آثار الجدار العنصري على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في القدس - عدد 256

ندوة العدد

آثار الجدار العنصري على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في القدس

أدار الندوة وحررها: محمد خضر قرّش[*]

 

عقدت "شؤون فلسطينية" يوم 20/03/2014 ندوة متخصصة بعنوان: "آثار الجدار العنصري على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في القدس" أدارها أ.محمد خضر قرّش.

في البداية رحّب محمد خضر قرّش بطاقم مجلة "شؤون فلسطينية" والمشاركين في الندوة وهم:

د.سري نسيبة، رئيس جامعة القدس، د.أباهر السقا، رئيس دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية– جامعة بيرزيت، أ.زياد الحموري: مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أ.فادي الهدمي، مدير عام غرفة تجارة وصناعة القدس. هذا وقد اعتذر عن الحضور د.رامي نصر الله مدير مركز التعاون والسلام الدولي / القدس.

طرح محمد خضر قرّش ورقة استهلالية  شكلت إطار النقاش وهذا نصها:

تلبية لتكليف من الدكتور سميح شبيب، رئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية بعقد ندوة حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجدار الفصل العنصري، على حياة المقدسيين لنشرها في المجلة يحضرها عدد من ذوي الاختصاص والمعنيين في الموضوع المشار إليه. فقد طُلب إعداد ورقة خلفية تشكل مدخلاً لمعالجة الآثار المترتبة على ذلك بما فيها وضع النقاط والمواضيع التي ستكون محل النقاش والتحليل.

1-الجدار العنصري ليس الأول فهل يكون الأخير؟

أقيمت العديد من الجدر/ الجدران (الأسيجة) العنصرية أو العرقية أو الطائفية أو المذهبية أو السياسية في أكثر من بلد أو مدينة مثل، برلين وبلفاست ونيقوسيا وجوهانسبيرغ قبل انهيار النظام العنصري وموستار (نهر طبيعي) في البوسنة بين البوسنيين والصرب وفي العديد من أحياء بغداد بعد العدوان الأميركي الذي تم على العراق عام 2003. وأحياناً يكون الفصل واقعياً بدون جدار كما هو الحال في بيروت مع حرية الحركة بين الجزأين وفي القدس قبل إقامة الجدار العنصري من قبل إسرائيل عام 2002 فالقدس كانت مقسمة بسياج وفي بعض المواقع بجدار حدودي بين إسرائيل المغتصبة للأرض والضفة الغربية لنهر الأردن منذ 1948 وحتى 1967 وبعد ذلك بقيت مقسمة على أساس قومي وثقافي مع حرية التحرك بكلا الاتجاهين وكان ذلك قبل أن تبدأ سلطات الاحتلال في بناء الجدار الذي ادعت أنه لأغراض أمنية بحتة ومؤقت. وكما يتضح فليس شرطاً أن يكون الجدار إسمنتياً فقد يكون سياجاً حديدياً أو طبيعياً يفصل بين ديانتين أو قوميتين ينعدم بينهما السلام والاستقرار وفرص العيش المشترك، وأحياناً وجود عداء تاريخي طويل كما هو الحال بين إسرائيل والفلسطينيين. وفي العديد من الحالات السابقة لم تنجح الجدران في تحقيق أهدافها وانهارت ولم تعد موجودة. فمفهوم الجدار يقوم على وضع حدود مادية ونفسية ووظائفية[1] بشكل أساسي على جانبي الجدار بين شعبين أو دينين أو مذهبين أو قوميتين العلاقة بينهما ليست صحية وسليمة ومتقلبة بشكل حاد أو عدائية. ومن نافلة القول أن نؤكد هنا بأن بناء الجدار لا يخفف أو يقلل من درجة العداء بل يعمقها نتيجة للتباعد ومنع التداخل وعدم الانفتاح على مجمل العادات والتقاليد والثقافات والأفكار والعلاقات لكلا المجتمعين أو الشعبين أو الطائفتين أو المذهبين بما يزيد من هوة العداء. وحتى النواحي والجوانب الأمنية لا تحققها خاصة مع تطور وسائل القتال الحديثة والإليكترونية. لكن المعضلة الأكثر إيلاماً وتمييزاً وعنصرية تكون حينما يقام الجدار عن عمد ومع سبق الإصرار والمعرفة اليقينية وضمن خطط عدائية وممنهجة للفصل بين الشعب والثقافة والدين الواحد وتمزيق أواصر العائلة الواحدة ويشتتها كما يقسم نفس الشارع أو الحارة لغرض واحد هو تأمين سلامة شعب وقومية بعينها على حساب الشعب الآخر وقهره وظلمه بل وطرده. وهذا هو حال جدار القدس الذي نحن بصدد مناقشة آثاره على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.         

2-جدار القدس العنصري

حوّل الجدار العنصري القدس إلى سجن كبير له عدة فتحات (معابر) يتم من خلالها الدخول والخروج إلى المدينة وبذلك قطعت علاقتها مع محيطها الفلسطيني. لقد عزلت قوات الاحتلال المدينة عن باقي الضفة الغربية من الجهات الشمالية والشرقية والجنوبية وأبقتها مفتوحة من الجهة الغربية فحسب. ويمكن القول بأن سلطات الاحتلال باتت تتحكم في اقتصاد المدينة وبالحياة الاجتماعية والثقافية، وحتى بحركة الدخول والخروج منها وإليها، بما في ذلك حركة المقدسيين أنفسهم، نظراً للحواجز العسكرية الشديدة التعقيد التي تقيمها على مداخل المدينة والتي حولتها سلطات الاحتلال إلى معابر حدودية تشهد اختناقات مرورية وازدحامات كبيرة غير مسبوقة تدفع بالمقدسيين غير المضطرين وغير العاملين في رام الله وغيرها بالتفكير ملياً قبل الانتقال إلى القرى والمدن الفلسطينية المحيطة بها. ورغم أن المسافة بين القدس ورام الله لا تزيد عن 12 كيلومترا فإن قطعها قد يستغرق أكثر من ساعتين، مع معاناة غير عادية يصاحبها توتر وشد أعصاب وتلاسن بين أبناء الشعب الواحد، وفي بعض الأحيان شجار على أولوية المرور. ولا تتوقف الأزمة عند حركة السيارات بل تتعداه إلى حركة المشاة على نقاط التفتيش والمعابر، والذين يتعرضون لإجراءات أمنية غير إنسانية تتعارض مع القوانين الدولية. فبالإضافة إلى الصفوف الطويلة والمزدحمة فإنهم يخضعون للتفتيش الذاتي والجسدي ويُجبرون على المرور عبر الأجهزة الإليكترونية (الأشعة) بحجة الفحص الأمني. لقد أوغلت سلطات الاحتلال في حصارها للمدينة وذهبت بعيداً في عزلها عن محيطها الفلسطيني مما أثر بشكل ملموس ومباشر على الحياة الثقافية والمشاركات الاجتماعية والأسرية في المناسبات والأعياد والتي تتسم عادة بالتراحم والتواصل. لقد جعلت سلطات الاحتلال قيام المقدسيين بزيارة عائلاتهم من الدرجة الأولى والثانية وأصدقائهم خارج الجدار في غاية الصعوبة والمشقة والتوتر والضغط النفسي، فبات الكثيرون منهم يفكرون ألف مرة قبل أن يزوروا عائلاتهم في القرى والمدن المحيطة والتي كانت قبل الجدار لا تبعد أحياناً أكثر من 50 مترا. أما بالنسبة لمن يحملون هوية خضراء فقد حرمتهم سلطات الاحتلال من الدخول إلى القدس إلا بتصريح زيارة مؤقت ولأيام محدودة وهذا كله مشروط بموافقة الجهات الأمنية على إعطائها إذن الدخول إلى القدس.

3-نتائج استطلاع المقدسيين[2]

وحتى نبين صحة ما ذهبنا إليه للتو فإننا سنأتي على أول نتائج استطلاع لرأي المقدسيين بالوضع الحالي في ظل الجدار والذي يؤكد خطورة وجود الجدار على مستقبل المدينة بصفتها العاصمة لدولة فلسطين، وليس على الآثار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجدار العنصري فحسب. فقد قام مركز التعاون والسلام الدولي بالمشاركة مع مؤسسة فردريش ايبرت الألمانية بنشر نتائج أول استطلاع من نوعه يتم على عينة عشوائية قوامها 500 شخص من المقدسيين فوق سن ال18 عاماً شملت 15 موقعا سكنيا، 78% منهم يعملون في القدس الشرقية و10% في القدس الغربية و8% في رام الله والباقي في بيت لحم والضفة. وقد تضمن الاستطلاع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتعليم والأسرلة ومستقبل المدينة وخاصة بعد بناء الجدار العنصري. وكانت النتائج لافتة للنظر وتستحق الوقوف عندها طويلاً وكيفية معالجتها أو التقليل من نتائجها السلبية. فقد أوضح 71.4% من المقدسيين أن علاقة القدس الشرقية مع الضفة الغربية قد ضعفت بشكل كبير بعد إقامة الجدار. كما اتضح أن خُمس المقدسيين يجتازون المعابر والحواجز يومياً مرة واحد على الأقل وما يزيد على الربع قليلاً عدة مرات في الأسبوع ونحو الثلث مرة واحدة في الشهر. وقد ذكر 59% من أفراد العينة أن العلاقات الاجتماعية على جانبي الجدار قد تأثرت بشكل كبير ونحو 63% قالوا إن العلاقات التجارية مع الضفة الغربية قد تأثرت سلبياً بينما العلاقة مع مؤسسات السلطة لم تتأثر بأكثر من 18%. وهذا يعني ببساطة أن المقدسيين باتوا يرتبطون بالمؤسسات الإسرائيلية بالإضافة إلى أنه لا توجد أشياء كثيرة يمكن أن تقدمها لهم. وقد أبدى 83% من المقدسيين المستطلعة آراؤهم أن القدس الشرقية زادت ارتباطها بالقدس الغربية وإسرائيل. ومن جهة أخرى أكد 59% من المقدسيين أن العلاقات الاجتماعية تأثرت سلباً جراء إقامة الجدار.

-العناصر والمواضيع المطروحة للنقاش وإلقاء الضوء عليها.

-الجوانب الاقتصادية والتجارية، والتي تتضمن كيف أثر الجدار على الاقتصاد المقدسي والاستثمار، وتطور التجارة والمهن الحرفية والسياحة والصناعة وتنشيط الأسواق والفنادق والمطاعم، وتفعيل النشاطات التجارية مع الضفة الغربية والمدن المحيطة. كما من المفيد أن يتطرق النقاش إلى الآثار الاقتصادية والتجارية مع القرى والأحياء الملاصقة للجدار مثل العيزرية والرام ورام الله وأبوديس وبيت لحم وقلندية وبقية القرى والبلدات خارج الجدار، بما فيها قرى شمال غرب القدس الحدودية (بيت إكسا وبدو وبيت دقو وبيت سوريك وبيت إجزا وبيت عنان وقطنة والقبيبة) التي عزلت بسبب إقامة الجدار.

-العلاقات الاجتماعية والأسرية والرياضية والدينية: ما هي الآثار الاجتماعية التي ترتبت على العلاقة بين العائلات وأبناء العشيرة الواحدة المتواجدة على جانبي الجدار والمشاركة في الأحزان والأفراح والمناسبات الوطنية والدينية وتأثير ذلك على النشاطات الرياضية والعلاقة مع النوادي المنتشرة داخل الجدار وخارجه والاحتفالات في المناسبات الدينية (رمضان وأعياد الميلاد والأضحى والفطر والإسراء والمعراج وأحد الشعانين ورأس السنة الميلادية والهجرية...).

-العلاقات الثقافية والتعليم: درجة تأثير الجدار على الحركة الثقافية في القدس بما فيها الندوات الشعرية والأدبية والمحاضرات المشتركة والمسرح والاحتفالات الثقافية مثال (القدس عاصمة الثقافة العربية) حيث خلت شوارع القدس ومراكزها الثقافية من الاحتفالات الفعلية. وارتباط التعليم في القدس بوزارة التعليم الفلسطينية وعلاقتها مع بلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية، كما يمكن النقاش في مواضيع الوفود الثقافية العربية والأجنبية وتبادل التجارب والخبرات والأفكار في ظل القيود الأمنية الإسرائيلية.

-العلاقات الوطنية والنضالية: وهي كثيرة ومعروفة ستناقش إذا اتسع المجال لها في الندوة، ويمكن إضافة مواضيع ونقاط أخرى من المشاركين في الندوة.

-نبدأ بالمحور الأول المتعلق بتأثير الجدار العنصري على الحياة الاقتصادية والتجارية في القدس، مع الأخ فادي الهدمي الذي أصبح حديثاً مديراً عاماً للغرفة التجارية في القدس.

-فادي الهدمي: لو تتبعنا التدهور في الوضع الاقتصادي في القدس، سواء القدس كمحافظة أو مدينة القدس، نجده يبدأ في فترة الـ1987، فترة الانتفاضة الأولى كانت نقطة تحوّل للاقتصاد المقدسي، كان هناك تراجع في الاقتصاد المقدسي في فترة الانتفاضة الأولى سنة 1987، ثم فترة الحواجز سنة 1994. كانت هناك منهجية من الطرف الآخر (الإسرائيلي) لعزل القدس وإضعاف دورها الاقتصادي الذي كانت تتبوؤه عبر التاريخ.

طبعاً الحواجز كانت تحدّ من تنقّل الأفراد والبضائع. الاقتصاد المقدسي قبل وضع الحواجز لم يكن مفصولاً عن الكيان الفلسطيني. وفي الانتفاضة الثانية، حصل ضرر أكبر، وتضاعفت المشاكل الاقتصادية. ثم جاء الجدار كضربة قاضية وقاصمة أدت لتدهور الحالة الاقتصادية في القدس.

العصب الأوّل للاقتصاد في القدس هو السياحة، حوالي 40 – 45% من دخل القدس يأتي من السياحة. وتاريخياً، القدس هي المركز، المركز السياسي والاقتصادي.

ونحن نتكلّم عن اقتصاد القدس نجد أنّ المعطيات قاتمة وبالغة السواد. أنا لا أريد أن أكون متشائماً ولكنّ المعطيات والقراءات الموجودة بين أيدينا سواء كانت نسب فقر تعدّت حسب تقدير الأمم المتحدة، وكذلك الإحصاء الفلسطيني، الـ70% أو نسبة البطالة بين الشباب تتجاوز 30% وهي نسبة عالية جداً. بالإضافة إلى تسرّب الشباب المقدسي والأيدي العاملة غير الماهرة إلى القدس الغربية، وانعكاس ذلك على الوضع الاجتماعي والوضع الاقتصادي في القدس.

غرفة تجارة وصناعة القدس أُغلقت في العام 2001 بقرار جائر من وزير الأمن الداخلي، فكان أحد الأسباب الإضافية في إضعاف الوضع الاقتصادي بالمدينة.

كلّ التقارير الاقتصادية التي تصدر عن مؤسسات محايدة كمؤسسات الأمم المتحدة تؤكد أنّ أهمّ ركيزة من ركائز الاقتصاد المقدسي والنهوض بها هو فتح الغرفة التجارية المغلقة منذ عام 2001، وكذلك فتح سائر المؤسسات الوطنية في القدس. لأنه لا يوجد لنا وجود علني وظاهر وفاعل في القدس منذ عام 2001، أصبحت هناك محدودية لدورنا، لكنّ هذا لم يمنعنا ولن يمنعنا من وضع  خطة استراتيجية تمتد لثلاث سنوات اعتباراً من العام الحالي (2014) في محاولة لإخراج القدس من بوتقة الإغلاق والحصار والجدران العنصرية وغيرها.

أوّل هدف من أهداف الخطة الاستراتيجية سيكون فتح الغرفة التجارية. حيث بدأنا بفتح هذا الملف بجدية أكبر. والشق الثاني هو انفتاح الاقتصاد المقدسي. فالجدران أحدثت انغلاقاً وقوقعة وحصاراً جائراً على القدس والاقتصاد المقدسي. لقد وضعنا حلولاً لانفتاح الاقتصاد المقدسي على محيطه الفلسطيني وعلى إخوتنا في مناطق الـ1948 وعلى السيّاح الدينيين.

كذلك نسعى إلى زيادة الفاعلية في علاقتنا مع الأعضاء. تاريخياً الغرفة التجارية كان مسجّلاً فيها ما بين 7 آلاف إلى 8 آلاف عضو. لو رجعنا إلى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني نجد أنه في القدس يوجد 9 آلاف منشأة اقتصادية؛ 4 آلاف في مدينة القدس نفسها، داخل الجدار.

نحن من خلال الخطة الاستراتيجية، نسعى إلى زيادة عدد الأعضاء الفاعلين في الغرفة التجارية. بعد الإغلاق استطعنا الحصول على بيانات لـ3000 عضو ومنشأة اقتصادية في القدس، منهم فقط 1200 إلى 1300 عضو فاعل.

مقرّ الغرفة التجارية المغلق في قلب مدينة القدس يحتوي على قاعة مؤتمرات اقتصادية وغيرها. لذلك همّنا الحالي هو فتح هذا المقر المغلق حتى نتمكن من التواصل. فإغلاق الغرفة التجارية شكل عائقاً أمام وجودها العلني لأنه جاء بقرار من وزير الأمن الداخلي. حتى في مكتب الغرفة التجارية المؤقت وضعنا لافتة صغيرة على خجل، لكن نحن عندنا مكتب في العيزرية، ومكتب في الرام، وهذا أدى إلى وجود عبء إداري وعبء مالي مقارنة بعدد الأعضاء، ولكن هذا نابع من التزامنا بضرورة التواصل مع الأعضاء.

في الفترة السابقة، لم يكن للغرفة التجارية تواصل فاعل إعلامياً، لكنها تعمل كثيراً على محاولة معالجة قضايا حيوية. يعني مثلاً، لدينا مشروع من المشاريع الرائدة والمهمة في مدينة القدس وهو يركّز على مدينة القدس وحملة الهوية الزرقاء من خرّيجي المراكز المهنية. مشروع من مؤسسة التعاون، يعمل على تشغيل 300 شاب وشابة من خرّيجي المراكز المهنية. القدس فيها مراكز مهنية مهمة، وبالعودة إلى الإحصائيات، نجد أنّ البطالة لدى خرّيجي المراكز المهنية تحتل نسبة عالية، ومجتمعياً في القدس وفي كل أنحاء فلسطين، هناك نظرة دونية لخرّيجي المراكز المهنية مقارنة بخرّيجي الجامعات. لكنّ هذا المشروع بتمويل خارجي، يعمل عملية مواءمة بين الخرّيجين وأرباب العمل. وبالعودة إلى موضوع التواصل الفاعل، فالتجّار في المدينة يجب أن يشعروا بالخدمات التي تقدّمها لهم الغرفة التجارية وهذا ما وضعناه في حسابنا في الخطة الاستراتيجية الجديدة. ولهذا الغرض أطلقنا وثيقة وسلّة مشاريع تركّز على الأعضاء والتجار ومصالح التجار في مدينة القدس، إدراكاً منّا لعدم وجود تواصل في السابق. سلة المشاريع منسجمة انسجاماً كبيراً مع خطتنا الاستراتيجية والتي من أهدافها انفتاح الاقتصاد المقدسي من خلال معارض، وتنظيم التواصل رغم أنّ الغرفة التجارية مغلقة ولكن لا يوجد ما يمنع من وجود تواصل بين الاقتصاد المقدسي واقتصاد الضفة الغربية، بما في ذلك إقامة مهرجان أو معرض لمصنوعات "صنع في القدس" مثلاً.

نقطة مهمة جداً لا يمكن إغفالها وهي البلدة القديمة، في اللحظة التي نتحدّث فيها، هناك محلات تجارية في أسواق البلدة القديمة تتعرض لتغيرات كبيرة، سوق اللحامين يكاد يخلو من اللحّامين، والإرث الاقتصادي لأسواق البلدة القديمة أصبح يتلاشى، وبالتالي، فالغرفة التجارية مدركة لأهمية وخصوصية الوضع في البلدة القديمة والتغييرات التي تطرأ. المتتبّع يلاحظ أنّ سوق الدبّاغة، على سبيل المثال، طرأ عليه تحوّل ملحوظ في آخر سنتين. معروف تاريخياً أنّ سوق الدبّاغة هو سوق مشهور بالجلود والتحف التذكارية، الآن أصبح مليئاً بالمطاعم.

وأودّ التركيز على قضية الحرفيّين والسياحة لكونهما يؤثران على القطاعات الخدماتية والتجارية، فتاريخياً كما هو معروف فإنّ السائح يأتي إلى القدس ويشتري منتوجات جلدية وخزفية وصناعات الحلي التقليدية الموجودة بين أسوار القدس القديمة، بدأنا نلحظ تلاشي هذه المظاهر، يكاد يكون هناك محلّ واحد للصناعة الجلدية، والصناعات الخزفية تعاني الأمرّين في التسويق وفي الضرائب المرتفعة وغيرها. فمن خلال سلة المشاريع، سنعالج كلّ القضايا الحيوية التي تظهر لنا من خلال المعطيات والإحصاءات والدراسات، للحفاظ على اقتصاد مقدسي متين وصامد ضدّ الهجمات الكبيرة.

-د. سري نسيبة: بعض الملاحظات التي أقرؤها والإحصائيات حول البطالة والأوضاع المتردية بالنسبة لفراغ الأسواق، تتناقض مع ملاحظات مختلفة لديّ.

بالنسبة لموضوع السياحة، على سبيل المثال، الحديث دائماً يدور عن أنّ السياحة متضررة كثيراً في القدس. والذي أفهمه أنّ هناك جزأين؛ الجزء الأول هو الفنادق، نسبة التشغيل بشكل عام، حسب ما ذكره أشخاص يملكون فنادق، تبلغ 70% وأكثر. وعندما أسأل عن سبب المشكلة الاقتصادية، أجد أنّ المشكلة الاقتصادية عند الفنادق لها علاقة بالضرائب وبارتفاع مستوى المدفوعات للتشغيل، لكنّ نسبة السيّاح على مدار السنة جيد.

إذا مشيت في الأسواق في القدس، بما فيها سوق اللحّامين وغيره، تجد الأسواق مكتظة بالناس، ونحن نرى مئات متدفقة من السيّاح. حتى في الأسواق التي تحوّلت وطرأ عليها تغييرات. نجد المطاعم في سوق الدبّاغة مثلاً مكتظة بالسيّاح لدرجة أنّ صاحب المطعم أو المقهى، إذا كان يعرفك، قد لا يأخذ منك مقابلاً لما تطلبه.

فهناك تناقض بين، المسموعات والأرقام التي نقرؤها بالنسبة للوضع السياحي، وبين ما نراه ونعايشه يوميا. الوضع السياحي ليس فقط فنادق ومحلات، وإنما يشمل أيضاً الشركات السياحية والباصات والرحلات والمرشدين السياحيين، وهذه الفئات نجد لديها انتعاشاً اقتصادياً. ومع ذلك، أنا أقرّ بأنّ هناك حالة فقر فعلية في القدس، وهذا معروف وينعكس في عدم قدرة الإنسان الفرد على متابعة أموره من ضريبة أو أرنونا أو بناء أو رخص أو غيرها. لأنّ مستويات دخل الفرد، خصوصاً الذي يعمل في المؤسسات الوطنية، مرتبط بالدخل القومي الفلسطيني، بينما مستوى الدفع مرتبط بالدخل القومي الإسرائيلي، وبالتالي المطلوب دفعه يكون أكثر كثيراً مما يتقاضاه الفرد. وهذا يؤدي إلى نشوء مشكلة فقر وعدم توازن بين الدخل والإنفاق، مما ينشأ عنه مشاكل لها علاقة بالهجرة والتسرّب والمخدرات وغيره.

ومن الجانب الثاني، بالنسبة للغرفة التجارية ووضعها القانوني، نحن كجامعة القدس، كان لنا مكتب بجانب "متحف روكفيلر" تمّ إغلاقه من قبل وزير الأمن الداخلي نفسه الذي أغلق الأماكن الأخرى في القدس، في الفترة نفسها تقريباً. عندما سألت مباشرة عن سبب إغلاق المكتب، قيل لي إنه أُغلق لأنه جزء لا يتجزأ من السلطة الوطنية الفلسطينية. فمباشرة قلت لهم إنّ جامعة القدس ليست مؤسسة رسمية تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولا أريد للجامعة أن تكون تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، هذه جامعة مستقلة وليست حكومية. ففوراً، خلال يومين، أعيد فتح مكتب الجامعة. قد يكون هناك حاجة لتوسيع طريقة التفكير في معالجة بعض القضايا التي نواجهها، حتى لا نجد أنفسنا ضحية، ليس فقط للممارسات الإسرائيلية، وإنما أيضاً لعدم تمكننا من معالجة أو تسيير أمورنا.

الجانب الثالث الذي أريد إضافته، بالنسبة للمحطات التاريخية، المحطة التي لم تُذكر، والتي من المهم ذكرها هي محطة أوسلو. أنا من مؤيدي أوسلو ولكن، نتيجة لاتفاق أوسلو، للأسف، نحن نشاهد ما أسمّيه "هجرة فلسطينية" للمؤسسات الفلسطينية من القدس إلى مناطق أوسلو، إن كان إلى إلى رام الله أو أماكن أخرى. من ضمن هذه الهجرة ليس فقط إغلاق مؤسسات مقدسية، وإنما هاجرت مؤسسات مثل النقابات والمسارح والمراكز الثقافية.. فهناك هجرة، وما زالت هذه الهجرة قائمة.

كان للقدس دور سياسي على سبيل المثال، واليوم لا يوجد لها هذا الدور. وأحد الأسباب هو أنّ كافة المراكز السياسية –الأجنبية أصلاً- انتقلت من القدس إلى رام الله، بحيث أصبحت رام الله هي العاصمة السياسية والاقتصادية كذلك، وهذا يجب أن يُقال بوضوح رغم الألم.

هنالك أيضاً جزء يجب أن ننتبه له وهو أنّ الجدار كما ذُكر كرّس وضعاً قائماً، وضعاً بدأ منذ احتلال القدس عام 1967. بدأت المعالم المقدسية تتغيّر منذ ذلك التاريخ، وبشكل تراكمي. الجدار جاء ليكرّس هذا الواقع الذي نسميه نحن بشكل عام "الأسرلة". بدأوا بتكريس هذا الواقع لتصبح القدس – للأسف- داخل الجدار جزءاً من الصعب انتزاعه مرة أخرى من الجسم الإسرائيلي. فمثلاً بالنسبة للخدمات، تقرأ جريدة القدس وصحف أخرى، فتجد إعلانات لمؤسسات إسرائيلية، إعلانات خدمات صحية وغيره. قد تكون الخدمات الصحية الموجودة في القدس للمقدسيين أفضل بكثير من الخدمات الصحية المتوفرة في رام الله وجنين وطولكرم للفلسطينيين. وهنالك اندفاع نحو الانغماس والتعامل مع هذه الخدمات بتأثير من الحاجات الإنسانية الشخصية أو الفردية. طبعاً الخدمات الصحية الإسرائيلية لا أعني بها الخدمات الصحية الوطنية، مثل مستشفيات المقاصد والهلال والمؤسسات الصحية التي يجب دعمها. ولكن الخدمات الصحية المتوفرة للسكان المقدسيين بشكل عام توفرها المستشفيات والخدمات الطبية الإسرائيلية وبأيدٍ فلسطينية. وهذه الخدمات كلها طبعاً مدفوعة من قبل الفلسطينيين وليست مجانية.

أمّا بالنسبة للتعليم، الخدمات التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية للمدارس، تجعلها قادرة على أن تتغلغل في المجتمع الفلسطيني المقدسي، بشكل يجعلها تهيمن عليه. أنا لا أريد أن أكون متشائماً، ولكن من ناحية موضوعية، أجد أنّه من الصعب جداً أن نجد حلولاً للفخ الذي وقع فيه المقدسيّون لكونهم بقوا في القدس، إلاّ من خلال حلّ سياسي جذري، لأنه دون ذلك الحلّ، أعتقد أنّ الحلول التي بأيدينا قليلة جداً.

أينما نظرت تجد هنالك أسرلة، هنالك انغماس تدريجي للمقدسيين في الجسم الإسرائيلي، وأعتقد بأنّ وضعنا صعب جدا، وأعتقد أنه إن كان هنالك حاجة للتدخّل في القدس، فيجب أن نركّز على الإنسان، إن لم يكن على القضايا الأكبر فعلى الإنسان بمعنى الثقافة والتوعية والانتماء الوطني والهوية الوطنية.

ظهور المؤسسة الفلسطينية كالغرفة التجارية المقدسية وبقية المؤسسات أمام الناس شيء أساسي أمام استمرارية الانتماء للهوية الفلسطينية. ويجب على المؤسسات التي هاجرت من القدس إلى رام الله أن تبدأ بالعودة إليها. 165 مركزا ومؤسسة وجمعية غادرت القدس بإرادتها وليس غصباً عنهم. وبالتالي يجب الدفع بهذه المؤسسات للعودة إلى القدس وممارسة أعمالها مجددا.

-زياد الحموري: أنا أؤكد أنني أكثر تشاؤماً في موضوع القدس ممّن سبقوني في الكلام، والأرقام التي بين أيدينا تشير بشكل واضح إلى سبب تشاؤمي. وتماسّي المباشر مع الكثير من المقدسيين يجعلني على معرفة بمشاكلهم اليومية.

في موضوع الغرفة التجارية، أنا أتفق كثيراً مع د.سري نسيبة بالنسبة لضرورة فتح الغرفة التجارية لأنها فعلياً ليس لها علاقة بالسلطة الوطنية الفلسطينية ومالياً لا تتبع لها، وبالتالي يجب فتحها. وبالنسبة لانتخابات الغرفة التجارية فهي ضرورية جداً، ومجموعة من الأعضاء فيها قد توفاهم الله ويجب أن نفتح المجال للشباب للانضمام لها بصفتهم المهنية.

أوسلو سيئة ولكن أسوأ ما في أوسلو هو موضوع القدس، والنتائج التي نراها اليوم هي من أوسلو بما فيها الحواجز وغيره.

بالنسبة للفنادق والسياحة، في القدس نوعان من السياحة؛ سياحة داخلية وسياحة خارجية. السياحة الداخلية انقطعت بشكل شبه نهائي منذ عام 1994. من الـ1967 حتى عام 1987 كان هناك سياحة من الأردن ومن أهلنا في الداخل وأهل غزة، هؤلاء انقطعوا بشكل شبه نهائي بعد عام 1994.

السياحة الخارجية، وهي تشمل الفنادق والمحلات. قبل الاحتلال، كان هناك حوالي 2200 غرفة في فنادق القدس، اليوم يوجد حوالي 1400 غرفة فقط. بالمقابل، في القدس الشرقية، على الحدود بالضبط، يوجد 3 فنادق إسرائيلية كبيرة، وهناك فندق في الشيخ جرّاح كبير أيضاً. الفنادق الإسرائيلية اليوم تشكّل حوالي 2000 غرفة في القدس، بما فيها فندق "حياة ريجنسي" الذي غيّروا اسمه إلى دان وفيه نحو 500 غرفة.

صحيح أنّ نسبة إشغال الفنادق عالية في القدس، ولكن أسمع كثيراً من أصحاب الفنادق أنّ التكلفة عالية والديون على الفنادق طائلة وكبيرة جداً. المقدسيّون اليوم يشكون من مشاكل كثيرة، والقطاع التجاري سيء جداً، وعلى الأخص في داخل البلدة القديمة، حيث عندي معلومات موثقة عن 250 محلاً تجارياً مغلقاً بشكل دائم.

-قرّش: غرف الفنادق مليئة في القدس لأنّ الفنادق صغيرة الحجم. يعني أكبر فندق عندنا فيه حوالي 130 غرفة فقط.

-نسيبة: القضية ليس لها علاقة بامتلاء الغرف، وإنما لها علاقة بالتجارة ونسبة التشغيل، يعني أن تكون نسبة التشغيل في الفنادق 70% في العالم جيّد، ولكن مشكلتنا، نحن المقدسيّين، هي تكاليف التشغيل العالية جداً.

-الحموري: بالنسبة للقطاع التجاري، فهو مقبل على كارثة. بالأرقام، في داخل البلدة القديمة، هناك مئات التجار، وحسب إحصائياتنا، هنالك حوالي ألف محل داخل البلدة القديمة، 250 منهم مغلق نهائياً، والجزء الباقي منهم عليه ديون لا تُصدّق. محلّ من هذه المحلات عليه ديون بمليون شيكل، وفي حديث مع بعض التجار، قال لي أحدهم أنّ على محله مليوني شيكل ديون، ورأيت الأوراق التي تثبت ذلك. المحلّ داخل باب خان الزيت، مساحته حوالي 40 م2 وفيه بضاعة بحوالي 70 ألف شيكل. فهذا كيف نتوقّع أن يسدّ ديونه؟ وهنا تكمن الخطورة. لأنّ موضوع تراكم الضرائب لم يأتِ بالصدفة، وإنما هو مدروس وقد استُعمل في مناطق 1948 باسم القانون، وبالتالي يتم وضع اليد على العقارات. اليوم هناك طريقة جديدة وهي إعلان الإفلاس. إعلان الإفلاس يعني السماح بوجود قيّم يدير شؤون الفرد، وبالتالي يصبح القيّم مسؤولاً عن عقارات الشخص. وهذا مؤشر خطير جداً. ولهذا يجب الاهتمام بالإنسان، فالعقارات بما فيها المقدّسات كلّها اليوم مباحة. وبتصوّري، يجب أن ندعم وجود الإنسان المقدسي وصموده.

-الهدمي: الفنادق هي جزء من المنظومة السياحية. تاريخياً، نحن نتحدث عن 40 فندقاً في القدس، اليوم نحو80% من هذا العدد فقط يعمل. في أيامنا هذه يوجد 1500 غرفة فندقية في القدس, وهناك منافسة فلسطينية فلسطينية. بيت لحم أصبحت تنافس القدس، في بيت لحم وصل سعر الغرف الفندقية إلى 30 و20 دولاراً، وهو أمر لا يمكن أن يحدث في القدس. وبالتالي أصبح هناك هجرة سياحية من القدس التاريخية – مع احترامنا طبعاً لبيت لحم ومكانتها الدينية وهي التي لا تقلّ عن القدس بنظري- ولكن القدس تتعرّض إلى منافسة في هذا الجانب. والأمر الآخر المهم هو البرنامج السياحي. السائح في مدينة القدس عندما ينزل في فندق مثل الإمبسادور والريتس والفنادق الموجودة في القدس العربية الشرقية، وقت إشغاله والقوة الشرائية له في القدس تكاد تكون معدومة لأنه لا توجد أنشطة ثقافية وبرامج. لدينا مؤسسات ثقافية في القدس لكن نفتقر إلى البرامج التي تكون معدّة مسبقاً قبل وصول السائح إلى القدس. القدس فيها مؤسسات ثقافية ولكن عملها يكون بمعزل عن البرامج السياحية وعن القطاع السياحي. هناك أمر آخر لا نستطيع إغفاله وهو أنّ في القدس توجد هيمنة وسيطرة إسرائيلية. فهناك صناعة للسياحة، والسائح عندما يأتي يستقبله مرشدون سياحيون ويستقطبونه إلى أماكن تعود عليهم بالنفع، كما يقومون بعملية غسيل دماغ للسائح الذي قد يبقى في البلدة القديمة ساعة من الزمن ولكن لا يشتري شيئاً من المقدسيين، لأنهم أفهموه قبل نزوله إلى السوق بأنّ التجار العرب هم سارقون ويجب أن لا يشتروا منهم.

في القدس والبلدة القديمة أصبح هناك تغيّر في المسارات السياحية. نحن نرى السيّاح في باب الخليل وباب الجديد، في مسارات معينة لا نعهدها، نحن أبناء القدس، وأقصد المسارات التي تتمحور حول باب العامود وباب الزاهرة وجبل الزيتون. هذا لا يمكن إغفاله. نحن في الدراسات التي يجب أن نحدّثها كغرفة تجارية، تقديرنا أنّ السائح يقضي في القدس العربية ساعة واحدة فقط، لأنه يكون محكوماً بالمرشد السياحي الإسرائيلي ومحكوماً بالبرنامج الإسرائيلي. وبالتالي، فعند النظر للقطاع السياحي، يجب أن لا نغفل جميع هذه المعطيات. كثير من الفنادق في القدس الشرقية أُغلقت وتحولت إلى مستشفيات. فندق الـ"بلاس" وأستوريا تحوّلا إلى مستشفى للهلال الأحمر مع أنهما مؤسستان وطنيتان مملوكتان للقطاع الخاص وفندق الكازرا" في وادي الجوز اشتراه مستشفى المقاصد.

لو استعرضنا الفنادق التي أُنشأت بعد عام 1967، نجد أنه تمّ إنشاء فندق واحد فقط وهو فندق "الدار" في الشيخ جراح وهو الوحيد الذي تمّ ترخيصه وإنشاؤه بعد عام 1967 وسعته صغيرة، لا تبلغ 60 غرفة.

-نسيبة: بالنسبة إلى المسارات التي ذكرتها، قضية باب العامود وباب الزاوية وباب الخليل، هذه مرتبطة بإقامة "ماميلا".

-الهدمي: الفنادق الضخمة الثلاثة ذات المستوى العالي أُقيمت ضمن مخطط يمكن أن أختصره بالقول إنّ السياحة تاريخياً كانت مرتبطة بالقدس العربية لقربها لمناطق البلدة القديمة والسياحة الدينية الموجودة والإرث الحضاري التاريخي. فجاءت هذه الفنادق الثلاثة وأضرّت ضرراً شديداً بالفنادق العربية المثقلة بالضرائب وشركات الباصات التي عليها ديون وتمّ الحجز عليها. جاءت هذه الفنادق وأخذت نصيباً كبيراً من المكاسب، وهي على مرمى حجر من فنادق القدس العربية.

الإسرائيليون في مرحلة من المراحل، ضمن مخططاتهم للقدس، مخطط 2020 وغيره، نلاحظ أنّ من ضمنه مخططات لإنشاء مناطق سياحية إسرائيلية على مستوى عال، على مقربة من مدينة بيت لحم، فبيت لحم التي تنافس القدس، في مرحلة من المراحل ستنافسها مناطق إسرائيلية تتمتع ببنية تحتية ممتازة وبرامج سياحية وثقافية تنافس بيت لحم، بحيث أنّ السائح يدخل ويزور كنيسة المهد في الحافلة الإسرائيلية ويخرج. اقتصادياً تكاد تصبح الفائدة الاقتصادية من السياحة في بيت لحم معدومة.

بالنسبة لسوق القطانين. في صلب الخطة الاستراتيجية للغرفة التجارية، نجد ضمن سلة المشاريع، أننا لم نغفل سوق القطانين ولا سوق اللحامين ولا المبادرات مثل تجمّع العنقود السياحي الذي ينفذ من قبل الغرفة التجارية بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية، وكذلك مشروع القدس القابضة، والمنتدى، وغيره من المشاريع والمبادرات الاقتصادية في القدس. أما بخصوص إغلاق الغرفة التجارية في القدس، فهناك محاولات مستمرة لإعادة فتحها، وكان آخرها قبل حوالي ثلاثة أسابيع عندما تقدمنا عن طريق محامينا باعتراض على الإغلاق لوزير الأمن الداخلي واعتراضنا رُفض، رغم أننا مؤسسة اقتصادية لا تتلقى أيّ مبلغ من السلطة الوطنية الفلسطينية، استندوا في رفضهم على نفس المسوغات القديمة بأنّ لنا علاقة بالسلطة الفلسطينية على اعتبار أنّ رئيس مجلس إدارتنا شخص كان في مرة من المرّات عضو مجلس تشريعي، والآن هو ليس عضواً في المجلس التشريعي. فبالتالي، تم رفض اعتراضنا ونحن نسير في خطوات أخرى مثل محكمة العدل العليا.

-نسيبة: عام 2001، ثاني يوم على إغلاق مقر الجامعة، توجهت إلى وزارة الأمن أسأل عن أسباب الإغلاق، قالوا لي إنّ وزير الأمن في طلبه لإغلاق المكان ذكر أنكم أنت كجامعة القدس تابعون للسلطة الوطنية الفلسطينية، مع العلم أنني كنت وقتها ممثلاً لمنظمة التحرير –بعد وفاة المرحوم فيصل الحسيني- فقلت لهم: نحن كجامعة لا نتبع للسلطة الفلسطينية ولن نكون. فقالت لي المستشارة القانونية: هل أنت مستعدّ لتوقيع ورقة بهذا الخصوص في وزارة الأمن الداخلي؟ فقلت لها أنا مستعدّ للتوقيع، وكان معي المحامي، ووقعت ورقة أنني لست مؤسسة تابعة للسلطة، مع أنني أخبرتهم فيما بعد بأننا كجامعة نتلقى من السلطة الفلسطينية دعماً، ولكننا لسنا جامعة تابعة للسلطة الفلسطينية. وفي اليوم الثاني تم فتح مكتب الجامعة في القدس.

أودّ الرجوع إلى نقطة لم أذكرها في حديثي وهي أنّ البلدة القديمة محورها الاقتصادي الاستراتيجي كان الشمال "باب العامود وباب الزاهرة" وهي نقطة التواصل التاريخي مع وطننا الفلسطيني في الشمال "رام الله والشمال". الإسرائيليون إضافة إلى كلّ الذي ذُكر، صمّموا سوقاً مهماً جداً مقابل باب الخليل، وهو ما أسموه سوق "ماميلا" وأصبح هناك تواصل معه، وبالتالي قاموا بتحويل المحور من الشمال إلى جهة الغرب وجهة اليهود، فبالتالي السيّاح عندما يأتون أصبحوا يمرّون من هناك، وهذا يؤثر على الحركة السياحية في القدس.

-الهدمي: اتخذ قرار من مجلس إدارة الغرفة التجارية في القدس لإحياء ملف إغلاق الغرفة، وفي اليوم الأول من تسلمي مهمتي في الغرفة التجارية أحيينا هذا الملف، وعندما جاءنا قرار تجديد الإغلاق، ذهبنا مباشرة لمحامينا، وطبعاً هذا لا يُعفينا من مسؤوليتنا، ولكن محامينا هو من أكفأ المحامين في هذه القضايا "جواد بولص" وهو نفس المحامي الذي كان مع د.سري نسيبة واستطاع فتح مكتب جامعة القدس. نحن كغرفة تجارية، جادّون في متابعة هذه القضية لأنّ هذا هو هدفنا الأول.

الانتخابات هي قضية مطروحة في مجلس الإدارة. أنا أمثل الجهاز التنفيذي وليس مجلس الإدارة، ولكن بحكم قربي من مجلس الإدارة وكوني على اطلاع، أعرف أنّ هذا الموضوع مطروح، وهناك تفكير بإجراء انتخابات في الوقت المناسب، ضمن محظورات القدس ومشاكلها، حيث أنّ الكثير من مؤسسات القدس لا يوجد فيها انتخابات.

-قرّش: لا بدّ أن نقدّم حلولاً، كيف يمكن أن نخفف من الآثار السلبية للجدار على الوضع الاقتصادي.

-نسيبة: الخط المستقيم هو قيام السلطة أو المهتمين بتقديم المساعدة المباشرة للإنسان المقدسي الموجود في الداخل لنشله من الوضع الموجود فيه، إن كان التاجر "المديون" أو الشخص غير القادر على تحمّل تكاليف البناء، أو الذي لا يستطيع دفع الضرائب، أي الإنسان الفرد. فهذا هو برأيي الشخصي يمكن ومن الضروري عمله مباشرة. وهذا يجب أن يشمل الناس وليس مؤسسات أو قطاعات معينة فقط.

-الهدمي: أتّفق مع ما ذكره د.سري، وتعزيز الصمود يجب أن يتم ضمن خطة وليس كردّة فعل. نحن نتعامل بردّات فعل، والهجمة كبيرة جداً، ويجب أن يكون هناك خطة شاملة تكاملية تُنفّذ على أرض الواقع، يكون مرادفاً لها الميزانيات المرصودة. القدس تفتقر إلى الموازنات المرصودة. هناك برامج وهناك أفكار وكلّنا نعرف مشاكل القدس، ولكن عندما نصل إلى رصد المبالغ المطلوبة نجد حصة القدس من هذه المبالغ تكاد تكون معدومة أو أنها لا تتجاوز 1%.

-الحموري: أتفق مع د.سري، لا يوجد حلّ إلاّ من خلال دعم صمود المواطنين المقدسيين بمختلف المستويات.

- قرّش: أنا لن أضيف شيئاً ولكن سننتقل إلى النقطة الثانية وهي تأثير الجدار على الحياة الاجتماعية والثقافية والتعليم في القدس فما رأي المختصين في هذا الشأن.

-د. أباهر السقا: بداية أودّ ذكر أنني مقدسي من جهة والدتي، أما بالنسبة لاستطلاع الرأي الذي بين أيدينا، لديّ مجموعة من الملاحظات. الملاحظات الأولى منهجية، طبعاً تقنية استطلاعات الرأي منهجية استنزفت الكثير من الحبر في مناهج العلوم الاجتماعية، وأنا من مدرسة معارضة لهذه المنهجية ولكن سأتعامل معها بموضوعية خالصة. وأنا كنت أتمنى أن يكون زميلي موجوداً حتى نناقشه. كيفية وضع السؤال في استطلاعات الرأي تخرج الإجابة. وهذا يعني أنّ هناك كمّاً هائلاً من الأسئلة قُدّمت في الاستبيان لاستخلاص نتائج معينة. وهذا مرتبط بشكل أساسي بتوجّه معيّن لدى الباحث للحصول على هذه المعلومات.

أختلف مع واضع الاستطلاع حول المصطلحات والمفاهيم المستخدمة، فمثلاً قلنديا هو حاجز وليس معبر. وهناك مشكلة أساسية وهي أنّ التعامل مع الجدار هو خضوع لمنطق المستعمِر. أي أنّ المستعمِر يحدّد الأداة التي يفرض بها على المستعمَر أن يقاومه بها. أي أنّ المستعمِر يضع الجدار ويطلب من المستعمَرين التعامل مع الجدار. فكل الانشغال الفلسطيني منذ عشر سنوات هو كيفية مقاومة الجدار، وتحويله إلى مزار، وكيفية تجاوزه. فتجاوزه ضمن منطق أنّ المستعمِر يفرض على المستعمَر طريقة المقاومة. لذلك، كلّ الممارسات الرسمية أو الشعبية تدور تحت طريقة المقاومة التي قرّرها المستعمِر، وبالتالي، تحت سقف وضعه هو. لذلك، علينا أن نفكر بطريقة نتجاوز بها أدوات المستعمِر. ممكن أن نختلف على طريقة المقاومة، مثل المقاومة المسلحة أو أدوات أخرى أو الالتفاف على قانون المستعمِر كما فعل د.سري. ولا مشكلة في أن نختلف حول رؤانا لعلاقتنا مع هذا المستعمِر. ولكن لو نظرنا إلى الاستطلاع، سنجد أنّ هناك مجموعة من العناصر التي ذُكرت في موضوع السياحة، وموضوع الأغاني، والعلاقة مع المستعمِر، كلها غائمة تماماً، لأنّ المعلومات عُرضت بطريقة خام. الاستبيان تم تبويبه بطريقة بسيطة، ولا يوجد تأويل أو تحليل للنتائج، وأجد أنّ العلاقة المعقّدة بين المستعمِر والمستعمَر غائبة، يعني هناك سؤال حول تقبّل معقول للطرف الإسرائيلي. أولاً، هو ليس طرفاً إسرائيلياً هو مستعمِر. يعني برأيي هذه المقاربات لها علاقة بتشوّه علاقتنا مع المستعمِر. يعني نتعامل بأنّ هناك طرفين، طرف اسمه فلسطين، وطرف اسمه إسرائيل، بينما هما طرفان لديهما صفات معينة ولديهما ظروف اقتصادية واجتماعية تحدّد خيارات الناس، وهناك علاقة مستعمريّة، هذه العلاقة غائبة في التحليل، ولذا، إجرائياً، لا يوجد ما يشير للسياسات الممنهجة للمستعمِر لأنه لو كان هناك تحليل مثلاً لذلك، ومقارنة مع تجارب استعمارية أخرى، نجد أنّ إسرائيل لا تفعل شيئاً جديداً، الفرنسيون كانوا يميزون مناطق معينة ويتركون للسكّان "الأصليين" متنفساً، وهو ما يحدث الآن في رام الله. فهذا منحى استعماري ممارس في مناطق مختلفة. فغياب المقارنة بين الحالات الاستعمارية والتعامل مع الخصوصية الفلسطينية مقلق. وهناك عدم شرح لإجابات المبحوثين وتفسير العلاقة مع المستعمَر وهذا يؤدي إلى النتائج التي توصّل إليها الاستطلاع. يعني عندما تكون المقاربة لها علاقة بوجود طرفين، وكيف يرى الفلسطيني الإسرائيلي، ولا توجد إطلاقاً أيّ تعبيرات لها علاقة بالوضعية الاستعمارية، الوضعية الاستعمارية تحدد على المستعمَر مجموعة من العوامل، منها التشوّه المستعمَري. يعني كل من يزور القدس يشعر بالبكاء. كلّ طفولتي التي عشتها في القدس لا تشبه إطلاقاً ما يحدث الآن. وهذا له علاقة بفشل المشروع الوطني الفلسطيني، وقيادات منظمة التحرير تتحمل المسؤولية التامة عن هذه التعبيرات التي يستعملها الناس. يعني كلّ هذا الولع بالنظام الصحي الصهيوني سببه فشل المؤسسات الفلسطينية. وكلّ يوم سقفنا ينخفض. حتى في فكرة التفاوض حول القدس، كل يوم السقف ينزل، وهذا يؤدي إلى شعور مجموعات كبيرة في القدس بالخذلان والتهميش. والخطاب الرسمي الفلسطيني يتحدث عن القدس بطريقة مبهمة. يجب عمل مقابلات معمقة مع المقدسيين المشتتين في كفر عقب وغيرها، حتى نستطيع تأويل نتائج الاستطلاع. يعني أن نعرف مثلاً تأثير الأسرلة على العائلات وتأثير القوانين وهدم البيوت وسياسات سحب الهويات. كلها عناصر الناس تعيشها بشكل يومي، وتم الإشارة لها بطريقة بسيطة وغير معمقة. يعني مثلاً، أرق الهويات، أن يكون الشخص في القدس أو خارجها، وإذا حصل على الجنسية الإسرائيلية ماذا يكسب وماذا يخسر، هذا كله لم يتم التطرق إليه. وهناك كمّ كبير من الدراسات التي تتحدّث عمّا حصل في القدس خلال العشرين سنة الماضية، وهذا التأثير على المشاكل التي تحصل ف

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website