التقرير الإستراتيجي السنوي لإسرائيل - عليّان الهندي - عدد 256

التقرير الاستراتيجي السنوي لإسرائيل

تحرير: شلومو بروم وعنات كوارتس

الناشر مركز أبحاث الأمن القومي – جامعة تل أبيب، 2014.

عدد الصفحات 198

عليان الهندي·

 

صدر عن مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب التقرير الاستراتيجي السنوي، الذي يحاكي فيه التقارير الصادرة عن جهاز الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، والتي تتحدث عن سلبيات وإيجابيات وتهديدات مرت على إسرائيل خلال العام المنصرم، وتقديم مقترحات وحلول لها.

ويكتسب التقرير أهمية، نظرا لأن الذين صاغوه، 17 باحثا، كانوا جزءا مهما وفي مواقع مختلفة من عملية اتخاذ القرار في إسرائيل سابقا، وربما حاضرا ومستقبلا وفق ما تشير إليه سيرهم الذاتية. وإضافة إلى ذلك، تساهم قراءة التقرير في الإطلال بشكل أو بآخر على التوجهات الإسرائيلية العامة بخصوص سياساتها في المواضيع المذكورة خاصة القضية الفلسطينية.

وتضمن التقرير ثلاثة عشر موضوعا تشغل اهتمام أصحاب القرار والرأي العام الإسرائيلي، هي: وقت الحسم -استعداد لاتفاقات وخطط بديلة. التحديات الاستراتيجية -الأمنية لإسرائيل. ثورة الغاز الطبيعي في إسرائيل. الجبهة الداخلية في إسرائيل: مبادئ الاستعداد لمواجهة. خطة "أ" خطة "ب “وما بينهما. الانفصال عن الفلسطينيين -الرأي العام الإسرائيلي. التقلبات في مصر. سوريا -حرب أهلية من دون حسم. الأردن – استقرار نسبي في وسط العاصفة. تدخل الولايات المتحدة – الصورة والواقع. روسيا: جهود لزيادة التأثير. تركيا: عندما يضيع القريب ينظرون للبعيد. وإيران والمجتمع الدولي في عام 2013: هل جاء وقت الحسم؟. وأشير هنا إلى استبدال العنوان الأصلي للكتاب "التقييم الاستراتيجي السنوي لإسرائيل" إلى "التقرير الاستراتيجي السنوي لإسرائيل". وكلمة تقييم هنا هي المستخدمة في أجهزة البحث الاستخبارية في إسرائيل، لكن اخترنا كلمة تقرير لأنها الدارجة عربيا وفلسطينيا. ورغم تنوع المواضيع إلا أنني سأركز على الموضوع الفلسطيني والعربي في التقرير.

إيجابيات العام الماضي

ذكر التقرير أن إسرائيل مرت خلال العام المنصرم بتطورات إيجابية هي:

1. تتمتع دولة إسرائيل بهدوء مطلق على حدودها. والردع الإسرائيلي قوي جدا، ويلمس ذلك في الدول المجاورة، وللمنظمات الإرهابية المتواجدة في لبنان وغزة. وتم ذلك بواسطة هجمات مدروسة وعقلانية وغير علنية ضد نقل الوسائل القتالية الاستراتيجية –وسائل دفاع جوي وقذائف وصواريخ دقيقة وبعيدة المدى من سوريا للبنان ومن السودان لحماس والجهات الجهادية في قطاع غزة.

2. رغم التقلبات في العالم العربي، تمت المحافظة على اتفاقيات السلام مع مصر والأردن. ونجحت إسرائيل في إبعاد نفسها عن مركز الأحداث والمواجهات والشؤون الإقليمية، ووضعت نفسها في جزيرة من الاستقرار.

3. زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى إسرائيل في شهر آذار (مارس) 2013 والدعم الأمريكي غير المتحفظ لها بالمجال الأمني ومن ضمنه المحافظة على التفوق العسكري وتطوير وتعزيز منظومة التصدي للصواريخ. وظل الدعم المذكور لبنة أساسية مهمة في الردع الإسرائيلي.

4.  ضعف وتدمير الجيش السوري، المنشغل بالحرب الأهلية، بدرجة هائلة وفقدانه معدات كثيرة وتجري عملية نزع السلاح الكيماوي منه. وسبق ذلك انهيار الجيش العراقي في العقد السابق. ومشاركة حزب الله في الحرب بسوريا، يفقده المزيد من شرعيته في العالم العربي ولبنان، ويضعف تيار الممانعة وربما يؤدي لانهياره في حال سقط النظام السوري.

5. تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية الكائنة في رام الله، مقابل تراجع قوة حماس، المسيطرة على قطاع غزة. وميزان القوى الفلسطيني مكن من تجدد المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية على الاتفاق النهائي -تطور قلل بدرجة ما من الضغوط الدولية على إسرائيل وأبطأ من حملة عدم الشرعية التي تمارس ضدها في السنوات الأخيرة.

6. تضرر الاقتصاد الإيراني كثيراً نتيجة العقوبات الدولية التي فرضت على إيران، ونتيجة للسياسات الاقتصادية الفاشلة التي اتبعها أحمدي نجاد. ولأول مرة منذ عقد، ذهبت إيران إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، مقارنة مع القوى العظمى التي بذلت جهودا لإحباط مساعيها بامتلاك قدرات نووية، وفي مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا وبريطانيا. ونتج عن هذه المفاوضات اتفاق مرحلي، هدفه إبطاء مستوى تقدم المشروع النووي الإيراني وحتى إعادته إلى الخلف ولو بالقليل.

7. سقوط نظام الإخوان المسلمين في انقلاب عسكري، وعودة الجيش المصري إلى مركز القرار في مصر. ويحارب الجيش المصري بقوة الجهات الإرهابية الناشطة في شبه جزيرة سيناء، ويبدي عداءً نشطاً لحماس.

8. التقاء مصالح واسعة بين إسرائيل والعالم السني المعتدل، خاصة مع دول الخليج، في كل ما يتعلق بإيران وسوريا ومصر، وهناك مصالح متشابهة في كل ما يتعلق بالتغييرات الحاصلة في العالم العربي. 

9. لم تنفذ التهديدات التي وجهها الجهاد العالمي ضد إسرائيل العام الماضي، انطلاقا من المناطق التي لا توجد فيها سيطرة مركزية مثل سيناء والجولان.

10. تم التوصل إلى اتفاق أولي بين إسرائيل وتركيا من أجل إنهاء الأزمة بينهما. ومن وجهة نظر إسرائيلية، فإن زعزعة مكانة رجب طيب أردوغان في تركيا أمر إيجابي لها.

11.  عاد الغاز من البحر الأبيض المتوسط إلى الضخ لإسرائيل من الحقول الغنية جدا الواقعة في الجزء الشمالي من المياه الاقتصادية لإسرائيل، وهذا التطور يخفف على إسرائيل تكاليف الطاقة ويحسن مكانتها الجيو-سياسية.      
القضايا المهددة   

تضمن التقرير العناصر السلبية لإسرائيل، وهي:

1.  قضية المشروع النووي الإيراني: المخاطر المرتبطة بهذه القضية هي تموضع إيران في مصاف الدول النووية بعد التوقيع على اتفاق يسمح لها بتطوير مشروعها النووي. ويرافق ذلك، تراجع وانهيار أسلوبي الضغط الأمريكيين: العقوبات الاقتصادية والخيار العسكري.

2. المسيرة السلمية الإسرائيلية-الفلسطينية: الانعكاسات السياسية والأمنية لعدم نجاح المفاوضات سيكون لها أبعاد دبلوماسية وقانونية ضد إسرائيل في الساحة الدولية وزيادة مقاطعتها، خاصة بعد استمرار البناء في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية. ونتيجة فشل المسيرة السلمية ربما يندلع، احتماله ضعيف، صراع عنيف في يهودا والسامرة، وأمام حماس في قطاع غزة. ويرافق ذلك خطر ضعف قدرة السلطة الفلسطينية على العمل في مجال الأمن والنظام العام والاقتصاد. وعدم وجود خيار سياسي وضعف السلطة يبقي إسرائيل من دون شريك في المسيرة السلمية، ومن دون جهة مستوعبة للتحديات الأمنية والاقتصادية في الساحة الفلسطينية.

3. سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: تغيير الولايات المتحدة لسياستها في المنطقة وتوجهها نحو أسيا يعتبر أحد التحديات الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل، نظرا لأن هذا التوجه يضعف تأثير الولايات المتحدة في المنطقة، الذي عبر عنه بعدم الرغبة بالتدخل عسكريا في مناطق التوتر والأزمات وتركيزها على الحلول الدبلوماسية التي يعاني بعضها من عيوب، الأمر الذي سيضعف من قدرة الردع الإسرائيلي في مواجهة أعدائها التقليديين.

4. مصدر تهديد آخر تواجهه إسرائيل: استمرار التقلبات في العالم العربي وتأثير ذلك على الدول المجاورة مثل سوريا ومصر والأردن ولبنان يضعف السلطة المركزية، ويوفر ملجأ لتيارات وقوى لا تحكم دول، خاصة عناصر الجهاد العالمي في مناطق دول محاذية لإسرائيل، الأمر الذي يخلق تهديدا متزايداً للحياة الطبيعية في المناطق القريبة من الحدود، وفي عمق إسرائيل، الأمر الذي يدفعها إلى خوض مواجهات عابرة للحدود.

القضية الفلسطينية

ذكر التقرير أن إسرائيل والفلسطينيين عادا للمفاوضات، برعاية أمريكية بعد جمود في مسيرة السلام استمر خمسة أعوام، وهما متشككان عميقا باحتمال التوصل لصيغة للتسوية النهائية. حيث ذهبت إسرائيل للمفاوضات لخوفها من دفع ثمن دبلوماسي، أما السلطة الفلسطينية فذهبت من أجل عدم مقاطعتها اقتصادياً ودبلوماسياً. إضافة إلى نية الطرفين تحميل الآخر فشل المفاوضات، خاصة أمام الإدارة الأمريكية.

ونوه التقرير أن الطرفين عادا لطاولة المفاوضات بعد تقديم الولايات المتحدة ضمانات لإسرائيل بأنها لا تعتبر حدود 1967 حدود الدولة الفلسطينية، وأن الإدارة الأمريكية ترى بإسرائيل دولة يهودية. فيما قدمت ضمانات للفلسطينيين ذكرت فيها أن موقف الولايات المتحدة من حدود الدولة الفلسطينية المستقلة يعتمد على حدود عام 1967 مع بعض التعديلات، مع العمل على تعزيز الاقتصاد الفلسطيني.

وأضاف التقرير أن مسيرة السلام الإسرائيلية-الفلسطينية تميزت في السابق والحاضر بثلاثة ميزات هي: الأول، تعمق الفوارق في المواقف الأساسية كلما ازدادت المحاولات الفاشلة لإحداث اختراق في المفاوضات للتوصل إلى تسوية متفق عليها. الثاني، تدمير الثقة المتبادلة بين الشعبين وبين القيادتين والشكوك المتبادلة بخصوص استعدادهما للتوصل إلى تسوية شاملة وتنفيذها حتى آخر بند فيها. الثالث، عدم وجود شرعية شعبية واسعة للنتائج المتوقعة من المفاوضات، إذا نجحت، في المجتمعين حيث ضعفت فيهما الجهات المعتدلة المؤيدة للتوصل إلى حل تاريخي. رابعا، عاد كل طرف للمفاوضات وهما مثقلان بالشكوك تجاه قدرة الطرف الآخر على أن يكون شريكاً جدياً في مسيرة السلام.

وتحدث التقرير أن الفلسطينيين ذهبوا إلى المفاوضات وهم يملكون مشروعين هما: الأول، الحصول على اعتراف دولي بالاستقلال الفلسطيني من دون اتفاق أو حل وسط مع إسرائيل. والثاني، نشوء تدريجي لدولة واحدة تعبر عن الواقع السياسي-والإقليمي على الأرض نتيجة تواصل الاستيطان في كل مناطق الضفة الغربية. وفي المقابل، لا توجد لإسرائيل خيارات بديلة ومبلورة ومعلن عنها للتقدم في مسيرة انفصال دولة إسرائيل سياسياً وإقليمياً، كأساس لحل قائم على دولتين لشعبين. وعلى عكس تصريحات التمسك بفكرة "دولتين لشعبين" تشير الأعمال والقرارات المتعلقة بالبناء في المستوطنات أن إسرائيل تفضل الوضع القائم، مفترضة أن الوضع الحالي الذي تسيطر في إطاره على معظم الأراضي من دون قيود على حرية عملها هو الأفضل بالنسبة لها، لأنه من الصعب التوصل لحل نهائي أو حتى لتسوية مرحلية تستجيب لمطالب إسرائيل الأمنية تأخذ بعين الاعتبار: عدم تحويل الدولة الفلسطينية دفيئة للجهات الاسلامية المتطرفة، والخوف من امتداد الربيع العربي إلى الاردن وتحوله لمنطقة تجمع تيارات إسلامية متطرفة مثل سيناء والجولان، وتركيز إيران على امتلاك قدرات نووية.

وركز التقرير على أن المصلحة الإسرائيلية الوطنية بعيدة المدى وضمان مستقبلها كدولة للشعب اليهودي في حدود آمنة، ومواجهة التحديات الأمنية والديموغرافية والدولية وإضعاف الخيار الفلسطيني أحادي الجانب أو إمكانية فرض تسوية على إسرائيل، يتطلب من حكومتها طرح مبادرة سياسية-أمنية مسؤولة وقابلة للتنفيذ يكون أساسها التقدم الحذر والتدريجي نحو الانفصال عن الفلسطينيين وترسيم حدود جديدة لإسرائيل (تقسيم الأراضي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وبين نهر الأردن إلى دولتين وطنيتين) بالمفاوضات أو بشكل مستقل في الوقت المناسب لها.

وأشار التقرير أن المبادرة المستقلة تخدم على المدى البعيد المسيرة السياسية وتدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق وتساعد إسرائيل في الخروج من مأزق فشل المفاوضات. وفي كل السيناريوهات مطلوب من إسرائيل الاستعداد والتخطيط بصورة عملية من الناحيتين، المدنية والعسكرية، وإجراء حوار داخلي من أجل إعداد البنى الوطنية والجمهور لعملية انفصال عن الفلسطينيين وإخلاء المستوطنات. وعليه، نقترح أن تبدأ إسرائيل بتنفيذ خطوات مستقلة بشكل تدريجي ومراقبة دقيقة مع دراسة تأثير كل خطوة قبل التوجه نحو الخطوة الثانية مثل إخلاء تدريجي للبؤر الاستيطانية وبعض المستوطنات المنعزلة للمساعدة في تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لترسيم مستقل للحدود. ونوه أن من الضروري إرفاق خطة الفصل بخطوات اقتصادية مكملة هدفها تحسين اتفاق باريس وتوسيعه بواسطة منح تسهيلات اقتصادية ملموسة للجانب الفلسطيني، وإعطاء الثقة بالخيار الإسرائيلي المستقل.

وأضاف التقرير أن خط الانتشار الجديد يعتبر حدوداً مؤقتة، لحين عودة الفلسطينيين للتفاوض مع إسرائيل على الحدود النهائية على أساس تبادل أراضٍ متفق عليه. وفي حال عدم تجدد المفاوضات تصبح الحدود المؤقتة دائمة، ويظل الجيش الإسرائيلي في المناطق والمواقع المحددة للاحتياجات الأمنية مثل غور الأردن والسيطرة على غلاف الحدود الخارجي للمناطق.

وتنفيذ خطوات تدريجية نحو الانفصال السياسي والإقليمي من قبل إسرائيل، في أعقاب عودة الجمود، سيقابل بمعارضة فلسطينية وعربية وأوروبية. لكن، يعتقد أن هذه الاحتجاجات ستبهت مع مرور الوقت إذا نفذت بعد التنسيق مع الإدارة الأمريكية، وسينقل رسالة واضحة حول النية بتقليص وزن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ويضعه في غطاء النزاع الإسرائيلي–العربي. ويرافق ذلك بمطالبة السلطة الفلسطينية دائما بالاندماج في المسيرة.

وذكر التقرير أن الفلسطينيين يتخوفون بشدة من الحلول أحادية الجانب أو التسويات المرحلية، لاعتقادهم أن تلك الحلول تمنح إسرائيل شرعية وتمكنها من وضع حقائق استيطانية وإقليمية جديدة على الأرض. وستكون مهمة اقناعهم بالمشاركة معقدة. لكن، ربما تدفع الخطوات الإسرائيلية للانفصال، السلطة الفلسطينية إلى التعاون وربما طرح أفكار واقعية لحل الخلافات الجوهرية، أو تعرض الخطوات الإسرائيلية المنفردة على أنها نتائج لسياستها.

وأشار التقرير أن تنفيذ المبادرة بعد التنسيق مع دول الإقليم والمجتمع الدولي، خاصة مع الولايات المتحدة يساعد في عرضها كتوجه إسرائيلي لتسوية مستقبلية متفق عليها فقط، وأن هدفها هو إعداد الأرضية لحل نهائي. وموافقة المجتمع الدولي على المبادرة الإسرائيلية يربك السلطة الفلسطينية (الرافضة للحلول أحادية الجانب) ويدفعها لتليين موقفها ولو من أجل منع إسرائيل من ترسيم خارطة الانفصال بشكل مستقل. وتنسيق مبادئ المبادرة الإسرائيلية البديلة وتفاصيلها مع الإدارة.

وخلص التقرير إلى القول إن على الحكومة الإسرائيلية أن لا تفقد مع مرور الوقت طابعها اليهودي –الديمقراطي، وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. ومن أجل التقدم نحو الهدف يجب إعداد مبادرة سياسية مع السعي إلى الانفصال عن الفلسطينيين إن كان بالمفاوضات أو بشكل مستقل.

وفيما يتعلق بقطاع غزة طرح التقرير ثلاثة خيارات للتعامل مع قطاع غزة هي:

الخيار الأول، استمرار السياسة الحالية الداعية إلى استيعاب حماس. لكن هذه السياسة تحولت إلى سياسة معقده جداً بسبب الضغط الذي يمارسه النظام المصري على حماس التي يعتبرها حليف الإخوان المسلمين. ونتيجة للعقوبات المصرية على حماس يتزايد تعلق قطاع غزة بإسرائيل ما يؤدي إلى إحداث عيب وخلل مركزي في سياسة الابتعاد والانفصال عن قطاع غزة. وربما يدفع الضغط الممارس على حماس باتجاه أزمة، ينتج عنها مواجهة مع إسرائيل. وعليه، يعتبر خيار استيعاب حماس هو أفضل خيار لمواجهتها، مع العمل على تقليص تعلق قطاع غزة الاستراتيجي بإسرائيل قدر الإمكان.

الخيار الثاني، الانضمام للجهود المصرية الهادفة إلى إسقاط حماس في غزة، بواسطة الضغط الاقتصادي وحتى العسكري لإجراء انتخابات. ويطرح هذا الخيار البديل الذي سيحكم قطاع غزة، لأنه من غير الواضح اليوم وجود بديل حقيقي لحماس، وإذا كان هناك بديل فما هو طابعه. ومن الصعب تصور كيف سيعيد محمود عباس سلطته في القطاع من دون انتخابات عامة. وطالما لم تتضح صورة وشكل قوة واقعية متبلورة وقوية بما فيه الكفاية لاستبدال سلطة حماس من دون تدخل خارجي عسكري، لا نوصي بتغيير سلطة حماس كسياسة إسرائيلية.

الخيار الثالث: استغلال الضائقة التي تمر بها حماس من أجل إحداث تغييرات درامية في مواقفها تجبرها على العمل كشريك حتى لو لم يكن نشطا في مسيرة السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. ولتحقق هذا الخيار يجب محاورة حماس لمعرفة موقفها. وحتى هذه اللحظة، لا يبدو أن الأوضاع جاهزة لمثل هذا الحوار نظرا لتمسك حماس بمواقفها الأيديولوجية التي لا تعترف بإسرائيل وتستخدم المقاومة العنيفة والإرهاب.

الوطن العربي

سوريا: تحدث التقرير أن للحرب الأهلية في سوريا إيجابيات على إسرائيل مثل: إضعاف التهديد الموجه لها باستخدام أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط بعد أن تنازلت عن سلاحها الكيماوي، تفاقم الأزمة في العلاقات بين المحور السني والمحور الشيعي في المنطقة وبداية إضعاف المحور الشيعي في أعقاب الحرب الأهلية، ما يؤدي إلى توسيع هامش المناورة الإسرائيلية، وإضعاف قدرة سوريا (لم تكن عالية من البداية) على مواجهة إسرائيل في حرب نظامية، وتضرر حزب الله سياسياً وشعبيا بسبب تدخله.    

وأضاف التقرير أن استمرار الحرب الأهلية سيحقق أحد السيناريوهات المذكورة أدناه: سيناريو صوملة سوريا -استمرار الحرب الأهلية من دون نهاية لها، ما يدفع لتعريف سوريا على أنها دولة فاشلة. وسيناريو نهاية سايكس-بيكو تفكيك سوريا لعدة دول هي: علوية تمتد من دمشق حتى شاطئ البحر، وسنية في الشمال والجنوب والشرق، وكردية في شمال شرق سوريا. وانتصار النظام أو المعارضة بعد حرب استنزاف تستمر لعدة سنوات.

وأشار التقرير أن لكل سيناريو انعكاسات على إسرائيل - ليس جميعها مهددة وسلبية. فتحقق سيناريو الصوملة يزيد من التهديدات على إسرائيل، خاصة من قبل جهات لا تمثل دولاً. لكن، في المقابل ستختفي سوريا كدولة قادرة على محاربة إسرائيل بشكل شبه مطلق. وفي إطار نهاية سايكس بيكو، سيكون هناك واقع مريح لإسرائيل، نظرا لتشكل دول تستطيع أن تركز سياستها اتجاهها، وستكون كل دولة من هذه الدول ضعيفة ولا تستطيع تهديد إسرائيل، وربما تقيم مع بعضها علاقات وتفاهمات. وحتى لو انتصر النظام، فإنه سيبقى نظاماً ضعيفاً لعدة سنوات ولن يشكل تهديداً مباشراً على إسرائيل، ولن تسقط الأسلحة في أيدي التنظيمات غير المسيطر عليها والتي ترى بإسرائيل عدواً. وعليه، عودة السيطرة المركزية على سوريا جيدة لإسرائيل. لكن، لهذا السيناريو انعكاسات سلبية على إسرائيل في المجال الإقليمي، لأن انتصاره يعتبر انتصاراً لتيار المقاومة الذي تقوده إيران. ونتيجة ذلك سيزداد تعلق النظام السوري بإيران وحزب الله. أما انتصار المتمردين فسيخلق دولة سنية ضعيفة لا تشكل تهديدا لإسرائيل، وسينهي دول محور المقاومة لأن النظام سيكون معادياً لحزب الله وإيران، وربما تسمح سوريا حينها للجماعات الإسلامية المتطرفة بشن هجمات على إسرائيل خاصة إذا كان النظام الجديد نظاماً إسلامياً يضم جهات سلفية.

وفي المقابل، تخلق السيناريوهات المختلفة فرصاً أمام إسرائيل. فالضعف العسكري لسوريا يقلل من إمكانية شن حرب على إسرائيل في السنوات القادمة، الأمر الذي يدفعها إلى إحداث إصلاحات ضرورية في الجيش وسيكون لذلك تأثير على ميزانية وزارة الدفاع. كما تستطيع إسرائيل بناء جسر من التعاون والحوار مع بعض الأطراف الجديدة في الحلبة السورية، من بين المتمردين، مثل الأقلية الكردية في سوريا التي لا يوجد لها أي سبب جوهري لمعاداة إسرائيل. إضافة لذلك، ربما يوفر الوضع في سوريا قاعدة للتعاون الوثيق بين إسرائيل وبعض دول الشرق الأوسط من بينها تركيا والدول المجاورة لإسرائيل إضافة إلى دول الخليج.

مصر: ذكر التقرير أن سلطة الإخوان المسلمين في مصر لم تتخذ أي قرارات تُغير وتؤدي إلى تراجع العلاقات المصرية-الإسرائيلية، لكن العلاقات شهدت نوعاً من العداء لإسرائيل خاصة من قبل قيادات إخوانية. ولا بد من الإشارة أن من تولى الحكم بعد الإخوان لا يعتبر طرفاً مؤيداً لإسرائيل، وظل العداء لها على حاله مع ابتعاد العنصر الأيديولوجي منه. وما يجري في مصر اليوم يضعف الحكم ويزيد احتمال دخول تيارات لا تمثل دولاً للمناطق المحاذية لإسرائيل في شبه جزيرة سيناء، وهي جهات مسلحة. ما يزيد من المخاطر الأمنية على إسرائيل.

الأردن: تتخوف إسرائيل من امتداد ما يسمى بالربيع العربي إلى الأردن الأمر الذي يخلق تهديدا جديا لها. وفشل المفاوضات الحالية بين إسرائيل والفلسطينيين من دون أية تسوية، ولو جزئية من شأنه أن يزيد الاحتكاكات في الساحة الإسرائيلية الأردنية. وعلى إسرائيل العمل من أجل استقرار الأردن للتغلب على مشاكله، وفتح ممر لميناء حيفا من أجل تصدير المنتجات الأردنية إلى أوروبا والولايات المتحدة كبديل عن الموانئ السورية المشلولة، هو مساهمة إسرائيلية مهمة في ذلك. والنقاشات المختلفة التي تجري بين إسرائيل والأردن حول تعزيز التعاون بينهما هي نقاشات مهمة لإسرائيل نظراً لانضمام الأردن إلى مجلس الأمن لمدة عامين تبدأ من عام 2014، الذي سيوافق على قرارات تمس بأمن ومكانة إسرائيل الاستراتيجية. ومن أجل ذلك على الدولتين إنشاء جهاز حوار بينهما للاهتمام بالقضايا المختلفة بهدف تقليل الأضرار التي ستشهدها الدولتان. وعلى الدولتين أن تبديا قدرا من التسامح والقدرة على رؤية الأمور خارج سياق العامين القادمين، بعد أن تنتهي فترة وجود الأردن في مجلس الأمن.

خلاصة

رغم محاولة التقرير الحالي وغيره من التقارير السابقة الصادرة عن المركز، تصوير إسرائيل وكأنها دولة عظمى إقليميا، والدول العربية ساحة خلفية لها، وأنها جزيرة من الاستقرار والهدوء، لها أمن قومي، فإن الواقع يقر بعكس ذلك، حيث فشلت إسرائيل بمعاركها في تحقيق أي أهداف سياسية وواقعية (على الأرض) ليس أمام دول فقط، بل حتى أمام تنظيمات صغيرة لا يتعدى عدد أفرادها عدة آلاف، وأنه لا يوجد ما يسمى بالأمن القومي الإسرائيلي، وفق ما صرح به وزير خارجية الولايات المتحدة (الحليف الاستراتيجي الأول) جون كيري. ولعل البروفيسور إفرايم عنبر رئيس مركز بيغن- السادات للدراسات الاستراتيجية كان أكثر دقة عندما قال إن إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات للولايات المتحدة، وأنها جزء من مشروع غربي، وليست جزءا من المنطقة كما يحاول قادة إسرائيل السياسيون أخذ اعتراف فلسطيني بمصداقية الرواية الإسرائيلية المتمثل بالاعتراف بيهودية الدولة.

ومن الواضح أن التقرير لم يعلق آمالاً كبيرة على الحكومة الإسرائيلية الحالية التي اتخذت قرارا "بعدم اتخاذ قرار أو: "اجلس ولا تعمل شيئا". لكنه حاول دفعها لتبني مبادرة للانفصال أحادي الجانب في الضفة الغربية بواسطة الاستطلاع السنوي الذي يجريه المركز والذي أشارت نتائجه إلى أن معظم الجمهور اليهودي يؤيد الانفصال عن الفلسطينيين.

ومن الواضح كذلك أن السياسات الإسرائيلية المختلفة تجاه القضية الفلسطينية خاصة تلك التي تزرع المستوطنات في كل الضفة الغربية ستؤدي في نهاية المطاف إلى تداخل سكاني فلسطيني- يهودي يمنع أية إمكانية للانفصال أو الحل النهائي ويعيد الصراع إلى مربعه الأول الذي نشأ قبل قرن من الزمان وهو الصراع على كل فلسطين وليس الضفة الغربية. 

 

·  باحث ومترجم عن العبرية، مقيم في رام الله.

 

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website