المسرح الفلسطيني الآن: صورة للواقع والتظاهر - وليد أبو بكر - عدد 256

المسرح الفلسطيني الآن
صورة للواقع والتظاهر
وليد أبو بكر 

إحدى المشكلات الأساسية في واقع المسرح الفلسطيني الآن، هي عدم الاعتراف بهذا الواقع، أو عدم تقييمه بحيث يعرف المسرحيون، ويعترفون، أين يقف، وكيف يمكن التحرّك به إلى الأمام، حتى يستعيد من عافيته ما فقد، ويضيف إلى ذلك ما يستطيع.
في "الحركة المسرحية" الفلسطينية الآن توجهان في التعامل مع هذا الواقع، كلاهما يتناقض مع فكرة الحركة، التي تعني، من الأساس، عدم ثبات المسرح عند محطة واحدة. 
يتكئ التوجه الأول على ما سبق أن أنجزه مسرح ما (أو فرقة مسرحية) في مسيرة سابقة (قد تعتبر طويلة نسبياً في بعض الأحيان)، ويعتبر المسرح ذلك كافياً للبقاء. ومع شعوره- واقعيا- بأنه لم يعد قادراً على أن يضيف إلى إنجازه الذي يعتز به شيئاً جديداً يعتزّ به، فقد بات يكتفي بأن يحافظ على وجوده، من خلال الإعلان عن هذا الوجود بين حين وآخر، عن طريق عرض مسرحي، أو أي فعل ينتمي إلى المسرح، غالبا ما يكون مقبولاً، ولكنه لا يستطيع أن يحيي حركة مسرحية تبدو في حالة جمود. 
في هذا التوجه يمكن أن يصنف عدد قليل جداً من المسارح أو الفرق التي تتعامل مع العمل المسرحي بجدية (ولو في حدّها الأدنى). وهذا العدد، على قلته، يشكو، في الغالب، من ضعف الإمكانيات، ما يسير به في بعض الأحيان في اتجاهات غير إيجابية، مثل الاستعانة بالتمويل الأجنبي الذي تكمن فيه شروط تناقض حرية العمل المسرحيّ، ومثل الاستعانة بمن لا تربطهم بالمسرح علاقة، من أجل هدف لا علاقة له بطبيعة الفن المسرحي. 
لقد شاهدنا خلال السنوات الأخيرة مسارح توقفت عن الإنتاج، مع توقف الدعم الأجنبي، أو بسبب المغالاة غير المعقولة، أو التي يكون قبولها مما لا يمكن تحمله، في شروط هذا الدعم. كما بدا من ضمن ما هو غير معقول أيضاً، في السلوك المسرحي، أن يقدم أحد مسارح هذا التوجه مثلاً، على الاستعانة بمن لا خبرة له في هذا الفن، ولا معرفة له قط باللغة الإنجليزية، في "إعداد" إحدى مسرحيات شكسبير، ربما لأن ذلك كان يساعد المسرح في الحصول على بعض التمويل من جهة "تخصه"؟
التوجه الثاني، الذي يشكل عبئاً ثقيلاً ضدّ نمو أية حركة مسرحية، تكون علاقته بالمسرح تجارية بحتة، ولذلك يهون أمامه كل شيء مسرحي، وكلّ شيء واقعي في التقييم الذي يهدف إلى خير المسرح، في سبيل الكسب الذي يتطلع إليه. 
من هذا الباب دخل الحياة المسرحية أشخاص كثيرون، وتسرّبت إليها وسائل كثيرة، وبرزت فيها وحولها ادعاءات، وتظاهر بالإيمان والعمل، وإصرار غير منطقيّ على أن المسرح بخير، وأنه، فوق ذلك، يخدم الحركة الوطنية، وربما يقاوم الاحتلال أيضاً. 
ما يؤسف له أن هذا التوجه هو السائد في الحركة المسرحية الفلسطينية الآن، وهو توجه مغترّ بنفسه، ويدّعي أنه يمثل شيئاً مهماً في الحياة الثقافية، كما أنه يرفض النقد، وغالباً ما يتصدى لكل من يمسّ "وجوده" بالافتراءات الصريحة.
هذا التوجه يظهر في الواقع المسرحي الآن، بعديد من الوجوه والتجليات، لعلّ أبرزها وأخطرها هو أن يجعل من الأطفال هدفاً لمعظم إنتاجه، أو كله في بعض الحالات، مع قدرته الفائقة على أن يتلمس طريقه نحو المدارس بطرق شتى، وخصوصاً منها ما يقدم عليه من استغلال "القضية الوطنية" وبعض زواياها المثيرة للعاطفة في الترويج لنفسه. 
ولعلّ نظرة سريعة إلى عدد ما ينتج محلياً من أعمال مسرحية، سوف تكشف أن معظم ما ينتج الآن موجه إلى الأطفال (والفتيان)، دون فهم مسبق لشروط المسرح الناجح الذي يحق له أن يطرق أبواب هاتين الفئتين العمريتين. 
كما يمكن أن يتجلى هذا التوجه باستباحة الفن المسرحيّ من قبل من لا يفهمون فيه، لا في شأن التمثيل أو الإخراج وحسب، وإنما في شأن الخطوة الأولى في مسيرة العرض المسرحيّ، وهي كتابة النص. ومع افتقارنا الحقيقي إلى الكتابة المسرحية التي يكون بوسعها أن تشكل تياراً، إلا أن ذلك لا ينفي وجود بعض المحاولات الجادة. لكن الذي يصدم بالفعل هو تصدي بعض "الكتّاب" لهذا النوع من الكتابة، دون أن يفهموا شيئاً من طبيعتها. 
لقد شهدت الساحة الثقافية في السنوات الأخيرة عديداً من الكتب التي تحمل صفة مسرحية، دون أن تكون لها أدنى علاقة بهذا الفن، بل إن بعضها يشير بكل وضوح إلى أن "كاتبها" لم يشاهد قط عرضاً مسرحياً، وهو بالتالي لا يعي أن النص المسرحي يكتب أساساً من أجل العرض، ولا يكون مجرد حوار لا هدف له، ولا تحول يحدث فيه. وهذه الجرأة على الكتابة، في أي شيء، هي الآن جزء من أزمة ثقافية عامة، ربما كانت ثقافة "الادعاء" السائدة هي التي تعززها.
ثقافة الادعاء لا تستطيع قط أن تبني حركة مسرحية حقيقية. إن ما يبنيها هو تجميع العناصر الإنسانية المسرحية الجادة في المجتمع، وتضافر جهود هذه العناصر من أجل الخطوات الضرورية لإنعاش هذا الفن، لتكون الخطوة الأولى في الطريق الطويل هي الاعتراف أولاً وقبل كلّ شيء، بواقعه كما هو، ثم تحديد الهدف الذي سيتمّ السير في اتجاه تحقيقه، ووضع الخطط الكفيلة بذلك كله.
في الشرط الأول، شرط العناصر البشرية، يمكن القول إن لدى مجتمعنا الفلسطينيّ مؤهلات أساسية كافية للشروع في العمل. والمؤهلات التي أعنيها هي مجموع العناصر التي تستطيع أن تشكل حركة مسرحية، مثل إمكانية توفر كتاب مسرحيين (أو على الأقل اختيار نصوص مسرحية منجزة)، ووجود مخرجين وممثلين وتقنيين مسرحيين، تخرّجوا في المعاهد العربية للمسرح، أو المعاهد الأجنبية، أو ممن يملكون الموهبة، ولهم تجربة عملية وثرية في العمل المسرحي، ويمكنهم أن يساهموا في إعادة تأسيس حركة مسرحية فاعلة، أو حركة توازي ما كانت عليه هذه الحركة في ثمانينات القرن العشرين، على أقل تقدير.
ما يشار إليه دون مبالغة، هو أن هذه الكفاءات معطلة إلى حدّ كبير، كما أن بعضها يختار التوجه الخطأ. المشكلة الرئيسية عند هذه الكفاءات هي أن جهودها مبعثرة وفردية إلى حد كبير، ليس لأنها ترغب في ذلك، فمعظمها لا يرغب، وإنما لأنها لا تجد جهة مشرفة وداعمة في الوقت نفسه، تجمعها في جسد مسرحيّ متماسك وقويّ، وتعزز إمكانياتها المادية والمعنوية، وترسم معها الأهداف، وتعمل على تحقيقها.
ومن المعروف، لدى أي مسرحيّ جاد، أن العمل المسرحيّ، بسبب الخصوصية التي يتمتع بها عن الفنون الإبداعية الأخرى، وبسبب تعدّد العناصر الفاعلة فيه، هو أحد الفنون التي لا تقوم إلا على فعل جمعي، وأن فرداً واحداً لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية العرض، مهما بلغ مستوى موهبته أو كفاءته: فحتى في المسرح الذي يمكن أن يسمى فردياً (أو المونودراما) لا بد من توفر عناصر إنسانية مساعدة، من التأليف إلى الإخراج إلى الإضاءة والديكور، وكل العمليات التي يستلزمها العرض المسرحي، قبل أن يواجه الجمهور. 
وجمع هذه العناصر لا بدّ له من دعم رسميّ متواصل، من أجل أن يبقى، وأن ينمو، وحتى لا تضيع الجهود "الفردية الحالية" وهي تتنافس في البحث عن الدعم الماديّ (الذي غالباً ما يكون أجنبياً)، ما لا يسمح بنمو الحركة المسرحية، وتحولها إلى تيار مستمرّ. 
كخطوة أولى في هذا الاتجاه، يبرز سؤال مشروع حول دور "رابطة المسرحيين الفلسطينيين"، التي يفترض أنها نضجت منذ تشكيلها قبل سنوات، وأصبحت جسداً نقابياً يمثل المسرحيين بشكل ديمقراطي: لماذا لا تكون هذه الرابطة جزءاً من الاتحادات الشعبية الفلسطينية، التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، مثل: اتحاد الكتاب، واتحاد المرأة، ونقابة الصحافيين، وبقية الاتحادات والنقابات؟ ألا يحقّ للمسرحيين الفلسطينيين، الذين لم يكن لهم أي تجمع نقابي، منذ ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، أن يكون لهم هذا التنظيم المعترف به، والذي يستحق الدعم مثل غيره، على قلة هذا الدعم وعدم انتظامه في الوقت الحاضر؟ 
قد تكون هذه مهمة عاجلة لرابطة المسرحيين، إذا آمنوا بها، وقد تكون وسيلتهم نحو تحقيق هذا الهدف، هي وزارة الثقافة، وبعض النقابات والاتحادات المعنية.
مع ذلك، ورغم خصوصية الحركة المسرحية، فإن الخروج من مأزق "الحالة المسرحية" لا يمكن إلا أن يكون مرتبطاً بخروج "الحالة الثقافية" عموماً من مأزقها، بشكل جذري. يبدأ ذلك من تولد إحساس لدى السلطة بأهمية الثقافة عموماً، وأهمية المسرح في بناء الشخصية الوطنية، بشكل خاص، وخطورته الحقيقية في التأثير أيضاً. 
إن وجود "الإحساس بالأهمية" هو الذي يجعل السلطة تستثمر في الموضوع الثقافي، كما تقوم بالاستثمار في غيره من المواضيع، مع تغييب كامل للثقافة عن اهتمامها المباشر. الإحساس الذي يقود إلى الإيمان هو الذي يعمل على توعية السلطة بأهمية الثقافة في بناء الوعي، وذلك ما يدفعها إلى رعاية الثقافة بالقدر الذي تستحقه، وذلك بأن تنقلها إلى قائمة أولوياتها الوطنية، وفي مقدمة ذلك، الحركة المسرحية، التي لا يمكن لها أن تنهض كما يتمنى لها، إلا بوجود مؤسسة رسمية داعمة وراعية، وتقوم بالتحفيز داخل المجتمع نفسه، ووسط مؤسساته العامة والخاصة، التي تستطيع أن تقدم الدعم لكل توجه مسرحي صادق، غير تظاهري، وغير شكلاني، ومن خلال تقييم تؤيده الموهبة والقدرة، لا الوظيفة الجاهلة، ولا العلاقة الشخصية. 
مستقبل الحركة المسرحية مرتبط كلياً بالحالة الثقافية العامة، وبمستوى التقدير الرسمي لأهمية الفن والثقافة في حياة المجتمع، وفي مستقبله، وهو أمر في واقعه الحالي، أو واقعه المنظور، لا يبشر بكثير مما يتمناه المثقفون، والمسرحيون جزء منهم، خصوصاً حين نلاحظ أن المؤسسات الثقافية الرسمية، وشبه الرسمية، مجيرة بكاملها لمن لا علاقة لهم بالثقافة الحقيقية الجادة، أو لمن لا تعنيهم الثقافة في شيء، لأنهم لا يؤمنون بأهميتها، أو لمن يستثمرونها في مصالح شخصية وحسب، دون أن يفطنوا إلى حاجة المجتمع الماسة لهذه الثقافة، التي يقوم، هو نفسه، بتمويل مؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية، أو هي، على الأقل، تموّل باسمه
.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website