سيرة بير جارتون - رشيد الحجة - العدد 255

سيرة بير جارتون

1943

كاتب وصحافي وسياسي

رشيد الحجة[*]

تمهيد

ذات يوم من عام 1982، بعد أن غزت إسرائيل الأراضي اللبنانية، حضرنا مجموعة من مدينة أوبسالا إلى ساحة سيرجيل في وسط العاصمة السويدية ستوكهولم للمشاركة في مظاهرة حاشدة ضد العدوان الهمجي الإسرائيلي على المدن والقرى والمخيمات في لبنان. خرج من بين الجموع شاب ملتح ليلقي كلمته في هذه المناسبة للجماهير، وكان هذا الرجل يحمل في يده ورقة، وبدأ يقرأ منها وبصوت عال جداً عبر الميكروفون ليزيد من انتباه الحضور إلى كلماته التي سيتلوها. ظننت في بادئ الأمر بأنه فلسطيني متحمس، لكن ملامحه وحسن لغته دلت على أنه سويدي، وكانت الكلمات التالية:

"على كل مواطن، وحتى المدنيين منهم، إذا وقع الاحتلال، أن يُشكّلوا مقاومة مسلحة، ومن خلال استخدام القوة والعنف، أن يقوموا بتحرير البلد. إن هذا العمل حق شرعي مكفول".

وأضاف بأن هذه الكلمات ليست من الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية وإنما هي مطلب السلطات السويدية، المنشور في دليل الهاتف السويدي، من المواطنين السويديين لامتشاق السلاح وتنظيم الذات والدفاع عن السويد فيما لو وقعت، أو جزء منها، تحت الاحتلال، إلى أن يتم طرد آخر جندي محتل ويتم تحرير آخر شبر من الأرض المحتلة. إن الكفاح المسلح حق مشروع لجميع الشعوب التي تقع تحت الاحتلال ومنها الشعب الفلسطيني.

قرأت يومها لهذا الرجل كتابا تحت عنوان "النضال حول فلسطين". يعتبر هذا الكتاب واحداً من ثلاثة كتب من طلائع الكتب السويدية في بداية السبعينات من القرن العشرين، وكان له كتاب آخر عن العرب تحت عنوان "العرب أمام عقد الثمانينات". وعرفت بأن بير جارتون هو من أبرز الشخصيات السياسية والإعلامية والعلمية التي تدافع عن الحق الفلسطيني.

التقيت في مناسبة أخرى مع بير جارتون في مطار فينا النمساوي أثناء سفري من السويد إلى الجزائر لحضور جلسات مؤتمر اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين في العام 1987. وكانت بداية صداقتي – التي أعتز بها – مع هذا الرجل الفذ. وفي المؤتمر أعطي جارتون الكلمة، التي ألقاها باللغة العربية باسم حزب الخضر "البيئة" السويدي وباسم أحزاب الخضر في أوروبا وقال فيها:

"باسم أحزاب الخضر في أوروبا، وباسمي شخصيا كسكرتير للعلاقات الخارجية في مجموعة أحزاب الخضر في أوروبا، أحيي مؤتمركم المنعقد في الجزائر في 8/2/1987 في مدينة الجزائر التي تعتبر أحد رموز النضال ضد الاستعمار والإمبريالية في عصرنا. إن أحزاب الخضر في أوروبا، والتي تناضل من أجل تحرير الإنسان من الآثار الضارة لتخريب البيئة والتهديد الجدي للتقنية الحديثة، ومن أجل عالم منزوع السلاح، تناضل في الوقت عينه لتحرير الإنسان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، لذا فمن الطبيعي أن تقف هذه الأحزاب إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل نيل حقوقه في العودة وتقرير المصير وبناء دولته المستقلة على أرض فلسطين بقيادة ممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية."

من هو هذا الرجل الذي نذر حيزا كبيرا من حياته، وعلى مدى ما يقارب نصف قرن، من أجل فلسطين في إظهار الحق والدفاع عنه في مجتمع كان في غالبيته، شعبا وحكومة، مؤيدا لبناء إسرائيل على أرض الفلسطينيين، ومؤيدا لأفعالها أو متغاضٍ عنها.

النشأة والتعليم

ولد بير جارتون بتاريخ 2 شباط (فبراير) من عام 1943 في مدينة مالمو في جنوب السويد. وتربى على يد والدين ذوي تعليم عال. وكانت لديه ميول لفهم العالم من حوله في السويد وفي العالم، فأصبح متعدد الجوانب في المعرفة. فتعلم حتى حصل في عام 1983 على درجة الدكتوراه من جامعة لوند في علم الاجتماع. كما تعلم بير جارتون في مشوار حياته العديد من اللغات العالمية، فأتقن إلى جانب لغته السويدية ثماني لغات أخرى وهي؛ الإنجليزية والفرنسية والألمانية، والروسية والعربية والإيطالية والدانماركية والهولاندية، وتعلم إلى جانبها القليل من الصينية.

سياساته

انتسب بير جارتون منذ فتوته إلى حزب الشعب الليبرالي ليصبح رئيساً لاتحاد الشبيبة في الحزب ما بين عام 1969 وحتى عام 1971. ومن ثم أصبح عضوا في رئاسة المجلس البلدي في مدينة لوند ما بين عام 1973 وعام 1976. في هذا العام أصبح عضوا في البرلمان السويدي، ممثلا لحزب الشعب، في الفترة الانتخابية التي امتدت ما بين عام 1976 وعام 1979 وأعيد انتخابه، إلا أنه استقال من حزب الشعب وتخلى عن تمثيله في البرلمان.

كان الشاب جارتون أقرب إلى التوجهات اليسارية في حزبه وخاصة في مسألتين هامتين بالنسبة إليه وهما القضية الفلسطينية ومسائل البيئة، الأمر الذي دفعه للاستقالة من حزب الشعب. لم يتقاعس جارتون في جهوده السياسية فاندفع مع ثلة من رفاقه لتشكيل حزب البيئة السويدي "الخضر". الحزب الذي دخل البرلمان لحصوله على ما يزيد عن 4% من أصوات الناخبين السويديين في العام 1988، مما وفّر لجارتون الدخول ثانية للبرلمان السويدي في العام 1988 وحتى 1991. خرج الحزب وجارتون من البرلمان في تلك الدورة الانتخابية لقلة الناخبين له، لكنه عاد في العام 1994 ولا زال الحزب يحتفظ لنفسه بمقاعد كثيرة هناك.

تحول عمل جارتون من البرلمان السويدي ليصبح عضوا ممثلا لبلده في برلمان الاتحاد الأوروبي من العام 1995. وكان جارتون واحدا من أعضاء لجنة الاتحاد الأوروبي الخاصة بفلسطين ما بين العام 1995 و1996. وبقي جارتون في عضوية البرلمان الأوروبي حتى العام 2004. تفرغ بعدها بشكل كبير للعمل كرئيس لمجموعات أنصار فلسطين في السويد إلى العام 2011.

عمله الصحافي

لم يكن العمل السياسي فقط شغل جارتون الشاغل بل كان جارتون متعدد المواهب حيث اشتغل في العمل الصحافي والكتابي على المستوى الرفيع. وكانت له، في عام 1965، أول مقالة ينتقد فيها إسرائيل في صحيفة سيدسفينسكا السويدية. ففي العمل الصحافي الطويل بدأ جارتون محررا في مجلة "الحوار الليبرالي" في العامين 1967 و1968. كانت كتاباته تنتقد الحرب الأمريكية في الفيتنام من جهة، وتنتقد الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا. وعلى الرغم من أنه كان مناهضا لاستخدام العنف إلا أنه طالب السويد بتسليح الحركات النضالية في جنوب أفريقيا. وعلى إثر كتاباته الثورية هذه انتخب من قبل المطبوعة "فيكّو جورنال" ليسمى بالشاب الأكثر غضبا لعام 1969. هذا وكتب جارتون خلال حوالي خمسة عقود، مئات، إن لم يكن آلاف المقالات في كبريات الصحف السويدية مثل "داجينزنيهيتر" و"سفنسكا داج بلاديت" وآفتون بلاديت" و"أوبس كولتوركفرتن" و"فيب فولكيت إي بيلد" و"بلستينا نو"، فلسطين الآن، كرئيس لتحريرها.

مؤلفاته

لم يكن بير جارتون صحافيا كبيرا وحسب، بل يعتبر أيضا من كبار الكتاب في السويد. وكان من إنتاجه حتى كتابة هذه السطور 31 مؤلفا، كان أولها عام 1968 تحت عنوان "الأطفال في السويد"، وعن المسنين كان له مؤلف تحت عنوان "هبوا للنضال أيها المتقاعدون" صدر في عام 1972. تنوعت كتابات بير جارتون من الأمور الاجتماعية إلى الأمور السياسية فيما يخص السياسات الداخلية في السويد، وكان له، على سبيل المثال، كتابه "الثورة بالسويدية" صدر في عام 1972 وكتاب "البرلمان السويدي من الداخل" صدر في عام 1983، وفيما يخص السياسات الخارجية كان أحد كتبه "حرروا الاتحاد الأوروبي" الذي صدر في عام 2009.

هذا وكان له عدد من المؤلفات الأدبية، كانت على شكل روايات بوليسية سياسية مثل "الحملة الانتخابية" صدرت في العام 1980، ورواية "سجناء السلطة" التي صدرت في عام 1997 وغيرها. كما عرج جارتون في كتاباته على البيئة في السويد وفي العالم وكان أحد كتبه في هذا السياق تحت عنوان "ماذا يريد الخضر" وصدر في عام 1988، وكتاب "اختراق الخضر؛ سنواتي الثلاثون في حزب الخضر" صدر عام 2011. تم ترجمة بعض من كتب جارتون إلى النرويجية، كما أصدر كتبا أخرى باللغة الإنجليزية.

أما عن العالم العربي فكانت له مؤلفاته التي تناولت ثلاثة منها مصر وثلاثة أخرى العالم العربي بشكل عام واثنان عن فلسطين. كان كتابه الأول عن مصر تحت عنوان "الاشتراكية العربية المصرية" وصدر في عام 1969، وعاد ليكتب عن مصر في العام 1987 في كتاب بعنوان "مصر؛ ديمقراطية عربية"، وكان خاتمة كتبه عن مصر في عام 2012 تحت عنوان "الدراما الثلاثية في مصر: القيادة العسكرية أم الإسلام أم الديمقراطية؟" وعن العرب بشكل عام كان كتابه الذي أصدره في عام 1979 تحت عنوان "العرب أمام الثمانينات".

وعن القضية الفلسطينية كان أول كتبه في العام 1970 تحت عنوان "النضال حول فلسطين". الكتاب الذي سبب له، كشخصية سياسية وصحافية كبيرة، عداوة الكثيرين في السويد وفي مقدمتهم أصدقاء إسرائيل، الذين كانوا يمثلون الأكثرية في تشكيل الرأي العام السويدي في تلك الحقبة. وكان هذا الكتاب من أوائل الكتب التي شكلت انعطافة قوية في الرأي العام على الساحة السويدية، كونه يطرح مضامين الحق الفلسطيني ويدافع عنها. ومن جانب آخر شهد في هذا الكتاب، وقتئذ الخبير بشؤون القضية الفلسطينية على الساحة السويدية السيد "سونه بارشون" بأنه من أقوى الكتب التي ظهرت في تلك الفترة عن القضية الفلسطينية، خاصة وأن مؤلفه هو شخصية سياسية وعلمية بارزة.

كان بير جارتون، يومئذ رئيسا لاتحاد الشبيبة في حزب الشعب المعروف بتأييده اللامحدود للصهيونية وإسرائيل. وكان على اتحاد الشبيبة، بعد إصدار الكتاب، أن يتخذ موقفا واضحا من القضية الفلسطينية في الوقت الذي أصدر فيه قائد الحزب المدعو بير آلمارك كتابا مناهضا لكتاب جارتون تحت عنوان "إسرائيل المكروهة". وكان آلمارك قد حصل في عام 1986 على جائزة قدرها 33 ألف دولار من الحركة الصهيونية العالمية بسبب مواقفه المؤيدة لها. إذاً؛ جعل السيد بير جارتون الحوار حاميا داخل صفوف الحزب، لكنه كان واثقا من كتابه الذي استند فيه إلى معلومات صحيحة أيدها بعض الصحافيين الكبار أيضاً.

أما كتابه الثاني الذي يجمع بين دفتيه 736 صفحة مع خرائط توضيحية وصور، والذي صدر في العام 2008، تحت عنوان "النضال التحرري لفلسطين"، فكان واحداً من أشمل وأفضل وأقوى الكتب التي شهدتها الساحة السويدية في جمع التفاصيل التي يراها جارتون من المنظار الفلسطيني محاكيا العقلية السويدية.

ففي كتابه هذا قام جارتون بدحض الفكر الصهيوني الذي أشبع الرأي العام السويدي خلال عقود طويلة بمعلومات مضللة. كان منها التفسيرات الدينية التي تقول بوعد الرب لإبراهيم ونسله بأن أرض كنعان ستكون لهم، وبأن اليهود هم شعب واحد وأنهم هم شعب الله المختار، وهم ليسوا كذلك لأن شعوبا وأفرادا من ديانات أخرى قد تهوّدت عبر التاريخ كشعب الخزر الذي تهوّد في القرن الثامن بعد الميلاد.

وعرج بفصول الكتاب على الطعن بالتفسير الصهيوني لتاريخ فلسطين، وقال بأن الكنعانيين العرب هم أصحاب البلاد الأصليين. ثم انتقل جارتون إلى المقولة الصهيونية بأن "فلسطين أرض بلا شعب"، وأن شعب فلسطين غير موجود كما ادعى قادة إسرائيل ومن بينهم جولدا مائير التي قالت بأنه لا يوجد شعب باسم فلسطين، ليفند أخطاءها بإدراجه إحصائيات بشرية وعمرانية عن فلسطين قبل مجيء الصهاينة إليها. وبعدها يذكر جارتون الصهاينة بأن فلسطين كانت معمورة وليس الصهاينة هم من قلب الصحراء والمستنقعات إلى جنة.

ثم يفضح بير جارتون تعاون الصهاينة مع النازية الألمانية، وأن ما يدور الآن على أرض فلسطين هو هولوكوست ضد الشعب الفلسطيني وعلى أيدي من اضطهدتهم النازية نفسها، وبذلك أصبح الفلسطينيون ضحية الضحية.

مشواره مع القضية الفلسطينية

في لقاء صحافي أجريته مع بير جارتون لصالح مجلة الأفق الفلسطينية في عددها الصادر بتاريخ 12 آذار (مارس) من عام 1987، يقول فيه عن بدايات اهتماماته بالقضية الفلسطينية ودعمه للشعب الفلسطيني:

"عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري كنت أضع على حائط غرفتي صورتين، الأولى لدافيد بن جوريون، حيث أنني كنت معجبا ومؤيداً قويا لحركة التعاونيات والكيبوتزات، التي كان يتزعمها بن جوريون نفسه كرئيسٍ لحزب العمل. وكنت أعتقد أيضا بأن المجتمع الإسرائيلي يعيش بأجمعه على الحياة التعاونية في الكيبوتزات. أما الصورة الثانية فكانت للرئيس المصري جمال عبد الناصر. الرجل الذي كان يمثل عندي بطلا لحركات التحرر في العالم. وبعد العدوان الثلاثي على مصر أنزلت صورة دافيد بن جوريون إلى غير رجعة وأبقيت على صورة جمال عبد الناصر تزين صدر الجدار في غرفتي.

وفي عام 1961 فكرت بالذهاب إلى الجزائر لمشاركة شعبها في نضاله ضد المستعمرين الفرنسيين. وفعلاً حزمت أمتعتي البسيطة، واستعنت بطريقة التنقل عبر الأوتوستوب وتمكنت من الوصول إلى جنوب إيطاليا. كانت الأفكار تتصارع في رأسي؛ كيف لي أن أذهب للقتال وأنا شاب لا أجيد الحرب ولا أعرف استخدام السلاح؟ فكيف لي أيضاً أن أذهب إلى بلد لا أجيد لغة أهله؟ عدت أدراجي إلى السويد.

بدأت تعلم اللغة العربية، بعد أن كنت قد تعلمت الإنجليزية والفرنسية والألمانية في المدارس وفي الجامعة. وفي عام 1964 حصلت على منحة دراسية في مصر لتعلم اللغة العربية، وعلى وجه الخصوص اللهجة المصرية. انتقلت إلى مصر والتقيت هناك بالعديد من المصريين والفلسطينيين الذين صححوا لي وشذبوا مفاهيمي عن القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها.

عندما عدت إلى السويد، طالعت الكتب السويدية التي تناولت الموضوع الفلسطيني وفي مقدمتها كتاب "حق العرب في فلسطين" صدر في عام 1962 لمؤلفه مفيد عبد الهادي، وهو فلسطيني هاجر إلى السويد في أوائل خمسينات القرن العشرين، بعد أن طرده الصهاينة من بلده فلسطين. كتب عبد الهادي عن تطور الأحداث داخل فلسطين وعن مشاهداته ومعايشاته لها شخصيا. كما قرأت كتابا آخر تحت عنوان "جنود السلام" للجنرال السويدي كارل فون هورن، قائد قوات الأمم المتحدة، تحدث فيه عن أفعال إسرائيل في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات ضد جيرانها العرب.

جاءت بعدها بما سمي بحرب النكسة عند العرب، وحرب الأيام الستة في السويد، عام 1967 لتوقظ بعض العقول النائمة وتقلب المفاهيم السابقة عن دولة إسرائيل. فقد كان يقال عنها مثلا؛ بأنها الدولة الصغيرة والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، الدولة المهدَّدة من قبل عدد كبير من جيرانها من الدول العربية!.

قمت بعدها بزيارات عديدة إلى دول المنطقة والتقيت بالناس، وعلى كافة مستوياتهم الاجتماعية والسياسية. زرت مخيمات الفلسطينيين المنتشرة ما بين لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. وأصبحت تدريجيا شخصية معروفة بأنني من المدافعين عن الحق الفلسطيني.

دعيت ذات مرة من أيام 1968، مع زميل صحافي آخر لإجراء مقابلة صحافية مع وزير الخارجية الإسرائيلي السيد أبا إيبان، الذي كان يزور السويد آنذاك. حاججت إيبان بما كنت أحتفظ به من معلومات، كان قد زودني بها الباحث الفلسطيني صبري جريس خلال إحدى زياراتي لإسرائيل، عن معاناة الفلسطينيين العرب هناك. أنكر أبا إيبان ما تلوته عليه. فانهالت ضدي في اليوم التالي المقالات والكتابات التي قالت بأنني قد أهنت الضيف، من خلال طرحي معلومات كاذبة عليه.

هكذا كانت بداية اهتماماتي والسنوات الأولى التي عملت بها على مساعدة الشعب الفلسطيني في إظهار حقه. وبالطبع لم أكن وحدي في تلك الفترة وخصوصا بعد حرب حزيران من عام 1967. فكان هناك مثلا شاب يهودي تقدمي يدعى يوران روسِنباري، وكان أيضا الشاب اليساري الجريء يان جييو وزوجته مارينا ستاج، وكان اليساري ستيفان بيكمان الذي أصدر واحداً من الكتب الهامة في بداية السبعينات تحت عنوان "إسرائيل وفلسطين" حلل فيه أن إسرائيل هي مشروع استعماري يخدم الإمبريالية العالمية والاستعمار الحديث في قلب المنطقة العربية، وكانت أهمية الكتاب في تحليله الماركسي للقضية الفلسطينية.

وكان أيضا، من الجانب الديني، أستاذ علوم الدين في كل من جامعة ستوكهولم وجامعة أوبسالا الدكتور سيجبرت آكسيلسون الذي نشط من خلال الكنيسة التبشيرية، قد أصدر في عام 1971 كتابا تحت عنوان "الرأي العام المسيحي والقضية الفلسطينية". كان الكتاب مهما في نفس الحقبة من الزمن، حيث طرح رؤية مختلفة عما كان سائداً، فسلط الضوء على التفسير الديني للمشروع الصهيوني. لقد أعطى أكسيلسون ترجمة جديدة للكتاب المقدس تتعارض مع المفهوم الصهيوني. وكانت فيه نقطة هامة أخرى حيث فرق أكسيلسون في كتابه بين ما يسمى بالصهيونية وبين اليهودية، وما بين الصهيوني واليهودي. وبنفس الوقت حرض أكسيلسون على العداء للصهيونية. وهذا ما كان يتطابق مع برنامج منظمة التحرير الفلسطينية التي ميزت ما بين الإنسان اليهودي العادي والإنسان الصهيوني. ولا ننسى هنا ذكر أن أكيسلسون تعرض للقذف والسب واتهم باللاسامية.

كان يتوجب علينا أثناء الكتابة، أو حين إجراء مقابلة صحافية أو عقد أي حوار عن القضية الفلسطينية، أن نجمع الوثائق لتثبيت معلوماتنا التي نطرحها، بحيث لا نكون بنظر من يؤيدون إسرائيل كاذبين. لقد وقفوا لنا بالمرصاد في هذه المسائل. لقد تحملنا الكثير من الإهانات عبر الهاتف، وفي الطرقات، ووجهوا لنا رسائل تهديد ووعيد كتبت منها على ورق التواليت، وغير ذلك من المضايقات".

وأجاب جارتون عن توقعاته، لما يدور وسيدور على ساحات المنطقة العربية بما يخص القضية الفلسطينية ومن خلال مؤلفه الذي صدر في عام 1979 تحت عنوان "العرب أمام الثمانينات"، كخبير بالشؤون العربية يقول:

"لقد قمت حتى الآن بزيارة ثلاث عشرة دولة عربية، كما زرت إسرائيل والمناطق المحتلة، الضفة الغربية وقطاع غزة. لقد عملت مراسلا حربيا على الجبهة المصرية في حرب تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1973. وكنت في العاصمة اللبنانية بيروت في عامي 1975 و1976 وكتبت لكبريات الصحف السويدية عن المخيمات الفلسطينية، وأعددت برامج إذاعية عنها وعن منظمة التحرير الفلسطينية. إن مساندتي وتضامني المتواصل مع الشعب الفلسطيني، وموقفي هذا أدى إلى زيادة شقة الخلاف بيني وبين رئاسة حزبي، حزب الشعب، مضافا إليها مواقفي من مسائل البيئة، فتقدمت باستقالتي من الحزب ومن البرلمان في العام 1979.

وحتى لا أخرج عن سؤالك فإنني أجيبك بأن بعض ما تنبأت به في كتابي عن العالم العربي قد تحقق بقليل أو كثير. فمن خلال خبرتي جمعت التقارير منذ منتصف السبعينات وكنت أتوقع من خلالها قدوم الخط الصهيوني المتعصب إلى سدة الحكم في إسرائيل برئاسة مناحم بيجين وتم ذلك فعلا. كما توقعت خروج مصر من حلبة الصراع مع إسرائيل، وهذا الواقع أمامنا يؤكد ما تنبأت به. أما عن منظمة التحرير الفلسطينية فكانت توقعاتي بأنها ستتجه أكثر فأكثر نحو العمل الدبلوماسي، ونحن نرى بأن المنظمة الآن مستعدة لإجراء مفاوضات تحت شروط ما. وفي الوقت عينه توقعت بأن إسرائيل تتوجه نحو الفاشية وهذا ما نشاهده يوميا من خلال ما تقترفه يوميا ضد الفلسطينيين".

وعن طريقة الحل للقضية الفلسطينية رأى بير جارتون بأن:

"هناك طريقتين للسيطرة على إسرائيل، الأولى من خلال المقاومة السلبية، على طريقة المهاتما غاندي، وهذه ستأخذ من الزمن العقود الطويلة. أما الثانية وهي الأسرع والأنجع، حيث السلطة في إسرائيل تتمركز في أيدي فئة معينة تعيش على استمرارية الحرب وإلا فقدت السلطة. هذا من جهة، أما ما يخص الشعب الفلسطيني فله الحق، كما أحاول التذكير به دائما، كما كان لشعوب اسكندنافيا، وتحديدا النرويج والدانمارك، الحق في مقاومة المحتل النازي عسكريا أثناء الحرب العالمية الثانية. ونحن في بلدنا كسياسيين نحث المواطن السويدي على امتشاق السلاح وتنظيم نفسه والتصدي بالقوة لكل معتد أو محتل. فالمحتل يجب طرده بالسلاح والبلد يجب أن يتحرر ويستقل. إذاً؛ فمن الطبيعي أن يكون للشعب الفلسطيني حق شرعي يكفله ميثاق الأمم المتحدة في أشكال كفاحه، بما فيها المسلح، ضد العدو الإسرائيلي المحتل. وبما أن الشعب الفلسطيني أضعف من دولة إسرائيل عسكريا فعلى الدول العربية أن تتوحد لاسترداد حق الفلسطينيين. لكني أضيف إن كل عمل عسكري ضد المدنيين يضعف إمكانية التفاهم ويؤجل الحلول إلى عقود عديدة أيضا".

وعن حضوره مؤتمر الكتاب والصحافيين الفلسطينيين الذي عقد في الجزائر عام 1987 يقول بير جارتون:

"كان لقاء الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، القادمين من بقاع الأرض وبعيدين عن وطنهم الأصلي، حارّاً ومؤثراً. وكانت المرة الأولى التي أستمع فيها إلى خطاب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية باللغة العربية. كانت كلماته موجهة إلى أبناء شعبه من المثقفين معبرة عن الواقع الذي يعيشونه في المخيمات وتحت الاحتلال الإسرائيلي، وصادقة ومشحونة بالألم والأمل؛ بالألم لما يعانيه الأطفال والنساء والشيوخ والشباب الفلسطيني من حرب التجويع تحت القصف في مخيمات لبنان، وبالأمل لفرحته بلقائهم الموحد بعد فراق سنوات طويلة. كان لكلمات هذا القائد وقع كبير على نفسي. دعني أقلْ بأن الشعب الفلسطيني هو أعظم من قادته. وعندما تحدث الشاعر محمود درويش كان عليَّ أن أنتقل لسماع الترجمة إلى الإنجليزية وذلك لصعوبة فهم لغته الأدبية السياسية الغنية بالرمزية والجمال. ومن المؤكد أنني خسرت المعاني الأدبية التي تحمل عمقاً سياسياً بين حروفها وكلماتها".

وعن رأيه بالكاتب والصحافي الفلسطيني يرى جارتون بأن:

"الكاتب والصحافي الفلسطيني يجير كل قدراته ليعبر عن أي حدث في معناه وتحليله السياسي، وهذا ما لا يتحلى به الكاتب والصحافي السويدي. فالكثير من الأعمال الفلسطينية خلاقة ومبدعة، إننا نرى عظمة مؤلفات غسان كنفاني ومحمود درويش وغيرهم. إني أعتقد جازما بأن أدبكم سيكون عالميا فيما لو أصبحت لكم فلسطين المستقلة، لأنكم ستستطيعون عندها التعبير بحرية وبصراحة، دون أي خوف من ردود فعل الدول العربية. فنحن في عالم الغرب نحتاج لفهم حقيقة ما يدور في المنطقة العربية من خلال كتابات لا تتأثر بتلك المواقف. ومن الواضح بأن بعض كتّابكم وصحافييكم يحرم من حين لآخر من دخول هذا البلد العربي أو ذاك لسبب ما في فترة ما، كما وتصادر كتبكم وكتاباتكم هنا أو هناك لسبب آخر وهلم جرا. إن هذا المناخ يجر على الكاتب والصحافي الفلسطيني المصاعب الكبيرة والمتنوعة. إن أدبكم خلاق وإبداعي لارتباطه بالنضال والكفاح المستمر".

مشاركاته الأخرى

ويكتب جارتون في موقعه على الشبكة العنكبوتية، تحت عنوان "حياة مع فلسطين" عن لقائه الأول مع القائد الفلسطيني ياسر عرفات:

"كان لقائي الأول مع ياسر عرفات دراماتيكيا. لقد حصل هذا في ليلة من ليالي كانون الثاني (يناير) من عام 1982 في بيروت. لقد حذر عرفات يومها من قدوم هجوم إسرائيلي كبير ضد منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. وعلى الرغم من احترامي الشديد لهذا القائد فقد كان صعبا علي أن آخذ كلامه على محمل الجد. أثبتت الأيام بأن ياسر عرفات كان على حق. ففي الشهر السادس من نفس العام هاجم الإسرائيليون لبنان وغزوا بيروت. خرجت منظمة التحرير من هناك وتركت الميدان مفتوحا للميليشيات اللبنانية الفاشية والإسرائيلية لترتكب المذابح ضد الفلسطينيين، في صبرا وشاتيلا".

هذا والتقى جارتون العديد من المرات مع القائد الفلسطيني.

كان جارتون ولا زال مناضلا حقيقيا مع الحق الفلسطيني. إنه لم يترك مناسبة إلا وتصدر في المشاركة، وألقى على سبيل المثال العديد من الكلمات في المظاهرات الحاشدة في ستوكهولم وغيرها من المدن السويدية. وشارك في مناسبات تضامنية عديدة مع الشعب الفلسطيني، كان من بينها مشاركته في باخرة العودة التي كانت ستنطلق من اليونان في عام 1988 وفجرتها أيادي الغدر الصهيونية لمنعها من التوجه إلى حيفا.

كما كان عضوا مؤسسا لمجموعة الضغط الفلسطينية داخل البرلمان السويدي تحت مسمى "رابطة الصداقة السويدية – الفلسطينية" التي انشئت على وقع الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت من غزة أواخر عام 1987. وقام، مع عدد من أعضاء الرابطة، بزيارة فلسطين بمجملها وأعد التقارير الصحافية، والمقترحات البرلمانية، كان منها تبني تطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في عام 1948. القرار الذي يطالب بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم وبيوتهم وأملاكهم.

وفي العام 2004 لبى على الفور ترشيحه لرئاسة مجموعات أنصار فلسطين في السويد التي بقي فيها حتى العام 2011. المجموعات التي تم تشكيلها في بداية السبعينات من القرن الماضي ولا زالت فاعلة على الساحتين السويدية والفلسطينية، وعلى المستويات الطبية والصحية والثقافية والإعلامية وتشكيل الرأي العام.

لقد ناضل بير جارتون، وكأنه واحد من الفلسطينيين الذين نذروا حياتهم لقضية الشعب الفلسطيني. خلال سنواته الطويلة في البرلمان السويدي والبرلمان الأوروبي وضمن أحزاب البيئة "الخضر" في أوروبا، وضمن رابطة الصداقة السويدية الفلسطينية، وضمن مجموعات أنصار فلسطين، ككاتب وصحافي وسياسي. كما أدار حملة مقاطعة، اقتصادية ورياضية وفنية وثقافية وعسكرية واسعة ضد إسرائيل. وطالب بشكل دائم بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، بما فيها القدس.

إن السيد بير جارتون يستحق التكريم لجهوده على مدى نصف قرن، في ساحة عمل الرجل فيها ضد التيار.

 

المراجع:

1-كتاب "النضال من أجل فلسطين" لمؤلفه بير جارتون، صدر في عام  1970.

2-كتاب "العالم العربي أمام الثمانينات" لمؤلفه بير جارتون، صدر في عام 1979.

3-كتاب "النضال التحرري لفلسطين" للكاتب بير جارتون، صدر في عام 2008.

4-دليل الهاتف السويدي لمدينة ستوكهولم لعام 1982.

5-مجلة "الأفق" الفلسطينية، العدد الصادر بتاريخ 12 آذار (مارس) من عام 1987.

6- موقع ويكيبيديا من الشبكة العنكبوتية.

7- أوراق "مجموعات أنصار فلسطين في السويد".

8- أعداد من مجلة "بلستينا ناو" فلسطين الآن.

[*] باحث فلسطيني، مقيم في السويد.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website