مقولات في تنوع السرد - السيد نجم - عدد 255

مقولات في تنوع السرد

والرؤى في الرواية الفلسطينية ما بعد67

 بقلم: السيد نجم [*]

* أصيب الروائي الفلسطينى والرواية الفلسطينية بالصدمة بعد عام النكبة (1948م)، حتى أنه صدرت أول رواية بعدها عام 1955م (رواية "صراخ في ليل طويل/ جبرا إبراهيم جبرا).. ويمكن الإشارة إلى الروايات الصادرة في الخمسينات حصريا بثلاث روايات: "المتسلل/توفيق معمر"، "ثمن النصر/ مجهول"، "بتهون/توفيق معمر"! ومع الستينات كان البحث عن الطريق والمقاومة.

ما أن بدأت أحداث معارك 1967م، وعلى الرغم من كل نتائجها العسكرية.. كانت تلك النتائج نفسها سببا لمخاض جديد.. تجلى وعبرت عنه أقلام روائية لها رؤيتها وسردها على أرض جديدة لم تطأها الأقلام الروائية الفلسطينية من قبل.

إذا كان "السرد" هو الإجابة على السؤال: كيف تروى الرواية عن الحوادث والشخصيات؟ في إطار من الزمان والمكان غير المحددين، بواسطة راوٍ أو سارد.. ظاهرا كان أو شخصية من الشخصيات. فإن السارد الفلسطيني بعد67، تنوعت معه الرؤى وأنماط السرد، ربما لجديد الأحداث والمواقف والتجارب التي عاشها.. والتي يمكن رصد بعضها حسب تجربة الروائي:

أولا: تجربة رواية بيضة الديك!

لعل التجارب والخبرات القاسية التي واجهت الإنسان الفلسطيني، دعت البعض إلى محاولة التعبير عنها، بأشكال مختلفة وجديدة.. كما دفعت البعض إلى الكتابة الروائية للمرة الأولى والأخيرة.. وهو ما نطلق عليه "رواية بيضة الديك".

.. رواية "الوطن في العينين" للروائية "حميدة نعنع"

تلك الرواية التي نشرت عن دار الآداب ببيروت عام 1979م، ولم تنشر غيرها، أضافت بها بعدا جديدا في أدب المقاومة الفلسطينية.. فهي لكاتبة (على قلة الكاتبات الروائيات خلال تلك الفترة).. بطلتها سيدة تخوض تجارب تتحدى بها تجارب الرجال في الجرأة والمعالجة. تتناول الرواية البعد الإنساني وربما البيولوجي للأنثى، والبعد الأيديولوجي لقضية ساخنة.

العنوان "الوطن في العينين"، يعد تقريريا وحميما معا. فكما تقول الأم لولدها أو لحبيبها.."أنت في العين"، تقولها الكاتبة وبدلالاتها العاطفية، وهو ما يجعلنا نتساءل: كيف نجحت "نادية" في تحقيق ما وعدت به الكاتبة أمام القارئ؟

"نادية" الفتاة الفلسطينية، تمارس حرية اتخاذ القرار، فأحبت الفدائي "أبو مشهور" وتوحدت به. عندما استشهد تعلقت بالثوري الفرنسي "فرانك" وهو صاحب الرأي الحر ورافض الاستعمار في أفريقيا.. ثم انتقلت إلى مرحلة ثالثة برفض الفرنسي والعودة إلى بلدتها "عينتاب" بفلسطين.. ومارست المقاومة عمليا على أرض الوطن.

إذن، نحن أمام بطل أنثوي ثوري، عبر عن صراعاته.. عندما تركت الأرض وذهبت نادية إلى فرنسا، لم يكن للنزهة، للمقاومة. وعندما أحبت العربي الثوري، وبعد أن وجدته بدأ يهادن، تركته عائدة.. حيث بدأت المقاومة المسلحة. امرأة عربية جديدة، إيجابية وفاعلة، وهي بذلك تضيف ملمحا إلى ملامح "المرأة" الفلسطينية في الرواية.. عندما كتب "غسان كنفاني" روايته "أم سعد"، كانت الأم التي تحث ولدها على الكفاح.. وعندما قدم "يحيى يخلف" المرأة في روايته "نشيد الحياة" بدت الشريك الموافق والمشجع.. فيما بدت المرأة عند "سحر خليفة" تسعى للتحقق في "مذكرات امرأة غير واقعية".

وقد بدت عملية الاسترجاع والتذكر هي جوهر البناء الفني للرواية، كما بدت "نادية" منفعلة ثائرة، وهو ما جعل للصوت الزاعق أحيانا، وجودا ببعض المواضع بالرواية.

**********

ثانيا: تجربة رواية الانتماء والأرض

الأرض هي ذاك التعيين المكاني، تكتسب الدلالات والمعاني بما يتجاوز ملامحها المادية، فتكتسب بعدا روحيا وقيما عليا، حتى أن التحقق الإنساني ذاته لا وجود له دون ذلك الحضور الباقي دوما للأرض. وهي البقعة الإقليمية التي يكبر فوقها الفرد، فتغدو بذرة في الذات الفردية والجماعية.. ولا يبقى دونها إلا الفداء بالروح والدم. ولا البذل من أجلها في "الصراع" إلا لأنها في "السلم" أعطت.

للأرض حضورها المميز في الإبداع منذ القدم.. صورها الشاعر العربي القديم بتصوير ديار الحبيب، ولما تركته صور أطلالها.. كما تجلت بحضور مختلف. ويمكن أن نقول: أن الصراع من أجل الأرض ليس إلا دفاعا عن الذات بكل ما تتضمنه من معاني الوجود والحياة.

تبدت الأرض في الإبداع العربي والرواية خصوصا على أشكال عدة ورؤى مختلفة، كما نالت الأرض ما تستحقه في الإبداع الروائي الفلسطيني.

.. رواية "إلى الجحيم أيها الليلك".. للشاعر "سميح القاسم"

"سميح القاسم" أحد شعراء المقاومة، ها هنا هو الناثر/ الروائي، حتى وإن أطلق عليها "حكاية" بدلاً عن الرواية! صدرت الرواية عام 1978م، تقع في ثلاثة فصول: الانشطار – الهاوية – المواجهة. وهي تمثل الصراع على ملكية مكان/الأرض، والقضية الفلسطينية برمتها صراع على الأرض؟! من أجل تحقيق ذلك فنيا، لجأ إلى حيلة ذكية: عرض الروائي البعد التاريخي قبل وصول العبرانيين، ثم تنزاح الحبيبة "دينا" بسبب تحطم بيتها بفعل قذف غبي من طائرة الأعداء، وبنزوحها تبدأ المضايقات من جنود الاحتلال.. ولإثبات ملكية الأرض، يدور صراع العرب داخل أماكن محددة وثابتة: حيفا، تل أبيب، القدس، الخليل.

بينما لإثبات هشاشة المكان وعدم ملكية الأرض للإسرائيليين، تدور الأحداث لهم من خلال: مقهى غان، ومقاهٍ أخرى، وموقف سيارات، وبيت عاهرة، والمحطة المركزية بتل أبيب.. كلها أماكن متحركة أو قابلة للتحرك وعدم الثبات أو طارئة.

يتذكر الراوي طفولته، مع دينا ومع أبيه صاحب النشاط في الخليل وحيفا. أما وقد جاء الاحتلال وكان مخيم اللاجئين.. يرفضه الراوي ويطلق عليه معسكر اللاجئين، تيمناً بكونه معسكراً للجنود المحاربين.

لعل اقتطاع جزء من أقوال بطل الحكاية في أحد البرامج الإذاعية "أبناء سام" يعطى صورة عما يجيش بصدره ويدور برأسه، يقول: "...المهم هو أن تفكروا بجد في سبيل ما، في ثغرة ما، للخروج من الدم، العدل المطلق في حالتنا هذه شيء مستحيل، لن نتفق عليه الآن، وقد لا نتفق لأجيال قادمة، اعترفوا لي بشيء من العدل.. وإلا فسآخذه بكل ثمن".

في مقابل شخصيات العدو المتمثلة في العاهرة "أم أورى" (وقد جعل منها الروائي تمثيلا للعدو، والطريف أنه يقر لها بالتفوق جنسيا، وعلى الجانب الآخر تفوق العدو) والسمسار (وإن بدا كره البطل له لكونه ماركسيا، والماركسية تنظر إلى عمل السمسار بريبة، شخصية كريهة إنسانيا) وغيرها من الشخصيات الدنيا والمرفوضة. يبدو البطل مثقفا مقتنعا بقضيته، يتناقش بقدر وافر من الهدوء والثقة، يبدو مرجعها الثقة في حقه، حتى وإن كان العدل المطلق شيئاً مستحيلاً على حد تعبيره. فهو يدعو إلى مخرج عادل من النفق المظلم... وإلا فسيأخذه بكل ثمن، وهنا القضية التي تجعل من هذا العمل بؤرة نبوءة (كما كل الأعمال الإبداعية الجادة.. وإن تناولت الآني إلا أنها تنبئ بالمستقبل وعلى درجات متفاوتة).

.. رواية "قدرون".. الأرض المكان والمعنى والمستقبل

رواية "قدرون" للكاتب الفلسطيني "أحمد عوض" تبدو وكأنها تبلور ملمح الرؤية المستقبلية. فالأرض هنا ورثها الأبناء جيلا بعد جيل، إلا أن الجيل الجديد أهمل الأرض.. يوم أن تواردت الأخبار بوجود الكنز في جوف الأرض.. بدت الرؤية المضافة هنا. الأرض المستقبل، الحلم/الحقيقة، وبدأ أحد الأبناء المخلصين يشارك بالفكر في طرق التنقيب.

أما وقد تم اكتشاف الكنز/الحقيقة، كانت مرحلة جديدة من الرواية، حيث معنى الخصب والنماء والأمل والجمال. كيف لا تعني ذلك والكنز هو تمثال من الذهب "بعل وعشتاروت" الذي يعني كل تلك الرموز والمعاني..؟

فلما تآمر الحفيد "علي" وقرر بيع الأرض إلى أحد اليهود الأمريكان، يبدأ صراع من لون جديد بين "عثمان" الجد والحفيد. خلال تلك المرحلة من الصراع يتعرف القارئ على جانب تأريخي هام حول تلك الأرض، يذكرها الجد ويسرد بطولات كانت ومضات كافح فيها الآباء عن الأرض نفسها.

بدت الأرض الماضي والمستقبل، والحياة المطمئنة.. لكنه أعلن عن استعداده للحرب وهو الجد العجوز، ليس من أجل الحرب ولكن من أجل السلم والمستقبل السعيد.

*******************

ثالثا: تجربة رواية الأسر والأسير

تجربة "الأسر" واحدة من تجارب المقاومة.. كما تجربة: الحصار والطرد والتهجير وتجربة البطولة، كلها تبدو أكثر تأثيرا وذات قيمة فنية وإبداعية، كلما اقتربت من مفهوم "الصراع من أجل الدفاع عن الحياة". ذلك المفهوم والمعنى الذي يكسب التجربة أرقى دلالاتها الإنسانية.. التي تبقى في ذاكرة الأمم والشعوب، حيث تبدو معها الأعمال الأدبية ساعية إلى الدفاع عن الحق والحقيقة وللعدل الإنساني.. يؤمن بالقيم العليا وحق الحياة الكريمة بالرغم من ذروة الصراع.

.. رواية "عناق الأصابع" للروائي "عادل سالم"                                          
ترصد رواية "عناق الأصابع" معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني.. حيث يسعى الروائي أن يغوص في دواخل الأسرى؛ عن معاناتهم، علاقاتهم، سر صمودهم، مصادر ضعفهم، مشاكلهم، وقصص غرامهم.. ويبدو أن الروائي استلهم شخصياتها من الواقع المعيش: "علي النجار" الذي أفنى عمره خلف القضبان يقاوم ظلم السجان، وقسوة القيد، يحلم بيوم التحرر.. و"خولة شاهين" التي أفنت عمرها تطارده من سجن إلى سجن، تعانق بأصابعها فارس أحلامها لتنقل له خلالها؛ وبثوان معدودة؛ كل أشواقها ومحبتها ووفائها، قبل أن يأتي السجان ليطردها..               
اعتمد الروائي على إبراز الآتي:

: توثيق ذاكرة الأسرى والشهداء وحفظها لذاكرة الأجيال الجديدة.. فترة الانتفاضة الأولى.  
: بث روح النضال وتمجيدها.. في مقابل رفض الخيانة والفرقة بين الفلسطينيين. 
: تدور أحداث الرواية بمدينة القدس، وهو ما جعل الروائي يتناول قضية القدس ضمنها.
: تبدو الرواية في جانب منها، توثيقية تسجيلية، وهو ما يكسبها قيمة مضافة.. حيث رصد        الروائي بعض المواثيق والمعاهدات الخاصة بالقضية الفلسطينية والقدس، إلى جانب توثيق إحصائي لأحداث الانتفاضة.
: فيما ترصدت الرواية التحولات في القناعات والشعارات، وانهيار الأيديولوجيات، عند بعض الأسرى المناضلين، وهو جانب إنساني محفوف بالمخاطر حتى في رصده.     
: تدور أحداث الرواية حول قضية الأسرى.. بين السجون، والمنازل، وهو ما بين الأسرى وذويهم، خصوصا النساء، وبيان دورهن في النضال الفلسطيني.  
: استخدم الروائي السارد العليم، ومع توظيف تيار الوعي، سبر أغوار شخصياته.
: تعايش القارئ مع وقائع حقيقية، كتلك التي حدثت مع الأسير "عمر القاسم" الذي استثناه "أحمد جبريل" (قيادة فلسطينية) من قائمة المفرج عنهم.

**************

 رابعا: تجربة الحضور الروائي في الانتفاضة الأولى (1978-1983)                                               

قليلة هي الرواية المعبرة عن تجربة "الانتفاضة" (نسبيا). وقد أشار إلي بعضها "د.مصطفي عبد الغنى" في كتابه "الاتجاه القومي في الرواية" يقول: "ويلاحظ أن الروائي لم يصنع بطلا واحدا- على كثرة الأبطال الأسطوريين وغلبة أدوارهم– وإنما تحولت الانتفاضة- في حد ذاتها- إلى حالة (أسطورية) غير عادية، تنسج خيوطها هذه الحركة اليومية المستمرة من نضال آلاف الكوادر والمقاتلين في الأرض المحتلة، أو داخل المعتقلات الإسرائيلية غير الإنسانية، وحالة الحصار التي تفرض على المخيمات بشكل مستمر لإرغامهم على التسليم، أو استخدام الأسلحة المحرمة دوليا، وما أكثرها، للنيل من الأطفال والنساء والشباب الفلسطيني، وبمواجهة أولئك المتعاونين مع القوى الصهيونية ضد حركة المقاومة واستمرارها"

من تلك الروايات: "الحواف/عزت الغزاوي"، "زغاريد الانتفاضة/محمد وتد"، "الجراد يحب البطيخ/راضي شحاتة"، "البالوع/أحمد يعقوب"، "نجوم أريحا/ليانة بدر".. وغيرها.              

.. رواية "الحواف" للروائي "عزت الغزاوي"

اندلعت أحداث الانتفاضة الأولى عام1987م، لم تغفلها قريحة المبدع الفلسطيني، "الحواف" واحدة منها. حيث وضعنا الروائي في تناقض ومفارقة الفن والواقع مع السطور الأولى.. فالزمن الروائي غير مستقيم بل مثقوب دوما ما بين الماضي والمستقبل.. ما بين ما كان وما يرجو أن يكون. والمكان الروائي يوحي بواقعية الأحداث: مخيم "الأمعري" و"قلنديا".. مع ذلك فهي أماكن غير مكتظة بالناس، ويكاد العمل كله يكون في دائرة فراغ ما. وحتى الشخصيات.. نلتقط منها ثلاثاً: "ع" الغامض الإيجابي المخلص للقضية، و"فؤاد" الذي سجن لسنة ثم تحول عن القضية، و"إبراهيم فوزي" المطارد وسجن بسبب حب الوطن. ومع الثلاثة لم يبدُ لنا الروائي منحازا بصوت عال إليهم، وإن بدا فنيا تحيزه لـ"فوزي" الذي بقى مخلصا للقضية.

اندلعت الانتفاضة ولم يخبرنا الراوي.. متى ولا كيف؟ فقط هناك من يعمل من أجل..؟ فقد بعث "ع" برسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم.. أخي فؤاد، ماذا لو شربنا القهوة في بيت رأفت؟ مساء. 25-1-88 – أخوك "ص8.

إنه عمل سرى إذن، كما أننا على حافة أحداث لها ماضٍ ومستقبل. وهكذا يبدو بناء الرواية.. بسيطا ومركبا في آن واحد. تكفي الإشارة إلى أن "ع" لم نتعرف عليه اسما أو رسما حتى نهاية الرواية.. لتبقى الشخصية الأمل الباقي والمعبر عن رغبة الشعب. أما "فؤاد" المناضل القديم، علمنا أنه ناضل وحاول، لكنه سقط بعد أول عثرة، وقد حكم عليه بالسجن.. خرج من السجن وهو مؤمن بنفسه ومصالحه الشخصية قبل أي شيء آخر، يقول: "يجب أن تلغي من قاموسك كل تبادل للعاطفة، هناك تبادل مصالح وتزاحم في العلاقات"ص47.

وهناك "إبراهيم فوزي" الشخصية الواضحة والتي لا يمكن الاستغناء عنها في الأعمال الفنية للتعبير عن "المقاومة"، الهام في الأمر أن تكون طبيعية، ولا تفرض وجودها على وجود الشخصيات الأخرى، مهما كانت الأخرى فيها من سلبيات. إنه صادق ومخلص حتى أن شهادته في المحكمة هي التي خففت الحكم على "فؤاد" بسنة واحدة، بعد أن كان ينتظر الحكم عليه بثماني سنوات.. ومات في نهاية الرواية.

تتعدد في الرواية ما يمكن أن نطلق عليها بالموتيفات الموحية والتي تشي ولا تخبر. ففي ترحال الشخصيات في الزمان والمكان يصف مسجد "المجدل" والذي بناه الأجداد وعاشوا حوله وصلوا فيه، ثم أصبح مهجورا لأنه تحت سطوة الاحتلال. يصف لوحة على بابه مكتوباً عليها بالخط الكوفي: "بنيت على نفقة الحاج عبد النبي سعدات سنة1941م" ص138.  

هكذا كان هنا الأجداد.. وربما من أجل ذلك يهون كل شيء، وإلا لماذا كتب "فوزي" لصديقه فور خروجه من السجن: "خرج أخيرا إذن، وكنت أتخيلها ثماني سنوات طويلة لن تنتهي".

**************

.. رواية "العربة والليل" للروائي "عبد الله تايه"

صدرت الطبعة الأولى عام 1982م، تتناول مرحلة البحث عن الذات الجديدة المقاومة. رواية قصيرة (نوفيلا)، تولى أحداثها راو مشارك في الحياة اليومية سواء من الطبقة الكادحة وسكان المخيمات، أو من فقراء الإسرائيليين المجندين.. وهيمنة الراوي العالم بكل التفاصيل.

تنقسم الرواية إلى أربعة أقسام غير متساوية (حجما)، فكان أكبرها أولها على لسان "أبو عزيز"، وآخرها أصغر الفصول على لسان "محسن علي الزرقاوي" أحد المعتقلين، وقد صدر القرار بالعفو عنه.. يتضمن عناق رفقاء السجن، ووصاياهم له: "سلم لي على والدتي"، "طمئني على "علي"، "قبّل طفلي الصغير"، "سلم على الجميع"، "مع السلامة"...

خلال الفصول الأربعة تتناوب على القارئ مجموعة من المشاهد السردية، والحوارات.. على شكل التقاطع بين خطين، وعلى القارئ الانتباه للفصل بينهما.. خط التذكر وسرد الأحداث الماضية، وخط الرحلة التي بدأت بسيارة السجن في الفصل الأول وإن انتهيا في الفصل الثالث، حيث تحمل حركة السيارة دلالة "الزمان" الضيق الرحب في آن واحد، ودلالة الحركة والتتابع، مع كونها حيلة فنية أتاحت للروائي مزج القادم بالماضي والآني.. ثم جاء الفصل الرابع جامعا.

من خلال قراءة "عنوان الفصول"، يلحظ القارئ تساوي عنصري الزمان والمكان على الفصول الأربعة. فهي على الترتيب بالعناوين التالية: "مخيم"، "عربة"، "ليل"، "شمس". ولا يخلو الأمر من الدلالة الواضحة. وإن غلب "مخيم" الحيز الأكبر من الرواية، و"شمس" الحيز الأصغر.. فإن "العربة" كعنصر مكاني ودلالي و"الليل" كعنصر زماني موحٍ ومعبر لعبا دورهما الفاعل بوضوح.

كيف بدت "النبوءة" في تلك الرواية من أهم ملامحها؟

: توظيف شخصية "موشيه" مع عرض وجهة نظر "الآخر".. والتي تعد من أهم الشخصيات في الرواية، لما تحمله من هموم، وما تعبر عنه من آراء. يقول "موشيه": "في ذلك الوقت.. أرغمونا على ترك العراق.. موزع أنا بين العراق وحيفا.. وما شأني بحيفا؟ يا تعب الأقدار"..

: فكرة الأجيال المتواصلة من أجل التحرر.. "أنا لم أخطط لكي أكون البطل العجوز"، قالها "أبو عزيز" فور اعتلاء سيارة السجن مع رفقائه الثلاثة.. وهو ما يشير إلى كون الرجل عجوزا إلى جوار شباب في عمر "عزيز" ابنه، والكل متهم في قضية نضالية واحدة..".

: لعل شخصية "نبيل خضر" الذي أصيب في العملية النضالية، وصدر ضده الحكم بسببها.. وهو الراوي بالفصل الثاني، عرض كيف تم تعذيبه بمبنى "المباحث العامة"، بتهمة التسلل إلى أرض الأعداء وتأسيس حزب ممنوع.. فور خروجه من السجن، بدأ يبحث عن تنظيم.

: الخاتمة بالفصل الرابع "شمس"، تبرز فكرة تواصل النضال عبر الأجيال، بلا صوت زاعق ولا صراح أيديولوجي. فقد طلب أحد المسجونين من المفرج عنه "محسن" أن يقبل رضيعه أو طفله الصغير: "قبل طفلي الصغير نضال" الذي أصبح أحد أطفال انتفاضة الحجارة.

: لعل مفهوم "البطل" و"البطولة" من المفاهيم المعقدة، جاء المعنى مرة على لسان "أبو عزيز": ".. فشباب مثل الورد، مثل الورد، يقولون عني بطلا.. أنا لم أخطط كي أكون البطل العجوز.. عزيز علمني دائما أن الشعب هو البطل".

: وتبقى النبوءة بالأمل باقية واضحة وصريحة، كما في مقولة "أبو عزيز" أثناء حواره مع زميله "أبراهام": "أنتم تلاحقوننا حتى في المخيمات، تصور! عندكم يستكثرون علينا العيش في المخيمات فيريدون إخمادنا! نحن نرفض المخيمات، نريد دولتنا، أنتم ترفضون الاعتراف بحقوقنا.. لكن سيأتي اليوم الذي تكون لنا فيه دولتنا المستقلة".

*****************

خامسا: تجربة الحضور الروائي في الانتفاضة الثانية (2000-2005) 
.. رواية/نصوص "البالوع".. وقائع الموت والحياة، للروائي "أحمد يعقوب"

"إلى "نمر": والذي على قيد الحياة أو طفلي الذي اختطفت حياته أو أي طفل تسميه الأم الفلسطينية "نمر" كي يتفادى موت أطفال آخرين".. إنه "الإهداء" إلى شهداء الانتفاضة.

إذا كانت "البالوع" هي الاسم الشعبي الذي يطلقه سكان "البيرة" على المدخل الشمالي للمدينة، فهي اسم العمل كله حيث تدور الأحداث (وقائع الانتفاضة)..  فيما ينقسم العمل إلى شرائح، كما ينقسم إلى أجناس أدبية مختلفة.. بداية من "في الطريق إلى البالوع" حتى النداء باسم أحد الأبطال "يا أحمد العربي".. (قصص نثرى، وقصائد نثر، خواطر، أغنيات، رؤى وتأملات..)

.."صباحات لم يغنها الملك داود".. عنوان النص الأول، تجربة فلسطيني أمام أحد الحواجز وما أكثرها (حوالي 7000 حاجز)، حاجز "إيرز"، وقد خرج من أجل الشعر لحضور إحدى الندوات. كان ذلك في اليوم الرابع للانتفاضة.. تملؤه الكآبة، ولم لا؟!.. أعلن "شارون" آمر الوحدة 101، شبيه الماموث، صانع المذابح: لن يستخدم إسرائيلي تصريحا للتحرك على الأرض الفلسطينية.. تذكر ما قاله "أدونيس": "نحن لا نحيا/ نحن نحيا موتا يوميا أخرس"

تذكر الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، والسنيمائي العراقي "عدي رشيد"، وزملاء جنوب أفريقيا في الدراسة بأسبانيا وأحوال التفرقة العنصرية، وحتى نساء ألمانيا في سجون النازي، حتى تذكر الطفل الشهيد "محمد الدرة".. فقرر ألا ينجب طفلا.

إحداهن من الإثيوبيات (زميلة دراسة) قالت إن الإمبراطور هيلاسيلاسي من سلالة أسد يهوذا.

وتتداخل المقولات والحكايات والأشعار.. وتذكر "سيمون بوليفار" البطل الأمريكي الجنوبي (بوليفيا)، "كان سيمون بوليفار مثل جبل.. قاعدته شاسعة وقمته مدببة حادة.. ربما ليمرق إلى سماء المجد بسهولة أكثر"..إنها مقولة الشاعر "خوسيه مارتي يرثي بوليفار.

"الحب في زمن الانتفاضة"..

                     "هي الأم أو هي الوطن: يقول كل صباح/ ماذا أرسل لك؟

                      ريحا تخترق الأسوار والجدران والحواجز عليها/ تداعب شعرك!

                      وتضع أريج الصباح همسا وتقول:/ صباح الخير يا شفيقي الخضراء!

ثم يختم قائلا: "أحبك والوطن شاهدي الوحيد/ أحبك والمنفي جمر رعديد"

"البالوع أيضا".. فكان تصوير مشهد مطاردة الجنود الإسرائيليين للأطفال الفلسطينيين، فيتذكر الراوي أو السارد مشاهد من فيلم "غاندي" وقد تحررت الهند من بعده.

"كرنفالات التراب": إنه مشهد من مشاهد الانتفاضة حيث القناص يقتل الأطفال بنجاح!

"الرماة فوق تلال "صردا" (وهي إحدى القرى الفلسطينية إلى الشمال من مدينة رام الله)، تمكن أحدهم من إيصال قذيفته الغازية إلى جوف "مشط" الجرافة... وهذه تحسب له كقناص محترف. بينما أجانب من جنسيات أخرى تشارك أطفال الانتفاضة، وحيث الحياة مستحيلة.

"نعم.. لا أعرف البالوع ثانية": يوما قال وزير الخارجية الأمريكية "فوستر دالاس": "دعو قضية فلسطين للزمن.. فالكبار سوف يموتون والصغار سوف ينسون"..

لكن ما حدث أن تواجد السارد مع أصدقاء من أسبانيا، وتعرضوا للممنوعات: ممنوع التصوير، ممنوع إعطاء الأسماء الصريحة، ممنوع الوقوف طويلا أمام الجنود الإسرائيليين.. ذلك عند مدخل مدينة البيرة. فيما عرض لحكايات الأطفال الثلاثة.. كلها تؤكد أن من الكبار من مات، لكن الصغار لم ينسوا!

 

نحن إذن أمام عمل فني وليد تجربة حياتية متوهجة للانتفاضة. قد نفضل توصيفها بعنوانها "وقائع الموت والحياة"، فنفهم إلى أي حد يمكن أن تتفاعل التجربة المتوهجة مع السارد لتنتج عملا أدبيا.. أيا ما يكون الجنس الأدبي، لتكن "نصوص".. والنسيج الجامع بينها صنع عالما خاصا. يتميز بالحيوية، الرصد التسجيلي المتفاعل، البعد الأيديولوجي، الرقة الشعرية مع عنفوان التجربة وشراستها.

*******************

.. رواية "ماذا حدث قبل عودة "منصور اللداوي"؟                                             رواية "عودة منصور اللداوي" للروائي "غريب عسقلاني" نشرت في 2002م. حاول فيها الروائي أن يقول كلمته من خلال تجربة جيله، ما حاولت الرواية رصده هو التالي:

.. هناك جيل يقع بين الصبا والشباب وشرخ الرجولة يعاني من الشتات، لم ترحمه الأحداث السياسية على الأرض، خلال رحلة الكفاح الفلسطيني بعد 48، وبرزت معاناته بعد 67، وعندما عاد جاء رافضا المعطى السياسي، مع شعور بالمرارة.. أي إنجاز أنجزه هذا الجيل؟

يشعر بالإحباط لأنه لم يضف.. لعله أضاف ولم يكرم.. لعله كرم ولكنه خارج الوطن، محروما منه.. ومن نجح وعاد مراقب ومقيد، يعيش الشتات خارج وطنه وداخله.

جاءت "الانتفاضة" الأولى.. في تلك الرواية مدسوسا على أحداثها، والدس لا يحمل الافتعال أو الإقحام، بقدر ما يحمل دلالة "التهميش" أو لنقل التخفي، وكأنها ليست جوهر الرؤية في العمل الفني.. ربما بسبب ما كان يتعرض له أصحاب القلم من اضطهاد على يد قوة الاحتلال.

إذن نحن مع رواية فلسطينية، لروائي من قطاع غزة، يرصد تجربة جيل تفتحت حواسه وأحلامه وانتكست مع نكسة 67، ولعب دورا/ دوره الجاد في تاريخ التجربة الحربية الفلسطينية، بشروط زمانها ومكانها.. وكم من الشروط الزمنية والمكانية فيك يا قضية المصير العربي؟

.. في خاتمة موجزة كتب الروائي مخاطبا "منصور" على لسان ابنه:

" الأيام تمر يا أبي، ولا خبر عن رقمك الوطني، لم تجد مراجعاتي ولا تدخلات أبى طارق لدى الارتباط العسكري والمدني.. ومكتب الرئيس، وأخيرا قرر أن يرحمني..

 "يا رياض موضوع أبوك صعب، ملفه عند الإسرائيليين، وعليه تهم قتل اليهود، علشان هيك صعب يوافقوا على رجوعه في هذه المرحلة..

"حصلت على هويته قبل أن يغادر الوطن"

"احتفظ بها، مصيره يرجع"..

هكذا انتهى الفصل الأخير من الرواية التي تقع في أحد عشر فصلا.. لم يعد "منصور اللداوي"، وربما لن يعود! إنها جملة وحيدة أوجزت قضية جيل من رجال المقاومة الفلسطينية، خلال رحلتها الكفاحية التي بدأت.

.. تتميز الرواية بقدر وافر من الفنية والتقنية، والبعد عن الصوت الصارخ والزاعق.

****************

سادسا: رواية القدس المكان والأحداث                                                                                           .. رواية "مدينة الله" لـ"حسن حميد"                                                                                             تتشكل الرواية من خلال مجموعة رسائل.. يسبقها مفتتح بعنوان "القدس": "قرأت عن القدس الكثير، خلال أشهر، لم أترك حادثاً أو موقفاً أو علماً أو مكاناً إلا جلست فيه، ولم أدع كتاباً من كتب الرحلات المقدسية القديمة والحديثة، إلا وأتيت عليه". 

أما كاتب الرسائل فهو "فلاديمير" الروسي زوج "رشيدة" الباحثة الفلسطينية، حيث تعارفا وتحابا في "بطرسبرج" وأحب بالتالي فلسطين، وفضل العيش معها على أرضها. أما وقد ماتت رشيدة في حادثة طريق، وسجن فلاديمير من أجلها وعذّب، بدأ يكتب رسائله الست الطويلة، وهي فصول الرواية.. والتي يقول في نهايتها: "فأنا لم أزر البحر الميت، لم أتعمد بماء النهر المقدس، لم أر طبريا، ولم أذهب إلى عكا... كي أرى بيت رشيدة مراد/ زوجتي، في حيّ المنارة، ولم أزر بيت الشرق، كما لم أعد إلى الحي الأرمني، يا للأماني، يا صديقي.. وأنت وحيد وحيد وأين؟ في السجن...".                                                                                        تشكلت حكايات الرواية من خلال رسائل تحمل أسماء، هي نفسها شخصيتها: "ليلى وسيلفا وأم أهارون"، و"أبو العبد وسعدية وعارف الياسين"، وفيها حكايات تصفهم بينما يبدو هناك خط محوري (هو هدف الروائي الخفي، ومقصده من الرواية) يقدمها الراوي كما لو كانت نسيجاً حكائياً وحده.. ألا وهو السرد حول "البغالة" أو "جيش الظلام" هؤلاء الذين يسيطرون على مقادير الفلسطينيين، يسرقون ويقتلون حتى الأطفال.                                                                       يتوقف الراوي أمام مشهد المعبر، حيث الفلسطينيون العزل، إلا من أكياس بلاستيكية تحتوي كل ثرواتهم وحاجياتهم، عددهم بالمئات، وقد وقفوا إلى جوار البغالة، بانتظار إشارة من أحدهم كي يتقدموا واحداً واحداً، لكن البغالة يقفون غير مبالين بهم. وعلى جانب آخر من المشهد، تبدو "المقاومة" حية متفاعلة، يمثلها "عارف الياسين"، من جماعة محبي الاتحاد السوفييتي والذي تصدى مع ثلاثة من رفقائه لدورية للبغالة قتلت طفلاً عمره تسع سنوات، فقُتِل اثنان فوراً، واثنان جرحا، أخذا إلى المستشفي، ثم إلى السجن، وأمضيا ثلاثين سنة.

تتشكل "المقاومة" في سرد الرواية لقصص وحكايات عن الشعب الفلسطيني.. عذابه وألمه وهو في وطنه، تلك القصص والصور والأحداث التي تبدو وكأنها بلا نهاية.. حيث الفلسطيني البسيط في المخيمات والذي ذاق العذاب والتشرد، واكتسب خبرة الدفاع عن أرضه.. بينما اليهودي المدعم بالمال وببطش القوة، لكنه يشعر أن المال والقوة سيتلاشيان مهما طال الزمن.. "ستظل القدس مدينة الله، ليست لدين بعينه، وليست لبشر بعينهم، إنها مدينة ممدودة على كف الله، وهذه الجبال وهذه الأودية ليست سوى خطوط هذه اليد المباركة" ص254 وفي السطور الأخيرة، من رسالته السادسة، يكتب السجين "فلاديمير" أمنيته الأخيرة.. أن يصبح طائراً، كي يمرّ على مقهى "أبو العبد"، كي يرى "عارف الياسين" (المقاوم)، ثم يرجو من صديقه أن لا يكتب إليه، لأن عناوين السجن ليست بعناوين!                                                                              ***************

سابعا: تجربة رواية الهوية الفلسطينية

"بيت من ورق" رواية قصيرة للروائي "رافع يحيى". ولد عام 1966م، عاش في قريته "اكسال"، ينتمي إلى عرب48، وهو ما يعطى لتلك الرواية نكهة خاصة، نشرت عام 1996م.

تبدأ الرواية بالتساؤل الساخر: هل الحياة كاريكاتير واحد كبير؟ يقولها "عيسى" بائع البطاطا والمناضل القديم في معسكرات اللاجئين على الأرض اللبنانية.

ليبدأ العمل.. عيش في غرفة ضيقة شديدة الحر، هل بيع البطاطا سيوفر له بيتا أكثر كرامة؟

أما وقد قرر الذهاب إلى السوق حيث يبيع البطاطا، لتنحو الرواية منحى آخر.

يبدأ بحواره مع زميلة الشقاء "أم وديع"، المرأة التي أوجزت الفترة السابقة في جملة: "الدنيا أخذت منك شبابك، وأخذت منى "وديع" ص13.

وفي منحى آخر، يتذكر "عيسى" أن اليوم هو عيد ميلاد زوجته المخلصة الصابرة، التي تعمل في مصنع الخياطة. إنها تحب الورد، لكن "ثمن الورد مقابل الخبز" ص21. لكنه قرر "فضلت الورد على الخبز" ص21. حمل الورد في يده، وحمل القلق في صدره، أمام المخبز كانت السيارة تمتلئ بالخبز، وهو في حاجة إلى ثلاثة أرغفة.. لزوجته ولابنه وابنته، لكنه لم يسرق من قبل.."يا عيسى أنت أكلت فئران في أيام الحصار، لكنك لم تمد يدك ل..."ص23.. "أستحرق شرف خمسين عاما قضيتها في الكفاح "ص23. أخيرا سرق الخبز، ثلاثة أرغفة فقط، ليس له، بل لزوجته وأولاده.."يكفيني ثلاثة أرغفة..أنا سأظل جائعا ..لا أصدق نفسي. لقد تناولت ثلاثة أرغفة" ص24.

 

عرض الروائي لجملة علاقاته مع أصدقائه القدامى والجدد. "نادر" الشاب الذكي والحاصل على المؤهل العالي ناقم على الأوضاع من حوله.. و"عبد الكريم البيروني" الشاب الأسطورة، الذي يبدو ناعم الملامح، ولا يشي بما فعله فيما بعد، حيث تحولت جثته إلى أشلاء وطعاما شهيا لقطعان النمل. بدوره حصل على المؤهل ولم يجد عملا، فتطوع جنديا في الجيش.

لم يكن "براق" الابن الصامت الغامض سوى نموذج آخر لضياع الأجيال الجديدة.. ويبدو كأنه يعيش في الخفاء.. كل ما حرص عليه الأب (عيسى) أن قال له محذرا: "فقط لا تقم بعمل يجعلني أشعر بالعار لأني أبوك!" ص46.

بدأت الصدمة عندما زار "عيسى" صديقه المقاول "أبو علي"، طلب المقاول أن يتعلم عيسى حرفة النقاشة، وأن يعمل معه. بدأ العمل في إحدى الفيلات، "كانت بانتظاره فتاة إسرائيلية في العشرين من عمرها، جميلة، تخيلوا لو كان هذا البيت لي" ص57 إنها مهاجرة، شابة، وجودها له مفعول غامض في حضور "عيسى"،

لكن، "صوفيا تريد الزواج من عربي (أي المهاجرة الشابة ترغب فيه) ص71. فقال عيسى:

"هناك من أخبرها بأن العرب قد يقتلونها إذا علموا بأنها ستخطف ابنهم!"

بدت جذور الهوية الفلسطينية؟ من خلال: تاريخ حياة "عيسى" النضالي، على الرغم من كل الصعوبات ما زال يناضل.. تاريخ "الجد"، رؤيته وأفكاره، بل وكينونته التاريخية، في مقابل الخوف على الحفيد "براق" الطموح الذي يبدو وكأنه بلا جذور.. الزوجة "آيات"، في تحملها وصبرها، سواء بالعمل في مصنع الخياطة، وفي رعايتها لبيتها. تتعدد الوقائع والأحداث داخل العمل لإبراز هذا الدور المقاومي.. ثم الأصدقاء "نادر"، و"عبد الكريم"، فلكل منهما حكاية تعبر عن الصمود العملي حتى الموت لتأكيد معنى التمسك بالقيم العليا. وإن بدا "إبراهيم" على الصورة المناقضة، فلإبراز الفكرة الأصيلة، ولأن الرواية لا تغفل الواقع والوقائع.

****************

* ملامح تنوع السرد والرؤى في الرواية الفلسطينية بعد عام67:

: السرد التلقائي الصريح وأحيانا المباشر.. تقترب روح التناول والعاطفة أقرب إلى أدب الاعتراف أحيانا.. التصوير الحميم والعاطفي.. النظرة الشمولية للكاتب، دون الاهتمام بالربط بين جزئيات العمل أو شخوصه، اللهم إلا من القضية/ التجربة الجامعة.. لا تخلو الأعمال (غالبا) من خصوصية "الزمكانية" لموقع الأحداث وزمانها.. استخدام المفردات والتركيبات القريبة إلى الواقع الحياتي، خصوصا في سرد الوقائع الحية دون إصدار الأحكام.

: تصوير وقائع نضالية/مقاومة.. منها كتب الروائي "محمد نصار" رواية "نزيف القلب" راصدها مجزرة "مخيم جباليا" ضمن أحداث الانتفاضة حيث استشهد ثمانية عشر فلسطينيا. صور الروائي الكثير من صور الاضطهاد والقسوة في معاملة الأسرى والمعتقلين وذويهم. تتبع الروائي أحد الأسرى الذي أشفق على زوجته وطلب منها الموافقة على تطليقها. رفضت الزوجة، لكنه طلقها، لتتزوج ابن عمها وتصاب بمرض تفقد بعده الذاكرة. أما وقد خرج الأسير من المعتقل، لم يعثر على أسرته، حتى وجد زوجته المريضة تسير في إحدى المظاهرات وتصرخ للإفراج عن زوجها الذي لم تعرفه.

:تصوير الحياة اليومية في ظل الاحتلال.. كتب الروائي "عزمي بشارة" وهو العربي عضو الكنيست روايتة الأولى والوحيدة "الحاجز". تدور الأحداث حول 703 حواجز صنعتها القوات الإسرائيلية بين المدن بعضها ببعض، بل بين القرى بعضها ببعض. منها الحواجز الثابتة ومنها المتحركة، وكلها يصبح الفلسطيني أمامها بلا حقوق البته.. لا للمريض حتى يموت، ولا للعروس حتى تذهب الأفراح. تصور الرواية المقاومة بشكل آخر، ليس بإطلاق الرصاص المتبادل.. بل مقاومة الصمود أمام كل العوائق والموانع، حتى يذهب التلميذ لمدرسته، والطبيب إلى مريضه، والمقاوم إلى نقطة انطلاقه حتى يثبت أن تلك الحواجز لم تعجز الفلسطيني مقاتلا وصامدا. 

:التناول المتجرد والتجريبي.. وهي تلك الروايات التي تناولت الانتفاضة ولكن بعد مرور فترات زمنية تسمح للكاتب والقارئ التوقف أمام كل الآراء والأفكار حول الانتفاضة. وإن كتب حول هذا المحور فلسطينيون، إلا أن هدوء النزعة الانفعالية جعل البعض يشيد بالبعد الفني.. وهي سمة معروفة عن "أدب الحرب" عموما.

كما رواية "حجارة الألم".. لها محوران الفلسطيني المجرى "أنور حامد"، والتي كتبها باللغة المجرية، تلك الرواية العربية الموضوع والهم والمقصد هي أول رواية عربية تكتب باللغة المجرية. أما المحور الأول: يمتد على مدى ثلاثة أيام (وهي الفترة التي قضاها بعض المتطوعين الأوروبيين في إحدى القرى الفلسطينية لمساعدة أهلها في الحقول وغيرها. والمحور الآخر: لمدة تسع سنوات حين كان أحد الشخصيات (فلسطيني المولد والمهاجر إلى المجر) في مرحلة الطفولة عبر 9 سنوات، منذ نهاية حرب 67، وعندما بلغ مرحلة الدراسة الجامعية، هاجر وهي السنة نفسها التي أنشئت فيها مستعمرة صهيونية بالقرب من القرية.

قال عنها: "أباد جونس" وهو رئيس الدولة المجرية في فترة التسعينات، وناقد أدبي.. "رواية "حجارة الألم" تصور عالما يصدمك ولا تكاد تصدق وجوده"..

:لم تنشر الروايات خلال فترات متقاربة، وهو ما جعلها تعبر عن واقع الحال والمعطى الفعلي لحال القضية الفلسطينية في حينه (خلال الربع الأخير من القرن الماضي).. فضلا عن كون البعض منها جاء معبرا عن طموحات إبداعية تجريبية جديدة. 

:لم تخل الروايات من كون الآخر (العدو الصهيوني) يمارس "العنف"، وإلى حد القمع.

:الروايات تقدم حلولا، سواء بممارسة المقاومة، أو الصمود للقمع، أو بتبني أيديولوجيا ما.. وهو ما يكشف عن جانب البحث عن حل ما أمام مشكلة لم تنته بعد.

:إذا كان الإبداع الفلسطيني في الستينات يكشف "البحث عن طريق ما للخلاص"، فتلك الروايات التي نشرت في السبعينات وما بعدها تكشف "العثور على الذات الفاعلة والمقاومة". وليس من الإفاضة القول بغلبة الشعارات بعقد الستينات، كما أنه العقد الذي شهد نكسة يونيو.. بينما العقود التالية عقود الفعل والتفاعل.

:لم يعد الكاتب الفلسطيني حريصا على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ 1948م.. حتى أن الدارسين رصدوا استحضار موضوع "سقوط الأندلس" في الشعر الفلسطيني قبل الانتفاضة، وكان من الظواهر الفنية في الأدب الفلسطيني قبل الانتفاضة.

****************

المصادر والمراجع:

:مصطفى عبد الغني-"الاتجاه القومي في الرواية "- عالم المعرفة- الكويت 1994م.

:وليد الخشاب- "دراسات في تعدي النص"- المجلس الأعلى للثقافة- القاهرة 1994م.

:إبراهيم سعفان- "فضاء الجرح.. قراءات في أدب الانتفاضة"- دائرة الثقافة بالشارقة 1994م.

:فيحاء قاسم عبد الهادي- "نماذج المرأة/البطل في الرواية الفلسطينية"- الهيئة المصرية   للكتاب1997م.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website