونقده للسياسة الإسرائيلية والأميركية، عبر سلسلة من الكتب وبخاصة كتاب (صناعة المحرقة). فنكلشتاين له تأثير كبير وسط الأكاديميين والطلبة في الولايات المتحدة وخارجها، وقد ترجمت كتبه إلى 46 لغة. واشتهر مؤخراً بالرد على معارضيه من اللوبي اليهودي. حين قال: "والدي اعتقل في معسكر أوشفيتس ووالدتي اعتقلت في معسكر نازي آخر عائلتي تعرضت للإبادة من قبل النازيين، رغم ذلك اسمحوا لي أن أقول: "لا شيء أحقر من استغلال معاناة آبائي لتبرير جرائم التعذيب التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين، ولتبرير الوحشية التي تمارس عليهم. من له قلب عليه أن يوفر دموعه للبكاء على الفلسطينيين".

"ماريو فارغاس يوسا" الأديب البيروفي الحائز على جائزة نوبل للسلام كان في صدارة مئات المتظاهرين الفلسطينيين والمتضامنين الدوليين والإسرائيليين في حي "الشيخ جراح" داخل مدينة القدس، احتجاجاً على استيلاء المستوطنين المدعمين بقوات الاحتلال على منازل المقدسيين بالقوة. قال: لصديقه جدعون ليفي ناشط السلام الإسرائيلي: "قبل نحو خمس سنين اقترب الاحتلال الإسرائيلي من مرحلته القبيحة أما اليوم فقد بلغ الاحتلال أرقاماً قياسية من السخف".

 "روبرت بانكسي" الرسام الإنجليزي الشهير بفنه الذي يعتمد أسلوباً بصرياً خاطفاً رسم على جدار الفصل العنصري كان بمثابة صرخة ضمير إنساني صادمة، رسم سلماً يقود إلى الأفق، ولوحة أخرى لطفلة صغيرة تحلّق عالياً وهي ممسكة بخيط بالوناتها الملونة التي سبقتها إلى الفضاء قافزة فوق الجدار، ثقباً تظهر من خلاله "مروج غناء" ولوحة لجندي إسرائيلي يرفع يديه وتقوم طفلة بتفتيشه على حاجز ولوحة لجنود إسرائيليين يستوقفون حماراً ويخضعونه للتفتيش. مجموعة من اللوحات رسمها على الجدار والساحات كانت حصيلة زيارته إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. رسالة بانكسي الفنية كانت دعوة صادقة لاحترام كرامة الإنسان وهدم ذلك الجدار العنصري. ارتقى بانكسي بحساسية الناس الجمالية وهو يدعو الناس للتحرر من سلطة العنف، بواقعيته النقدية التي هي مزيج من الأساليب الفنية المتمردة كالدادائية والسوريالية والواقعية.

مقاطعة إسرائيل

 المفكرة الأمريكية اليهودية "جوديت باتلر"، صاحبة عدد من النصوص المهمة في مواضيع الجندر والنسوية والفلسفة الحديثة، وواحدة من أهم الأساتذة الأكاديميين الذين ينادون بالمقاطعة الدولية لإسرائيل. زارت باتلر جنين بعد أن ألقت سلسلة من المحاضرات عن مواضيعها البحثية وعن موضوع مقاطعة إسرائيل في جامعة بيرزيت، وهي المقاطعة التي تشارك فيها بنشاط مع الأديب والباحث في الفن، "جون برجر" والمسرحي "توني كوشنير".

 أنا مع عمل مشترك عن طريق الثقافة تقول باتلر، لكن بناء ائتلاف سياسي مع إسرائيليين يجب أن يقوم على أساس معارضة متبادلة للاحتلال. وممارسة الضغط على إسرائيل هي الطريقة الوحيدة لكي تستجيب للقانون الدولي. أما العقوبات الاقتصادية فهي المدخل للتغيير. وأضافت أنا أفضل انتقاد الواقع أكثر من التنازل عن العدل، يجب على شخص ما أن يقف بجوار المبادئ غير الممكنة، وإلا سوف نعيش في عالم بلا يوتوبيات. أفكر أنا في دولة ثنائية القومية تقوم بتفكيك القومية المتطرفة تقول باتلر، ولكنني أفكر أيضاً في الالتزام بالآخر. الالتزام تجاه الآخر هو الذي دفعني للمجيء إلى جنين. واعتبرت باتلر معارضة إسرائيل وأمريكا لنتائج تقرير غولدستون هي بمثابة احتقار للقانون الدولي.
 الكاتبة الكندية "نعومي كلاين" من أكثر المتحمسين إلى مقاطعة المؤسسات الأكاديمية والاقتصادية الإسرائيلية، وقالت في محاضرة لها في رام الله إن سياسة أوباما في حل الصراع لن تنجح إذا لم ترتبط بسلاح المقاطعة. والمقاطعة من وجهة نظر كلاين سترغم إسرائيل على تطبيق القرارات الدولية وإنهاء الاحتلال، وستحافظ أيضاً على إنسانية المثقف والمبدع في كل مكان وتجعله لا يُطبّع مع الموت ومع تحويل غير الطبيعي إلى طبيعي. ودعت كلاين إلى خلق ديناميكيات مقاطعة شبيهة بتلك التي أدت إلى إسقاط نظام جنوب أفريقيا.

المغني البريطاني "إلفيس كوستيلو" أعلن عن إلغاء حفلين موسيقيين كان يفترض تقديمهما في إسرائيل، رداً على إبعاد تشومسكي وعلى انتهاك الحكومة الإسرائيلية لأبسط الحريات الديمقراطية.

 دعوات المقاطعة التي يقودها أكاديميون ومثقفون بريطانيون نجحت مؤخراً في استقطاب مغني الروك كوستيلو الذي كان يرفض المقاطعة طوال السنوات الماضية. وجاء في البيان الذي أعلن فيه المقاطعة: "في بعض الحالات، مجرد إضافة اسمك إلى جدول حفلات موسيقية يمكن تفسيره سياسياً بأنه تعبير عن اللامبالاة بمعاناة الأبرياء". وقال: "إنه يحترم الإسرائيليين الذين يعارضون سياسة حكومتهم حول المستوطنات وما تجلبه من ترويع وإذلال للمدنيين الفلسطينيين باسم الأمن القومي" من الاستحالة غضّ الطرف.   
 وكتبت مجموعة من الأكاديميين البريطانيين رسالة مفتوحة إلى الفنان البريطاني التون جون، تطالبه بإلغاء حفله المقرر في إسرائيل الشهر المقبل. قالوا فيها: "عندما تقف على خشبة المسرح في تل ابيب فأنت تصطف مع دولة عنصرية". وأشارت الرسالة إلى وضع مليون ونصف مليون إنسان في (غيتو) ثم قصفه وتدمير معظم المنازل وتشريد الأبرياء.

وكان عازف الغيتار المكسيكي "كارلوس سانتانا" قد تراجع عن تقديم عروض موسيقية كانت مقررة في إسرائيل.

قرار المقاطعة الصادر عن اتحاد الأكاديميين للدراسات الأميركية الذي يضم 5 آلاف عضو للجامعات والأكاديميين الإسرائيليين بسبب دعمهم للاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية أو التعايش مع بقاء الاحتلال. جامعة آريئيل المقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة طالها النصيب الأكبر من المقاطعة. وفي أواخر نيسان (أبريل) الماضي فوجئ أكثر من 2000 طالب في جامعة نيويورك الأمريكية، بإشعارات بالإخلاء "غير حقيقية" تم دسها تحت أبواب غرفهم السكنية، ليتضح لاحقاً أن اتحاد "طلاب جامعيون من أجل العدالة في فلسطين"، قد قام بهذا النشاط، بهدف توعية طلاب الجامعة بعمليات هدم البيوت المستمرة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأنه قد تم هدم ما يزيد عن 27000 بيت فلسطيني من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام  1967ومقاطعة الأكاديميين البريطانيين المميزة، ومقاطعة مماثلة في فرنسا وكندا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وغيرها. ثمة مقاطعة أوروبية لمنتجات المستوطنات. وأنهت شركات هولندية  وأرجنتينية عقوداً لها مع شركة ميكروت الإسرائيلية للمياه. وأعلن ثاني أكبر صندوق هولندي سحب جميع استثماراته من البنوك الإسرائيلية ووضع صندوق التقاعد النرويجي واللوكسمبورغي شركات إسرائيلية على قائمته السوداء. وبفعل ضغوط المقاطعة بدأت مكانة إسرائيل العالمية بالتراجع بشكل حاد وهي في المقياس العالمي تأتي في موقع ثالث أسوأ دولة في العالم.

الثقافة تكسر الحصار

سفن اختراق الحصار المفروض على قطاع غزة ووفود التضامن التي لم تتمكن من دخول معبر رفح إلى القطاع تقدم نموذجاً للمواجهة الثقافية والإنسانية الساخنة. معركة مشرفة جريئة تنتصر لحقوق الإنسان ولقيم الحرية والديمقراطية والقانون الدولي. أسطول الحرية الذي ضم 600 متضامن ومتضامنة وتعرض لقمع دموي إسرائيلي وضع قضية الاحتلال الإسرائيلي الأطول في العصر الحديث، ووضع "ثقافة القوة" على بساط البحث الدولي من قبل شعوب العالم.

وكانت مؤسسة "انغيجد ايفنتس" البريطانية قد افتتحت احتفالية الآداب السنوية في فلسطين التي شارك فيها عشرات المبدعين والمثقفين العالميين دعماً للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. هدف الاحتفالية كسر الحصار السياسي والثقافي الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، والتفاعل مع طلبة الجامعات والمثقفين والمبدعين الفلسطينيين من خلال قراءات وورش عمل ومعارض فنية وعروض أفلام ومسرح وزيارات تضامنية. كان من أبرز المشاركين الكاتبة المصرية البريطانية" أهداف سويف" المنظمة والمبادرة للفعالية، التي حازت على جائزة محمود درويش الأولى للعام 2010. وكان من أبرز المشاركين في احتفالية الآداب: أورسولا أووين، وآرونداتي روي، ويوجين شولجن، وناتالي حنظل، وسيلينا هيستنجز، ونانسي كريوكوريان، وهننغ مانكل، وفيكتوريا بريتين وجيليان إدلشتاين وجيف داير، وروز فنتون. إضافة لمشاركين من المثقفين والمبدعين الفلسطينيين والعرب. كان من أهم أنشطة الاحتفالية الزيارة التضامنية لحي البستان في بلدة سلوان في القدس "الذي يتعرض لأبشع هجمة استيطانية".

قالت أهداف سويف: "ما كان للخطط الاستيطانية أن ترى النور لولا الأموال التي تنهمر على إسرائيل من الغرب". ونوهت إلى توحد الأيديولوجية الدينية القومية، مع الحكومة ومؤسستها الأمنية العسكرية، مع رؤوس الأموال، مع تجار الأراضي والمقاولين ووكلاء ثقافة القوة للسيطرة على مدينة القدس وتهويدها على مرأى العالم. وتحدثت سويف عن التزوير الفظ الذي يمارسه المستوطنون عندما ينحتون شارة "الميزوزا" على أبواب البيوت العربية بعد الاستيلاء عليها بالقوة والادعاء بأن هذه البيوت كانت يهودية.

ولا تقل أهمية مهرجانات السينما والمسرح والرقص المعاصر، والفلكلور والفن التشكيلي، والندوات الأدبية ومعرض الكتاب الذي يتم تنظيمه سنوياً في فلسطين، وتشارك فيه الفرق والرموز الثقافية العالمية، التي تترك بصماتها على معنويات الشعب الفلسطيني وتجعله في موقع المتفوق معنوياً وإنسانياً وأخلاقياً.

  ثم تفتق فعل الثقافة عن عمل رمزي ذي مغزى كبير هو حماية الأرض، عمل أربك سلطات الاحتلال التي ردت عليه بالتدمير وبالقوة المفرطة. وذلك عندما دخل الشبان والشابات والمواطنون والمتضامنون الأراضي المصادرة وشرعوا في بناء قرى من الخيام فوقها. كانت البداية بناء قرية "باب الشمس" اسم رواية الأديب اللبناني إلياس خوري الذي تفاجأ بأن دعوته في الرواية لبناء قرية للأحرار تترجم على أرض فلسطين. هدمت سلطات الاحتلال باب الشمس وأعيد بناؤها مرة ثانية، وتكررت محاولة بناء قرى "أحفاد يونس" "باب الكرامة" "كنعان" "عين حجلة" في مناطق القدس والأغوار والخليل.

 جاء انضمام فلسطين إلى منظمة اليونسكو إنجازاً مهماً للجبهة الثقافية، ذلك الإنجاز الذي يسمح بالدفاع عن التراث التاريخي والثقافي، وبالاستفادة من كل البرامج التى تقدمها المنظمة الدولية. الانضمام بعضوية كاملة لليونسكو سيفتح جبهة دولية جديدة ضد إسرائيل، فالكثير من المعالم الثقافية التى تسيطر عليها دولة الاحتلال ستصبح من حق فلسطين، وبخاصة مدينة القدس الزاخرة بالأماكن المقدسة والمعالم التاريخية. وسيتيح تقديم طلبات انضمام لمركز التراث العالمي. من الجدير بالذكر أن لدى فلسطين 20 ملفاً لتقديمها، وبخاصة حول الحفريات تحت وحول المسجد الاقصى وحول كنيسة المهد في مدينة بيت لحم. أكثرية دول العالم 107 أعضاء انتصروا لفلسطين فيما عارض القرار 14 عضواً، في مقدمتها إسرائيل والولايات المتحدة التي مارست ضغوطاً هائلة لإفشال القرار وتوقفت عن دعم المنظمة الدولية مالياً بعد الفوز.

ما تقدم يعزز مقولة: "قوة الثقافة تتفوق على ثقافة القوة"، وتؤكد أن الشعب الفلسطيني يملك من عناصر القوة الشيء الكثير الذي يمكنه من مواصلة الدفاع عن حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف، بل ويمضي في انتزاعها بدعم الشعوب وقواها الحية.

 [*] باحث وإعلامي، مقيم في رام الله.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website