البطولة الجماعية في "فرس العائلة" - محمود شاهين - عدد 253 - 254

البطولة الجماعية في "فرس العائلة"

[*]محمود شاهين

تحار وأنت تقلب صفحات رواية "فرس العائلة" لمحمود شقير من أين تبدأ الحديث عنها لكثرة ما حوت من شخصيات ووقائع. أكثر من مئة شخصية أحصيتها وأنا أقوم بفهرسة لأسماء الشخصيات وأهم ما يجري معها. ولو أننا قسمنا عدد صفحات الرواية (في حدود 300 صفحة) على مئة من الشخصيات، لكان نصيب كل شخصية قرابة ثلاث صفحات.

وقد يكون هذا التقسيم وحده كافيا لإثبات أن البطولة في الرواية جماعية، بغض النظر عن الشخصيات التي قد تستأثر بالحديث عنها أكثر من غيرها، وبغض النظر عن بعض الوقائع التاريخية وحكايات الناس وتقاليدهم وصراعاتهم وأهازيجهم، التي لا تنسب إلى شخصية بعينها، بقدر ما تنسب إلى العشيرة التي تتحدث عنها الرواية، بحيث تغدو العشيرة هي بطل الرواية وليس الشخصيات بحد ذاتها. فالشخصيات تقدم بوقائع وأفعال، فلا تعود الشخصية بحد ذاتها مهمة بقدر أهمية الأفعال والوقائع الناجمة عنها. والأمر نفسه ينطبق على حكايات الناس وتقاليدهم وأهازيجهم، التي شكلت النسيج الروحي لتكوينهم، بحيث يمكن القول إن الرواية بدت وكأنها منجم لتراث العشيرة التي تتحدث عنها الرواية، وهو ما لم نشهده في أية رواية أخرى بهذا القدر من الثراء.

هذه المقدمة تشير إلى التكثيف الشديد الذي كتبت به الرواية. ومن الواضح أن محمود أفاد من تقنياته الفنية في كتابة القصة القصيرة، كونه كاتبا لها بامتياز، فطبق تقنياتها على عالم الرواية

ولو قدر الإمكان.

سنتوقف قدر الإمكان مع أهم شخصيات هذه الرواية وأفعالها، وسنتوقف مع مكنونها التراثي إذا اتسع المجال، لكن بعد أن نوجز ما تتحدث عنه الرواية، متطرقين قدر الإمكان إلى بنائها الفني،  مع ادراكنا التام أن هذه الرواية قد تحتاج إلى دراسة بحجمها لتحيط بكل جوانبها.

**********

يحدثنا محمود شقير عن رحلة عشيرة (العبد اللات) من البرية إلى مشارف مدينة القدس، يحدثنا عن التحول من البداوة والدخول في المدنية، عن هجر مضارب بيوت الشعر إلى البيت الحجري الحديث، عن ترك الرعي والزراعة ولو جزئيا للعمل في مرافق المدينة المختلفة. عن  هجر الدراسة عند الشيوخ ببيضة ورغيف إلى المدرسة الحديثة، عن ترك الثوب البدوي إلى الفستان، عن اشعال النار بالحطب إلى موقد الكاز (البابور) عن التحول من الحكم التركي إلى الحكم الإنكليزي. عن رجال أرغموا على خوض الحرب إلى جانب الأتراك ليعودوا جثثا أو يختفون، وعن رجال حاربوا مع الإنكليز ليعودوا محملين قتلى على ظهور البغال.

يحدثنا محمود عن رجال مزواجين يعشقون النساء والأبناء، ويحبون الحكايات الشعبية  والخرافات والبطولات والفروسية. يحدثنا عن نساء يعشقن وينجبن ويحببن دون حدود، ويحلمن بالجن والشياطين، أو يهرب بعضهن مع عشاقهن. عن الشحاذين والباعة المتجولين.

عن الجبليين وقرودهم التي ترقص للنساء، عن رجل أطعم ظله بيضة ورغيفا، عن الغجر وهجراتهم وفنونهم، عن ثورات مجهضة وبطولات فردية. عن عادات وتقاليد وطقوس ومشاعر وأحاسيس وصلوات وأغان  ترسم نسيج أرواح هؤلاء الناس، وتسبر خفايا نفوسهم.

يحدثنا محمود بمحبة لا تخلو من طرافة عن طقوس الخصب عند هؤلاء الناس، ليوحد بين خصب الأرض وخصب الأنثى. المواقعة الجنسية  مع المرأة قد تتم في حقل الحراثة، على ظهر البغل أو استلقاء على الأرض، ليبدو فعل الحرث مشتركا بين الأرض والمرأة. فكلاهما حرث ينتج عنه خصب، لنجد أنفسنا وكأننا أمام طقس تموزي من طقوس ما قبل التاريخ.

وفي مواقعات أخرى يتم الطقس على البيدر بين حصيد الكرسنة، أو بين القطيع الهاجع على نور القمر، ورائحة الخصب تتضوع منه. أو إلى جانب نار مشتعلة في البرية.

يوظف محمود شقير خبرة طويلة مع الكلمة في قرابة أربعين مؤلفا وقرابة ستين عاما مع الكتاب وفنون السرد الأدبي، ليبدو كساحر يجمع رزمة من الأوراق تتحدث عن أكثر من مئة شخصية، ثم يشرع في سحبها ورقة ورقة، دون أن نعرف كيف سحبها، بما لا يتأتي إلا لمن خبروا فن السرد وأتقنوا سحر الروي. يسير بشخوصه بخطوط شبه متوازية  وكأنه يسير بهم معا  في آن واحد، فلا يطيل الحديث عن شخصية إلا لينتقل إلى أخرى، والقارىء الذي لا يركز في القراءة قد يضيع، غير أنه وإن ضاع سيجد نفسه مشدودا إلى متابعة الواقعة الحدث دون أن يعير كثير اهتمام لاسم الشخصية التي تجري معها الواقعة. فنحن لسنا أمام رواية شخصية، أو قصة بوليسية تكتم أنفاسنا ونحن نتابع مجريات البحث عن القاتل، نحن هنا أمام بطولة جماعية نتابع فيها حياة هؤلاء الناس في مجتمع البداوة. وهذا لا يعني أن محمود أهمل رسم شخصياته، أبدا، فقد كان حريصا على تميز كل شخصية وتفردها عن غيرها. لكن كثرة الشخصيات والتنقل من واقعة إلى أخرى حال دون تركيز القارئ على الشخصيات. ورغم ذلك تعلق في الأذهان شخصيات كثيرة لا يمكن أن تنسى.

يسير محمود مع شخوصه خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف. إلى الأمام في ما هو مستجد وما سيستجد من أحداث، وإلى الخلف لنعرف ماضي الأسرة أو ماضي الشخصية في الرواية. يتم السرد عن الماضي باستقراء ذاكرة الشخصية، أو عبر حكايات الأم، أو من قبل الراوي نفسه باسترجاع الماضي، أو عبر أحلام الشخصيات. يتنقل بنا من حدث إلى آخر بتكثيف شديد ودون أية مطمطة أو استطراد.

يحدثنا محمود عن مشاجرات عشائرية قبلية، عن أناس يغرقون في الينابيع أو في برك المياه. عن امرأة تلد طفلا بأذني حصان، يجيد الصهيل.. عن تاجر دجال يزني بالنساء بذريعة تقديم دواء للنساء العقيمات، وعند موته يتحول ضريحه إلى مقام يضاف إلى مقام آخر تقدم له النذور

وتجري فيه طقوس العبادة. يحدثنا عن جني يظهر للنساء في كلب أسود. يحدثنا عن فرس العائلة  الغائبة الحاضرة التي تظهر بصهيلها في الملمات من الأيام، لتدخل الزمن الماضي بالزمن الحاضر، مذكرة بالأصالة والحنين والوفاء إلى فارسها الراحل الذي قتل غيلة وغدرا، يحدثنا عن رجال يقتلون الضباع والغيلان. يحدثنا محمود عن أم الغيث وموسم النبي موسى، وعن أعراس هؤلاء الناس وأغانيهم. يحدثنا عن قطعان تجرفها السيول أو تسطو عليها الذئاب. يحدثنا عن الجدب، عن أطفال يدهمهم فيضان فيغرقون في لجة مياهه. يكاد محمود  أن لا يترك شيئا إلا ويتحدث عنه، لنجد أنفسنا أمام كنز من التراث لا يستطيع أن يحيط به إلا من عايش هؤلاء الناس وخبر منجم حياتهم وتاريخهم الاجتماعي وأساطيرهم وحكاياتهم.

يستوحي محمود من اسم عائلة من السواحرة تدعى عائلة (العبد اللات) (باللام المضخمة، كونها جمعا لمفرد عبد الله باللهجة العامية) اسما للعشيرة المنحدرة من أصول بدوية التي تتحدث عنها الرواية، وليبقي على اللام مبهمة لتلفظ مخففة، ليوغل بنا بعيدا في التاريخ، إلى أناس كانوا يعبدون في الجاهلية وثنا يدعى اللات، يرمزون به إلى الله، فيتقربون منه ويتعبدون إليه، وقد اقترن اسمه غالبا في مدونات التاريخ بالعزى ومناة.

غير أن هذه الأصول الضاربة في التاريخ تأخذ مكانها في التندر حين نجد أبناء العشيرة يمزحون ويجذفون على العشيرة بنسبها إلى أبي جهل.

أقام محمود شقير بناءه الدرامي أو المحور الذي تدور حوله الأحداث، على هجر البرية والرحيل إلى مشارف مدينة القدس. والمرور على شخصيات العشيرة هو لتحديد موقفها إما مع الرحيل أو ضده. وحين نكاد ننسى في غمرة الأحداث المتلاحقة، الغاية من هذه الرواية يفاجئنا محمود بموقف شخصية من الرحيل.

غير أن هذا الحامل الدرامي للأحداث لا يغدو مهما إلى هذا الحد أمام سحر الحياة االميثولوجية لهؤلاء الناس، فلا يترقب القارىء حدوث الرحيل بل وقد لا يهمه إن لم يحدث.

وأخيرا يتم الرحيل. لكن متى؟ في الصفحة 144 و145 من الرواية:

(صبيحة يوم الرحيل كانت قاسية على الأنفس وعلى الأبدان، نهضت النساء منذ الفجر ورحن يحزمن الأمتعة)

(توجه منان وأبناء عشيرته غربا، يحملون على الجمال والخيول والبغال والحمير أمتعتهم، وكانوا أسبق في الرحيل من عشائر عرب السواحرة)

 سأكتفي بهذين المقطعين من الرحيل لأشير هنا إلى التداخل بين الواقع الفني المتخيل والواقع التاريخي الواقعي أو الحقيقي. فمحمود هنا يشير إلى عشائر عرب السواحرة وهي عشائر حقيقية ما تزال تعيش في أراضي جبل المكبر والسواحرة الشرقية، بينما عشيرة العبداللات التي يقودها المختار منان هي عشيرة متخيلة. ثم إن بلدة رأس النبع التي يقيمها الراحلون على مشارف القدس هي بلدة متخيلة ولا وجود لها على الخريطة المقدسية. غير أن محمود يجعلها بلدة لها وجودها حين يجعل بعض الثوار وقادتهم يزورونها، كالشهيد القائد عبد القادر الحسيني وبعض رفاقه. كما أنه يتطرق إلى بعض أبناء السواحرة  الذين كانوا مع الثورة أو في جيش الإنقاذ.

 لقد حاول محمود  قدر الإمكان الابتعاد عما هو واقعي تاريخي ليتيح لنفسه كمؤلف التحليق ولو جزئيا في عالم الخيال الذي هو أهم متطلبات الأدب، وبالقدر نفسه حاول الإبقاء على الالتصاق بالواقع ليتيح لنفسه التحدث عن هموم الناس وحياتهم وتحولاتهم، دون أن يفارق الواقع مخيلته، لتنتمي روايته إلى الأدب الواقعي. والحق إن تعبير مدرسة الواقعية السحرية التي انطلقت وسادت بعد ظهور أدب أميركا اللاتينية في العالم العربي، يمكن أن ينطبق على رواية فرس العائلة بجدارة .

بالتأكيد ليس في الإمكان التوقف عند كل شخصية من شخصيات الرواية وإلا لاحتجنا كتابا بحجم الرواية نفسها كما أسلفنا. سنحاول قدر الإمكان الوقوف عند أهم الشخصيات.

*منان

منان هو مختار العشيرة وشيخها لكن ليس بالمعنى الديني للمشيخة. ولا شك أنه استأثر بحصة الأسد من الوقائع. من أول سطرين في الرواية يقدمه محمود كأحد أبناء البرية العاشقين لها حتى وإن أجدبت. لكن هذا العشق لن يمنعه من التفكير في الرحيل إلى مشارف القدس لإيجاد فرص للرزق لأبناء العشيرة، ولتحقيق بعض ما يصبو إليه من رغبات، فالبرية لم تعد كما كانت "فالريح التي تقبض على الغيوم من أذيالها لتأخذها إلى شتى البقاع جالبة معها المطر، لا تحضر إلا لتعيث خرابا في مضارب العشيرة، والمطر منقطع أو هو شحيح في أحسن الأحوال، والأغنام جفت ضروعها، وسبل العيش أصبحت أكثر صعوبة" (ص 9)

لمنان وقفات صلبة مع الإنكليز كما لأبيه مع الأتراك من قبل. يقسو أحيانا على أبنائه مثلما فعل مع محمد الصغير حين ألقاه في بئر لسبعة أيام ليردعه عما يود فعله بعد أن غدا متدينا. ومنان عاشق للنساء، تزوج ستا منهن. يمارس الجنس بطقوس خاصة أقرب إلى طقوس الخصب في العبادات القديمة.. في الطبيعة: في المرعى، بين شياه القطيع الهاجع في الليل، على ضوء القمر، في الحقل، في بيت الشعر.

حين مارس الجنس لأول مرة مع فاطمة كان شابا يرعى قطيع أهله، وكانت فاطمة ترعى أغنام أهلها.. تركا الأغنام ترعى وقاما بفعل الحب. قلقت فاطمة من وضعها بعد أن فقدت عذريتها. فعقد قرانه عليها ببساطة ودون أية تعقيدات. "جلست فاطمة على حجر وهي مطرقة برأسها إلى الأسفل ورموشها تنسدل فوق عينيها الواسعتين، رف جفناها ورمقت منان وهو جالس أمامها على حجر، سدد نظرة نحوها وقال: أنت على حجر وأنا على حجر. بلعت ريقها وقالت: أنا الأنثى وأنت الذكر" (ص 17 و18)

عقد قران يرتبط بالطبيعة وبساطة الحياة بالجلوس على الحجر، وجعله جزءا من نص عقد القران!

هذه المواقعات الطقسية تتجلى أكثر حين يمارس منان الحب على نور القمر، وأكثر حين يمارسه في حقل الحراثة، فيغدو ممارسة مقدسة للخصب، فكما يتم حرث الأرض لتخصب، يتم حرث المرأة لتخصب أيضا. فحين كان الصراع ملتهبا بين الإنكليز والأتراك، جاءت وطفاء إلى منان في الحقل، وراقها مشهد سكة المحراث وهي تغوص في التربة وتقلبها..

أجلسها منان على ظهر البغل ووركاها منفرجان على ظهره، وما لبث أن طرحها أرضا وشرع في حرثها. (ص78)

جاء في النص القرآني: "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم" (البقرة 223)

فهاهو القرآن يعتبر المرأة حرثا، والحرث مفردة لا يمكن ربطها إلا بالأرض للدلالة على الخصب.

حسب هذه الرؤية تعامل محمود مع الجنس في روايته وبشكل خاص مع ممارسات منان: همدت حركتها وهي تتأمل بكسل لذيذ ما جرى قبل لحظات.

 نهض من جوارها وملأ راحة يده بالماء ورشقه على التربة الحمراء، وقال إن هذا يجعلها أكثر خصوبة. اختلج جسدها وهي تراه يرشق الماء" (ص 78)

الربط هنا واضح بين انتشاء جسد المرأة ورشق الماء على التربة.

تزوج منان ست نساء: فاطمة ومثيلة ووطفاء وسميحة وصفية ووضحاء. كان لكل منهن مكانة خاصة في نفسه. انجب منهن أربعة عشر ولدا وست بنات. تميز منهم وطاف ومحمد الكبير وأدهم ويوسف.

يوسف: التحق بثورة القسام. القي القبض عليه. وسجن.

محمد الكبير: دارت حوله تقولات كثيرة بذهابه إلى يافا ومعاشرة اليهوديات، إلى أن أحب المسيحية مريم واستقر في القدس، وصلى مع مريم  في الكنيسة، وراح يردد ابتهالات مسيحية وإسلامية، وحين سمعته مريم راحت تردد مثله، لتغدو الديانتان دينا واحدا. هذا الجانب الديني المتسامح جدا نلمسه في رواية فرس العائلة بوضوح. فالبدوي تحديدا يعيش الدين كطقس لا أكثر ولا يعرف التعصب والتكفير إطلاقا.

أدهم: الذي له أذنا حصان: اتصف بالحكمة والذكاء. وكثيرا ما كان يصهل مقلدا صهيل الفرس، والفرس ترد بدورها على صهيله بالصهيل، يمتطيها وينطلق بها ليجوب المضارب والبراري ويعود .. خافته النساء وأعجبت به عمته مهيوبة.

وطاف: ابن وطفاء القوي. إنه شمشون الفلسطيني،  إنما بسبع شعرات فقط في رأسه، لهن سحر خاص كما تعتقد النساء، منهن يستمد قوته الطاغية، وليس هناك دليلة أو قوة قادرة على نزع الشعرات.. أحب الغجرية مروادة وتزوجها. استشهد في مواجهة مع الإنكليز والصهاينة. كانت أمه وطفاء مولعة باللعب بالحجارة والالتصاق بالأرض. ورث هذا عن أمه بعد رحيلها. واكتسب بنية قوية واجهت تدفق السيل بصلابة ولم تجرفها. يوم استشهاده في المواجهة كان بطلا. واجه رجال الإحصاء بيديه وراح يطرحهم أرضا واحدا بعد الآخر. إلى أن أطلقوا عليه النار. شيع كبطل. بكاه أبوه منان بلوعة، وبكاه الرجال والنساء وتحسروا عليه. ورثاه عمه عبد الجبار بقصيدة، وشقت مروادة ثوبها ولطمت خديها، وأبت الزواج من بعده طيلة سبعة أعوام.

في مشهد استشهاد وطاف يرسم محمود صورة شامخة لسقوط البطل الفلسطيني تجلت في تشييعه والحزن والندب عليه. وهذه المسألة لا يلتفت إليها الكتاب الفلسطينيون كثيرا أو لا يعطونها حقها. يشعرنا محمود بوصفه لسقوط وطاف أن نجما هائلا قد هوى وآل إلى الاندثار.

 *الأب محمد:

تزوج ست نساء. قتل له ابنان في حروب السلطنة العثمانية. اشتهر بملاحقة النساء. واضطر إلى تحمل مسؤوليات العشيرة بعد مقتل أبيه. ذهب إلى الحج ليعود منه متعبا ومريضا.. ومن ثم يموت. ليخلفه ابنه منان في المخترة.

* الجد الشيخ عبد الله :

 خاض مشاجرات عشائرية كثيرة على الأرض والمراعي والمياه. "على مسافة من مضارب العشيرة برز له عدد من فرسان عشيرة الفرارجة واشتبكوا معه وأردوه قتيلا ثم لاذوا بالفرار.

ظلت فرسه تحمحم بالقرب من جثته، وحين اشتمت رائحة دمه المتخثر، راحت تشب رافعة قائمتيها الأماميتين إلى أعلى كأنها تطلب النجدة، وحين لم يصل أحد انطلقت تعدو مثيرة النقع خلفها، ولم تتوقف إلا أمام مضارب العشيرة" (ص 35)

 *الأم صبحاء:

راوية العشيرة، وحافظة تاريخها الميثولوجي وحكاياتها وأساطيرها ومشاجراتها وفضائح نسائها. كان منان يلجأ إليها دائما ليستمع إليها ويأخذ بنصحها. برحيلها تنتهي الرواية. آخر ما نطقت به أنها طلبت فرس العائلة:

"وظل المختار يحدق في وجه أمه إلى أن انطفأت قبيل الفجر بقليل، تاركة خلفها حكايات ظل يتناقلها أبناء عشيرة العبداللات وبناتها جيلا بعد جيل" (ص 310)

للأسف ليس في الإمكان الإستطراد أكثر لأن المجال لا يتسع. فهناك شخصيات كثيرة يمكن التطرق إليها من النساء والرجال. كعبد الجبار قاتل الضباع وصاحب الحكايات الطريفة، والشيخ عبد الرحمن الذي يكفر العشيرة ووضحاء التي تهتم بظلها، وحفيظة التي قتل بسبب عشقها عدد من الرجال والعراف الدجال، والتاجر النصاب، والتركي علي اوغلو والإنكليز والأتراك والجن وعشرات غير هؤلاء، عدا الفرس التي تحتل بطولة شبه مطلقة في الرواية. وعدا الحكايات الكثيرة، والأهازيج والطقوس والعادات التي تشكل النسيج الروحي لهؤلاء الناس والتي شغلت قدرا كبيرا من صفحات الرواية.

الانتقال إلى مشارف المدينة أدى إلى تحولات كثيرة طرأت على حياة الناس، كارتياد الحمامات

وارتداء اللباس المدني والعمل في المهن المختلفة التي لم تكن معروفة في البادية.

قد لا أبالغ إذا ما قلت إنه لا توجد صفحة في الرواية لا تثير الدهشة، وما أدهشني أكثر في الرواية هو الانتقال من حدث إلى آخر، أو الانتقال من شخصية إلى أخرى، وإذا لم يكن القارىء متنبها فإنه سيضيع. لأضرب مثلا:

"بنى منان لزوجته الجديدة بيتا على مقربة من بيت زوجته الأولى، وانقطع عن الخروج إلى المضارب سبعة أيام بلياليها. فسرت بعض النسوة ذلك بأنه عائد لجمال مثيلة ولقدرتها على اجتذاب الذكرإلى فراشها أطول مدة ممكنة. حينما علم الشيخ محمد بذلك أدرك أن جيلا جديدا آخذ في الانتشار فوق البرية، ما أشعره بشيء من البهجة، وراح يفكر في الزواج مرة أخرى.

 في زمن سابق امتلك الشيخ الجرأة على تحقيق رغبته في الحال.. إلخ "(23)

 ويستمر الحديث عن الشيخ محمد الأب وليس عن منان الابن. مع أن الحديث كان عن زواج منان. والقارىء الذي لا يتنبه لدخول الشيخ محمد في السرد، سيضيع أو يظن أن الحديث عن منان. وبعد انتهاء الفقرة التي أنبأتنا بإدراك الشيخ للجيل الجديد، يتابع محمود السرد عن الشيخ وليس عن منان الذي انتهى الحديث عنه هنا بالانقطاع عن الخروج سبعة أيام بلياليها.

هذا الانتقال شبه الخفي والسريع هو الذي ألقى بظلاله على الخطاب السردي في الرواية، فما أن يفتح محمود دائرة حتى يدخل منها إلى غيرها لتظل الدوائر كلها مفتوحة، ولهذا قلنا إن محمود يسير بشخوصه بخطوط شبه متوازية وكأنه يسير بها جميعا في آن واحد.

خلاصة القول: إن (فرس العائلة) هي ملحمة أدبية بامتياز ندر مثيلها في الأدب العربي على الإطلاق، ولا شك أن الروائيين العرب، والفلسطينيين منهم بشكل خاص، سيجهدون كثيرا لبلوغ هذا المستوى من الخطاب السردي الرفيع، الملم بكافة نواحي الحياة لمجتمع ما، لما حواه من تكثيف في السرد، وبلاغة في اللغة، واستعارات طريفة، وعادات وتقاليد راسخة وميثولوجيا مدهشة. ووقائع مصطفاة ونادرة.

إنه حديث الروح إلى الروح. روح محمود شقير إلى أرواح السواحرة والعيازرة والديسة والسلاونة والطورة والعبيدية والتعامرة والصورباهريين والعساسوة.. والمقدسيين جميعا، والفلسطينيين إن شئتم.

ثمة ملاحظة لا بد منها:

لمست خلال متابعتي للروايات الفلسطينية التي حصلت عليها منذ قدومي إلى عمان قبل أكثر من عام إلى تفاعل  وتواصل ملحوظ بين الروائيين في اتجاه تطوير وإغناء الرواية. فالفرس رمز الأصالة تظهر في خمس روايات لأربعة كتاب، كل كاتب يحاول أن يضفي عليها ما يجود به خياله، وكذلك الأم رمز الأرض، إضافة إلى شخصيات يتم تعميق حضورها، ما ذكرني بالتفاعل الذي كان قائما بين غسان كنفاني وسميرة عزام. فحين كتب غسان كنفاني قصة "القميص المسروق" عن فلسطيني يحرس مخازن وكالة الغوث يقوم بقتل فلسطيني آخر جاء ليسرقها، ردت عليه سميرة عزام بقصة "لأنه يحبهم" وهي عن فلسطيني يعمل في مخازن الوكالة أيضا، لكنه يقوم  بدوسها بقدميه ومن ثم يشعل النار فيها  للتخلص من لقمة الذل.

التفاعل القائم الآن يسير في اتجاه آخر أشعرني بالتأكيد بتطور الرواية الفلسطينية، القادرة على الخروج من عبء التاريخ، والواقع الاجتماعي السياسي، لتدخل أعماق النفس الإنسانية، وتنتج المعادل للمأساة، وما أثمرته، وليس ما سارت عليه، ولا شك أنني لمست البوادر الأولى في ما قرأت لولوج هذا الاتجاه، وبشكل خاص عند محمود شقير، وإبراهيم نصر الله، وجمال ناجي، ويحيى يخلف، ورشاد أبو شاور، وسحر خليفة، وغيرهم. ولا أعرف ما إذا يتاح لي أن أذكر اسمي مع هؤلاء بصفتي عملت في هذا الاتجاه وبشكل خاص في آخر روايتين لي وهما "الملك لقمان" و"غوايات شيطانية" وروايتي الجديدة التي شرعت في كتابتها وأنشرها على فصول في شبكة "بلا رتوش" بعنوان "رحيل معلن إلى رحاب المطلق الأزلي".

[*]كاتب فلسطيني، مقيم في القاهرة

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website