واقع التعليم العالي في فلسطين وآفاق تطويره عدد 249 - 250

واقع التعليم العالي في فلسطين وآفاق تطويره

 

عقدت "شؤون فلسطينية"، مساء 07/10/2012، ندوة متخصصة بالتعليم العالي في فلسطين، وذلك بمشاركة: د.جورج جقمان: العميد الأسبق لكلية الآداب وكلية الدراسات العليا في جامعة بيرزيت والأستاذ في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في نفس الجامعة، د.خليل نخلة: باحث وكاتب مستقل. رئيس الهيئة الوطنية للإعتماد والجودة والنوعية في مؤسسات التعليم العالي (2002–2005)، ومستشار للمفوضية الأوروبية في تطوير التعليم العالي الفلسطيني (1993–2001)، ومستشار للبنك الدولي في مشروع التخطيط الإستراتيجي والتقييم الذاتي في مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية (2007–2010)، د.سامي مسلّم: مدير معهد الدراسات الإقليمية في جامعة القدس، د.سعيد زيداني: أستاذ الفلسفة المشارك في جامعة القدس، ونائب الرئيس للشؤون الأكاديمية سابقاً، د.شريف كناعنة: رئيس مركز دراسات التراث والمجتمع الفلسطيني، وأستاذ علم الإنسان، د.غسان الخطيب: نائب رئيس جامعة بيرزيت للتنمية والاتصال.

وأدارها، د.سميح شبيب: رئيس تحرير شؤون فلسطينية، د.عبد المجيد سويلم: أستاذ محاضر في دائرة الدراسات الإقليمية في جامعة القدس، د.سمير عوض: أستاذ محاضر في دائرة العلوم السياسية في جامعة بيرزيت.

هدفت الندوة، إلى مناقشة واقع التعليم في فلسطين، وطرح التصورات الرامية إلى تطويره، استجابة للمتغيرات على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، كي يكون متوافقاً مع المعايير الدولية.

طرح د.سميح شبيب ورقة افتتاحية للنقاش، وفيما يلي نصها:

تعود الجذور التاريخية لنظم التعليم العالي الفلسطيني إلى سنوات الأربعينات، عندما بدأ عدد من الطلبة الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، والتوجه إلى الجامعات المصرية والأمريكية والبريطانية وغيرها.

ما قبل العام 1967، لم تكن في فلسطين مؤسسات تعليم عال جامعي، وكانت هناك كليات متوسطة، أو معاهد لتخريج المعلمين، وأبرزها دور المعلمين التابعة لوكالة الغوث الدولية (الأونروا). إضافة إلى بعض الكليات الخاصة مثل كلية بيرزيت، وكلية النجاح في نابلس، والكلية العربية في القدس.

بعد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) عام 1967 برزت تغييرات اجتماعية واقتصادية حيث بدأ المجتمع الفلسطيني الاعتماد على نفسه في التخطيط والتفكير ببناء مؤسساته الخاصة، ومنها التعليمية بالطبع.

كانت أولى المبادرات في كلية بيرزيت عام 1972، التي أعلنت عن تطوير التخصصات التي تدرّسها إلى درجة البكالوريوس. وفي عام 1973 أعلنت مدارس الفرير في القدس عن تحويلها إلى جامعة أطلق عليها جامعة بيت لحم. وفي عام 1980 افتتحت كلية أخرى في الخليل إلى جانب كلية الشريعة التي تأسست منذ عام 1971 لتشكّلا جامعة الخليل.

تطوّرت كلية النجاح في نابلس إلى جامعة عام 1977 بعد أن كانت كلية متوسطة. وفي عام 1978 تأسّست الجامعة الإسلامية في غزة. وفي نهاية السبعينات وبداية الثمانينات انطلقت أربع كليات جامعية في القدس، شَكلت ما يعرف باسم جامعة القدس. وفي أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، قرّرت م.ت.ف. إنشاء جامعة القدس المفتوحة، خارج الوطن، فكان لها فروع في دول الخليج ثم انتقل مقرها بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن، وفُتحت فروع لها في كافة المحافظات. ومع بداية العقد الأخير من القرن الماضي تأسّست أحدث جامعتين في فلسطين وهما جامعة الأزهر وجامعة القدس المفتوحة. وفي عام 2006، تأسّست الجامعة الأهلية في بيت لحم. وفي العام 2007، تحوّلت الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية إلى جامعة الاستقلال في أريحا. وفي العام 2008، تم افتتاح جامعة فلسطين التقنية –خضوري.

دفع وضع الجامعات التي نشأت بسرعة رؤساء البلديات المنتخبين في الأراضي الفلسطينية، ومجمع النقابات المهنية، ورؤساء الجامعات، ورؤساء مجالس أمنائها، إلى عقد اجتماع لتداول أمر التعليم العالي وتحديد فلسفته وأهدافه ودعمه والتخطيط له، ونتج عن هذا إنشاء مجلس جديد يدعى مجلس التعليم العالي في عام 1990. وقد جمع المجلس الجامعات والكليات الجامعية الفلسطينية تحت مظلته. ونتيجة لتعديل نظام عمل المجلس وتشكيل لجان متخصصة، أصبح من الضروري أخذ موافقة مجلس التعليم العالي على افتتاح أي تخصص جديد في أي جامعة أو كلية جامعية.

توّلت السلطة الوطنية الفلسطينية العمليّة التعليمية في فلسطين في آب (أغسطس) من العام 1994. وقد ورثت بنية تعليمية شبه مدمرة، تعرّض فيها الحق في التعليم، شأنه في ذلك شأن حقوق الإنسان الفلسطيني جميعها، إلى الانتهاك المنظّم والمتواصل من قبل الاحتلال، الأمر الذي كان ينذر بانهيار النظام التعليمي برمّته ويقوّض أيّ آفاق تنموية حقيقية في هذا المجال. وقد تمّ تشكيل وزارة التعليم العالي عام 1996 لتستكمل دور مجلس التعليم العالي الفلسطيني الذي كان قائماً قبل قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية.

ومنذ توليها تلك المهام، سعت السلطة الفلسطينية إلى القيام بواجباتها الرئيسة، وهي ضمان استمرار توفير الخدمات التعليمية للمراحل الدراسية المختلفة لمجموع المنتفعين الذين يزيد عددهم عن ثلث السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة. لهذا فقد حدّدت الوزارة منذ بدء عملها المهام الرئيسة تجاه النهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي في البنود التالية:

· تحسين جودة التعليم العالي.

· تحسين وتطوير الأجهزة الإدارية في مؤسسات التعليم العالي.

· تجذير التفاعل بين مؤسسات التعليم العالي والقطاع الخاص.

· التركيز الشمولي على البعد التطبيقي للتعليم العالي الفلسطيني.

·التركيز على البحث العلمي كأحد مقومات التعليم العالي.

سعت السلطة، وسعى مجلس التعليم العالي إلى تطوير الجامعات الفلسطينية، ورفع سويّة التعليم العالي. لكن المؤشرات كافة، تدل على جملة نقاط سلبية لا تزال تعتري حياتنا الجامعية وفقاً للمقاييس الدولية، ومقارنة مع محيطنا الإقليمي.

تمكّن التعليم العالي، ومنذ 1996، من تحقيق نقاط إيجابية أبرزها: تزايد عدد الجامعات، ليصل إلى أربع عشرة جامعة، وخمس كليات موزّعة في أنحاء الوطن، وخمس وعشرون كلية مجتمع متوسطة، تمنح شهادة الدبلوم، للطلبة الذين أنهوا دراستهم لمدة عامين. كما وتطور عدد الطلبة والطالبات. كان عددهم 28.000 طالب وطالبة سنة 1994-1995، ليصل إلى 75.000 طالب وطالبة 2000-2001، وفي العام الدراسي 2009-2010 وصل عددهم نحو 130.000.

وتحقّق قدر من المساواة في الفرص الجامعية بين الذكور والإناث.

ترافق ذلك مع بروز وترسيخ سلبيات كانت قائمة، وأخرى مستجدة، لعل أبرزها وأخطرها، يتمثّل في:-

1- غياب الفلسفة التربوية للتعليم العالي في فلسطين، ما يحول دون تحديد شكل ومضمون العملية التربوية. وتطوير المناهج التعليمية وتجديدها. وغياب، أو شبه غياب البحث العلمي، وعدم تمويل البحوث العلمية. كما أن نسبة الإناث من أعضاء الهيئة التدريسية هو 12.8% فقط والباقي هو 87.2% من الذكور. ما يشير إلى ضعف مشاركة الإناث في التدريس في قطاع التعليم العالي.

2- يعاني قطاع التدريس من ضعف مستوى الرواتب والأجور.

3- تواجه الجامعات الفلسطينية أزمات مالية كبيرة، تحول دون تفرغ العاملين في التدريس الجامعي، لتطوير وسائل تدريسهم، والتفرغ الجدي لحياتهم الجامعية، ولجوء معظمهم للانخراط في العمل بمؤسسات العمل الأهلي، إلى جانب عملهم كأساتذة في الجامعات، ممّا أسهم في تدني نوعية التعليم العالي وجودته.

4- تعاني الجامعات الفلسطينية من الابتعاد عن البحث العلمي، على الرغم من أنّ البحث العلمي كان دوماً من صلب مهمّات الجامعات.

5- كما تعاني من ضعف التنسيق بين مؤسسات التعليم العالي، مما يضعف العملية التعليمية برمتها.

على ضوء ذلك، يمكن القول، بأنّ الحياة الجامعيّة في فلسطين، تواجه عدداً من التحديات الجدية، والتي يمكن إيجازها، بالنقاط التالية:

1- تحسين الكفاءة الداخلية.

2- تحسين مستوى القدرات الإدارية.

3- الارتقاء بالمستوى التعليمي، خاصة فيما يتعلق بتطوير المناهج.

4- تطوير قدرات العاملين في التعليم العالي.

5- الانفتاح على البحث العلمي والمنهجي.

إن التعليم العالي هو حق من الحقوق الأساسية للمواطن، وهو عملية استثمار في التنمية الشاملة، وبالتالي، فإنه لا يوجد تعليم محايد، بل هو استجابة لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية، في ظل التحديات التي تواجهها، وفي المقدمة منها الاحتلال الإسرائيلي، وضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية.

لعل الواقع الذي يعانيه التعليم الجامعي في فلسطين، بات يشير، بوضوح، أنه وعلى الرغم من التطور الكمي الذي شهده على مدار عشرين عاماً، إلاّ أنه لا يزال يعاني من قصور واضح في مجمل العناصر المكونة للتعليم العالي. وهذا ما يستدعي البحث الجاد عن السبل المؤدية لتطويره استجابة للاحتياجات المجتمعية القائمة وانسجاماً مع المعايير الأكاديمية الدولية.

استهلّ النقاش، د.سعيد زيداني: الموضوع الذي أثرته موضوع مركّب ومعقّد وواسع في ذات الوقت، ولا أعرف من أين أبدأ، ولكن أنت حددت المداخل. هناك مثلاً قضية التمويل، فتعليم عالٍ بهذا التمويل الحالي لا تتوقّع منه كثيراً. يعني إذا قارنّا ميزانية التعليم العالي في فلسطين بميزانيات جامعات مماثلة من حيث أعداد الطلبة والأساتذة في أوروبا أو أمريكا أو أيّ دول متقدّمة، فأنت تتحدّث عن فرق شاسع. وقضية التمويل بذاتها أيضاً مركّبة ومعقّدة. غير واضح ما هو التزام السلطة أو الحكومة نحو التعليم العالي لدينا. هل هذه الجامعات جامعات عامة أم ماذا؟ ما هو دور الحكومة في مجال تمويل الجامعات؟ الجامعات كلها تقوم بمحاولة حلّ مشكلة التمويل بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري، وهي غير قادرة حتى الآن على حلّ هذه الأزمة، فيخلقون أحياناً النظام الموازي أو غيره، ويحاولون عمل الكثير من أجل تدبير أمورهم المالية. دون حلّ لعقدة التمويل، يجب أن لا نتوقع الكثير من الجامعات الفلسطينية. أنا أقترح تسليط الضوء على هذه المشكلة. والتمويل يتمثّل في رواتب الأساتذة ويتمثّل في مخصّصات الأبحاث التي تكاد تكون معدومة عندنا، ويتمثّل في الرواتب التي تعتبر نسبياً متدنية والتي تضطرّ الأستاذ الجامعي للبحث عن عمل إضافي. أنا أقترح أن نقوم بالتركيز على هذا المدخل ونرى كيف يتشعّب، لأنّ المواضيع كلها متداخلة ومركّبة، لكن التمويل في عصب الموضوع، وهذا ينطبق على كلّ الجامعات دون استثناء.

د.شريف كناعنة: أعتقد أنّ كلّ ما يتعلّق بالتعليم العالي، أسبابه مبنيّة بشكل هرمي، منها القريبة المباشرة ومنها البعيدة. الأسباب الجذرية البعيدة هي سببان: الاحتلال وطبيعة المجتمع العربي. وأنا برأيي أنّ كلّ ما يؤثر على التعليم ككل والتعليم العالي هو أحد هذين السببين.

مثلاً بالنسبة للاحتلال، يتوزّع عنه أشياء كثيرة، من أهمّها عدم وجود سلطة واحدة تتحكّم بنظام التعليم والجامعات، أو على الأقل عدم وجود هرميّة متسلسلة بحيث أنّ المستوى الأعلى يضبط المستوى الذي تحته، لأنه عندنا في نظام التعليم كلّ المستويات تتداخل من الوزارات، للأحزاب، للسلطة، للعائلات والحمائل في المجتمع، فكلّها تتدخّل في التعليم والجامعات وتؤثّر عليها...

من جهة بناء المجتمع العربي أيضاً أرى أنّ هنالك عاملين مهمّين:

1- بنية المجتمع العربي، القبليّة والعائلية والحمائلية، وما يتسلسل عنها.

2-  نظرة المجتمع العربي الفلسطيني للتعليم، فالتعليم هو "كرتونة" شهادة للصعود الاجتماعي أكثر منها للبحث والإنتاج والعمل.

د.غسان الخطيب: في سياق المقدّمة وباختصار، أنطلق أولاً: من التأكيد على جانب إيجابي وهو أنّ قطاع التعليم العالي في الظروف والخصوصية الفلسطينية واحد من القطاعات الهامة جداً وهو يلعب دوراً هاماً وإيجابياً لصالح المجتمع الفلسطيني ولصالح تحقيق أهدافه قياساً للظروف الصعبة والاستثنائية التي تحدّ من إمكانياته. يعني أحياناً شيء يشبه المعجزات أن تجد في هذه البلاد وفي هذه الظروف مؤسسات مثل بعض المؤسسات التعليمية القائمة.

ثانياً: بما أننا نتكلّم بشكل عام، ليس كلّ ما نقوله ينطبق على جميع المؤسسات التعليمية الفلسطينية، لأنها متباينة كثيراً، ولكن بشكل عام هناك مؤسسات ينطبق عليها ما نقوله أكثر من مؤسسات أخرى.

ثالثاً: المشاكل الحقيقية هي مشكلتان ونصف، إذا أردنا أن نضعها في سياق عام؛

المشكلة الأولى هي في مجال الموارد البشرية، وهي مشكلة كبيرة ومتداخلة مع المشكلة الثانية وهي الموارد المادية، والصعوبات المالية تحدّ من إمكانيات الجامعات في تحقيق أهدافها وفي التقدّم وفي تحقيق أهداف المجتمع خصوصاً من النواحي الكيفية أو النوعيّة. وهذه المشكلة المادية هي أحد أسباب مشكلة الكفاءات، ولكنها ليست السبب الرئيسي. أعتقد أنّ السبب الرئيسي هو سياسي، فقيود الاحتلال وظروف التنقّل وصعوبة استقطاب كفاءات من الخارج وصعوبة الظروف التي تشجّع الكفاءات الموجودة في البلاد للخروج خارج البلد. وبالتالي هناك قيود على استقطاب كفاءات من الخارج. إنّ مشكلة الكفاءات الأكاديمية، وهي مشكلة لا نتحدّث عنها كثيراً عادة، هي واحدة من أهم المشاكل التي تعاني منها الجامعات المحلية إضافة إلى الموضوع المالي. والأمور متداخلة، فهذا يؤثر عل مستوى التعليم العالي، لأنّ أحد مشاكل التعليم العالي هو مستوى مدخلات ومستوى مخرجات هذا التعليم. وهذا له علاقة بعوامل عديدة، جزء منها الإمكانيات المالية، وجزء منها الإمكانيات البشرية والتداخل بينهما. النصف مشكلة، ربّما تخفّ مع الزمن، ولكن حالة المجتمع عندنا، والتداخل بين حياة الثورة والنضال والكفاح وبين حياة المجتمع المنظّم والمجتمع المدني، يؤدّي أحياناً إلى أن تتصرّف التجمعات السياسية أو القوى أو المنظمات السياسية في المؤسسات التعليمية بطريقة لا تتناسب مع مصلحة هذه المؤسسات، وبالتالي تحدث مظاهر يصعب وصفها بأنها نقابية طلاّبيّة، فيها قدر من التأثر بالأجواء السياسية، مرّات تقترب من "الزعرنة" تحت ستار تنظيمات وكتل سياسية، وفي بعض الأحيان تصل إلى درجات تعيق العملية التعليمية وتؤذيها وتضرّ بها، وربما أقرب مثل هو ما حصل مؤخراً من إغلاق جامعة بيرزيت لمدة لا تقلّ عن ثلاثة أسابيع بشكل تعسّفيّ.

وبالتالي الجهات التي تتحمّل المسؤولية هي المجتمع الذي يجب أن يقدّم دعماً أكبر للجامعات، وجزء منها تتحمّله السلطة رغم أنّ إمكانياتها محدودة، إلاّ أنه يجب أن يكون لموضوع التعليم أولوية أكثر. وأيضاً هناك مشكلة في طريقة التعامل المالي للسلطة مع الجامعات حيث أنها تقوم بتوزيع الدعم على الجامعات بناءً على الكمّ، وبالتالي هي تشجّع على تخفيض المستوى بدلاً من التشجيع على تحسين المستوى، يعني معايير توزيع المساعدات المالية تقوم على العدد، وبالتالي كلّما كان عدد الطلاب أكثر، بغضّ النظر عن العوامل الأخرى، يكون نصيبهم من المساعدات أكثر، وبالتالي تدفع الجامعات للتنافس في الكمّ على حساب الكيف، وهذا موضع انتقاد، ينبغي أن تكون هناك مجموعة معايير، الكمّ أحدها ولكن لا يجب أن يكون الأساسي. وطبعاً القوى السياسية أيضاً غير متحملة لمسؤوليتها تجاه الجامعات. الجامعات ذاتها أيضاً تتحمّل جزءاً من المسؤولية في عدة جوانب، مثلاً، وإن كان هذا أيضاً له متطلّبات، ولكن الجامعات يجب أن تتّجه ذاتياً ما أمكن لتوازن أفضل للتعليم والأبحاث، نحن نعلم أنّ هذا له تبعات مالية، لكن بالقدر الممكن يجب أن يكون هناك تركيز على موضوع النوعية لأنّ المنافسة الجارية بين الجامعات هي على الكم منها أكثر من الكيف، وبالتالي، الجامعات والسلطة والمجتمع يجب أن تعمل بينها توازناً أكثر ممّا هو قائم.

د.سامي مسلّم: أشكر المتحدثين لأنّ كثيراً من الكلام الذي ذكروه في مكانه ولا أريد أن أكرّره. أريد أن أضيف عدداً من النقاط:

1-لدينا 16 محافظة و18 جامعة، ولدينا زهاء أربعة ملايين فلسطيني موجودون في الأراضي الفلسطينية بما فيها المحافظات الشمالية والجنوبية، وجزء قليل جداً من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر يأتون إلى الجامعة العربية الأمريكية في جنين، لدرجة أنّ هناك في بعض المحافظات جامعتين. هل تتحمّل مدينة بيت لحم مثلاً جامعتين، هل تتحمّل قلقيلية جامعتين، أو غزة أربع جامعات، ممكن أن تتحمّل غزة 4 جامعات بسبب العدد ولكن الخليل ليس فيها سوى جامعة واحدة وبيت لحم جامعتين مثلاً! بالنسبة والتناسب مع السكّان، فهذه أيضاً بحاجة إلى وقفة للمناقشة، وأصبح وجود الجامعة في المحافظة مطلباً وطنياً سياسياً وليس مطلباً تعليمياً للمحافظة. هذا موضوع مهم بحاجة إلى قرار أولاً من أصحاب الشأن في الجامعات وثانياً من السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث أننا لا نستطيع أن نرمي الحمل على السلطة وحدها لتقرر عدد الجامعات، يمكن بقرار اعتباطيّ أن تقرّر السلطة ذلك، ولكن القضية متروكة للناس، وبالتالي نأتي إلى مشكلة التمويل، ومن تدعم، وعدد الجامعات لا يقود إلى التحسين في نوعية التدريس ونوعية الطلاّب ونوعية الأساتذة، هذه ثلاثة محاور أيضاً بحاجة إلى مناقشة، وقد تطرّق لها قبلي د.غسان ود.شريف، وهو مهمّ لأنه يعبّر عن نظرة سائدة تجاه حمل الشهادة الجامعية. هذا بالإضافة إلى أنّ هناك مشكلة في التصديق على الشهادة او احترام الشهادات التي يحصل عليها أساتذة أو طلاب فلسطينيون من جامعات أخرى خاصة من دول لا تشهد استقراراً سياسياً مثل السودان، أو الطلاّب الذين يذهبون إلى الجامعات الحرة عبر الإنترنت والتي لا تعترف بهم السلطة بسبب كثير من المشاكل. وهذه تطرح مشكلة التثقيف. الطالب الفلسطيني، حسب ما رأيت، غير مهتمّ بالثقافة العامة التي سيحصل عليها في التعليم الجامعي، هو مهتمّ بـ"الكرتونة"، مفهومة الأسباب المعيشية التي تجبر الطالب الفلسطيني على الاهتمام بالحصول على شهادة على أمل أن يجد عملاً ويحسّن وضعه المعيشي، ولكن أيضاً هذا يكون على حساب التعليم العالي، وينعكس ذلك على عدم قدرة الطلاب في كثير من الجامعات على امتلاك خط جميل، أو حتى قراءة الحد الأدنى المطلوب منه قراءته، ولا يثقفون أنفسهم بقراءة كتب إضافية أو قراءة جريدة يومية حتى. فالثقافة العامة اليومية غير موجودة، وقد تكون مؤشراً إلى اختفاءها.

نحن أيضاً نواجه مشكلة ثانية، القليل من طلابنا يعرف لغات أجنبية، وبالتالي هم لا يستفيدون من كلّ التراث العلمي والبحثي الموجود في العالم. فالطالب لا يقرأ أساساً باللغة العربية، فلا يمكن أن تتوقّع منه أن يقرأ بلغات أخرى، ولا حتى الانجليزية المنتشرة في العالم. فرضنا هذه السنة في جامعة القدس، على طلاّب الدراسات العليا أن يدرسوا مساق لغة إنجليزية، فاستغربوا وكان جوابهم أنّهم لا يحتاجونها، يعني طالب ماجستير مستغرب من اتخاذ الجامعة لهذا القرار. كما أنه لا يوجد استخدام للمكتبات في الجامعة، لأنّ معظم الكتب هي باللغة الإنجليزية وأكثر الطلاب لا يتقنونها. والإصدار العربي قليل، فإسبانيا كدولة واحدة تترجم سنوياً أكثر من كلّ ما تنتجه الدول العربية مجتمعة من كتب.

نقطة أخيرة أريد التحدث حولها وهي أنّه لم يطرق أحد منّا موضوع دور الإعلام في نشر الوعي، أو استخدام التلفزة والراديو كأداة تثقيفية وتعليمية، ولكن عوداً على بدء أؤكّد على المشاكل التي طرحها د.سعيد زيداني بالنسبة للتمويل، والتي طرحها د.غسان بالنسبة للمشاكل الأخرى، ومشكلة الاحتلال التي طرحها د.شريف. وبالنسبة للجانب المجتمعي، فقط أريد أن أضيف، أنه عندما تحدث مشكلة بين عائلتين في منطقة ما تنتقل هذه المشكلة إلى الجامعة، ونحن في جامعة القدس نعاني منها معاناة شديدة، والجامعات في غزة كذلك لأنّ العائلية هناك سابقة لكلّ شيء، ولا أدري إن كان هناك جامعات أخرى فيها نفس المشكلة. كما لم يُحكَ عن الاضرابات، فبغضّ النظر إن كان الإضراب مهماً للنقابات أم لا، ولكنّ الإضرابات تقود إلى شلّ الحركة التعليمية ولا تحلّ المشاكل المطلبيّة التي تطالب بها النقابات، لأنه أساساً مهما أضربت النقابات، لا الجامعة ولا السلطة لديها أموال لتحلّ المشكلة.

د.جورج جقمان: أبدأ بالجانب المالي وأشير إلى 3 أو 4 نقاط. أولاً تأييداً إلى كلام د.سعيد في البداية أودّ الإشارة إلى مثال آخر وهو أنّ هناك كلية في الولايات المتحدة اسمها كلية بارغ لديها حوالي 1900 طالب، موازنتها 100 مليون دولار، بينما جامعة بيرزيت موازنتها 17 مليون دولار ولديها 10000 طالب. أي أنّ الموازنة هي 5 أضعاف موازنة بيرزيت، ولدينا 5 أضعاف عدد الطلبة. هذا يؤشّر على نوع الفارق الموجود.

الأمر الاساسي في رأيي أو النقطة الثانية أنّه يوجد نوع خاص وفريد في فلسطين، أي أنّ من يستفيد من منتوج الجامعة، أي الخرّيجين، لا يساهم في إعداد هذا المنتوج. الخرّيج يعمل برأسمال، والمشغِّل هو المستفيد الأول من رأس المال هذا، المستفيد هو في الأساس القطاع الخاص ثم القطاع العام. والأمر الغريب أنّ أهل الطلبة يقدّمون الدعم للقطاع الخاص وللقطاع العام من خلال تمويل دراسة الطلبة، بينما المستفيد وهو المشغّل لا يُساهم في رأس المال هذا، يأخذه جاهزاً ويوظفه. إن قِيل أنّ الحكومة تأخذ ضرائبَ من القطاع الخاص، وبالتالي هو يساهم في تقديم ضرائب، فإذاً يعود على الحكومة أن تقدّم الدعم. التعليم العالي في جميع الدول يلزمه دعم، سواء كان الدعم حكومياً أو غير حكومي. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة الجامعات الخاصة، بمعنى جامعات غير حكومية وغير ربحية، وهو تماماً نفس وضع معظم الجامعات الفلسطينية، تعتمد جزئياً على التبرعات، التبرعات هي ضريبة طوعيّة غير مباشرة على رأس المال، تشجّعها الحكومة بأن تعفي المبلغ المتبرّع به من الضرائب، هذه سياسة محدّدة من نوع معيّن. نحن لا توجد لدينا سياسة ما واضحة، خصوصاً بوجود اتفاقيات سابقة بأن تقوم الحكومة بتقديم الدعم للجامعات.

النقطة الثالثة هي الخطأ الشائع بأنّ فلسطين فقيرة وأنّ الحكومة لديها أزمة مالية، طبعاً هذا صحيح، الموضوع لا يتعلّق بضعف الموارد المالية وإنما يتعلّق بأمر آخر وهو الأولويات، كيف تُوزَّع موازنة الحكومة وما هو نصيب التعليم العالي. أعتقد أنّ هذه هي المشكلة، يجب أن لا نتحدّث عن موضوع الضعف النسبي للموارد وإنما كيف توزّع هذه الموارد في فلسطين.

أخيراً أشار د.سامي إلى أنّ عدد الجامعات الفلسطينية هو 18. قد لا نكون بحاجة إلى هذا العدد في الواقع. ما هو حاصل أنّه توجد بطالة مقنّعة من خلال 4 أو 5 سنوات في الجامعات لأعداد كبيرة من الطلبة الذين لا يجدون عملاً آخر، فيذهبون إلى الجامعات. على سبيل المثال، تحت الاحتلال وقبل إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، في أواسط الثمانينات وقبل بداية الانتفاضة الأولى، كان حوالي نصف القوة العاملة الفلسطينية تقريباً يعمل في إسرائيل، الكثيرون من خرّيجي التوجيهي، إن كانت لهم فرص عمل مجزية، قد يرغبون بالعمل مباشرة دون الذهاب إلى الجامعات. ولكن الآن ما هو حاصل هو أنّ كثيرين منهم يأتون إلى الجامعات فقط لأنّ فرص العمل محدودة ومحصورة. فتوجد بطالة مقنّعة نراها في ازدياد أعداد الطلبة الذين يخرجون إلى الجامعات والمطالب، كأنها مطالب شرعيّة، أنه يجب أن تكون المعدلات للقبول في الجامعات أقلّ مما هي حالياً في معظم الجامعات. إذا الأزمة الاقتصادية تنعكس بأكثر من شكل على الجامعات الفلسطينية.

د.خليل نخلة: هل الهدف من هذا اللقاء تشخيص مشاكل التعليم العالي؟ على معرفتي أنا ما لا يقلّ عن دزينة من التقارير التفصيلية التي حدّدت هذه المشاكل. إن كان كذلك فاقتراحي أنه يجب أن نطّلع على هذه التقارير حتى لا نعيد أنفسنا ونرجع إلى نقطة الصفر. واضح أنّ هناك مأزقاً استراتيجياً في التعليم العالي. هو في التعليم بشكل عام، ولكن هناك مأزقاً استراتيجياً في التعليم العالي منذ عام 1995، طبعاً هو سبق الـ1995، ولكن يمكننا القول إنه منذ الـ1995 بالتحديد ظهر هذا المأزق الاستراتيجي ولم يتغيّر، بالعكس، هو يتجه ليصبح أسوأ. جزء من هذا المأزق هو كلّ ما يتعلّق باقتصاديات التعليم العالي. ليس فقط كم توجد أموال للتعليم العالي، ولكن جميع اقتصاديات التعليم العالي، يعني علاقة التعليم العالي مع السوق. وهذه العلاقة غير واضحة. نحن بشكل عام نقول أنّ تخصّصات الخرّيجين يجب أن تتواءم مع احتياجات السوق. هذا كلام عام لا أساس له، هذا شعار، لأنّ هذا يتعلّق بنوعية الاقتصاد، فمجتمع يعتمد على الاستهلاك كما هو مجتمعنا حالياً، يعني أنّ معظم خرّيجينا يجب أن يعملوا في قطاع الخدمات، ويتمّ تدريبهم على أساس أن يعملوا في البنوك وشركات التأمين، والشركات المالية...

هذه الرزمة من الإشكاليات يجب أن نفكّكها، وهذا يتعدّى موضوع مسؤولية السلطة أو الحكومة في دعم التعليم العالي، لأنه في تقديري، المسؤولية الرئيسية في دعم التعليم العالي لا تقع على عاتق السلطة ولا الحكومة. المسؤولية الرئيسية لماذا مثلاً اليوم لا توجد جامعة فلسطينية لديها وقفية، مهما كانت قيمة الوقفية. لا يوجد وقفيات. وقفيّة بمعنى مبلغ مرصود لدعم هذه المؤسسة لاستخدام الريع منه وليس المبلغ نفسه. يعني أغلب الأغنياء اليوم يستثمرون في بنايات. يعني في حال تبرّع أحد لبناء كلّية ما في جامعة، أن تشترط الجامعة أن تأخذ نسبة معيّنة من المبلغ، 10% أو 15% كمبلغ مرصود لتغطية الموازنات التشغيلية لهذه البناية. اليوم، إذا نظرنا إلى الجامعات الغربية، أنا أعرف أنّ هارفرد، تبلغ وقفيتها 8.2 مليار دولار. بمعنى تغطية الموازنات الجارية والرواتب لأنّها أوّل ما يتأثّر بالمأزق المالي. لأنّ أوّل ما يتأثّر بالمأزق المالي هو الاشتراك في المكتبات، الدوريات، عمل الأبحاث...

أنا أتمنى أن نحدّد فعلاً ما هو المأزق، إلى أين نحن متوجّهون، وكيف نخرج منه.

د.سميح شبيب: نترك المجال للدكتور سمير والدكتور سويلم لمناقشة ما دار من حوار.

د.سويلم: أقترح أن نقوم في الجولة الثانية من الحوار بمحاولة إيجاد حلول. وأن نحاول تلخيص المشكلات وتكثيف المعلومات التي نصل إليها من أجل الانتقال إلى مرحلة ثانية، وهي عقد مؤتمر حول التعليم العالي برؤى واضحة للخروج بشيء جدّي.

د.سميح: نحن نطمح إلى أكثر من إثارة موضوع التعليم العالي، نطمح إلى تقديم مادة لفتح نقاشات قد تفضي إلى نوع من المؤتمر تُقدَّم فيه أوراق وتُنَاقش.

د.سويلم: فيما يخص سوق العمل هناك مشكلة، هل المشكلة في المنهاج مثلاً؟ هل مناهجنا لا علاقة لها بسوق العمل؟ هل سوق العمل لدينا لا يستطيع استيعاب الفائض في قوة العمل بغضّ النظر عن هذا الفائض، البطالة. هل نذهب إلى قطاع الخدمات؟ هل نحن بحاجة إلى العلوم الاجتماعية؟ من المسؤول عن هذه الموازنة في البلد؟ أين الضبط الحكومي؟ ما هي المؤسسة المسؤولة عن عمل ضبط لكلّ هذه العملية؟ المجلس التشريعي؟ أم المجلس الأعلى للتعليم العالي؟ ما هو دور المجلس الأعلى للتعليم العالي؟ هل تطرح هذه المؤسسة مشكلات التعليم العالي؟ هل هي مدركة لمشكلات التعليم العالي؟ هل لدينا خللاً كبيراً في المؤسسة التي تقود وتخطّط للعملية التعليمية وتحاول إلقاء الأضواء على مشكلات هذه العملية؟: أمر آخر، بالنسبة إلى برامج التعليم العالي، كلّما توفّرت أموال بيد أشخاص يقومون باستحداث برنامج، فتتضخم لدينا برامج التعليم دون تخطيط.

د.سعيد زيداني: عندما بدأت مداخلتي بموضوع البعد المالي، وقلت أنه هو في العصب، قصدت أن أقول أنّ الموضوع المالي له علاقة بكلّ شيء. إذا أخذنا برامج الدراسات العليا في جامعاتنا الفلسطينية، لماذا بدأت؟ بدأت من أجل حلّ أزمة مالية. فالهاجس الأساسي لدى جامعة بيرزيت عندما بدأت الدراسات العليا، حسب علمي ومعرفتي، كان هاجساً مالياً. ولحد الآن، كلّ برامج الماجستير لم تحدث قفزة نوعية في مجال التعليم أو البحث العلمي. وإذا نظرنا إلى رسائل الماجستير ومن يدرّس وما هي البرامج، نجد أننا لم نحقّق أيّ هدف حتى الآن، رغم المحاولات والمساعدات من الوزارة ومن البنك الدولي والمشاريع المختلفة. فالموضوع المالي إذا تتبعناه يتخلّل كلّ القضايا التي تحدثنا عنها. فعند تحديد نسبة أساتذة الجامعات الذين يحملون شهادات ماجستير مقابل من يحملون شهادات دكتوراة، نجد أنّ ذلك مرتبط بالموضوع المالي. الموضوع المالي يؤثر على إمكانية تخصيص أموال للأبحاث أو للمؤتمرات أو للمكتبات وغيرها. فالجامعة تطالب الأستاذ بالبحث، ولكنها غير قادرة على توفير بيئة مناسبة لعمل الأبحاث، غير قادرة على توفير مكتبة مناسبة للأبحاث، أو حتى غير قادرة على إعفائه من عبء تدريسي ليتفرغ للبحث. ففي جامعات عالمية يقوم الأستاذ بتدريس مساقين فقط حتى يتفرّغ للبحث العلمي، أما عندنا فالأستاذ مطالَب بتدريس 12 ساعة معتمدة، بالإضافة إلى مهام أخرى غير التدريس. كما أنّ الجامعات غير قادرة على إرسال أساتذتها ليحصلوا على شهادات تريدها وتضطر إلى قبول أساتذة يحملون شهادات من جامعات لا تحبذها أو لا تعتقد بأنّ مستواها مناسب. طبعاً، أحياناً الأموال تكون متوفّرة (كما في دول الخليج) ولكن لا يوجد إنتاج علمي. أنا أقول إنّ توفّر الأموال بالقدر الكافي واستعمالها بحكمة هو شرط ضروري لتحقيق قفزة جدية، لكن بالطبع، ليس شرطاً كافياً، لأنّ هناك مداخل أخرى مثل كيفية إدارة الجامعات وتدخّل المجتمع، ودور الحكومة في الدعم. المسألة ليست مسألة وقفيات، في أوروبا لا يوجد وقفيات للجامعات، الطلاب لا يدفعون أقساطاً في ألمانيا أو فرنسا أو إسكندنافيا... الحكومة عندهم تلتزم بالتمويل، وهي التي تموّل الجامعات بسخاء. في إسرائيل مثلاً، الحكومة تدفع 50% من التكلفة التشغيلية للجامعات، وتدفع 40% من الميزانية التطويرية. هناك معادلة معروفة، وليس كما هو الحال عندنا.      

د.شريف كناعنة: شيء واحد أريد إضافته، كثرة البرامج في الجامعات. تفتح الجامعات برامج جديدة لأنّ هناك دعماً وتمويلاً أجنبياً لمواضيع معينة. إذاً الذين ينتقون البرامج التي تضاف هم بشكل عام الدول الأوروبية. أيضاً هناك الكثير من الدوائر المهددة بالتقليص، وهي مطالبة بكتابة مشروع وجلب دعم من الخارج حتى تبقى مفتوحة. إذاً الدوائر التي تبقى موجودة هي التي تكون ناجحة في استقطاب الدعم. تصبح القضية مثل الداروينية، بقاء الأصلح، والذي يقرّر من هو الأصلح هي القوى من خارج إطار مجتمعنا، وطبعاً تكون مغرضة في انتقاءها للأصلح.

د.سامي: هل هذه سمة عامة يا دكتور في كلّ الجامعات أم أنها خاصة فقط ببعض البرامج؟

د.شريف: أنا لست على اطلاع على جميع الجامعات، ولكن هل هناك من جامعة يتوفّر لها منحة من الخارج وتقول لا؟

د.سمير: توفّر تمويل من الـUSAID، وكثير من الجامعات قالت لا. بيرزيت واحدة من هذه الجامعات. ولكن أنا كنت أريد الحديث عن أمر آخر لو سمحتم لي. فالموضوع لا يتعلّق بمشاكل التعليم العالي في فلسطين فقط. يعني هناك مقال لا أعرف إن كنتم قرأتموه، كتبه محمود مامداني عن التعليم في إفريقيا، وفيها نوعان من التعليم: هناك التعليم الذي يؤدي خدمات تهتم به الجمعيات والمؤسسات الأوروبية والدول الأوروبية. وأعتقد أنّ هذا التعليم اسمه تعليم عالٍ ولكن ليس هو ما يريده المجتمع. ويقول مامداني أنّ هناك نوعاً آخر من التعليم العالي في إفريقيا وهو نوع يجب أن نتبناه، وهو التعليم الممزوج بالثقافة، وهو تعليم من نوع مميّز، النوع فيه أهمّ من الكمّ. نحن عندنا في كلّ الجامعات أسهل حلّ للجامعة هو أن تقبل عدداً كبيراً من الطلبة ليدفعوا أقساطاً زيادة فتُحلّ الأزمة. ولكن أعتقد أنّ الحلّ هو التركيز على نوعية التعليم، وأنّ مخرجات التعليم العالي لا يجب أن تكون بالضبط أناساً مهنيين متواضعين من ناحية الثقافة، ويعرفون فقط الموضوع الذي يعملون فيه، يعني يعمل في الإحصاء فيعرف فقط إحصاء، في الجغرافيا يعرف جغرافيا فقط. هذا التعليم الذي ينتج عندنا فقط وهو ما يجب أن يتغيّر.

د.سويلم: تعقيباً على كلامك، نحن نسأل طلاب "دراسات عليا" عن معرفتهم بغسان كنفاني، فنتفاجأ بإنّ النسبة التي تعرف غسان كنفاني كاسم، وليس الذين قرأوا كتاباته، قليلة. لا يوجد في التعليم العالي مواد فلسطينية. عندما ندرّس في جامعة بيرزيت دراسات ثقافية مثلاً، ألاحظ أنّ القضية الفلسطينية لا تدرّس. يقولون أنّ الطالب يتعلّم عنها أثناء البكالوريوس، وفي البكالوريوس أجد أنهم لم يتعلّموا عنها. نعود إلى التوجيهي فنجد أنّهم حتى في التوجيهي لم يدرسوا عن القضية الفلسطينية. فنحن عندنا أهم قضية في العالم، وأقلّ ما نعلّم حوله هو القضية الفلسطينية. هذا لا علاقة له بالأموال. نحن نستطيع فعل أشياء كثيرة ونستطيع تطوير أمورٍ كثيرة في التعليم ولكن نحن مقصّرين في هذا الموضوع. فالدمج بين الثقافة والتعليم هو موضوع نستطيع تحقيقه. نستطيع عمل الكثير بهذا الخصوص من خلال التنسيق مع جميع الجهات المعنية.

د.سعيد زيداني: عندنا في جامعة القدس، لدينا مساق عن القضية الفلسطينية، ومساق عن القدس عبر التاريخ، وهي متطلّبات جامعة.

د.سامي: الثقافة العامة الفلسطينية غير معروفة.

د.جورج: الظاهرة موجودة كما تمت الإشارة ولكن هناك عدة أسباب. إذا كان السؤال عن موضوع فلسطين في المناهج، في جامعة بيرزيت تحديداً، جرى حذف بعض المساقات ومن بينها مساقات لها علاقة بفلسطين. د.إبراهيم أبو لغد –رحمه الله-كان رئيس اللجنة في حينه فوافق على تقليص الدراسات الثقافية من 12 ساعة إلى 6 ساعات وحذف المساق الخاص بفلسطين مع ما تم حذفه. لأسباب مختلفة. لكن القضية الأعمّ هي العزوف عن القراءة وهي ظاهرة غير خاصة بفلسطين وحدها. هناك ظاهرة ثقافية عامة خاصة في الدول العربية، ربما الوضع الفلسطيني ليس أسوأها. هذه ظاهرة حضارية ثقافية مرافقة للتخلّف الموجود على أكثر من صعيد. ما يمكن عمله في فلسطين هو مراعاة أنّ قراءة الكتب في سياق الاندثار، فإذا كنّا نريد من الطلاب قراءة الكتب يجب أن نجد طريقة لوضعها على شاشة الكمبيوتر. د.سامي تحدث عن قراءة الجرائد وهذا صحيح، ولكن إذا أردنا توصيل معلومة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، عبر نشرها في جريدة نكون مخطئين، لأنّ أغلب الناس اليوم لا يقرأون جرائد والأخبار يتم تناقلها بآليات مختلفة على مواقع الإنترنت مثلاً. فالتكنولوجيا أدخلت متغيرات كثيرة غيّرت من طريقة استخدامنا للكتب. ويجب مواءمة التعليم العالي لهذه المتغيرات بالقدر الممكن. فهناك قضايا لا أعرف كيف نحلها مثل العزوف عن القراءة في الوطن العربي. فالقضية ليست مستقلة عن قضية النهوض الحضاري. ولكن في كلّ الأحوال قلقنا على فلسطين، والسؤال هو: ما يمكن عمله؟ أنا أؤيّد ما قاله د.سعيد بأنّ كلمة تمويل هي كلمة قد تكون مضلّلة لأنّها لا تعني فقط المال بل تنعكس على كافة الجوانب. يعني على سبيل المثال، هناك ضعف كبير جداً لدى الطلاب الذي ينجحون في التوجيهي ويدخلون الجامعات في المهارات الفكرية والنقدية والكتابية، وأعني بالمهارات الكتابية انعكاس الفكر على ورق. يعني الطلاب لا يتقنون بشكل عام ترتيب الأفكار وكتابتها بشكل مترابط، وهو أمر معهود في دول أخرى بما في ذلك الولايات المتحدة التي فيها تعليم متقدّم. كثير من الجامعات هناك تعطي الطلاب فصلاً كاملاً أو ثلاثة أشهر من التدريب على الكتابة، وتنظيم الفكر على ورق. في الجامعة العبرية هناك امتحان البسيخومتري الذي يقدمه الطلاب على ورق، ومن يقصّر فيه يدرس فصلاً أو ربماً سنة إضافية وهو أمر غير موجود في جامعاتنا الفلسطينية رغم أنّ الحاجة له كبيرة. ولكن، مرة أخرى الحلّ مالي. فإذا طلبنا من الطلاب أن يدرسوا فصلاً إضافياً على أن يدفعوا مقابله، سوف يتوجه الطلاب إلى جامعات أخرى لا تشترط ذلك، ولكن الحلّ برأيي هو أن تشترط الجامعة دراسة الطالب لفصل إضافي ولكن مجاني. في هذه الحالة يمكن أن ينجح. وهذا طبعاً له علاقة بمستوى الطلاب.

د.خليل: أريد التنويه إلى نقطتين، النقطة الأولى هي أنه يجب أن ننظر للتعليم العالي على أنه جزء من منظومة التعليم، لأن له علاقة مع مدخلات التعليم بشكل عام. يجب أن يأخذ التعليم العالي إجراءات حتى يتعامل مع مشكلات التفكير النقدي وغيره. النقطة المهمة في رأيي بالنسبة للتعليم العالي: غياب استراتيجية التعليم العالي.

د.سامي: ماذا تقصد باستراتيجيات التعليم العالي؟

د.خليل: يعني ماذا نريد من الخرّيجين ومن يقرّر؟ أيّ نوع من الخريجين نريد؟ لماذا يذهب الشخص إلى الجامعة؟ هل هناك حاجة لذهابه إلى الجامعة؟ أم يذهب إلى الجامعة لأنّ من حقه الحصول على تعليم عالٍ؟ ما هو هدفنا نحن من التعليم ما بعد الثانوي؟ إذا كان هدفنا هو تدريب طاقات مهنية، نركّز على كليات مهنية وتقنية وليس جامعات. ومن يضع استراتيجية؟ مجلس التعليم العالي مسؤوليته حسب القانون أن يضع استراتيجية ولكن مجلس التعليم العالي لا يضع استراتيجية. هذه النقاط التي يجب أن نتطرّق لها.

د.غسان: لديّ مجموعة ملاحظات متعلقة بالنقاش. أوّل ملاحظة: هناك حديث عن أنّ عدد الجامعات لدينا كبير. أعتقد أنّ لدينا جامعات كثيرة لسببين، وهما الطلاب في البلدان الأخرى ليسوا مضطرين للتعلُّم في نفس البلد، عندنا قيود مادية وقيود من أنواع أخرى تصعّب على الشباب الفلسطيني الذهاب للتعلُّم في أماكن أخرى، لذلك ينشأ عدد كبير من الجامعات. يعني هو وضع غير صحّي ولكنه ناتج عن ظرف غير صحّي. وهناك سبب آخر سآتي على ذكره بعد قليل. أمّا الموضوع الآخر الذي أريد التحدّث عنه وهو بخصوص المخرجات. أنا أريد طرح الموضوع بطريقة مبسّطة أكثر وأقول أنّ ما يحدّد أين نفتح دائرة جديدة وأين نغلق دائرة هو العرض والطلب. أي أنّ الجامعة نفسها تدرس مدى إقبال الطلاب على دوائرها، فإذا لاحظت أنّه لعدة سنوات لا يوجد طلاب يسجّلون في دائرة معيّنة، على الأغلب أنّ السبب هو أنّ خرّيجيها فرصهم في العمل أقلّ. فبالتالي السوق لا يحتاج هؤلاء الخريجين، وبالتالي تقوم الجامعة بإغلاق هذه الدائرة. وعندما تفتح الجامعة دائرة جديدة، تكون قد قامت بدراسة السوق ومعرفة مدى احتياج السوق لها، فتقوم الجامعة بفتح دائرة جديدة إذا صار عليها طلب تزدهر وتستمر، وإذا لم يكن عليها طلب تضعف وتغلق. هناك نوع من الموائمة بين مخرجات التعليم العالي من خلال مسألة العرض والطلب، وفي كلّ مرحلة تتغيّر المعايير. ولذلك أنا أتحفّظ على ما ذكره د.شريف بخصوص التمويل. التمويل الخارجي لا علاقة له بفتح دوائر. ممكن أن يكون للتمويل علاقة بمشاريع بحثية معيّنة، أو مشروع معين في دائرة أو معهد، ولكن لا يُقام برنامج تدريسي في دائرة أكاديمية بناء على أنّ هناك أحد يعرض مساعدتها. يعني مثلاً هناك محاولة من قبل أمريكان لمساعدة جامعة بيرزيت في تمويل برنامج للدراسات الأمريكية منذ عدة سنوات والجامعة لم توافق حتى الآن. وهذا يعني أنّ عرض التمويل غير كافٍ لفتح دائرة.

النقطة الأخيرة التي أريد أن أضيفها وهي مرتبطة بالنقطة الأولى وهي كثرة الجامعات، أعتقد أنّه يمكن الحدّ من الأزمة النوعية في الجامعات من خلال تخفيف الضغط عليها، وهو التركيز على التعليم المهني والتقني في البلاد. وكل الخريجين يريدون الذهاب إلى الجامعات، ليس لأنه لا توجد أبواب أخرى، وإنما لأنهم لا يرغبون بالدراسة المهنية. في الدراسات المختصة، من المفروض في وضع مثل وضعنا، يجب أن يكون 20% من الخريجين مهنيّون، و80 % أكاديميون. نحن عندنا 3.5% فقط من خريجينا تقنيون. المشكلة هي أنّ التعليم التقني مكلف مقارنة بالتعليم الأكاديمي، فهو بحاجة إلى أدوات وأجهزة ومختبرات وغيره. وعادة، يجب أن يكون للقطاع الخاص دور في التعليم المهني، ونحن للأسف لدينا نقص في المبادرات. ولكنّ الأهم هو الناحية الثقافية، فهناك بعض المبادرات في مجال التعليم المهني ذات مستوىً جيد ولكن لم يقبل عليها الطلاب لأنّ الناس يريدون أن يدخل أولادهم كلهم إلى الجامعات، فهناك مشكلة ثقافية وتأخذ وقتاً. فنحن يجب أن نولي الأولوية القصوى، سواء المجتمع أو الحكومة أو السلطة أو المعنيين، لتحسين النسبة بين التعليم الأكاديمي والتعليم التقني. أنا واحد من الأشخاص الذين اشتغلوا على هذا الموضوع ولكننا لم ننجح في حينه، لأنّ التغيير الثقافي يواجه صعوبات جمة وبحاجة إلى وقت طويل، والناس كلهم يريدون من طلبتهم أن يكونوا خرّيجي جامعات.

د.جورج: أريد أن أضيف معلومة سريعة

الملفات المرفقة

ندوة التعليم العالي للنشر.pdf
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website