أحمد سامح الخالديّ، والكلية العربيّة في القدس: دراسة في النّشأة، والفكر، والتطوّر، والدّور المجتمعيّ - مشهور الحبّازي - عدد 256

"أَحمد سامح الخالديّ، والكليّة العربيّة في القدس:

 دراسة في النّشأة، والفكر، والتطوّر، والدّور المجتمعيّ"

 أ. د. مشهور الحبّازي[*]

يشوب التّعليم الفلسطينيّ في المائة سنة الأخيرة من الحكم العثمانيّ لفلسطين شوائب كثيرة، بحيث توجد آراء غير واضحة حول طبيعة العمليّة التعليميّة في فلسطين في تلك الحقبة، ما يستدعي القيام بدراسات أكاديميّة تعتمد على: الوثائق العثمانيّة، والمصادر الأساسية الأولى المتعلّقة بكل مؤسسة تعليميّة فلسطينيّة على حِدة.

وعندما سقطت فلسطين تحت نير الاحتلال البريطانيّ بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، سخّر الحكام البريطانيون العملية التعليميّة بكل السُّبل المتاحة لهم، من أجل تحقيق أهدافهم في: السيطرة على البلاد، وتزوير تاريخها، وتجهيل سكانها العرب؛ فجعلت مسؤولية التّعليم العربيّ في فلسطين بيد مستشرقين يهود أو بريطانيين فيما منحت اليهود حريّة تامة في الإشراف على مؤسسات التّعليم الخاضعة لهم.

في هذه الورقة العلميّة سأتحدّث عن المربيّ والإداريّ والأكاديميّ الفلسطينيّ أحمد سامح الخالديّ، وعن الكليّة العربيّة في القدس الشّريف: نشأتها، وتطوّرها ونهايتها المؤسفة، وأنظمتها، وطلابها، ومدرِّسيها، والمباني التي شغلتها، ودورها في المجتمع الفلسطينيّ والعربيّ المحيط.

في العام 1274هـ/1857م أنشأت الدولة العثمانيّة وزارة باسم "معارف عموميّة نظارتي" مسؤولة عن التربيّة والتّعليم في كلّ أنحاء الدولة بما فيها فلسطين. وجعلت التّعليم يمرّ في ثلاثة مراحل هي:([1])

1- المرحلة الابتدائية، ومدّتها ثلاث سنوات في المدن، وأربع سنوات في القرى ومراكز النواحي.

2- المرحلة الرشديّة، ومدّتها ثلاث سنوات، وتؤسّس في مراكز الأقضية مثل: يافا، وحيفا، وصفد، والخليل، وغزة وغيرها، وقد أسست سنة 1264هـ/1847م.

3- المرحلة الإعداديّة، ومدّتها أربع سنوات، وهي قسمان:

الأول- ومدّته سنتان، ويؤسّس في المتصرّفيات مثل: القدس، ونابلس، وعكا، وغيرها. ويعرف بالمدرسة ذات الخمس سنوات =3 رشدي و2 إعدادي.

الثاني- يؤسّس في الولايات: (بيروت، وحلب، ودمشق)، ويُعرف بالمدرسة الإعداديّة الكاملة ذات السبع سنوات =3 رشدي و4 إعدادي.

ويحق لمن أنهى المرحلة الإعداديّة الالتحاق بالجامعة العثمانيّة في إستانبول التي كانت تحمل اسم "دار الفنون".

وفي المدّة الأخيرة من الحكم العثماني أصبحت مراحل التّعليم هي:

1- المرحلة الابتدائية، ومدّتها ست سنوات هي من الأول إلى السادس.

2- المرحلة الإعداديّة، ومدّتها ست سنوات، وهي قسمان:

الأول-الصفوف الدّنيا، وتضم الصفوف: من السابع إلى التاسع.

الثاني-الصفوف العليا، وتضم الصفوف: من العاشر إلى الثاني عشر.

وينقسم الفرع الثاني إلى قسمين، حسب الموضوعات التي يدرسها الطلبة، وهما:

أ‌- فرع يهتم بدراسة الرياضيات والطبيعيات.

ب‌- فرع يهتم بدراسة اللّغة والتاريخ.

وفي بداية الحرب العالمية الأولى أنشأت الدولة العثمانيّة في بيت المقدس مدرسة ذات اثني عشر صفًا، تمامًا كالمدارس التي كانت موجودة في ولايات: بيروت، ودمشق، وحلب، ما يعني ارتفاع المكانة التعليميّة للقدس إلى مستوى الولايات الشاميّة الأخرى الكبيرة.

في بداية الاحتلال البريطانيّ لفلسطين أقّام الاحتلال العسكريّ البريطانيّ إدارة معارف اعتمدت على عدد من المدرّسين الإنجليز الذي كانوا في مصر، وبعض المصريين الذين عملوا تحت إدارة هؤلاء الإنجليز، واستمر الأمر طوال مدّة الحكم العسكري الإنجليزيّ لفلسطين في المدّة ما بين 1336 و1344هـ/1917 و1925م.([2])

لمّا أنشأ الاحتلال البريطانيّ ما أسماه بالإدارة المدنيّة لفلسطين، أوجدت تلك الإدارة المدنيّة نظامين منفصلين للتعليم في فلسطين المحتلة، هما: نظام تعليم عربيّ؛ يرأسه، ويديره، ويضع سياسته، وأهدافه، مسؤولون بريطانيون أغلبهم كان من اليهود، وكان مدير المعارف بريطانياً له حقّ اتخاذ القرارات في أي من قطاعات التعليم، ولم يكن لأيِّ مدرس، أو موظّف عربيّ في قطاع التّعليم أَية صلاحيات تذكر، سواء أكان ذلك في: توجيه سياسة التعليم أم التخطيط له، ما جعل نظام التعليم العربيّ في ظل السيطرة من الاحتلال البريطانيّ في ذروة المركزيّة.([3]) ونظام تعليم يهوديّ منح استقلالاً تامًا بحيث كان: يرأسه، ويديره، ويضع سياساته، وأهدافه مسؤولون من اليهود، سعوا إلى تلبية حاجات المجتمع اليهوديّ: السياسيّة، والاجتماعيّة.([4])

لم يتطوّر النظام التعليميّ العربيّ في فلسطين زمن الاحتلال البريطانيّ كثيرًا عنه زمن الخلافة العثمانيّة؛ على الرغم ممّا يُشاع - من دون أدلّة- حول حدوث تطوّر إيجابي في زمن الاحتلال البريطانيّ، إذ كان ينقسم ذلك النظام إلى قسمين، هما:([5])

الأول- المرحلة الابتدائية، ومدّتها سبع سنوات؛ يقبل في الصف الأول الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والسابعة.

الثاني- المرحلة الثانويّة، ومدّتها أربع سنوات.

وهنا يلاحظ أنّ مدّة الدراسة زمن الاحتلال البريطانيّ تقلّصت لسنة كاملة عمّا كانت عليه زمن الحكم العثمانيّ.

وقد قسّم الاحتلال البريطانيّ فلسطين المحتلة إلى أربع مناطق تعليميّة لكلّ منها مفتش للشؤون التعليميّة يساعده مفتش أَو أكثر.([6])

عقدت اللجنة التحضيريّة لمؤتمر "القدس: ثقافة وهويّة" المنبثقة عن اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربيّة، سلسلة اجتماعات بهدف الإعداد لعقد المؤتمر، وتحديد موضوعه الرئيس والمحاور المنبثقة منه، والفعاليات المرافقة له.

اتفقت اللجنة التحضيريّة على أن يعدّ الأوراق العلميّة عدد محدود من الباحثين نظرًا لضيق الوقت، على أن يتمّ الإعداد للمؤتمر الثاني بشكل أوسع حيث سيبدأ الإعداد من لحظة انتهاء فعاليات المؤتمر، وذلك لضمان أكبر مشاركة ممكنة: فلسطينيًا، وعربيًا، ودوليًا، ولإعطاء الباحثين الفرصة الزمنيّة الكافية.

وقد كانَ من نصيبي، واختياري أَن أكتب هذه الورقة العلميّة في هذا الموضوع، الذي قلّبته كثيرًا إلى أَن استوى بهذا العنوان "أحمد سامح الخالديّ، والكليّة العربيّة في القدس: دراسة في النّشأة، والفكر، والتطوّر، والدّور المجتمعيّ". وعلى الرّغم من تداخل الإنسان، والمؤسّسة أحدهما في الآخر، وأهمية الاثنين إلا أنّني، ولدواعٍ عديدة، أهمها تفضيل الإنسان وتكريمه، وتفضيل خلقه على سائر المخلوقات من ربّ الخلق جميعهم، سبحانه وتعالى، رأيت أن أجعل هذه الورقة العلميّة تقوم على محورين اثنين، يتعلّق ثانيهما بأوّلهما تعلّق المخلوق بالخالق، لكن ضرورة البسط، والتوضيح اقتضت وجودهما في محورين ليس إلاّ. ذلك أنّني رأيت أن الأول سبب في الثاني، ما كانَ يمكن أن يكون على الصورة الّتي كانها، لو قُدِّر للأول أن يكون غير أَحمد سامح الخالدي. والمحوران هما:

أولاً- أحمد سامح الخالديّ: نشأته، وفكره

قرأت كثيرًا عن أحمد سامح الخالديّ، ولمّا كانت الورقة المطلوبة للمؤتمر محدودة الحجم، لم أَستطع التوسّع في سرد سيرة هذا العالم، والمربيّ، والإداريّ الناجح، لا بل المتميّز في أدائه، لكنّني أُوصي نفسي وغيري بأن يكون هو وبيته العريق موضوع دراسة علميّة يستحقّونها – على ما قرأت- لما لهم من آثار علميّة متنوّعة على مدى حقبة طويلة من الزمن. وعليه لا بدّ من اختيار جوانب من سيرة هذا العالم للحديث فيها، وبما يخدم، ويلقي الضوء على المتعلّق به المقصود في هذه الورقة، وهو الكليّة العربيّة، وعليه، وزّعت جوانب هذه السيرة وفق الآتي:

1- أحمد سامح الخالديّ: سيرة مختصرة.

ولد أحمد سامح الخالديّ في بيت المقدس سنة (1313هـ/1896م)، لأسرة يمكن عدّها باستحقاق من بيوت العلم الفلسطينيّة، الّتي توارث أَبناؤها العلم وراثة، وأبدعوا فيه. وليس أدلّ على ذلك من: كون والده الشيخ راغب الخالديّ هو مؤسس المكتبة الخالديّة، الكائنة في باب السلسلة بالبلدة القديمة سنة (1318هـ/1900م)، ومن مراجعة كتب التراجم للقرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، وبخاصة كتاب "من أعلام الفكر والأدب في فلسطين" ليعقوب العودات.([7])

تلقّى أحمد سامح الخالديّ تعليمه الأساس في مدارس المدينة المقدّسة، ومنها: مدرسة المطران، والكليّة الإنجليزيّة، وكولونية الأمريكان. ثمّ التحق بالجامعة الطبيّة بإستانبول، وحصل على شهادة في الصيدلة والكيمياء سنة (1335هـ/1916م)، ثمّ التحق بالجامعة الأمريكية ببيروت، وحصل على شهادة ماجستير في التربيّة.([8])

عمل في عدّة وظائف منها: خدم في جيش الخلافة العثمانيّة أوّل تخرّجه في الجامعة الطبيّة بإستانبول، وذلك في نهاية الحرب الكونيّة الأولى، ثمّ عُيّن رئيسًا للصيادلة في حمص بسوريا، ثمّ مُفتّشًا للمعارف في قضاء يافا، ثمّ في لواء الجنوب بفلسطين، وذلك زمن الاحتلال البريطانيّ في السنوات ما بين (1338 و1342هـ/1919 و1923م)، ثم رُقّي إلى درجة مفتش معارف عام  في إدارة معارف القدس، وفي عام (1344هـ/1925م) عُيِّن مديرًا للكليّة العربيّة في القدس، وفي عام (1360هـ/1941م) عُيِّن إِلى جانب إدارته الكليّة العربيّة، مُساعدًا لمدير المعارف العام الإنجليزيّ في فلسطين، كما عُيِّن رئيسًا للجنة التّعليم العالي في فلسطين، وخدم في غيرها من المهام العامة في مجال التربيّة والتّعليم، وألقى كثيرًا من المحاضرات.([9])

ويصف مالك المصريّ أحمد سامح الخالديّ عندما قابله طالبًا في دار المعلمين، فيقول: "فرُحت أَتأمّله برأسه الضّخم، وشعره الأشقر الضارب للحمرة، وبشرته البيضاء المسبغة بالحُمرة، كأنّ شعيرات الدّم الحمراء تكاد تنبثق من وجنتيه، وشاربيه الكثّين الأشقرين، وقد خالطهما بعض الشّعيرات البيضاء. حقًّا إنّه رجل مهيب كالأسد الرّابض في عرينه وأخيرًا رفع رأسه، فاكتملت صورته أمام ناظريّ بعينيه الزرقاوين، وجبهته العريضة وتقطيبته الّتي بدت لي أقرب إِلى التّفرس منها إِلى الافتراس".([10])

تزوّج أحمد سامح الخالديّ من الأديبّة عنبرة سلام الخالديّ اللبنانيّة، عاشت ما بين (1316 و1406هـ/1898 و1986م)، ورُزق منها بعدد من الأبناء، أكبرهم وليد، فكنِّي بأبي الوليد، ولُقّب جرّاء اهتمامه بالتربيّة والتّعليم في فلسطين بأبي التربيّة الحديثة.([11])

وفي عام (1368هـ/1948م) تمكّنت العصابات الصهيونيّة المسلّحة بمساعدة قوات الاحتلال البريطانيّ من احتلال أجزاء واسعة من فلسطين بما فيها الأحياء الغربيّة من القدس الشّريف، ومبنى الكليّة العربيّة، الّتي يديرها المربي أحمد سامح الخالديّ، فاضطر مُكرهًا إلى الهجرة  مع أفراد أسرته إلى لبنان، حيث تأثّر بالغ الأثر جرّاء هذه الحرب، الّتي قضت على كثير من الآمال والطموح الذي كانَ يسعى إلى تحقيقه سواء أكان ذلك على صعيد تطوير الكليّة العربيّة، وتحويلها إلى كليّة جامعيّة كاملة، أم على صعيد تطوير جهاز التربيّة والتّعليم الفلسطينيّ، وغيرهما من القضايا، لكنّه لم ييأس، فعمل في أوساط اللاجئين الفلسطينيين، وساعد في توفير فرص التعليم لهم. واستمرّ في لبنان إلى أن وافته المنيّة في المصيف اللبناني المعروف بيت مرّي يوم الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة 1370هـ الموافق 27/9/1951م عن أربع وخمسين عامًا قضاها في خدمة التربيّة والتّعليم، والتراث العربيّ الإسلاميّ. ودفن في بيروت قرب مقام الأوزاعيّ، رحمهما الله تعالى.([12])

2- آراء تربويّة رائدة

استطاع أحمد سامح الخالديّ خلال سنيّ عمله الطويلة في مجال التربيّة، والتّعليم، أن يطّلع على كثير من النّظريات التربويّة العربيّة والإسلاميّة، ونظريات تربويّة حديثة، وترجم عددًا لا بأس به من الكتب التربويّة إلى اللّغة العربيّة، كما أنّه حصَل على شهادة أستاذ في التربيّة في الجامعة الأمريكيّة ببيروت، وبناء على ذلك تمكّن أحمد سامح الخالديّ من تبنّي عدد من الآراء التربويّة الرّائدة، والّتي أرى أنَّنا اليوم في العالم العربيّ والإسلاميّ بعامة، وفلسطين بخاصة بحاجة إلى إنعام النّظر فيها، ومناقشتها، ومحاولة الأخذ بها وتطبيقها، وبخاصة أَنّ أحمد سامح الخالديّ نفّذ بعضها بنجاح باهر، وأهم تلك الآراء، رأيان مهمّان، هما:

أ- التّعليم العالي للأذكياء

رأى أحمد سامح الخالديّ أن التّعليم الثانويّ (العالي اليوم) هو تعليم يجب أن لا يكون عامًّا لكلّ مَنْ هو في سنّ التّعليم، أو قادر عليه مادّيًّا، بل يجب قصره على الطلبة الأذكياء، وقد طبّق ذلك في الكليّة العربيّة، التي أدارها ثلاثين سنة ونيّفاً، ونجح في ذلك أيّما نجاح، وذلك لأنّه كانَ يرى أن من أوّل واجبات الكليّة العربيّة (الجامعات اليوم) هو: العمل على تنظيم نهضة علميّة، تنظيمًا يضمن للشّباب في المستقبل أن يقوموا بقسطهم من المسؤوليّة، نحو العمل في بلادهم.

أفصح أحمد سامح الخالديّ عن رأيه هذا للملأ، قال في كلمة له ألقاها أمام حفل تخريج فوج من الطلبة: "تعتقد الكليّة أَنّ التّعليم الثانويّ يجبُ أن يحظى به أَذكى الطّلاب، وأَنبههم، وأَنّ سياسة الباب المفتوح إِلى التّعليم الثانويّ سياسة خرقاء، كما ثبت لأوروبا وأمريكا. أقّل ما يُقال فيها: إِنّها تُخرِّج للبلاد طبقة من الشّبان المتوسّطي المعرفة والمهارة، ويَهبط الإنتاج العقليّ، ويضعف الابتكار في الأمّة، ويخلق طبقة في البلاد من أنصاف المتعلّمين، وليس لهم كبير نفع أو قيمة".([13])

ب- اللّغة العربيّة لغة راقية تواكب العصر

كانَ أحمد سامح الخالديّ، يؤمن بأَنّ الأمة هي الّتي تحيي لغتها، وتطوّرها، وتجعلها قادرة على مواكبة التقنّيات الحديثة، ومخترعات العصر مهما بلغت تلك التقنّيات والمخترعات، وأيّا كانَ مصدرها، وبأيّة لغة كانت، وذلك إذا ما توافرت الإرادة لدى أبناء الأمّة.

وقد تمثّل رأي الخالديّ في قدرة العربيّة على مواكبة العصر، وصلاحها لتدريس العلوم الطبيعيّة، بقوله: "لم يبق هناك مَنْ يُناقش في أنّ اللّغة الوطنيّة يجب أن تُصبح لغة التّعليم في جميع مراحله: من بستان الأطفال، حتى الجامعة. وليس من أُمّة بحاجة إِلى هذه العقيدة، كأُمّتنا الّتي هي في بدء نهضتها الآن، والّتي لم تُتَح لها الظّروف في القرون الأخيرة، أن تُسيطر على مُقدّرات أبنائها من الوجهة التعليميّة.

ولا مشاحة في أَنّ كلّ إصلاح اجتماعيّ يجب أن يُبنى على أساس هذا المبدأ، فالأمّة لا تحيا إلاّ بحياة لغتها، وآدابها، وثقافتها. أمّا ما يُقال عن العقبات في هذا الصّدد، فتذليله أصبح ممكنًا فيما يتعلّق بالتعليمين: الابتدائيّ، والثانويّ، ومبتدأ العالي، ولا عبرة بكلام مَنْ يدّعي غير ذلك، أو ينتحل الواهي من الأعذار.

والثابت المقرّر أنّه لا يمكن للأمّة أن يستقيم تفكيرها، وأن تتبوّأ مكانتها بين الأمم إِلاّ إذا تمكّنت من التعبير عن: أفكارها، وعواطفها بلغتها الوطنيّة".([14])

3-معهد دير عمرو لرعاية الأيتام

كانَ أحمد سامح الخالديّ رجل تربيّة وتّعليم، وتولّى وظائف مهمّة زمن الخلافة العثمانيّة، ثمّ زمن الاحتلال البريطانيّ، واستطاع أنّ يستشعر حاجات المجتمع الفلسطينيّ، وأنّ يعمل على توفيرها، وكانَ من أهم ما قام به في هذا المجال هو: استشعاره وجود أعداد متزايدة من أبناء الشّهداء في فلسطين، وذلك جرّاء: الأحداث السياسيّة الّتي كانت تشهدها، ومقاومة الشعب للاحتلال البريطانيّ، ومحاولاته المستمرّة لإقامة دولة لليهود على أنقاض الشعب الفلسطينيّ.

بناءً على ذلك استطاع أن يُشكّل لجنة لرعاية أبناء الشهداء باسم "لجنة اليتيم العربيّة العامة"، وتولّى هو رئاستها، وكانَ في عضويّتها كلّ من: يوسف هيكل، سكرتيرًا، ورجائي الحسيني، أمينًا للصندوق، وشفيق منصور، نائبًا لأمين الصندوق، ومشيل إبكاريوس، وشبلي الجمل، وأحمد طوقان، وأحمد خليفة، وأحمد القاسم، ونصوح بيضون أعضاء.([15])

وقد تمكّنت هذه اللجنة من إنشاء معهد في قرية دير عمرو غربي القدس الشّريف لرعاية أبناء الشهداء، وإيوائهـم، وتعليمهم، وتدريبهم باسم "معهد دير عمرو لرعاية الأيتـام". وقـد عمـل –باستمرار- واللجنة المشكلة لإدارة المعهد على جمع التبرّعات؛ لضمان استمرار عمل المعهد، كما كانَ يصحب الزوّار: العرب، والأجانب للكليّة العربيّة إِلى المعهد، بهدف اطلاعهم على المعهد، ونظامه، ودوره الرائد في خدمة أبناء الشهداء، لكنّ هذا المعهد دُمّر من قبل العصابات الصهيونيّة عندما احتلت القدس الغربية عام (1368هـ/1948م).

4- مصنّفات أحمد سامح الخالديّ

على الرغم من كثرة الوظائف الّتـي شغلها أحمـد سامح الخالديّ، وأهميّتها، وقصر حياته –نسبيًّا- إِلاّ أنه وبجدّه، وعمله الدّؤوب، وحبّه للعلم والعلماء، تمكّن من تأليف أكثر من خمسة وعشرين مصنّفًا طبع منها تسعة عشر مصنّفًا، وبقي ستة مصنّفات مخطوطة، وقد توزّعت على فروع العلم المختلفة الّتي أتقنها، وأهم مصنّفاته، هي:

أ- المصنّفات المخطوطة([16])

تمكنت من معرفة ثلاثة منها هي:

1- تاريخ المعاهد الإسلاميّة. ويقع في ثمانية أجزاء. وقد تناول فيه تطوّر الثقافة عند العرب والمسلمين في سائر معاهدهم، الّتي أنشأوها في المشرق والمغرب.

2- الأردن في التاريخ الإسلاميّ.

3- تاريخ بيت المقدس.

ب- المصنّفات المطبوعة

يمكن تصنيف المؤلفات الّتي طبعت لأحمد سامح الخالديّ، سواء أكانت من تأليفه، أَم ترجمة من لغات أخرى على النحو الآتي:

أ- في التربيّة([17])

1- إدارة الصفوف، طبع في القدس مرّتين: سنة 1347هـ/1928م، و1363هـ/1943م.

2- أركان التدريس، طبع في القدس، سنة 1353هـ/1934م.

3- أنظمة التّعليم، جزءان، طبع في القدس، الجزء الأوّل سنة 1352هـ/1933م، والجزء الثاني سنة 1354هـ/1935م.

4- طرق التدريس المثلى، طبع في القدس، سنة 1356هـ/1937م.

5- الحياة العقليّة أو دروس في علم النّفس، تأليف ر.س.ودورث، (ترجمة) طبع في القاهرة، مطبعة المعارف، سنة 1348هـ/1929م. وألحق به ثبتا بمصطلحات التعريب الّتي اقترحها، واستخدمها في مجال العلم.

6- رسالة في اختبار الذّكاء، طبعت في القدس.

7-  الطريقة المنتسوريّة في التربيّة والتّعليم، تأليف ي.ج.هولمز. (ترجمة)

8- نظام التّعليم في العهد العثمانيّ.

ب- في التاريخ([18]) والأدب

1- أهل العلم بين مصر وفلسطين، طبع في القدس، سنة 1366هـ/1946م.

2- رجال الحكم والإدارة في فلسطين من عهد الخلفاء الرّاشدين إِلى القرن الرابع عشر، طبع في القدس، سنة 1368هـ/1948م.

3- المعاهد المصريّة في بيت المقدس، طبع في القدس، سنة 1366هـ/1946م.

4- رحلات في ديار الشام، طبع في يافا، سنة 1366هـ/1946م.

5- العرب والحضارة الحديثة، طبع في بيروت، 1371هـ/1951م.

6- أهل العلم والحكم في ريف فلسطين، طبع في عمّان عن دائرة الثقافة والفنون، سنة 1388هـ/1978م.

7- أقنعة الحب، تأليف د. شتيك، طبع سنة 1366هـ/1946م، (ترجمة).

ج- الكتب المحقّقة([19])

1- ترغيب الأنام في سكنى الشام، تأليف عز الدّين السلميّ، طبع سنة 1359هـ/1940م.

2- فضائل بيت المقدس، تأليف الواسطيّ.

3- مثير الغرام بفضائل القدس والشام، تأليف أبي محمود المقدسيّ، طبع في القدس، سنة 1365هـ/1945م.

4- الإعلام بفضائل الشام، تأليف المنّينيّ، طبع في القدس سنة 1366هـ/1946م. وقد ألحق بالكتاب تراجم الصّحابة والتابعين الذين نُسبوا إلى بلاد الشام، أو نزلوا بها، أو استشهدوا فيها.

ثانيًا- الكليّة العربيّة

بعد أن احتلت بريطانيا البلاد الفلسطينيّة سعت حكومة الاحتلال البريطانيّة إلى توفير معلمين فلسطينيين وفق أهدافها، كما أرادت أن توجد بديلاً عن الكلية التي كان أنشأها العثمانيون في بداية الحرب العالمية الأولى في القدس، حيث أنشأ أحمد جمال باشا "كليّة صلاح الدّين الأيوبيّ" مكان المدرسة الصلاحيّة التي كان أنشأها السّلطان النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب سنة 583هـ/1187م. ووضع لها نظامًا خاصًّا حدّد فيه العلوم التي يجب أَن تدرّس فيها، وبرامجها، ومناهجها، وأهدافها، ومدّة الدّراسة، ولغتها حيث جعل اللّغة العربيّة هي لغة التدريس([20]) وذلك على خلاف ما كان سنَّه قانون تنظيم التّعليم العثمانيّ الذي صدر سنة 1273هـ/1856م حيث كانت لغة التدريس هي اللغة التركية.([21])  وأكد ذلك قانون التعليم الذي صدر عام 1286هـ/1869م حيث جاء في بنوده: اعتبار اللغة التركيّة اللغة الأساسية في جميع المدارس الحكوميّة.([22])

جرّاء ما سبق أنشأ الحكم العسكريّ البريطانيّ مدرسة في القدس باسم "دار المعلمين الابتدائية"، وذلك سنة 1337هـ/1918م، وعيّن مديرًا لها أحضره من مصر، (من المصرييّن الذين كانوا عملوا في التّعليم تحت إشراف البريطانيين)، ويذكر نقولا زيادة أنّه كان من عائلة الجمل.([23]) فأخذ مع الضباط البريطانيين القادمين من مصر للإشراف على التّعليم في فلسطين، بالإعداد لافتتاح هذه الدار التعليميّة المعروفة باسم "دار المعلمين".

في الرابع من صفر الخير 1338هـ/28-10-1919م افتتح الأستاذ خليل السّكاكينيّ "دار المعلمين"، فكانت السنة الدراسيّة الأولى لهذه الدار هي السنة 1338-1339هـ/1919-1920م. واستمرّ السّكاكينيّ مديرًا لدار المعلمين حتى قامت حكومة الاحتلال البريطانيّ بتعيين اليهودي هربرت صموئيل أول حاكم احتلالي لفلسطين بلقب المندوب السامي، حيث قدّم الأستاذ خليل السّكاكينيّ استقالته احتجاجًا على هذا التّعيين، وقد بُذلت جهود كبيرة لإقناعه بسحب استقالته إلاّ أنّها باءت جميعها بالفشل.([24])

بعد ذلك عُين الدكتور خليل طوطح مديرًا لدار المعلمين، واستمرّ في إدارة الدار حتى ربيع سنة 1344هـ/1925م، حيث قدم إلى فلسطين المحتلة اللورد بلفور صاحب الوعد المشؤوم لليهود بإقامة وطن قوميّ لهم في فلسطين، وكان سبب قدومه هو افتتاح الجامعة العبرّية في القدس الشريف المحتلة، ما اعتبره أهل فلسطين بعامة، والطلبة ومنهم طلبة دار المعلمين في القدس بخاصة دليلاً جديدًا على حرص حكومة الاحتلال البريطانيّ على رعاية اليهود، ومشاريعهم الهادفة إلى توسيع مناطق سيطرتهم في البلاد الفلسطينيّة، وتعزيزها، فَجَرَت مظاهرات عامة، وأضربت البلاد الفلسطينية، وتعطّلت الدراسة في دار المعلمين والمدارس، وتضامن مدرسو الدار مع الطلبة.([25])

تعاملت حكومة الاحتلال بعنف وشدّة بالغة مع الإضراب، فأغلقت "دار المعلمين"، وقرّرت إدارة المعارف طرد بعض الطلبة، ثم استدعت أولياء أمورهم، وأخذت تعهّدات منهم على أبنائهم وطلبت منهم الاعتذار عمّا صدر عنهم. فعاد الطلبة للدّراسة في التاسع من ذي القعدة 1343هـ/ أول حزيران (يونيو) 1925م لكنّهم امتنعوا عن دخول الصّفوف، وأدركت إدارة المعارف دور الطلبة في مقاومة الاحتلال؛ لذلك لجأت إلى فصل عدد من المدرِّسين، ومنهم الأستاذين: درويش المقدادي، وجلال رزق، ما وضع إدارة المعارف في ورطة أمام الطلبة.

وفي هذه الأثناء كان الدكتور خليل طوطح مريضًا، فانتدبت إدارة المعارف ممثلة بالسيد همفري بومان (مدير معارف فلسطين البريطانيّ) الأستاذ أحمد سامح الخالديّ مديرًا مؤقتًا للدار لمدّة ستة أيام، فقَبِل ذلك من أجل التّعليم، لكنّه اشترط أن تُطلق يده في كلّ ما يراه مناسبًا، واستطاع استعادة النظام، لكنّ الدكتور خليل طوطح استقال.

مدّد السيد بومان انتداب الأستاذ أحمد سامح الخالديّ لمدّة شهرين، ثم انضمَّ للتدريس في الدار أساتذة جدد هم: مصطفى مراد الدّباغ، وضياء الدّين الخطيب، ووصفي العنبتاويّ وهنا تسلّم الأستاذ أحمد الخالدي إدارة دار المعلمين بشكل دائم، وتنازل عن عمله السابق حيث كان يعمل مفتّشًا عامًا في إدارة المعارف، ورئيسًا للجنة البحث في الكتب المدرسيّة.([26])

1- إدارة أحمد سامح الخالديّ

ما أن تولى أحمد سامح الخالديّ إدارة "دار المعلمين" حتى عمد إلى إدخال تغييرات أساسيّة على مناهج الدراسة فيها، وفي برامجها الأكاديميّة، وسعى إِلى تحقيق ما كان يصبو إليه في تطوير الدار إلى كليّة جامعيّة تكون نواة لأول جامعة فلسطينيّة في بيت المقدس، فلعلّه كان بذلك يسعى إلى استعادة دور المسجد الأقصى، ومسجد قبّة الصّخرة المشّرفة لا بل دور بيت المقدس في إثراء الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وبخاصة أنّه في آثاره العلميّة الكثيرة، والمتنوّعة كان يعرض "المفاخر التي فاضَ بها التاريخ العربيّ".([27])

وكان من أهم ما قام به من أجل تطوير الدار، الخطوات الآتية:([28])

أ- المدرسة الثانويّة التامة

1- تحويل "دار المعلمين" إلى مدرسة ثانويّة تامة الفصول، بحيث باتت تُعِدُّ طلابها للتقدّم إلى امتحان "الاجتياز إلى التعليم العالي الفلسطيني" المسمى بالإنجليزيّة (متروكليشن) والمعروف شعبيًا باسم "المترك". وكان باستطاعة كلّ مَنْ يجتاز هذا الامتحان من طلبة المدرسة الثانويّة بنجاح أن يدخل إلى مرحلة التّعليم العالي الفلسطينيّ. وقد تقدّم طلاب المدرسة لهذا الامتحان لأول مرّة سنة 1345هـ/1926م.

2- تمكّن أحمد سامح الخالديّ من إضافة سنة تعليميّة أكاديميّة لسنوات الدراسة في المدرسة، هي سنة للتخصّص في التعليم. بحيث أصبح بإمكان الطالب بعد إنهاء الدراسة في صفوف المدرسة، واجتياز الامتحان أن يتخصّص في فرع من فروع المعرفة التي تدرّسها المدرسة وفق: رغبته، ومقدرته الأكاديميّة.

وبناءً على ذلك فقد أصبح للمواطنين العرب في بيت المقدس مدرستان ثانويتان حكوميتان تامّتان هما: دار المعلمين، والمدرسة الرشيديّة.

ب- الكليّة العربيّة

استتبع التغيّرات التي أحدثها أحمد سامح الخالديّ على دار المعلمين، وبرامجها الأكاديميّة، واستقطابه للكفاءات العلميّة الفلسطينيّة، والعربيّة للتدريس في الدار ثمّ المدرسة، استتبع ذلك سنة 1346هـ/1927م إجراء تغيير جوهريّ في اسم هذه المؤسسة التعليميّة العليا الرائدة في القدس، وبما يتناسب وتطلّعات، وآمال مديرها أحمد سامح الخالديّ، حيث أصبح اسم الدار هو "الكليّة العربيّة".

لم ينتشر هذا الاسم بالسّرعة الّتي أملها – ولا شك- أحمد سامح الخالديّ، وأساتذة، وطلبة الدار، إذ بقي اسم دار المعلمين غالبًا على التحوّل الأول الذي أحدثه وهو "المدرسة الثانوية"، ومن ثم التحوّل الثاني وهو "الكليّة العربيّة". وذلك أن عامة الناس كانت ترى أن السّمة العامة للكليّة لم تتغيّر، إذ هي تُخرِّج المعلمين المؤهلين، الذين كانت لهم منزلة محترمة في فلسطين كلها.

لم يتوقف تطوير أحمد سامح الخالديّ للكليّة عند تغيير اسمها، بل واصل إجراء التغييرات، والتحديثات المطلوبة بما يخدم تطوّر الكليّة، وتحوّلها المنطقيّ والطبيعيّ إلى كلية جامعيّة، وتمثّلت تلك التغييرات في الآتي:([29])

1- إضافة صفّين جديدين للكليّة سنة 1358هـ/1939م بعد الصف الثانوي الرابع هما: الصف الخامس ثم السادس، وجعلهما مخصّصين لإعداد الطلبة الدارسين للتدريس في المرحلتين الإبتدائيّة والسنوات الأولى من الثانويّة.

2- قسم الصّفين الجديدين الخامس والسادس إلى فرعين، هما:

أ- العلميّ.     ب- الأدبيّ.   وذلك لمساعدة الطلبة الملتحقين في الفرعين كليهما على الاختصاص.

وبهاتين الخطوتين تمكّن أحمد سامح الخالدي من تهيئة الكليّة العربيّة للوصول في أي وقت شاء إلى مستوى منح شهادة التعليم الجامعية الأولى (بكالوريوس)، وذلك عندما يوفّر ما يلزم ذلك من: مبان، وأساتذة، ومكتبة وغيرها. ثم موافقة إدارة المعارف العامة الفلسطينية.

وقد بدأ – فعلاً - العمل على تحقيق المطلبين الأوّلين، فابتَعَثَ عددًا من المتخرّجين في الكليّة  لإكمال دراساتهم العليا في الجامعات البريطانيّة وغيرها من الجامعات الغربيّة والعربيّة للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه.([30]) وبدأ بتنمية موارد المكتبة التي كانت قد افتتحت سنة 1339هـ/1900م.([31]) كما أصدر مجلة تربويّة دوريّة باللّغة العربيّة يستفيد منها الأساتذة والطلبة. وجعل تدريس العلوم البحتة والإنسانيّة باللّغة العربيّة، وقد نجح في ذلك أيّما نجاح، حيث أظهرت نتائج الطلبة في الامتحانات أن اعتماد اللّغة العربيّة لم يَحُلْ دون تحصيل مستوى جيّد فيها "ممّا حدا بالحكومة المنتدبة إلى الاعتراف بأنّ اللّغة العربيّة هي وسيلة راقية في تعليم الرّياضيات والفيزياء".([32])

وقد استمرّت الكليّة العربيّة في أداء دورها التعليميّ في إعداد معلمين مؤهلين للتعليم في المدارس الفلسطينيّة والعربيّة في البلدان العربيّة المجاورة، وبعد قيام العصابات اليهوديّة بدعم من الاحتلال البريطانيّ بشنّ حرب ضد المواطنين الفلسطينيين عام 1368هـ/1948م سعيًا لتحقيق وعد بلفور المشؤوم، غادر الحاكم البريطانيّ الملقب "المندوب السامي" مقرّه في أوائل أيار سنة 1368هـ/1948م، وسلّم مقرّه ودار الحكومة، ومبنى الكليّة العربيّة الكائنة كلّها في جبل المكبّر لجمعيّة الصليب الأحمر،([33]) ولمّا احتلت العصابات الصهيونيّة حي الطالبيّة توسّعت، واحتلت مبنى الكليّة العربيّة، ونهبت محتوياتها المخبريّة، ومكتبتها القيّمة.

2- أعداد الطلاب المقبولين في الكليّة وديانتهم

جعل الاحتلال البريطانيّ باب القبول في الكليّة العربيّة منذ تأسيسها دارًا للمعلمين مفتوحًا للطلبة الذكور من فلسطين، سواء أكانوا من العرب: مسلمين، ونصارى، أم من اليهود من دون تمييز على أساس دينيّ أو عرقيّ، لكنّ توافر المدارس الخاصة باليهود، وحِرص اليهود على إعداد معلّميهم بطريقة تتوافق مع أهدافهم القريبة والبعيدة جعلهم يعزفون عن الالتحاق بالكليّة العربيّة منذ اللحظة الأولى لفتحها.

ففي السنة الأكاديميّة الأولى في معهد المعلمين قُبل (23) طالبًا كان منهم طالب يهوديّ واحد هو إسرائيل ولفنسون المكنى بأبي ذيب.([34])

لا توجد إحصائيات وافية لأعداد الطلبة في كلّ سنة من سنوات عمر الكليّة العربيّة الّتي تزيد عن الثلاثين لكنّ مصطفى مراد الدباغ ذكر أنّ عدد طلبة الكليّة في السنة الدراسيّة 1353-1354هـ/1934-1935م كان مائة طالب عربيّ، وهو أكبر عدد من الطلبة ضمّته الكليّة بين جنباتها. وفي السنة الدراسية 1365-1366هـ/1945-1946م كان العدد (88) طالبًا.([35])

وقد ذكر هشام فوزي أنّ مجموع عدد الطلبة الذين درسوا في الكليّة العربيّة منذ تأسيسها حتى توقُّفها عن العمل جراء الاحتلال الصهيوني هو (978) طالبًا، وقد وزّعهم على النحو الآتي: ما بين شهر جمادى الأولى 1337هـ/شباط 1919م وشهر جمادى الآخرة 1352هـ/تشرين الأول 1933م وجدت سجلات لخمسمائة طالب، وما بين شهر رجب 1352هـ/تشرين الثاني 1933م وحتى آخر دفعة تم تسجيلها في الكليّة في الرابع من ربيع الثاني 1367هـ/15 شباط 1948م وجدت سجلات لأربعمائة وثمانية وسبعين طالبًا.([36])

3- طريقة اختيار طلبة الكليّة

كانت عملية اختيار الطلبة لدخول دار المعلمين، ومن ثم الكليّة العربيّة عملية صعبة نظرًا لكونها الدار الوحيدة المعدّة لإعداد وتهيئة المعلمين في فلسطين. وقد استُخدمت طريقتان لاختيار الطلبة هما:

الأولى- تمّت في السنوات الأولى من عمر الكليّة، وقد قامت الطريقة على مرحلتين هما:([37])

أ‌-أن يتقدّم المرشّحون للالتحاق بدار المعلمين إلى امتحان دخول، يقدّم عن طريق مدير المدرسة الّتي يدرس فيها الطلبة.

ب‌- تقوم إدارة المعارف في فلسطين بتوفير نفقات السّفر لهؤلاء الطلبة من أماكن سكنهم إلى القدس؛ لكي يتقدّموا لامتحان قبول في الدار. وفي السنة الّتي تقدّم فيها نقولا زيادة للامتحان، وهي سنة 1339هـ/1921م، تقدّم (87) طالبًا، من مختلف الأعمار والأحجام، ومن مختلف المدارس في فلسطين ممّن أنهوا الصف الثاني بعد المرحلة الابتدائيّة، أو الخامس الابتدائيّ الذي هو بعد الرابع الابتدائيّ. وقد غلب على الامتحان الجانب العمليّ، فطلب منه كتابة رسالة، وقراءة نص غير مشكول (مضبوط بالحركات) وكان عمر نقولا زيادة عندما قبل ثلاثة عشر عامًا وسبعة أشهر فقط.

الثانية- تمت سنة 1355هـ/1936م، عندما دخل مالك المصريّ الكليّة – بعد انتهاء إضراب الستة شهور في فلسطين-، وقد قامت هذه الطريقة على مرحلتين أيضًا هما:([38])

أ‌- كانت إدارة المعارف في فلسطين تخصّص لكل منطقة مثل: نابلس، ثلاثة مقاعد يشغلها الطلبة الثلاثة الأوائل في الصف الثاني الثانويّ.

ب‌-الخلق القويم، ويأتي بعد التحصيل العلميّ. فقد ذكر مالك المصريّ: أن أحد أساتذة المدرسة الصلاحيّة بنابلس، التي تخرّج هو فيها، أراد تنحيته عن مرتبته الثالثة على منطقة نابلس قال بحجّة: "أنني مُشاغب خطير، وذلك لكي يُفسح المجال أمام ولده ليحلَّ محلّي في قائمة المقبولين فقد كان ترتيبه الرابع".([39])

بعد ذلك يذهب الطلبة في بداية السنة الدراسيّة إلى الكليّة، وعليهم أن يُقابلوا مديرها وفق مراسم معينة، واضحة، ومضبوطة بشكل دقيق، كان بطلها أحمد سامح الخالديّ، ومساعده الإداريّ فخري جوهريّة، حيث يصحب الأستاذ فخري جوهريّة الطلبة في اليوم التالي لوصولهم الكليّة، وبعدما يكونون قد تسلّموا كلّ ما يؤهلهم لبدء حياتهم الدراسيّة، يأخذهم إلى الممرّ المحاذي لغرفة المدير أحمد سامح الخالديّ، فيصطَفُّون في طابور لمقابلة المدير أحمد الخالديّ لبضع دقائق، حيث يسألهم أسئلة تكاد تكون واحدة وهي: ما اسمك؟ ما بلدك؟ ما عمل ولي أمرك؟ ثم يعطي كل طالب بعض النصائح الّتي تفيده في حياته الجديدة.

والهدف من هذه المقابلة هو: إيقاع رهبة الإدارة، والانضباط في نفوس الطلبة، وتعليمهم بعض آداب المقابلة، والاصطفاف، والانضباط.

4- خدمات الكليّة للطلبة

حرصت إدارة الكليّة العربيّة منذ تأسيسها دارًا للمعلمين على أَن توفّر لطلبتها مجموعة من الخدمات تمثّلت في الآتي:

1- الزّي: كانت الكليّة في بداية تأسيسها عندما دخلها نقولا زيادة سنة 1341هـ/1921م، تطلب من الطلبة احضار ثياب معينة، وتعلّمهم طريقة كتابة أسمائهم عليها.([40])

وفي مرحلة لاحقة، وتحديدًا عندما دخل الكليّة مالك المصريّ سنة 1358هـ/1939م وفّرت الكليّة للطلبة زيًّا موحدًا، كانوا يتسلّمونه في أول يوم يصلون فيه الكليّة، وقبل مقابلتهم مديرها. وهذا الزّي يتكوّن من: بنطال رماديّ اللون، وجاكيت جوخ أَخضر سادة، وقميص أبيض، وربطة عنق خضراء من لون الجاكيت، وصدرية محبوكة من الصوف الرماديّ.([41])

2- كانت تقدّم طعامًا جيّدًا وكافيًا -على الأغلب- لكن بعض الطلبة الموسرين لم يكونوا يتناولون كلّ الوجبات، وبخاصة في بداية عهد الكليّة، بل كانوا يشترون بعض الوجبات من دكان قريب، وما يشترونه يتكوّن من: جبنة، ولبنة، وزيتون، وخبز، وفي بعض الأحيان علب سردين. وذلك يدلّ على أن الطعام كان في البداية عاديًا بل قد يكون أقل من العادي؛ لأن ما كان يشتريه هؤلاء الميسورون هو من طعام العامة إلاّ إن كان الشّراء من باب المفاخرة.([42])

3- توفير ملاعب رياضية واسعة، ومناسبة لممارسة أنواعٍ عديدة من الرياضة.

4- ورشة للفنون الجميلة.

5- أماكن نوم مرتّبة ومريحة. وأماكن للدراسة المريحة، لكنّ أوقات الدراسة لم تكن كافية في كثير من الأحيان، وبخاصة وقت الامتحانات، فكان بعض الطلبة يدرسون ليلاً في الحمّامات، أو تحت أغطيتهم على ضوء البطاريات، أو يخرجون نهارًا من ساحات الكليّة إلى الكروم المجاورة للدراسة تحت أشج

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website