ندوة المقاومة المدنية عدد 253-254

ندوة

المقاومة المدنية في فلسطين

عقدت "شؤون فلسطينية" مساء 15/09/2013 ندوة متخصصة بعنوان: "المقاومة المدنية في فلسطين" أدارها د.أحمد فارس عودة، المحاضر في جامعة القدس.

رحّب أحمد فارس عودة بالحضور من طاقم مجلة "شؤون فلسطينية" والمهتمين، والمشاركين في الندوة وهم:

د. عبد الرحيم الشيخ، أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت، الأستاذة نائلة عطية، محامية من حيفا، الشيخ زهير الدبعي، أول خطيب جمعة في المعتقلات الإسرائيلية بتاريخ 1/5/1970، المدير الأسبق للأوقاف والشؤون الدينية – نابلس. الأب عبد الله يوليو، نائب رئيس دير الروم الكاثوليك في رام الله، رجل دين إيطالي الأصل، التحق بالبيت الفلسطيني عن طريق الاتحادات الطلابية الفلسطينية في إيطاليا ثمّ دخل كنيسة عربية لاويّة، وأصبح ينتمي إلى دير موجود في جنوب لبنان ثمّ جاء إلى فلسطين إلى بيت ساحور في عام 1979 وبقي في بيت ساحور حتى بعد الانتفاضة الأولى.. ومنذ سنتين أعادوه إلى فلسطين، إلى رام الله. د. مصطفى البرغوثي،

الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية. عمر البرغوثي، ناشط في مجال حقوق الإنسان ومحلل سياسي مستقل وعضو مؤسس في الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS). ناجي التميمي، منسّق حركة المقاومة الشعبية "انتفاضة" من قرية النبي صالح.

وطرح أحمد فارس عودة ورقة استهلالية للنقاش هذا نصها:

لم تعد المقاومة السلمية الخيار الأول والوحيد للشعوب المظلومة المحتلة، بل أضحت أحد الأساليب التي من الممكن أن تلجأ إليها الشعوب في حال انسداد أفق التحرير وتقرير المصير وممارسة الحقوق بالوسائل السلمية، بالمقابل ومن خلال تجارب الأمم عبر التاريخ نجحت الوسائل اللاعنفية في إنجاز الأهداف بالاستقلال والحرية كالهند. صحيح أن القوى الكبرى والدول القوية غالباً ما تفرض قواعد الحرب والسلم، أما الدول الضعيفة أو المحتلة الواقعة تحت الظلم والانتهاكات، فيتولد لدى أفرادها مشاعر البحث عن وسائل التخلص من هذا الواقع بكل الطرق والوسائل الممكنة، فإذا ما أغلقت أبواب الحوار والتفاوض لجأت الشعوب المحتلة إلى المقاومة والكفاح بهدف التحرير ولعل المقاومة السلمية الشعبية إحدى أهم مرتكزات النضال والكفاح إذا ما أحسن استخدامها زماناً ومكاناً وفقاً للظروف والمتغيرات الإقليمية والدولية.                                                   

تعددت التسميات حول المقاومة السلمية وبالتالي آراء الباحثين والكتاب، فالبعض وصفها بالمقاومة الشعبية أو المقاومة اللاعنفية أو المقاومة السلمية أو المقاومة المدنية أو العمل الجماهيري، ويعود الاستخدام المتنوع لمثل هذه التسمات إلى فلسفة اللاعنف المستوحاة من تراث المهاتما غاندي أثناء نضاله مع السود في جنوب أفريقيا.                   

ولكي تتضح الصورة أمام القارئ والمهتمين بالفكر المقاوم، كان لا بد من التعريف الأكاديمي والإجرائي لهذه التسميات، حتى يكون التوصيف والدلالة في التطبيق لمثل هذه المفاهيم واضحاً، فالانتفاضة أو الثورة ضد نظام مستبد أو محتل يتطلب أساليب متعددة في التغيير، فالأسلوب الدستوري القانوني هو الذي يتم تحت شعار القوانين وما نسمع به من استخدام للأدوات كالمظاهرات والاحتجاجات والإضرابات. وهذا عادةً ما يحدث لدى الدول الديمقراطية التي تحترم قوانينها ودساتيرها. إن أسلوب العنف المسلح هو الخيار الذي يستخدم فيه القائمون على التغيير القوة المسلحة. بهدف التخلص من النظم الدكتاتورية أو المحتلة أو حروب الاستقلال والحروب الأهلية والطائفية، وفي إطار أسلوب الكفاح المسلح أو اللاعنف ضد الاحتلال، تمتنع فيه الشعوب المحتلة عن الرضوخ وإطاعة قوانين المحتل بطرق ووسائل متعددة، بل تذهب أبعد من ذلك في إصرارها على تفكيك أدوات المحتل المدنية من خلال العصيان المدني الهادف إلى الاستقلال.

من الطبيعي أن يبدو للقارئ هذا الفصل نظرياَ ما بين الأساليب الثلاث فقد شهد التاريخ الإنساني حركات مقاومة سلمية بجناح عسكري كما حصل في جنوب أفريقية وفلسطين، إلا أن ذلك قد يعود على الشعوب المقاومة سلباً من حيث الخسائر، فالتجربة الفلسطينية الحالية أظهرت الازدواجية ما بين استكمال التحرير وبناء الدولة من خلال الأسلوب المزدوج للمقاومة السلمية والمسلحة بعيداَ عن دراسة جدية للظروف الموضوعية والإقليمية والدولية، وإذا كانت المقاومة المدنية ليس من فلسفتها استخدام الخيار المسلح، فإنها تستخدم العنف، لكنه عنف خاص لا يقود إلى القتل ولا يهدف إليه، بل هدفه وقف العنف المضاد المستخدم ضد الشعوب المحتلة من خلال تقديم القضية الوطنية بأبعادها الأخلاقية والإنسانية.                                                                                      

  ارتبط العديد من حركات التحرير العالمية بتراث غاندي خاصة فيما يتعلق بالعمل السلمي، فتجربة جنوب أفريقيا والتجربة اللوثرية والتجربة الفلسطينية عام 1987 ساهمت في تعزيز مفهوم المقاومة الشعبية لدى الشعوب المحتلة، فالعمل الجماهيري لا يمكن أن يكون إلا من خلال التوافق والتناغم مع العمل السياسي وفقاً لاستراتيجية ذات أهداف واضحة ومحددة، بعد التدقيق بالعوامل الذاتية والموضوعية لهذا العمل الشعبي المقاوم. وفي إطاره القانوني أكدت القوانين السماوية والوضعية على حق الشعوب في المقاومة بكافة الأشكال بهدف الانعتاق والتحرر من ظلم الاحتلال.         

  إنّ تعثر عملية التسوية السياسية ما بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وقرب انسداد أمل حل الدولتين بسبب مواقف الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة المتمثلة في استمرار الاستيطان ورفض حل الدولتين على أساس حدود الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967، إضافة إلى مواقف بعض دول العالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية المنحازة إلى إسرائيل في سياستها الحالية، بالمقابل أدرك الفلسطينيون خطورة الوضع القائم مع استمرار الاستيطان الممنهج الهادف إلى تغييرات ديمغرافية تفضي إلى تصفية القضية الفلسطينية تدريجياً.                                               

إنّ البحث عن بدائل فلسطينية للخروج من هذا الواقع مع الحفاظ على القضية الفلسطينية من الضياع، يتطلب من القوى والفصائل الوطنية من جهة والحكومة الفلسطينية من جهة أخرى جرأة عالية في القيادة والتخطيط نحو مقاومة وطنية سلمية تهدف إلى تحويل هذا النمط المقاوم إلى نهج حياة يومي يؤدي إلى ثورة شعبية حقيقية تنهي الاحتلال.

وحدّد محاور الندوة في النقاط التالية:

1- مدخل نظري للمقاومة السلمية.

* الإطار المفاهيمي للمقاومة السلمية.             

* الإطار القانوني للمقاومة السلمية    

2- المقاومة السلمية في منظور الشرائع السماوية.

* المنظور الإسلامي للمقاومة السلمية.  

* المنظور المسيحي للمقاومة السلمية.

3- نموذج من تجارب الشعوب في المقاومة السلمية ومقارنتها بالنموذج الفلسطيني.

* النموذج الهندي.  

* النموذج الأفريقي.

 * النموذج الفلسطيني.     

4- الاستراتيجية الوطنية للمقاومة السلمية.

* برنامج الرئاسة والحكومة والفصائل الوطنية والإسلامية.             

* مرتكزات العمل الوطني للمقاومة السلمية. 

 أ-معيقات تطبيق واسع للمقاومة السلمية.

ب- شروط نجاح المقاومة السلمية.   

* المقاومة السلمية ما بين استكمال التحرير وبناء الدولة.     

* دور المقاومة السلمية في المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية للاحتلال. 

5- نماذج من المقاومة السلميّة في فلسطين.

أ-نموذج بيت أمر.  

ب-نموذج بلعين.

ج-نموذج كفر قدوم.

د-نموذج النبي صالح.

 

ثم قدم عبد الرحيم الشيخ عرضاً شاملاً، جاء فيه:

واضح من تقديم الندوة أنّ مدخل التشخيص سياسي وأنا مجال اختصاصي هو المجال الثقافي بوصف الثقافة ممارسة سياسية أيضاً. من ناحية التشخيص ومن ناحية المشاركة في المسألة الوطنية. مدخلي سيكون مدخلاً ثقافياً بمعنى نظرة بأثر رجعي للمشروع الوطني وتحولات المشروع الوطني التي اقتضت تحولات في مفهوم المقاومة وفي الجزء الثالث من مداخلتي سأتحدث عن المقاومة الشعبية.

سأقسم حديثي إلى أربعة محاور أساسية:

1- تشخيص للحالة: قبل التحدث عن المقاومة سواء أكانت مسلّحة أو شعبية أو شعبية سلمية أو لا عنفية، يجب أن نسأل من نقاوم؟ ولماذا نقاوم؟ ومن خصمنا؟ وما طبيعة الاستبداد أو العنف الممارس من قبل هذا الخصم؟ وما هي القضية التي نقاوم من أجلها.

2-  سأتحدث قليلاً عن تحولات أوسلو ودخول فلسطين في حالة أشبه بحالة ما بعد الاستعمار أو المستعمرة ما بعد الاستعمارية-ما زال الاحتلال قائماً.

3-  المقاومة الشعبية وعنف الخطاب اللاعنفي، كيف أصبحت هناك مفردات جديدة ومصطلح جديد ونحو جديد للتعامل مع مفهوم المواجهة مع الاحتلال الصهيوني.

4- مفهوم جامع وهو مفهوم المقاومة الشاملة الذي دعا إليه النائب الأسير مروان البرغوثي.

- في البداية في حالة التشخيص: ما هي القضية الفلسطينية؟ اليوم توجد مقاومة شعبية ويكاد ينحصر مفهوم المقاومة الشعبية في المظاهرات التي تنطلق أيام الجمعة أو غيره ضد الجدار وضد الاستيطان وضد المستوطنات التي تتوسع أو المستوطنات الجديدة... وينحصر هذا على جزء من التراب الفلسطيني ومن الشعب الفلسطيني وأيضاً من الثقافة الفلسطينية. لننفي هذه الحالة المجزوءة للمقاومة وللقضية التي من أجلها تتم المقاومة، أعتقد أنه يجب العودة قليلاً إلى الوراء لتحديد ما هي القضية. القضية هي قضية فلسطين، قضية شعب وطني تم احتلاله وتم استعماره من قبل حركة صهيونية استعمارية أخذت الأرض وطردت الناس وغيرت (الواقع)، وهذا يتجلى في نكبة 1948.

وثائقياً، عندما نراجع المواد التسعة الأولى من الميثاق الوطني الفلسطيني، نجد أنه يحدد القضية الفلسطينية بأنها قضية صراع بين حركة استعمارية –هي الحركة الصهيونية-وبين حركة التحرر الوطني وهي الحركة الوطنية الفلسطينية التي كان ذروة سنامها تشكل منظمة التحرير الفلسطينية.

الفلسطينيون مُعرّفون في المادتين الخامسة والسادسة في الميثاق بأنهم كلّ أهالي فلسطين ما قبل قرار التقسيم ونسلهم فيما بعد، والجغرافيا الفلسطينية معرّفة كما عرفها الانتداب: الضفة الغربية وغزة وأراضي الـ1948 ومجازياً تشمل أيضاً الشتات الفلسطيني.

في المواد التسعة الأولى من الميثاق الوطني الفلسطيني تم تحديد هذه الثوابت التي أصبحت لاحقاً قضايا حلّ نهائي. هذا هو الأساس وهو جوهر الصراع المركزي.

بدأ التحول عن بؤرة الصراع المركزية قبل أوسلو. فبدأ منذ مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية الذي تجلّى في عام 1974 بعد نضج أو تبلور مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية ابتداءً من العام 1968. حيث تضمن خطاب الشهيد القائد ياسر عرفات في الأمم المتحدة قبولاً أولياً لإمكانية وجود كيان آخر على أرض فلسطين التاريخية وهذا أصلاً جوهر السلطة الفلسطينية. وبالتالي، التحوّل لم يبدأ منذ 1994 وإنما بدأ بالـ1974. هنا يوجد تشخيص مهم يقدمه المتخصصون في العلوم السياسية الذين درسوا المشروع الصهيوني دراسة عميقة وأهمهم د. نديم روحانا الذي يقول بأن العام 1974 هو لحظة المشكلة التي فيها توقفت الحركة الوطنية الفلسطينية عن اعتبار الحركة الصهيونية حركة استعمارية متواطئة ومشاركة مع مشروع الاستعمار الغربي وأصبحت وكأنها حركة خلاص وطني لليهود ونحن أعطيناهم "حق" أو إمكانية إقامة دولة أخرى على أرض فلسطين. فيما لم تغير الحركة الصهيونية وجهة نظرها بالحركة الوطنية الفلسطينية على أنها حركة لإرهابيين يريدون القضاء على دولتهم...

شهدت لحظة الـ1974 المفارقة الهائلة للفلسطينيين الضحايا، أنهم اعترفوا لجلاّديهم بأنهم ليسوا حركة استعمارية وبالتالي أصبحوا هم حركة وطنية تعمل لإقامة دولة. من هنا بدأ الخلل في المشروع الوطني. وحسب تشخيص إدوارد سعيد أنه في هذه اللحظة تحولت الحركة الوطنية من حركة تحرر وطني إلى حركة نسخة عن الحركة الصهيونية، بمعنى أننا نريد أن نقيم مشروع جولاني لا يقوم على مفهوم العدل وإنما يقوم على مفهوم إمكانية الحلّ السياسي. طبعاً احتاج الأمر 20 سنة شهدت انهيارات كثيرة، حتى إعلان وثيقة الاستقلال عام 1988...

يقول مثقف إسرائيلي اسمه عاموس عوز، إنّ مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي ليست مثل فيلم هندي بل هي مثل تراجيديا إغريقية. والفرق بين الاثنين أنّ الفيلم الهندي هو صراع على قضايا يومية، على مزاجات أو ثقافة، والآخر هو صراع على حق تاريخي. أي أنّ هناك حقاً تاريخياً فلسطينياً ما، وصفه عاموس عوز بأنه حق تاريخي صهيوني وهما متصارعان.

تحويل الجلاّد الإسرائيلي إلى خصم له حق تاريخي، وأنه حركة خلاص وطني، والاعتراف بإمكانية إقامته لدولته على أرض فلسطين التاريخية، تزامن مع تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية عن برنامجها بإقامة دولتها على أرض فلسطين التاريخية.

طبعاً هذا أخذ سلسلة من الانهيارات حتى عام 1994. وفي هذه المرحلة، حتى قبل أن يتم توقيع اتفاق أوسلو، تحوّلت الثوابت الفلسطينية، منذ مؤتمر مدريد، إلى قضايا حلّ نهائي.

بعدما تحوّلت الثوابت إلى قضايا حلّ نهائي، حصل كسر إضافي لمفهوم العدل ومفهوم القضية والمواد التسعة من الميثاق الوطني-حتى قبل تعديل مواد الميثاق الوطني في غزة بعد حوالي سنة ونصف من إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية.

في المرحلة الجديدة حصلت مجموعة من التحولات على مستوى السلطة وعلى مستوى التغيرات الاجتماعية والثقافية في فلسطين وتحولات على مستوى الفرد والطبقات وتحولات على مستوى الخطاب الثقافي والمعرفي الفلسطيني.

هذا يميّز معظم النزاعات في العالم التي تواجهت فيها حركات تحرر وطني مع حركات استعمارية.

في الحالة الفلسطينية نتج عنها، على المستوى السياسي، تحوّل الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة مقاومة وتحرير شامل لفلسطين، إلى سلطة فلسطينية مكوّنة من يهود ومسيحيين ومسلمين في كلّ جغرافيا فلسطين المحتلة إلى حركة وطنية منحرفة عن مسارها الذي حدّده الميثاق. بمعنى أنها أصبحت مسؤولة فقط عن إدارة شؤون.

الشيء الآخر الذي حدث هو تعديل على روح الجماعة الفلسطينية، الميثاق الوطني عرّف الفلسطينيين من هم ولم يعرّف سكان المنطقة التي حدّدها أوسلو، بمعنى أنه أُسقط الثلث الأول –فلسطينيو فلسطين المحتلة عام 1948-وتُركَ مصير حوالي ثلثي الفلسطينيين وهم فلسطينيو الشتات كقضية حلّ نهائي. فبالتالي تعدّلت روح الجماعة الفلسطينية حسب هذا الحديث.

3- على مستوى المجتمع المدني الفلسطيني، من لبنة مهمة في مقاومة الاحتلال والمشاركة في المقاومة الشعبية والمقاومة العسكرية وغيره، تحوّلت إلى مجموعة من الوسطاء بين طبقتين، وسطاء ما بين السلطة والناس ووسطاء ما بين الناس والسلطة والمجتمع الدولي، هؤلاء الذين يعرفون خطاب المنظمات العالمية.

4- على المستوى الرابع: عندما أحسّ فلسطينيو 48 وفلسطينيو الشتات وجزئياً فلسطينيو غزة بهذه الفجوة في التمثيل السياسي لمنظمة التحرير التي تحوّلت إلى سلطة فلسطينية، ظهرت مبادرات سياسية جديدة –منها حماس التي أصبحت لاحقاً مناوئة للمشروع الوطني، ومنها مشروع الدولة الواحدة (مجموعة مدريد –لندن)، ومنها مبادرات أبناء البلد ومبادرات التجمع الوطني وغيره...

على المستوى الثقافي والمعرفي تحوّلت سياسات الذاكرة إلى سياسات نسيان. أي أننا أصبحنا نتحدّث اليوم عن التصاريح ونقول "تصريح إلى إسرائيل" حتى على صفحات بعض الجرائد الفلسطينية. اللغة تغيّرت وهذا التحوّل أسس لثقافة جديدة وهي الثقافة الشعبية أو ثقافة الخطاب اللاعنفي والتي باعتقادي أسست لعنف من نوع خاص وهو تحديد مفهوم المقاومة حسب ما تراه المؤسسة السياسية الفلسطينية المتمثلة بمنظمة التحرير والمتجلية في الأدوات التي تستخدمها السلطة الفلسطينية في الترويج لهذا الخطاب. هذا الخطاب يقوم على أجندة سياسية تتوافق بطبيعة الحال مع أوسلو ومع تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، وانحصر مفهوم المقاومة أو كاد ينحصر في هذا الدور. بمعنى المقاومة الخالية من الكفاح المسلّح أو المواجهة المباشرة مع الاحتلال وكأن الاحتلال لم يعد قائماً. أي أنّ الحركة الاستعمارية الصهيونية أصبحت كياناً شرعياً ويوجد رسائل اعتراف متبادل وغيره. وكأنّ العسكرة والبطولة العسكرية لم يعد لها مكان. ألغيت المواجهة فألغي مفهوم المقاومة.

تمّ إيجاد تعريف جديد للمواجهة مع الاحتلال حسب الجغرافيا والديموغرافيا والثقافة التي حدّدها أوسلو.

هناك نماذج مقاومة شعبية تمثّل فلسطين التاريخية ونماذج مقاومة ميثاقية تمّ إغفالها في ظلّ ما يمكن أن نسميه "مناطق العمى" التي سببها التحوّل الثقافي السياسي لمنظمة التحرير سأتحدث عنها بتوسع أكبر فيما بعد. النموذج الأول هو معركة جنين، طبعاً الكفاح المسلّح ككفاح مسلّح تمّ تفريغه من محتواه في تعديل الميثاق. ولكن المقاومة الشعبية تعني أنّ الناس تشارك بها. صار هناك فصل قسري للمقاومة الشعبية بالقول إنها مقاومة من مهمة الشعب والسلطة السياسية توجّهها فقط. وكأنّ ياسر عرفات لم يكن من الشعب عندما كان يوجّه الانتفاضة الثانية!

نموذج المؤسسات الوطنية التي هي داخل منظمة التحرير وداخل السلطة الفلسطينية التي تحمل خطاباً وطنياً وتاريخياً مثل بيت الشعر واتحاد الكتّاب الفلسطينيين، مؤسسة سلطة ومؤسسة منظمة تحرير، حافظت على خطابها وتضمّ مثقفي الـ48 والشتات وتنشر لهم...

والنموذج الثالث هو نموذج المقاطعة الأكاديمية.

وسنأتي فيما بعد على ذكر مفهوم المقاومة الشامل وكيف يمكن أخذ مفهوم المقاومة الشاملة الذي تمّ تحريفه إلى مفهوم المقاومة الشعبية ونوسعه حتى يشمل نماذج أخرى.

عرضت نائلة عطية، الموضوع القانوني قائلة:

المقاومة الشعبية الفلسطينية لها أشكال عدة ومقاومتي كفلسطينية ضد الاحتلال اقتصرت منذ ربع قرن على الجبهة القانونية.       

هناك عدة احتمالات وتحديات، وهناك ضرورة تفعيل المقاومة الشعبية ضد الاحتلال بكافة أشكالها، إثر انسداد الأفق التفاوضي وانعدام فرص التسوية جراء السياسات الإسرائيلية المتشددة التي تبنتها حكومة نتنياهو. وعليه، علينا أن ندعم التحرك الشعبي في عدة مجالات من أهمها تبنياً وتنظيراً للفكرة انطلاقاً من الاعتبارات التالية:     
1- ممارسة الضغط على الاحتلال، عبر إعادة تفعيل العنصر الشعبي الذي يشكل عامل إزعاج كبير لسياسة ومخططات الاحتلال والذي من شأنه أن يربك يوميات المحتل ويثقل عليه احتلاله وممارساته القمعية.

2- التغطية على فشل المشروع التفاوضي، عبر الإيحاء بفتح الخيارات الوطنية الكفاحية، التي يتم تقزيمها واختزالها في المقاومة الشعبية السلمية المجردة التي تشمل أيضا المتابعة القانونية.

3- محاولة تحريك المتابعة الدولية القانونية، بهدف إحراج إسرائيل والتضييق عليها أملا بالوصول لقرارات يمكن تنفيذها وعدم إبقائها حبرا على ورق وبالذات الإجراءات الجنائية.
إن طرح إمكانية تنشيط الجبهة القانونية كشكل من أشكال المقاومة الشعبية كان معمولا به طيلة المرحلة الماضية، إلاّ أنه يفتقد للزخم والدعم والمتابعة والتبني مع أنه من أهم الجبهات التي يحسب لها المحتل ألف حساب.. حيث أنه يمكن متابعة السلطات الإسرائيلية ومحاسبتها على تجاوزاتها بناء على قانونهم في شتى مجالات الحياة ومقوماتها والتي تخص الإنسان الفلسطيني.

إن العوائق والتحديات التي تواجه الفلسطينيين، فصائل وشرائح شعبية، وما يرتبط بذلك من رؤى وحسابات، يجعل من خيار المقاومة الشعبية أقرب إلى التنظير السياسي، ويختزل الدعوة إليه في الجانب الشعاراتي من الناحية العملية ويضعف عند الفلسطيني جدية مواصلة المتابعة، ولذلك ارتأيت التنويه لشكل آخر من المقاومة القانونية التي تعتبر جبهة جدية ونتائجها مهما قزّمت مهمة ..
إن خيار المقاومة الشعبية / القانونية عليه أن يُتبنى وتتخذ بشأنه القرارات العملية من أجل استثماره من قبل منظمة التحرير وعدم قمعها من قبل السلطة أو رفض تعاونها، في هذه المرحلة الحساسة من عمر الفلسطينيين. وخاصة وقد اتخذ العالم قراره بالاعتراف بالأرض الفلسطينية التي احتلت في عام 1967 حدودا لدولة فلسطين في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012..

إن حصول فلسطين على مركز صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة "قد منح فلسطين الشخصية القانونية الممنوحة للدول بمقتضى القانون الدولي العام، ما يعني إمكانية انضمامها للاتفاقيات الدولية على اختلافها.

إن عدم انضمامنا لغاية اللحظة لمجموع الاتفاقيات الدولية يثير تساؤلاً حول السبب والتأخير وبالتالي يؤكد عدم رغبة وجدية القيادة في فتح أو تأجيل البدء بمعارك مع الاحتلال وهي الجبهة الأهم برأيي التي بإمكانها مع تطور أدوات القانون الدولي للحفاظ على حقوق الإنسان أن تدعمنا في تحقيق حقوقنا وتثبيت ثوابتنا. يمكن استثمار هذا الانضمام في فتح معارك قانونية بمواجهة الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية التي تعني في المحصلة على الأقل زيادة حدة الضغط الدولي على دولة الاحتلال /إسرائيل.

مهم جدا أن نسعى لمساءلة إسرائيل وتعزيز عزلتها ورفض ممارساتها وسنتمكن من ذلك إذا التحقنا بالعديد من الاتفاقيات التي تمكن من القيام بإجراءات قانونية ضد إسرائيل وأيضا تنص على تشكيل لجان تقصي حقائق في حال تقدمت الدول الأطراف بشكوى ضد ممارسات وانتهاكات معينة والقائمة طويلة تتضخم يوميا ..  
الاتفاقيات التي تعزز مقاومتنا قانونيا يجب عدم تأجيل الالتحاق بها لجعل استمرار الاحتلال صعباً بالإضافة للخطوات والإجراءات التي تتبع بناء على القانون الإسرائيلي الداخلي، وبالنسبة لاتفاقيات القانون الدولي العام، فإن أهم الاتفاقيات الدولية التي من المهم الالتحاق بها هي:       
1- النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية.  
2- اتفاقية منع جريمة الإبادة والمعاقبة عليها.   
3- النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.      
4- اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.     

أما اتفاقيات القانون الدولي والتي تعنى وتتابع احترام حقوق الإنسان وملزمون دون تردد الالتحاق بها كونها تعزز وتحمي حقوقه فأهمها وأكثرها إلحاحاً لنا هي:

1- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

2- الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها.   

3- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

4- اتفاقية حقوق الطفل.

5- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.  

6- الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.   

7- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبرتوكولات الملحقة به. 

إن المطلوب حالا بعد الالتحاق، جمع طاقم من الذين تابعوا لسنوات الجرائم الإسرائيلية في محاكمها والتي مع بدء تنفيذ اتفاقية أوسلو بدأت إسرائيل تتملص من التزاماتها لاستحقاقاتها اتجاه الإنسان وجميع أركان الكيان الفلسطيني.      
لقد خلت اتفاقية أوسلو من النص عن الوسائل والآليات الممكن الاحتكام لها في حال عدم الالتزام أو تقصير أي طرف بتنفيذ التزاماته.

فمثلا أيضا بارتكاب التوقيع على برتوكول الخليل الذي شرع تقسيم المدينة وتشتيت أهلها وإهانة وتعذيب وتنفيذ العقوبات الجماعية بحق أهل البلدة القديمة المنقسمة عن أختها التي تبعت الإدارة الفلسطينية مما منح المحتل حقوقا لم تقر له بمقتضى المواثيق الدولية وتحديدا اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 كل هذا من خرق لحقوقنا وتقصير لالتزاماتنا بحماية شعبنا عليه أن يشحذ الهمّة الآن وحالا للالتحاق بالاتفاقيات الواردة أعلاه لكي نتسلح بما يمكن أن يقاوم العدوان علينا.

المقاومة القانونية من خلال المحاكم الإسرائيلية:

جبهة تستحق الاهتمام من المسؤولين، ما يتطلب عنصري المبادرة والمثابرة..     
فمثلا: الإنجاز في النبي صموئيل (غرب شمال القدس) القرية المحاصرة والممنوع دخولها إلا من كتب بهويته اسمها.. حين انتدبني وزير شؤون القدس السابق الأستاذ زياد أبو زياد لأتصدى لأوامر هدم البيوت هناك. ملف ميؤوس منه على حد تعبيره. وهي التي بنيت بلا وثيقة ملكية وبلا ترخيص بناء وبلا صاحب الأرض وبلا خرائط وتبعية وعلى أراضي أملاك غائبين!! حسب اعتباراتهم لكنه يومها قال لي أنا أعرف أننا لن نلغي لكن علك تؤجلين الهدم قليلا حتى نتفاهم، ولكن الانتفاضة الثانية هبّت وتواصلي معهم انقطع، ومع هذا، وصلت إلى قرار، بعد سنوات من مرافعات ومطالبات، ألغيت فيه أوامر الهدم وها هم يسكنون في بيوتهم. 
وأيضا الأراضي التي سجلت بالطابو/ دائرة تسجيل العقارات في غرب رام الله بقرية "المدية" وهي الموجودة في إطار المنطقة الحرام والتي استولت دولة إسرائيل عليها وباعتها بالليرات المعدودة إلى سلطة التطوير بدائرة أراضي إسرائيل. استعدتُها لأهلها الأصليّين وألغيتُ هدم بيوتها وأحكام السجن ضد المتهمين بالبناء غير المرخص وألغيت الغرامة رغم إنكار الإدارة المدنية للجيش الإسرائيلي أنها تابعة للمناطق المحتلة. أريد أن أنوّه أنه للأسف في استعراضي مؤخرا لخارطة تصدرها أهم مؤسسات التخطيط الفلسطينية، وجدنا الأرض المستعادة ما زالت كالخرائط الإسرائيلية حتى بعد استعادتها تحتسبها أرضا تابعة لدولة إسرائيل!!

طبعا هناك بحر من إمكانيات التحدي للممارسات الإسرائيلية والتي تشكل جبهة مقاومة يومية تصعب العيش على المحتل وتستنزف قواه ولكن أود التأكيد أنه وبعد "انتفاضة الأقصى".. عملت إسرائيل على سد الطريق أمامنا لمقاضاتها بطرق مختلفة وتعامل متطرف ضدنا، منها سن قوانين وإجراء تعديلات فيها ما تنص على حماية اليد السهلة على الزناد واختصار الفترة أو المهلة الزمنية المتاحة للفلسطيني ليقدم شكواه فإذا كان قاصرا 3 سنوات وإذا كان غير قاصر عامان من يوم علة الدعوة !
بالإضافة إلى منع كل من حكم سابقا ودانته محكمة إسرائيلية بأي تهمة لها علاقة بتنظيم أو فعل عسكري حرمته من حق الدعوة وسلبته متابعة الإجراءات بحقها. مما حررها من تبعات الممارسات الجنائية ضد هذا الإنسان الفلسطيني.   
لقد برأت إسرئيل جنودها من استحقاقات الفلسطيني ومنحتهم حمايتها بعدة قضايا منها 
مثلا إرث المرحوم الحلايقة وآخرين ضد دولة إسرائيل.   
ملف 5133/03 في المحكمة المركزية في القدس قضت فيه المحكمة عام 2008 وأقرت: أنه حتى ولو أخطأ الجنود بتقديرهم الخطورة الماثلة أمامهم ليس لزاما علينا أن ندينهم ونقرر أنهم أهملوا بفتحهم للنار ".

ومثل أيضا، من ذات المحكمة، ملف رقم 9244/07 زهدي المصري ضد دولة إسرائيل، عما حدث معه في عام 2004 حين أطلق الجنود النار باتجاهه خطأ، حيث عمل بتوصيلات تقنية على سطح بناية في نابلس، والجنود الذين يتواجدون مختبئين يترصّدون حسب ادعائهم لواضعي عبوات، أطلقوا النار عليه. شكّاً أنه مع آخر يضع عبوة (على السطح؟!) وأنه يشكّل خطورة عليهم، بنظر الجنود، فتفهّمتهم المحكمة ورفضت الدعوة!   

أي أن المحاكم الإسرائيلية أقرّت بأكثر من قضية في السنوات الأخيرة أنّ الجنود لا يتحملون مسؤولية إطلاق النار الذي أودى بحياة الفلسطينيين بحجة تقديرات اتضح أنها خاطئة وحمتهم...
وهناك ملف الأم التي اسمها عطاف الزلط، وقد جلست على الأرض مقابل مطبخها، ولم تلاحظ الجيش الذي يحاصرها من ناحية نافذة المطبخ المقابلة، في البناية القريبة في الطابق الثالث والأرض مرتفعة، وهي في الطابق الأول.. وصدرت الأوامر بإطلاق النار، 5 رصاصات لكل جندي من الـ20، حسب شهادته أمام المحكمة معي، وأصاب الأم وبناتها، واستشهدت، ولكن المحكمة تفهّمت خوفهم وتقديرهم، رغم وجود المنظار الليلي، بأنهنّ كنّ يشكّلن خطرا على حياتهم ..

نتيجة اعتبارها أن ظروف الحدث تبرّر القتل حتى لو خطأ.. فمعذور ذاك الجندي الذي شكّ في العامل هذا أو الأم في بيتها إنها تشكل خطرا عليه يتضح لاحقا أنه غير مبرر..!      
لذلك نستصرخ منظمة التحرير وقيادة الدولة الفلسطينية المحتلة وجوب حماية شعبنا، والالتحاق سريعا بما ورد أعلاه وهو أهم البروتوكولات والمعاهدات الدولية التي تفتح لنا المجال بمقاومة قانونية حضارية يخافونها أكثر مما تتخيلون ويتأهبون اعتقادا أننا جاهزون!

تحدّث الشيخ زهير الدبعي، عن موضوع اللاعنف والإسلام قائلاً:

رسالة الدين غايتها أن يعيش الإنسان بهدىً وتقوى وفضيلة وحرية وكرامة، وأن يكون المتدين قوياً لا عنيفاً، لأن الضعيف قد يستدرج ضعفه الطامعين، ولا يستطيع الضعيف أن يتصدى للظالمين ويتحداهم بالقول الحق، ولا بالفعل القوي الفعّال والمؤثر والمثمر.

الدين لا يسمح للمؤمن أن يتهرب من مسؤولياته في مقاومة الظلم وتحدي الظالمين، والقرآن الكريم زاخر بكثير من الآيات التي تصور تصدي الأنبياء والمؤمنين للطغاة الباغين، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)" (القصص 28 :( 1-6 ).

1.الدين في طبيعته مسؤولية، أو تفعيل مسؤولية الإنسان تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه والبشرية كلها، واتجاه الخالق سبحانه وتعالى القائل: "إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا" (الأحزاب 33: 72). وقوله سبحانه وتعالى أيضاً: "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا" (المزمل 73:( 1 – 5).

2. تكريم الخالق سبحانه وتعالى للإنسان يتعارض مع تهرب الإنسان من مسؤولياته تجاه كرامته وقضية العدالة والحرية "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الإسراء 17: 70). وطبيعة الدين لا تتحقق بالعنف لأنها رسالة هدى ورحمة وإيمان ويتعارض مع القسر والإكراه: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة 2: 256). وطريق الفلاح واضح ومحدد وهو من عالم وبيئة بعيدة جداً عن عالم وبيئة العنف والحروب: "الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ". (البقرة 2: 1-5).

كانت معجزة الرسول عليه الصلاة والسلام فكرية عقلية وهذه المعجزة كأنها دعوة إلى التفكير وإعمال العقل في ساحات بعيدة عن العنف والحروب "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ". (البقرة 2: 23).

والمعجزة الكبرى للعرب لم تكن في الفتوحات في مشارق الأرض ومغاربها وإنما كانت في جوهر الرسالة القائمة على العدل والحرية وكرامة كل إنسان، فهذه الرسالة كانت أفعل من السيوف في قلوب الناس وعقولهم الذين استقبلوا الفاتحين لأنهم عانوا من الظلم والتعسف والاضطهاد. الثمرة الكبرى للعرب وللمسلمين لم تكن في إقامة دولة لها هيبتها وسطوتها وإنما في إنتاج الحضارة التي أعلت شأن الإنسان بصفته إنساناً بغض النظر عن اختلاف الأديان والأعراق والمذاهب والألوان.

ولأن غاية الدين تحقيق الهدى والتقوى والتمسك بالقيم وإحراز حياة سعيدة في الدارين فمن الطبيعي أن تكون دعوة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم -وجهوده لاعنفية، بل إنه صلى الله عليه وسلم كان ضحية للعنف، كما كان الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا ضحية التنكيل والتعذيب الذي وصل إلى درجة الموت كما حدث لسمية ولزوجها ياسر رضي الله عنهما. وكان الرسول-صلى الله عليه وسلم-يقاوم بطش قريش وتنكيلهم بالصبر والدعوة إلى الصبر، وكان يقول لآل ياسر الذين طحنهم تنكيل وتعذيب قريش: " صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة". ورغم ما تعرض له عليه الصلاة والسلام من افتراءات بأنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون فإنه لم يشتم قريشاً قط ولا لمرة واحدة.

وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم خلال تنكيل أهل الطائف به إنما هو مجرد خيوط ضوء من شمس الإسلام التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يبدد بها ظلام الظلم، والجهل والقبلية والتعصب والاستعباد. وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام سجل حافل بمواقف الصبر والتسامح والعفو، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

عندما تزايدت ضغوط زعماء قريش على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى صحابته، توجه إلى مدينة الطائف حاملا إليهم رسالة السماء بما فيها من خير وهدى ورحمة. فما كان من زعماء قبيلة ثقيف هناك، إلا أن حرّضوا الصبية والسفهاء، فلاحقوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأخرجوه من الطائف ورجموه بالحجارة، حتى سال الدم على كعبيه، فآوى إلى بستان يحتمي بجداره من مطاردة السفهاء، ويصور خالد محمد خالد المشهد العظيم للرسول صلى الله عليه وسلم، ضحية عنف المستكبرين: "يمناه مبسوطة إلى السماء يدعو بها ربه... ويسراه تدفع عن وجهه الحجارة المقذوفة، وهو يناجي خالقه ومولاه قائلا:

"اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إلى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ." "

طبيعة النبوة تتعارض مع فكرة الثأر والانتقام وهذا فكر لا عنفي بامتياز وقد ترجمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-من خلال كثير من الأفعال والمواقف، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر:

"حينما فتح عليه الصلاة والسلام مكة المكرمة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وأصبح زعماء قريش الذين كذبوه ولاحقوه وعذّبوا صحابته إلى درجة الموت في قبضته لا حول لهم ولا قوة، خاطبهم عليه الصلاة والسلام: "يا معشر قريش! ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخٌ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم! اذهبوا فأنتم الطلقاء ".

وبات واضحا أن مقاومة أجيال أمتنا لم تحقق غايتها في إحباط المشروع الصهيوني، كما لم تنجح في كبح جماحه ليبقى محصورا في أربعة أخماس فلسطين التي احتلها وهجًر أهلها في العام 1948، بل على عكس ذلك تماما فإن الاحتلال يواصل سلب أرضنا وخنق حياتنا وتهديد مزيد من مقدساتنا وعلى رأسها القدس والمسجد الأقصى المبارك. وبناء عليه فإننا بحاجة إلى تفعيل مقاومتنا حتى تمارسها أوسع قاعدة من المواطنين وذلك لأن المقاومة جهاد، والجهاد عبادة، والعبادة في الإسلام ليست طقوسا وشعائر بقدر ما هي طريقة حياة ونشاط يومي. وكم هو ضروري أن يدرك كثير من المسلمين أن الجهاد لا يعني القتال حصرا كما هو شائع، لأن الجهاد هو كل عمل يتفانى في تحقيقه المؤمن وحماية وجو

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website