الفلسطينيون في لبنان أحوالهم ومشكلاتهم ومطالبهم -صقر أبو فخر عدد249-250

الفلسطينيون في لبنان

أحوالهم ومشكلاتهم ومطالبهم

  صقر أبو فخر[1]

      

ماذا يريد الفلسطينيون من لبنان؟ إنه سؤال خلافي وشائك وغير واضح أحياناً. ومع ذلك سأجازف بالقول إن الفلسطينيين، في معظمهم، ما عادوا يريدون أي شيء من لبنان اليوم. وجل ما يتطلعون إليه هو العيش بكرامة وأمان. والنخب السياسية والثقافية المؤثرة في الوسط الفلسطيني باتت تميل إلى القول: لدينا في لبنان شعب فلسطيني، ولدينا أيضاً قضية فلسطينية لم تحل بعدُ، ونحن لا نتطلع، بعد التجربة الدامية بين 1969 و1987، إلى أبعد من أمرين: العيش بطمأنينة في هذا البلد بانتظار حل مشكلة اللاجئين، وأن يكون لبنان منبراً سياسياً وإعلامياً لخدمة القضية الفلسطينية. أما السلاح فيخضع لما يتفق عليه اللبنانيون في شأنه من دون الانتقاص من سيادة هذا البلد وأمنه. ومع ذلك فقد أبى المجتمع اللبناني بمؤسساته السياسية والتشريعية، أن يمنح الفلسطينيين الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، التي أقرتها كافة مواثيق حقوق الإنسان والاتفاقات الدولية والبروتوكولات التي وقعها لبنان بنفسه. ففي 17/8/2010 وبعد نضال استغرق 20 سنة تقريباً، اتخذ مجلس النواب اللبناني موقفاً "إحسانياً" تجاه الفلسطينيين حينما عدل بعض مواد قانون العمل اللبناني، وإحدى مواد الضمان الاجتماعي ليتيح للفلسطينيين القاطنين على أرضه منذ 62 سنة متواصلة أن يعملوا في المهن العادية وأن يستفيدوا من تعويضات نهاية الخدمة، واشترط لذلك الحصول على إجازة عمل مسبقة (ومجانية). وهذه التعديلات، لا تغير كثيراً في واقع حال الفلسطينيين في لبنان، وهي عبارة عن "صدقة" والتفاف على حقوقهم الأصلية. فما هي حقوق الفلسطينيين في لبنان؟ ولماذا هي عزيزة إلى هذه الدرجة من الممانعة اللبنانية؟

بين لبنان وفلسطين

العلاقة بين فلسطين ولبنان لا تشبه أي علاقة أخرى بين بلدين متجاورين على الإطلاق؛ فالعلاقة بين أي بلدين متجاورين هي علاقة شبكية تجري، في العادة، بين شعبين وبين دولتين في الوقت ذاته. أما في الحالة الفلسطينية، فقد أخلف التاريخ وعده في فلسطين، ولم تظهر فيها الدولة الحديثة، بل تحولت البلاد السليبة إلى مركز ملتهب لصراع دامٍ بين العرب وإسرائيل. فالعلاقة بين فلسطين ولبنان علاقة خاصة؛ إنها علاقة بين شعبين، ثم إنها علاقة بين شعب التجأ قسم منه إلى لبنان جراء النكبة في سنة 1948، وبين الدولة اللبنانية بمؤسساتها الأمنية وأجهزتها الإدارية وغيرها. ثمة، إذاً مستويان من العلاقة: مستوى رسمي مع الدولة المضيفة، ومستوى إنساني وشعبي مع اللبنانيين كجماعات وأفراد. وهذان المستويان يتقاطعان أحياناً، ويتنافران في أحيان أخرى.

لبنانيون في فلسطين

لم تكن بين لبنان وفلسطين حتى سنة 1920 أي حدود أو حواجز البتة. وكان سكان الجنوب اللبناني يتجهون في أعمالهم وتجارتهم إلى فلسطين، لأن بيروت كانت بعيدة نسبياً، وعلاقتهم بالجبل اللبناني محدودة. وكانت فلسطين موئلاً لكثير من اللبنانيين الذين لمع البعض منهم في السياسة والصحافة والتربية والفكر والفن، نذكر من بينهم الصحافي الكبير نجيب نصار من بلدة عين عنوب، وهو مؤسس مجلة "الكرمل" الحيفاوية، ووديع البستاني من قرية الدبية، وعجاج نويهض من رأس المتن مؤسس صحيفة "العرب" وأحد مؤسسي حزب الاستقلال وسكرتير المجلس الإسلامي الأعلى، ونجيب عازوري من قرية عازور صاحب كتاب "يقظة الأمة العربية"، وجورج أنطونيوس من دير القمر صاحب كتاب "يقظة العرب"، والنائب والوزير منير أبو فاضل من عين عنوب الذي كان أحد أكبر ضابطين عربيين في الشرطة في فلسطين، والوزير إميل البستاني مؤسس شركة "الكات" المشهورة الذي عمل في بداية حياته المهنية في حيفا. ولا ننسى، بالطبع، فوزي القاوقجي ورشيد طليع، ونخلة زريق، ونسيب أبكاريوس، وسليمان ناصيف، وتوفيق باز، وأنيس الصيداوي، وداود الصيداوي وشامل نصر الذي عمل في مجلة "الكرمل"، وطانيوس نصر الذي أصدر جريدة "الإقدام" في يافا. ومن اللبنانيين الذين عملوا في حقل التدريس الثانوي في مدارس وكليات مختلفة في فلسطين، في أربعينات القرن المنصرم، نتذكر منح خوري، وفريد زين الدين، وسلوى نصار، ولبيب غلمية، ومعروف سعد، وكامل ووديع وناجي ديب.

فلسطينيون في لبنان

من المفارقات الغريبة للتجربة الفلسطينية في لبنان أن أكثر بلد عربي أحبه الفلسطينيون ورغبوا في العيش فيه كان لبنان، مع أن هذا البلد لم يقدّم إليهم إلا النزر اليسير جداً من الحقوق المدنية والاجتماعية مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى كالأردن وسورية. ولعل مناخ الحرية والازدهار الذي ساد لبنان في الخمسينات والستينات من القرن العشرين كان السبب في تعلق الفلسطينيين بلبنان، وانشدادهم إليه. ثم إن الفلسطينيين أنفسهم كان لهم شأن حيوي ومباشر في الازدهار اللبناني الذي بدأ فعلياً في سنة 1949 فصاعداً، أي بعد النكبة مباشرة. ففي سنة 1948ـ1949 تدفق على لبنان نحو 110 آلاف فلسطيني، وهؤلاء حملوا معهم نحو 150 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل اليوم 15 مليار دولار بالأسعار الجارية. وهذه المبالغ المالية التي صبّت في لبنان مرة واحدة أطلقت فورة اقتصادية مهمة. وكان لإقفال مطار اللد شأن في تحويل خطوط الملاحة الجوية في المنطقة إلى بيروت. وكان مطار بئر حسن صغيراً جداً وغير قادر على استيعاب حركة الطيران المتنامية آنذاك، فبوشر في سنة 1949 في التخطيط لبناء مطار بيروت الدولي في خلدة. وكذلك كان لإقفال ميناء حيفا أثر إيجابي على ميناء بيروت الذي حل محله في نقل البضائع إلى سورية والعراق والسعودية، وبدأت، منذ تلك الفترة، عملية توسيع هذا الميناء وإنشاء أحواض جديدة فيه. وعلاوة على ذلك فإن الفلسطينيين اللاجئين كانوا، في معظمهم، من الأيدي العاملة المدرّبة، فساهموا في ازدهار القطاع الزراعي في سهول جنوب لبنان، وفي تنشيط القطاع الصناعي في منطقة الدكوانة ـ المكلس وغيرها من المناطق اللبنانية. وبالتدريج، راح الفلسطينيون ينخرطون في الحياة الثقافية والعلمية والتربوية في لبنان، ولمع بينهم الكثيرون ممن كان لهم شأن في الازدهار اللبناني أمثال يوسف بيدس، مؤسس بنك إنترا، وكازينو لبنان، وطيران الشرق الأوسط، وحسيب الصباغ وسعيد خوري مؤسسي شركة اتحاد المقاولين (CCC)، ورفعت النمر مؤسس البنك الاتحادي العربي ثم بنك بيروت للتجارة، وباسم فارس وبدر الفاهوم (شركة الـتأمين العربية)، وزهير العلمي (شركة خطيب وعلمي)، وغيرهم كثيرون.

رواد وأوئل

 كان الفلسطينيون في لبنان رواداً في مجالات شتى، وأوائل في حقوق متعددة. وهؤلاء على الرغم من مأساة الاقتلاع واللجوء، تمكنوا من التغلب على شروط النفي القسري وبادروا إلى الخروج من قيودها، وأبدعوا في الحياة العمرانية والثقافية أيما إبداع. وعلى كل مَن يناهض اليوم منح الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين أن يتذكر أن أول شركة لتوزيع الصحف والمطبوعات في لبنان أسسها فلسطيني هي شركة فرج الله. وأول من وصل إلى القطب الجنوبي في بعثة علمية سنة 1958 ورفع العلم اللبناني هناك هو الفلسطيني جورج دوماني من عكا (الاسم الأصلي لعائلته: الداموني). وأول من أسس شركة تأمين هو باسم فارس الفلسطيني اللبناني معاً، وخلفه في إدارتها بدر الفاهوم الفلسطيني أيضاً (شركة التأمين العربية). وأول من قاد طائرة جمبو  في شركة طيران الشرق الأوسط هو حنا حوا الفلسطيني. وأول متخصص برسم الخرائط هو الفلسطيني سعيد الصبّاغ. وأول فرقة للرقص الشعبي في لبنان أسسها الفلسطينيان مروان جرار ووديعة حداد جرار (شقيقة وديع حداد أحد مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقيصر حداد مؤسس ثانوية الروضة المعروفة). وأول من أسس الفرق الكورالية الموسيقية كان الفلسطينيان ألفاريس بولس وسلفادور عرنيطة (عم المغنية مادونا). وأول من أسس مراكز البحث العلمي الفلسطيني وليد الخالدي ومعه السوري قسطنطين زريق (مؤسسة الدارسات الفلسطينية)، وفايز صايغ (مركز الأبحاث الفلسطيني)، ويوسف صايغ (مركز التخطيط الفلسطيني)، وأنيس صايغ (الذي جعل مركز الأبحاث أحد أهم مراكز البحث العلمي في العالم العربي). وهؤلاء الأشقاء الثلاثة فلسطينيون من أصل سوري عاشوا في لبنان، فهم سوريون وفلسطينيون ولبنانيون في آن. حتى إن أول مؤسس للأصولية الإسلامية كان الشيخ تقي الدين النبهاني الذي أسس حزب التحرير الإسلامي، وهو فلسطيني أيضاً.

وكان الفلسطينيون رواداً في ميادين كثيرة أيضاً، فمن رواد النقد الأدبي، لمع محمد يوسف نجم وإحسان عباس. ومن رواد العمل الإذاعي، برز كامل قسطندي، وغانم الدجاني، وصبحي أبو لغد، وعبد المجيد أبو لبن، وناهدة فضلي الدجاني. ومن رواد العمل المسرحي صبري الشريف الذي لولاه لما كانت أعمال الرحابنة، ولا سيما مهرجانات بعلبك، على مثل ذلك البهاء. ومن رواد علم الآثار في لبنان ديمتري برامكي. ومن رواد العمل القاموسي والمعجمي أحمد شفيق الخطيب، وقسطنطين تيودوري. ومن بين الذين لمعوا في عالم الموسيقى حليم الرومي، وابنته ماجدة الرومي، وفاديا طنب (فاديا الحاج)، وشقيقتها رونزا (عايدة)، وعبود عبد العال، ورياض البندك، وجهاد عقل، ومحمد غازي، وعبد الكريم قزموز (أفضل عازف رق في العالم العربي). ومن أبرز الصحافيين والكتّاب غسان كنفاني، وشفيق الحوت، ونبيل خوري، وسمير قصير، وجهاد الخازن، والياس صنبر، وفي الكاريكاتير ناجي العلي، وفي الفن التشكيلي بول غيراغوسيان، وجوليانا سيرافيم، وموسى طيبا، وإسماعيل شموط، وفي التمثيل غسان مطر، ومحمود سعيد، ومارسيل مارينا. وفي تصميم الأزياء المصممة المشهورة إيلا زحلان. حتى إن الدكتور داهش (سليم العشي) مؤسس الجماعة الداهشية[2] هو فلسطيني من بيت لحم.

المرحلة الجديدة

بسقوط فلسطين في سنة 1948 انهار المجتمع الأهلي الفلسطيني برمته، واندثرت تماماً الأحزاب الفلسطينية والمؤسسات السياسية التي كانت قائمة قبل سنة 1948، وصارت الأونروا مرجعية الفلسطينيين في أماكن لجوئهم الجديدة. وساهمت الأونروا، بالفعل، في تقديم خدمات التعليم الجيدة لهم. وكان أن استفاد اللاجئون كثيراً من التوسع في الطلب على المتعلمين وعلى أصحاب المهن الذي شهدته الدول العربية في الخمسينات. وهكذا تحول شعب من الملاك وصغار الفلاحين والحرفيين والتجار إلى شعب من الكتبة والمحاسبين والإداريين والمعلمين والأطباء والمهندسين والمصرفيين. وهؤلاء هم الذين شكلوا عناصر الحركات الفدائية المسلحة التي راحت تظهر تباعاً في عقد الخمسينات من القرن العشرين.

في أي حال، فقد خضع الفلسطينيون اللاجئون إلى لبنان لشروط قاسية جداً في أماكن إقاماتهم. فكان ممنوعاً عليهم الانتقال من مخيم إلى آخر إلا بإذن، وممنوعاً عليهم السكن في بعض المناطق المحاذية للحدود الفلسطينية، وتسلطت عليهم المخافر، علاوة على رجال المكتب الثاني[3]، أيما تسلط. وبينما كانت المخيمات تضخ أبناءها المتعلمين إلى الخارج، ولا سيما إلى دول الخليج العربي، وهؤلاء كانوا يحوّلون أموالاً لا يستهان بها في حسابات الدخل الوطني اللبناني، كانت، في الوقت نفسه، تغلي من الداخل بالغضب والشعور بالمهانة، وطالما تطلعت إلى يوم الخلاص والتحرر من سيطرة المخابرات.

الاندماج والتنافر

لم تحاول السلطة اللبنانية أن تدمج الفلسطينيين الوافدين إليها في مؤسساتها ومصالحها ومناخها قط، فظلت غريبة عنهم ومثار ريبة لديهم. ولم تحاول السلطة اللبنانية أن تجذب الفلسطينيين إلى دائرتها فتصبح نقطة محورية تنمو حولها مصالح فلسطينية متعددة مؤيدة لها ومندمجة فيها. لهذا ظل الفلسطيني حتى سنة 1969 لا يعرف من السلطة إلا وجهها الأمني، أي المخفر الذي كان يتحكم بالناس والأنفاس.

عاملت الحكومات اللبنانية المتعاقبة الفلسطينيين بعيون أمنية تماماً. حتى أن المديرية المعنية بشؤونهم تابعة لوازرة الداخلية (في سورية تشرف وزارة الشؤون  الاجتماعية على أوضاع اللاجئين). لهذا عندما اندلعت اشتباكات أيار 1973 بين الجيش اللبناني والمنظمات الفدائية بعد التداعيات التي خلفها دخول إسرائيل إلى بيروت واغتيالها كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار في 10/4/1973، كان أول عمل قام به الفلسطينيون في المخيمات الهجوم على المخافر وإغلاقها.

معازل غاضبة

عاش القسم الأكبر من الفلسطينيين في لبنان، حتى سبعينات القرن المنصرم، في شبه معازل تدعى مخيمات، فطوروا فيها أيديولوجيات ناقمة إزاء السلطات كلها. وفي هذه المعازل حافظوا على لهجاتهم المحلية وكرّسوا، إلى حد كبير، انقساماتهم العائلية الموروثة وتقاليدهم الريفية المعروفة. وفي اتجاه معاكس كانت النخب المالية والاقتصادية والثقافية الفلسطينية تندمج بالمجتمع اللبناني رويداً رويداً، وتبرز كنخب ريادية وناجحة ومثيرة للحسد. ويقدم يوسف بيدس مؤسس أكبر بنك لبناني في ستينات القرن العشرين هو بنك إنترا، مثالاً مأسوياً على النجاح الفلسطيني في لبنان وسقوطه نتيجة التحاسد والتآمر.

لكن نقمة المخيمات كانت كبيرة وتطلعات أبنائها كانت أكبر. ومع انسداد إمكانات التقدم والاندماج في المجتمع اللبناني اتجه الشبان الجامعيون والفنيون إلى الخليج العربي حيث نجح البعض منهم في تكوين ثروات كبيرة عادوا بها إلى لبنان واستثمروها بنجاح وراحوا، بدورهم، يحاولون الاندماج في إطار المجتمع اللبناني الذي كان يقبلهم على قاعدته الطائفية (جرى تجنيس معظم المسيحيين الفلسطينيين في الخمسينات والستينات، والشيعة الفلسطينيين في سنة 1994، وحاز رجال الأعمال والأثرياء الفلسطينيون السُنّة الجنسية اللبنانية في مراحل مختلفة).

الفدائي المخلِّص (1965 ـ 1969)

في 1/1/1965، أفاق الفلسطينيون في لبنان على البيان الأول لـ"قوات العاصفة"، الذي يعلن انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني. وكان هذا البيان إيذاناً بتحولات عاصفة سيشهدها لبنان والمنطقة العربية بأسرها. ومن الطبيعي أن يتجاوب الفلسطينيون مع هذا البيان بفرح غامر، ولا سيما أن اسم حركة "فتح" كان يتردد، بقوة، في أوساط اللاجئين منذ سنة 1959 على الأقل. ولا ريب في أن انطلاقة الكفاح المسلح منحت الفلسطينيين شعوراً بالزهو، والإحساس بالكرامة. ومع ذلك، لم يكن للفدائيين، حتى سنة 1967، وجود حقيقي في جنوب لبنان على الإطلاق، بل بعض المجموعات الفدائية المتخفية التي يتسلل أفرادها، بين الحين والآخر، لزرع الألغام في محيط المستعمرات الإسرائيلية في شمال فلسطين، أمثال: زرعيت، والمنارة، وكفار جلعادي، والمطلة، وديشوم، ومرغليوث وغيرها.

احتضن اللبنانيون العمل الفدائي في الجنوب اللبناني ومخيماته، ودافعوا عنه بقوة. وعبروا عن ذلك في مناسبات كثيرة أبرزها تشييع اللبناني خليل عز الدين الجمل في بيروت في 27/4/1968. وكان خليل الجمل التحق بحركة فتح في الأردن، واستشهد في الأغوار في 15/4/1968. وفي بيروت منحته الدولة اللبنانية وسام الاستحقاق اللبناني، وصلِّي على جثمانه بحضور رئيس الحكومة عبد الله اليافي ومفتي الجمهورية.

لم تظهر قواعد الفدائيين في جنوب لبنان إلا بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967، ولم تتحول إلى ظاهرة إلا في أوائل العام 1968. وقد أرادت إسرائيل أن تعاقب القرى اللبنانية التي أُقيم بعض القواعد الفدائية في جوارها، فبدأت تشن حملة اعتداءات متتالية، في محاولة لفك احتضان اللبنانيين العمل الفدائي. فهاجمت قرية حولا في 12/5/1968، ثم ميس الجيل في 15/6/1968، والمجيدية في 17/10/1968. وفي الأثر بدأت التظاهرات تدعو إلى تسليح القرى الأمامية وإلى التجنيد الإجباري وإلى الدفاع عن الفدائيين. وتصدّر الحزب التقدمي الاشتراكي، والحزب الشيوعي اللبناني، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب النجادة، هذه التظاهرات التي امتدت حتى إلى مدرسة الآداب العليا في بيروت. وفي هذه المدرسة وقعت صدامات بين الطلاب ومجموعات مسلحة من حزب الكتائب قامت بالاعتداء على الطلاب المناصرين للعمل الفدائي.[4] ومع أن ريمون إدة سارع إلى تقديم اقتراح ينص على استقدام بوليس دولي إلى الحدود اللبنانية في 25/6/1968 لمنع إسرائيل من الاعتداء المتكرر على لبنان، وضبط العمليات الفدائية في الوقت نفسه، إلا أن المناخ السياسي العام لم يكن مواتياً البتة لمثل هذا الاقتراح، بل إن 30 حزباً وجمعية ورابطة لبنانية أعلنت في 22/12/1968 تأسيس "الهيئة اللبنانية لنصرة النضال الفلسطيني".

الفلسطينيون والحرب الأهلية

بعد أحداث أيار 1973، صار الفلسطينيون شبه كتلة سياسية وعسكرية متعددة الاتجاهات، ولها شأن كبير في تقرير مصائر الأمور في لبنان. كان لكل بلد عربي ذراع في منظمة التحرير الفلسطينية ما عدا لبنان. وكان للبنانيين حضور فاعل في المنظمات الفدائية ولم يكن للدولة اللبنانية أي حضور البتة (أكثر من 60% من عناصر التنظيم الطالبي لحركة فتح في أوائل سبعينات القرن المنصرم كانوا لبنانيين). وعندما اندلعت الحرب الأهلية سنة 1975 انخرطت المنظمات الفدائية فيها بعدتها وعديدها من اللبنانيين والفلسطينيين معاً. وظهر، في معمعان المعارك اللاحقة، أن الفلسطينيين تجاوزوا الدولة اللبنانية كثيراً؛ هذه الدولة التي لم تكن، في نظرهم، إلا "سفرجلة: كل عضة بغصة"، فهم لم يذوقوا منها سوى القمع والاعتقال والرفض واللفظ. وفتشت بعض الجهات اللبنانية عن رموز فلسطينية، وعن قوى فلسطينية، للتآلف معها أو كي تؤلف منها أدوات ضغط  فما وجدت، لأنها لم تكن، في أي يوم من الأيام، نقطة جذب تتمحور حولها بعض المصالح الفلسطينية. وعززت الأيديولوجيات الكيانية المغرقة في محليتها لدى بعض اللبنانيين، الريبة والشكوك لدى الفلسطينيين؛ فالفلسطينيون في نظر بعض اللبنانيين أغراب يجب إبادتهم، ووباء يجب الخلاص منهم (سعيد عقل وإتيان صقر ومي المر ومشايعوهم)، واللبنانيون الموالون للسلطة وقتذاك صاروا، في نظر بعض الفلسطينيين "أدوات انعزالية" لا يبغون إلا إبادة الفلسطينيين أو إعادة الهوان إليهم، فلا بد، إذن، من مواجهتهم. ولم تتمكن "النيات الطيبة" والمصالح المباشرة للنخب الفلسطينية المندمجة في المجتمع اللبناني أن تؤثر في أي من الفريقين. وفي ذلك الجنون المطبق ضاعت الاتجاهات وانتصرت الهمجية طيلة اثني عشر عاماً كاملاً، منذ اندلاع الحرب سنة 1975 وحتى توقف الحرب على المخيمات سنة 1987، فخلّفت هذه الأحداث، بتفصيلاتها المرة، المزيد من الريبة والشكوك والخوف والرفض والحساسيات وضياع العِبَر. وهذه العناصر كلها ما انفكت تفعل فعلها حتى الآن، وتفاقمت، إلى حد ما، بعد الوقائع الدامية في مخيم نهر البارد سنة 2007.

أين يعيش الفلسطينيون؟

يتوزع الفلسطينيون على 12 مخيماً في محافظات لبنان الخمس. وكان عدد المخيمات الرسمية في لبنان قد بلغ في بداية السبعينات من القرن العشرين 15 مخيماً تعرضت ثلاثة منها (النبطية، وتل الزعتر، وجسر الباشا) للدمار الكامل بين عامي 1974 و1976 جراء القصف الإسرائيلي والحرب اللبنانية. وبقي منها 12 مخيماً فقط هي التالية:

1. الرشيدية: يقع على بعد 7 كلم إلى الجنوب من صور، وهو أقرب المخيمات إلى فلسطين ويقطنه 29 ألف لاجئ. تعرض المخيم إلى القصف الإسرائيلي مراراً، خاصة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. أنشأت حكومة الانتداب الفرنسي المخيم سنة 1939 لإيواء اللاجئين الأرمن. لكنه ابتداء من سنة 1948 صار مرصوداً لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين. وفي سنة 1964 نقل إليه اللاجئون الذين كانوا يسكنون ثكنة غورو في بعلبك، وقد جاء أغلبهم من قضاء صفد علاوة على مدينة حيفا وجوارها.

2. البرج الشمالي: يقع هذا المخيم الذي أُنشىء عام 1955، على مقربة من قرية البرج الشمالي، وعلى بعد 3 كلم إلى الشرق من مدينة صور. يقدر عدد سكان المخيم الإجمالي بنحو 19 ألف نسمة، ومعظم اللاجئين إليه هم من قرى الحولة وطبرية. وقد نال سكان 25 قرية من قضاء الحولة الجنسية اللبنانية عام 1994، وبين هؤلاء عدد كبير من سكان هذا المخيم. وفي السنوات الأخيرة تناقص عدد السكان فيه نتيجة الهجرة المتزايدة إلى الدول الاسكندينافية. وقد تعرض المخيم لمذبحة مروعة، في ملجأ نادي الحولة، سنة 1982 إبان الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، ذهب ضحيتها نحو المئة.

3. البص: يقع عند المدخل الشرقي لمدينة صور، ويبلغ عدد سكانه نحو 12 ألف نسمة، ويقطن فيه عدد وفير من غير الفلسطينيين. ومعظم اللاجئين فيه يتحدرون من قرى أقضية عكا والناصرة والحولة والجليل. تأسس المخيم سنة 1939 لإيواء اللاجئين الأرمن، ثم تحول سنة 1948 إلى مخيم فلسطيني.

4. عين الحلوة: يقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة صيدا وعلى بعد 1.5 كلم عنها. يبلغ عدد سكانه نحو 70 ألف نسمة معظمهم من 13 قرية فلسطينية تتوزع على أقضية عكا والجليل والحولة. وقد وفدت إليه جموع من المهجرين من مخيم النبطية في سنة 1974 ومن مخيمي البداوي ونهر البارد في طرابلس في سنة 1983، ومن مخيمات بيروت في سنة 1985. ومع هذه الهجرات المتوالية أصبح عين الحلوة يتسم بالكثافة السكانية العالية، وصار أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان من حيث عدد السكان. كذلك فإن عين الحلوة هو الأكبر من حيث المساحة رغم أنها لا تزيد عن الكيلومتر المربع الواحد. أنشئ المخيم سنة 1949 بمبادرة من الصليب الأحمر الدولي، ثم انتقل الإشراف عليه إلى الأونروا سنة 1950. ويشكل المخيم صورة مصغرة عن الفضاء السياسي الفلسطيني، حيث يضم جميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والتحالف الوطني، والقوى الجهادية الإسلامية، التي تتنافس بشكل دائم على النفوذ والسلطة، الأمر الذي يكلف المخيم أحياناً صدامات دامية ونزاعات مربكة.  

5. المية ومية: يقع هذا المخيم على تلة تبعد 4 كلم إلى الشرق من صيدا، ويبلغ عدد سكانه نحو 6 آلاف نسمة أغلبهم من قرى قضاء صفد. وقد نشأ هذا المخيم سنة 1954 وتعرض لتدمير جزء منه خلال الاجتياح الإسرائيلي في سنة 1982.

6. شاتيلا: بُعيد تأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين أنشىء هذا المخيم عام 1959، وصل عدد سكانه إلى 12 ألف نسمة ولم يبق منهم اليوم إلا نحو 5 آلاف، والباقون هاجروا على دفعات خلال حرب 1982 وفي أعقاب مجزرة صبرا وشاتيلا، ثم خلال الحرب على المخيمات بين سنة 1985 وسنة 1987. كما أن عدد السكان تناقص باطراد بسبب هجرة الشباب إلى الخارج، وحلت محلهم أعداد غير محددة من السوريين والمصريين واللبنانيين والهنود وهؤلاء ينتمون في معظمهم إلى العمالة الرخيصة. ويتحدر سكان هذا المخيم من قرى الجليل الأعلى. وقد ارتبط اسم مخيم شاتيلا باسم صبرا بسبب مجزرة 1982، مع ان صبرا ليس مخيماً، إنما هو حي لبناني مجاور لمخيم شاتيلا. وبسبب التداخل السكاني صار المخيم والحي أشبه بمنطقة واحدة.    

7. برج البراجنة: يقع المخيم الذي أنشأه الصليب الأحمر الدولي عام 1949، إلى الشرق من الطريق التي تصل مدينة بيروت بمطارها الدولي. وقد بلغ عدد سكانه نحو 16 ألف نسمة نصفهم من قرى الجليل الغربي، والنصف الثاني من قرى قضاء عكا،  وتسكن فيه أيضاً بعض العائلات اللبنانية. غير أن هذا العدد تناقص بسبب هجرة الشبان إلى دول الخليج والدول الاسكندينافية.

8. مار الياس: يعتبر هذا المخيم أصغر المخيمات في بيروت، وقد أنشىء عام 1952 فوق أرض تملكها طائفة الروم الأرثوذكس. واستوعب هذا المخيم اللاجئين الأرثوذكس القادمين من حيفا ويافا. ورغم نجاة المخيم من أهوال الحروب اللبنانية، إلا أن معظم سكانه الأصليين هاجروا إلى كندا والولايات المتحدة وحل محلهم لاجئون مسلمون. وتحول المخيم بالتدريج إلى مركز سياسي لمكاتب الفصائل الفلسطينية المختلفة.

9. ضبية: يقع المخيم على مسافة 12 كلم شمال بيروت فوق تلة تشرف على بلدة ضبية. ومعظم سكان هذا المخيم الصغير هم من المسيحيين الفلسطينيين الكاثوليك الذين قدموا من قرى الجليل. ويملك أراضي المخيم دير مار يوسف في ضبية. وخلال الخمسينات مُنح قسم من سكان المخيم الجنسية اللبنانية. وخلال حرب السبعينات دمر نصف المخيم تقريباً وهاجر أكثر أهله إلى مناطق أخرى في غرب بيروت وإلى كندا والولايات المتحدة الأميركية.

10. الجليل: يقع هذا المخيم على مقربة من مدينة بعلبك، وكان في الأصل ثكنة عسكرية فرنسية تدعى "ويفل". وقد سكن اللاجئون فيها في سنة 1948. وكان عدد السكان فيه نحو 7 آلاف نسمة. وقد سجل هذا المخيم أعلى نسبة هجرة إلى الخارج. وهاجر حوالي 60% من أبناء المخيم إلى الدانمارك، ولذلك يطلق عليه اسم "مخيم الدانمارك". ومعظم السكان متحدرون من قضاءي الناصرة والجليل وبقي منهم الآن ثلاثة آلاف.

11. البداوي: يقع هذا المخيم على مسافة خمسة كيلومترات من طرابلس إلى جهة الشمال. ويبلغ عدد سكانه نحو 16 ألف نسمة، وقد أتوا من قرى قضاءي صفد وعكا. واستقر هؤلاء في البداية في أحد الخانات شمالي مدينة طرابلس، لكن طوفان نهر أبو علي في سنة 1955 أرغم وكالة الغوث على إنشاء هذا المخيم لإيواء المنكوبين. وازداد سكان المخيم بعد حرب نهر البارد عام 2007 ونزوح قسم من سكان البارد إليه.

12. نهر البارد: يقع هذا المخيم على مسافة 16 كلم إلى الشمال من مدينة طرابلس، على الطريق الدولية إلى سورية. وازداد عدد سكان المخيم حتى بلغ 30 ألفاً في سنة 2007، ومعظم سكانه من قرى قضائي صفد وعكا. وكان هذا المخيم الذي أسس عام 1949 ينعم بازدهار اقتصادي لوقوعه على البحر وعلى الطريق الدولية معاً. وتعرض هذا المخيم لكارثتين: الأولى في سنة 1983 حينما تعرض للقصف الشديد جراء المعارك التي اندلعت بين حركة "فتح" والمنشقين عنها، والثانية عندما سيطرت حركة "فتح الإسلام" عليه وخاضت قتالاً ضد الجيش اللبناني أدى، في نهاية المطاف، إلى تدميره بالكامل تقريباً.

المخيمات غير الرسمية

نشأت هذه المخيمات نتيجة الحاجة إلى أيد عاملة ولا سيما في بساتين الجنوب، وأبرز هذه المخيمات هي التالية:

1. المعشوق: يقع بين مخيمي البص والبرج الشمالي، ويقطن فيه نحو 3.500 شخص من قرى قضاءي عكا وصفد.

2. شبريحا: يقع بالقرب من بلدة شبريحا إلى الشمال من مدينة صور، ويقطنه نحو خمسة آلاف شخص ينتمي معظمهم إلى عشائر بدوية وبعض الفلاحين.

3. القاسمية: يقع على مسافة 14 كلم إلى الشمال من مدينة صور عند مصب نهر الليطاني. وسكان هذا المخيم هم من البدو الفلسطينيين علاوة على بعض عائلات قرية الخالصة التابعة لقضاء صفد. وبلغ عدد سكان هذا المخيم نحو ثلاثة آلاف شخص.

4. أبو الأسود: يقع على مسافة 16 كلم إلى الشمال من مدينة صور، وهو مخيم صغير لا يتجاوز عدد سكانه الألف نسمة، وهم ينتمون إلى عرب السمنية والسويطات.

5. عدلون: يقع على مسافة 22 كلم جنوب مدينة صيدا وفي نطاق بلدة عدلون. ويبلغ عدد سكان هذا المخيم نحو 1500 شخص.

6. شحيم: يقيم في بلدة شحيم التابعة لقضاء الشوف نحو 2000 نسمة من الفلسطينيّين الذي بدأوا بالتوافد على هذه البلدة وعلى البلدات المجاورة مثل مزبود، منذ سنة 1950.

التجمعات السكانية

نشأت على مدى سنوات متباعدة وبطريقة شبه عشوائية بعض التجمعات الفلسطينية في منطقتي صور وصيدا بالدرجة الأولى. وبقيت هذه التجمعات موضع تجاهل الهيئات المعنية إلى أن قام سكانها ببعض التحركات الاحتجاجية للمطالبة بافتتاح مراكز صحية وتربوية. واستجابت الأونروا جزئياً إلى مطالب هذه الهيئات. وأبرز هذه التجمعات التالية:

1. جل البحر: ظهر هذا التجمع في سنة 1952، وهو يقع في منطقة صور. وبلغ عدد سكانه نحو ألف شخص في سنة 2007.

2. البرغلية: نشأ هذا التجمع في سنة 1952 بالقرب من بلدة البرغلية المجاورة لمدينة صور، ولم يتجاوز عدد سكانه المئتين في سنة 2007.

3. الواسطة: نشأ هذا التجمع الذي يبعد نحو ألف متر من مخيم القاسيمة في سنة 1952، ولم يتجاوز عدد سكانه في سنة 2007 الألف نسمة.

4. العيتانية: يقع بالقرب من تجمع الواسطة ولا يتجاوز عدد سكانه الثلاثمئة نسمة.

نظرة إلى الواقـــع

الفلسطينيون في لبنان مشكلة. نعم، لنعترف بذلك. ولعلنا نستطيع إيجاز أحد جوانب المشكلة على النحو التالي: اللبنانيون لا يريدون توطين الفلسطينيين، والفلسطينيون بدورهم لا يريدون. الإسرائيليون يرفضون عودتهم، وهم يصّرون على العودة. ولديهم، في داخل المخيمات، ولدى البعض منهم في خارج المخيمات، أسلحة، غير أن معظمهم يرغب في التخلص منها. وعلاوة على ذلك، فهم مهمشون اجتماعياً ومحرومون اقتصادياً ومضطهدون قانونياً، وقد باتوا اليوم جماعة لا مكان لها في نظام الطوائف اللبناني، في الوقت الذي ما عادوا فيه طليعة ثورية للتغيير السياسي في العالم العربي.

كان المخيم في زمن التألق الثوري أيقونة لثوريي العالم، ومكاناً لتطوير الوطنية الفلسطينية، ومساحة للحلم بحق العودة. أما اليوم، فإن بعض المخيمات راح يتحول، بالتدريج، إلى مجرد مجمعات بشرية ذات هويات مغلقة. وحين تغيب الهوية المؤسّسة على التحرر الوطني والاجتماعي وعلى حق العودة، تحضر الهويات المتسربلة بالعنف والإرهاب والفوضى. وأبعد من ذلك، فإن تركيز الخطاب السياسي، الفلسطيني واللبناني، على المعاناة المتمادية للفلسطينيين، وتحويل هؤلاء إلى ما يشبه الضحية ما عاد مجدياً البتة، لأن هذا الخطاب يجعل الفلسطينيين كائنات إثنية غريبة خارج السياق التاريخي الذي نشأت عليه قضية اللاجئين. وبدلاً من أن نعاود في كل مرة عرض مآسي الفلسطينيين، أحسبُ أن الأكثر جدوى  اليوم هو الذهاب مباشرة إلى التفكير في الحل العملي لهذه المشكلات، ومنها إمكان دمج المخيمات، ولو جزئياً، بمحيطها الحضري كي لا تبقى، كما قلنا، مجرد تجمعات إثنية غريبة ومتنافرة ومثيرة للريبة.

لقد كتب الكثير جداً عن أوضاع الفلسطينيّين في لبنان، حتى صار كل واحد يعرف أحوالهم بالتفصيل ولو لم يزر أي مخيم ولو مرة واحدة. ومع ذلك سأجازف بأن أعرض الصورة التالية: في سنة 2002 أنجز معهد FAFO دراسة جاء فيها أن عدد سكان المخيمات الفلسطينية في لبنان هو 106 آلاف من بين 200 ألف هم عدد اللاجئين المقيمين في لبنان.[5] وبحسب أقرب الموارد المتاحة في بيانات الأونروا وقيود مديرية شؤون اللاجئين فإن عدد الفلسطينيين المسجلين في هذه القيود يناهز 430 ألفاً في أواخر سنة 2009. لكن بين هؤلاء نحو 100 ألف اكتسبوا الجنسية اللبنانية في فترات مختلفة (هؤلاء صاروا لبنانيين قانوناً مع أن صفة اللاجئ لا تسقط عنهم حكماً)، وأكثر من 100 ألف هاجروا نهائياً من لبنان. أما مَن بقي على الأرض اللبنانية فعلاً فعدده يقارب المئتي ألف فقط.

ما هي المشكلات

أولاً: عدم الأمان؛ فقد خضع الفلسطينيون منذ النكبة في سنة 1948 لشـروط مهينة من العيش، فأقاموا خمس سنوات متواصلة في العراء تقريباً، أي في الخيمة، حتى سُمح لهم بأن يبنوا جداراً في محيطها، فصار في إمكـان الواحد منهم أن يسند ظهره. وانتظروا خمس سنوات أخرى حتى بات في إمكانهم أن يضعوا ألواح "الزينكو" (التوتياء) فوق رؤوسهم. ثم انتظروا حتى سنة 1969 لينتزعوا حق العيش في منزل ذي سقف من الباطون بدلاً من الزينكو الذي كان المطر يجيد النقر عليه في الشتاء، ويتحول إلى فرن لاهب في الصيف. وفي المراحل اللاحقة خضعت المخيمات إلى العدوان الإسرائيلي الدائم فدمر مخيم النبطية في سنة 1974، وجُرف تل الزعتر وجسر الباشا وأجزاء من ضبية في معمعان الحرب الأهلية اللبنانية، وسحقت مخيمات أخرى في حروب المخيمات بين 1985 و1987، وكان آخرها ما حل بنهر البارد، وهو أمر لا يزال ينذر بكوارث حتى الآن.

ثانياً:   السكن؛ إن معدل مساحة المنزل الواحد في المخيم هو 41 متراً مربعاً (أو 2.2 غرفة) مرصودة لستة أشخاص. وجميعنا يعرف كيف تتلاصق البيوت بحيث يصبح  اختراق أشعة الشمس لتتخلل المنازل بنورها أمراً في غاية الصعوبة. وهذا يعني وجود رطوبة عالية في هذه المنازل وأمراض صدرية وجلدية مقيمة بصورة دائمة.

ثالثاً:   الصحة والبيئة؛ وترتبطان برباط وثيق بطريقة بناء المنازل، وهي طريقـة عشوائية تماماً. فالمجارير مكشوفة، ومكبات النفايات قريبة من المنازل، وفي حالات كثيرة تنتشر بين المنازل، وتختلط مياه الشرب بالمياه الآسنة لأن قساطل الجر مهترئة ومتداخلة فوق الأرض.

رابعاً:   التعليم؛ كان الفلسطينيون في لبنان من أكثر فئات المجتمع تعليماً في الحقبة التي أعقبت نكبة 1948 وحتى نهاية سبعينات القرن العشرين. لكن، منذ خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في سنة 1982 بدأت ظواهر التسرب من المدارس لدى التلاميذ من الفئة العمرية 10ـ17 سنـة (المرحلتين المتوسطة والثانوية) تتزايد بسبب الاضطرار إلى الالتحاق بورش العمـل لإعالة العائلة التي فقدت الزوج على سبيل المثال. وهذه الحـــال ما زالت تتفاقم باطراد حتى اليوم. وبسبب ضمور سوق العمل للمهن اليدوية غير المدربة، فإن هذه الفئة العمرية تجد نفسها عالقة بين السعي إلى الهجرة (وهو خيار محــــــدود)، أو الالتحاق بالفصائل المسلحة.

خامساً: العمل والبطالة؛ إن نسبة البطالة في المخيمات الفلسطينية هي نحو 40% مقارنة بـ8.2% في لبنان. وهي فجوة مروِّعة يعرف الباحثون عقابيلها السياسية والأمنية والاجتماعية. وتتفرع من هذه الحال ظاهرة عمالة الأطفال (10 ـ 14 سنة)، وهي ظاهرة مرتبطة بالفقر وببعض المشكلات الأسرية كفقدان الأب أو الأم، أو التوقف عن الدراسة لعدم وجود أوراق ثبوتية مثلاً. وفي جميع الأحوال، فإن معدل الدخل الشهري للعائلة الفلسطينية المؤلفة من ستة أفراد لا يتجاوز 350 ألف ليرة لبنانية (ما يعادل 230 دولاراً) أي أقل من الحد الأدنى للأجور بنحو مئة      دولار. والمعروف أن قوانين العمل اللبنانية ولوائح النقابات المهنية اللبنانية تمنع الفلسطيني من العمل في مهن كثيرة، ولا سيما الطب والهندسة والصيدلة والمحاماة... الخ. فالمهندس الفلسطيني إذا وجد عملاً،

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website