فلسطين في هذا السديم العربي- صقر ابو فخر- عدد253-254

فلسطين في هذا السديم العربي

سياسة انتظارية وخيارات تنكمش

صقر أبو فخر[*]

  "إن ما نتوقعه نادراً ما يحدث

     وما نستبعده غالباً ما يحدث"

   دزرائيلي

مدخل وصفي

يحوم في سماء الشرق الأوسط شبح سديمي عجيب لا يستوي على قوام أو شكل؛ إنه شرق أوسط جديد حقاً، فالنظام السياسي السابق اندثر، أو هو في طريقة إلى الاندثار. أما النظام الجديد فلم يظهر بعدُ، غير أن ملامحه تبدو مخيفة بالفعل. ولا أحد يدرك، كما يلوح لي، علامَ ستستقر عليه المصائر النهائية للحوادث الجارية اليوم، فما يبدو مهماً الآن ربما يندثر على المدى المتوسط أو على المدى البعيد، أو يتخذ منحىً معاكساً للبدايات. ولعل في الإمكان المجازفة بالقول إن ما يحصل في هذه الحقبة يطوي حقبة سبعينات القرن العشرين نهائياً؛ فالسبعينات شهدت محطات مفصلية شديدة التأثير مثل موت جمال عبد الناصر (عام 1970)، وخروج قوات الثورة الفلسطينية من الأردن (عام 1970)، وحرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وارتفاع مكانة منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنة 1974 فصاعداً، وصعود موقع دول النفط العربية ولا سيما المملكة السعودية، واندلاع الحرب اللبنانية في سنة 1975، ثم زيارة الرئيس المصري أنور السادات القدس في سنة 1977، ثم توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في سنة 1979، وانتصار الثورة الإيرانية ضد الشاه في سنة 1979.

إن هذه الوقائع مهدت، بالتدريج، لتغيرات هائلة عصفت بالعالم العربي ابتداء من حقبة الثمانينات من القرن المنصرم، وكان من أبرز ملامحها وحوادثها حروب الخليج الثلاثة (الحرب العراقية – الإيرانية في سنة 1980، واجتياح العراق الكويت في سنة 1990، والحرب الأميركية على العراق في سنة 2003)، وازدياد تبعية الدول الريعية (النفطية بالدرجة الأولى) للغرب، وصعود الدور الإيراني في المنطقة، وصعود الإسلام السياسي والسلفيات الجديدة، وازدياد مظاهر الفساد في النظم العربية كلها بلا استثناء، وانحسار مفاهيم التقدم والحداثة والنهضة والعدالة الاجتماعية، وشيوع مصطلحات الحاكمية والتكفير والتبديع والتفسيق، في الوقت الذي كانت فيه الدول الرئيسة، أي مصر والعراق وسورية، تعاني جميع أمراض دول العالم الثالث، علاوة على كون "أمعائها" خارج أجسادها (النيل ودجلة والفرات، تنبع من خارج النطاق الوطني لهذه الدول)، بينما كانت أموال الدول الريعية مثل السعودية وقطر والإمارات والكويت موجودة خارج خزائنها. ومن الواضح أن انحسار أفكار التحرر والتقدم والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وصعود أيديولوجيات الهوية، أي يقظة العصبيات، كانا يعكسان تفسخ المجتمعات العربية وانحلال روابطها التقليدية. ويحلو لبعض الباحثين أن يرى في ما يحصل في العالم العربي الموجة الرابعة من أمواج الديمقراطية التي راحت طلائعها الأولى تغمر العالم منذ بدايات القرن العشرين؛ فالموجة الأولى، بدأت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، والموجة الثانية، بدأت في نيسان (أبريل) 1974 مع سقوط نظام سالازار الدكتاتوري في البرتغال، والموجة الثالثة، ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في سنة 1989، وها هي الموجة الرابعة، قد وصلت إلينا في سنة 2010. ومع أن هذا التقسيم يُعَدُّ مجرد وصف ظاهري، ولا يعكس جوهر "الثورات العربية" المتنقلة بين تونس وليبيا ومصر واليمن والبحرين وسورية؛ فقد دشن "الربيع العربي" وعوده بالحرية للجميع، وقدم تفاؤلاً في إمكانية قيام مجتمع ديمقراطي حقيقي. لكن، بعد أقل من سنتين، ها هو التشاؤم يلف العالم العربي كله بعدما تحول "ربيع العرب" إلى أنهار من الدم في ليبيا واليمن وسورية. والثورات لا تؤدي، بالضرورة، إلى الديمقراطية كما هو معلوم؛ فالثورة الروسية ضد القياصرة في سنة 1917، حملت الاستبداد الستاليني إلى الاتحاد السوفياتي. والثورة المصرية ضد الملكية في سنة 1952، لم تأتِ بالديمقراطية. والثورة الإسلامية ضد الشاه واستبداده في إيران سنة 1979، أسست لنظام جديد لا يدّعي الديمقراطية أو يدعو إليها. والثورة الشعبوية في أفغانستان ضد نظام المجاهدين الذين عاثوا فساداً واقتتالاً بعد انسحاب القوات السوفياتية أدت إلى وصول طالبان إلى الحكم، ففرضت استبداداً مروِّعاً.

تطلعت "الثورات العربية" في بداياتها إلى الحرية في مواجهة الاستبداد، وإلى الديمقراطية في مواجهة الدكتاتورية، وإلى الكرامة في التصدي لامتهان الكرامة، وإلى العدالة الاجتماعية ضد الظلم والفساد، وإلى المشاركة في رسم المستقبل ضد تهميش فئات مهمة من المواطنين. لكن ما جرى في مصر وتونس وليبيا واليمن، قطع الطريق على هذه التطلعات؛ فقد وصلت جماعات دينية إلى السلطة تقوم في بنيتها التأسيسية على علاقة الشيخ بمريديه على أساس البيعة، وهذا نكوص عن المسار التحديثي الذي بدأ في تونس منذ سنة 1864 (خير الدين التونسي وإصلاحاته)، وفي مصر منذ القرن التاسع عشر مع محمد علي صعوداً إلى ثورة عرابي في سنة 1882، وثورة سعد زغلول في سنة 1919، وثورة جمال عبد الناصر في سنة 1952. والواضح أن سقوط بعض النظم العربية لم يحقق الاستقرار، بل الفوضى. أما اللوحة العامة للمجتمعات العربية ونظمها السياسية فهي تبدو شديدة الغرابة، إلى حد بعيد، كأنها إحدى اللوحات السريالية التي بات من الصعب اكتشاف الانسجام بين أجزائها، فيما التنافر هو الرابط المشترك. وتتجسد الغرابة في أن ممالك دينية مستبدة. تدعو إلى الديمقراطية، لا في بلادها بالطبع، بل في بلدان أخرى مثل سورية، وهي تدعم "العلمانيين" في سورية ضد الإخوان المسلمين، وتدعم السلفيين في مصر والعراق ضد العلمانيين، فيما "علمانيو" لبنان وسورية لا يتورعون عن التحالف مع السعودية. أما الولايات المتحدة الأميركية، فهي تتحالف مع قطر وتحميها من "الخطر الإيراني" في الوقت الذي تدعم قطر حركة حماس "الإرهابية" بحسب تصنيف وزارة الخارجية الأميركية. وأميركا نفسها متحالفة مع السعودية التي تدعم الجهاديين السلفيين الذي يقتلون الأميركيين في باكستان وأفغانستان واليمن والعراق. وأميركا تؤيد نوري المالكي في العراق المتحالف مع إيران التي تؤيد النظام السوري الذي تسعى أميركا لإسقاطه. وأكراد العراق متحالفون مع تركيا التي تشن حرباً على أكراد تركيا اللاجئين إلى كردستان العراق. وإيران الإسلامية متحالفة مع سورية العلمانية التي تحارب الإسلاميين. والإسلاميون يؤيدون التدخل الغربي في بلادهم (ليبيا بالأمس وسورية اليوم)، والليبراليون يساندون الإسلاميين، وثمة شيوعيون باتوا في الخانة الأميركية أيضاً.

في معمعان هذه الغرائب التي تجري أمام أعيننا والتي تفصح، أيما إفصاح، عما هو فصيح جداً، وهو أن الأنظمة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية لا تحترم حقوق الإنسان، ولا هي في طريقها لاحترام هذه الحقوق، وليس فيها أي طراز من الديمقراطية على الإطلاق، نتساءل عن الغاية، إذاً، من دعم النظم العربية غير الديمقراطية للفئات التي حركت الثورة على نظمها السياسية باسم الحرية والكرامة الديمقراطية، وهي شعارات صحيحة وضرورية ولا بد منها في نهاية المطاف؟

ليست الغاية هي الديمقراطية، ولا حقوق الإنسان، ولا الشفافية، ولا حقوق الأقليات أو حقوق المرأة أو مكافحة الفساد، بل الهيمنة الإقليمية والثروة. وفي هذا السبيل لا بد من إزالة العوائق التي تقف أمام توسع الاستثمارات، ولا سيما في قطاع الغاز والنفط، أو تقف حجر عثرة أمام تمددها. وفي هذا الميدان لم يلتفت أحد إلى خط نقل الغاز من إيلات عند خليج العقبة، إلى عسقلان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. فهذا الخط سينقل الغاز القطري والسعودي إلى أوروبا عبر إسرائيل. وجاء هذا التطور بعد رفض سورية مد أنابيب الغاز والبترول في أراضيها لنقل هاتين السلعتين الإستراتيجيتين إلى أوروبا. وكانت السعودية وقطر قدمتا طلباً في هذا الشأن في تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، ولم تمضِ بضعة أسابيع حتى اندلعت أولى التظاهرات في دمشق (تظاهرة الحريقة) بتحريض من أحمد معاذ الخطيب، وهو أحد خطباء مسجد بني أمية، وكان موظفاً في شركة نفط الفرات التابعة لشركة "شل" البريطانية ـ الهولندية المشتركة، بعدما رفضت سورية مد تلك الأنابيب في أراضيها بناء على طلب روسي وإيراني أيضاً، لأن من شأن هذه الأنابيب أن توجه ضربة كبرى لخطوط جر الغاز والنفط من سيبيريا إلى أوروبا، ومن الحقول الإيرانية إلى تركيا.

إذاً، صارت دول النفط العربية جزءاً من أمن الخليج الذي صار مدوّلاً منذ سنة 1991 على الأقل حين نزلت "قوات التحالف الدولي" في الأراضي السعودية لمحاربة القوات العراقية التي اجتاحت الكويت في آب (أغسطس) 1990. بل إن الاعتبار الوحيد هو أمن النظام. لهذا كانت علاقات هذه الدول بالولايات المتحدة الأميركية، ولا سيما الدول العربية النفطية، علاقة قوية طلباً لحمايتها وحماية ثرواتها النفطية والمالية. لذلك لم يكن غريباً أن يقترح الرئيس باراك أوباما أمام مؤتمر "إيباك" في آذار (مارس) 2013، تأسيس تحالف أمني إقليمي يضم مصر والسعودية وإسرائيل ودول الخليج واليمن والأردن لمواجهة المخاطر التالية: الإرهاب الإسلامي وإيران والصواريخ بعيدة المدى(1). وما دامت قضية فلسطين، في إطار هذا التحالف، ما عادت قضية العرب الأولى، فهذا يعني أن إسرائيل ما عادت مشكلة العرب الأولى، وما عادت عدواً لبعض العرب. وقد كشفت وقائع الأحوال في سورية أن ما يسمى "الثورة" بصورتها العفوية والشعبية قد انتهت، وتحولت سورية إلى حلبة صراعٍ إقليمي ودولي على النفط والغاز وخطوط الجر، وعلى تنظيم أفضل وضع يتحقق فيه أمن إسرائيل، وعلى تحطيم الرباط الوثيق للمصالح المشتركة السورية – الإيرانية. وهكذا قضت "الحرب الأهلية" على "الثورة" في سورية. أما المعركة على سورية الدائرة اليوم، فهي، فوق ذلك، معركة على العراق ولبنان، لأن الاستيلاء على سورية يعني إعطاء فئات مذهبية في العراق ولبنان (السُنّة بحسب التفكير السعودي – الأميركي) حظاً قوياً في إمكان تعديل ميزان القوى الداخلي لمصلحتهم، وضد الشيعة في الوقت نفسه.

إن سقوط سورية في أيدي الإسلاميين الذين تحركهم السعودية والولايات المتحدة وتركيا وبريطانيا، سيتبعه فوراً سقوط الأردن في أيديهم، وهذا مدخل لتنفيذ فكرة "الوطن الفلسطيني البديل" في خضم هذه الفوضى التي تلف العالم العربي بأسره خلافاً للدعاية الأميركية التقليدية التي كانت تشدد على فكرتين هما: الاستقرار والديمقراطية. وها هو التدخل الأميركي في العراق جلب معه الطائفية لا الديمقراطية. والتدخل الأميركي في أفغانستان جلب معه الفوضى لا الاستقرار. وفي اليمن غادر علي عبد الله صالح، السلطة، لكنه لم ينزل عن المسرح، وها هي رياح الحرب الداخلية تتجمع. وفي تونس، لم تُسحق القوى المهزومة تماماً، بل إنها تعيد تجميع قواتها في ظروف جديدة لتقاتل من جديد. ومصر غارقة في فوضى أمنية لا مخرج منها. ولعل هذا هو بالضبط ما يريده الأميركيون؛ فقد كان الصراع في المجتمعات العربية يدور، على المستوى السياسي، بين المعارضة والسلطة على قضايا الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية وقضية فلسطين؛وعلى المستوى الفكري، كان يدور بين التيارات العلمانية (القومية واليسارية) والإسلامية، غير أن الصراع المقبل، كما توحي به مآلات الحوادث، ربما يتخذ طابع صراع المجموعات الإسلامية في ما بينها؛ بين الإخوان المسلمين والسلفيين على سبيل المثال، وهذا من شأنه أن يفتت المجتمع وروابطه، لأن الدكتاتورية الدينية هي، في نهاية المطاف، أخطر بكثير من الدكتاتوريات العسكرية؛ فهذه الدكتاتوريات لا تفعل شيئاً ضد المواطن ما دام لا ينازعها السلطة، بينما الدكتاتوريات الدينية مستعدة لنزع رأس المواطن عن جسده في ما لو كان رأسه يحتوي أفكاراً مخالفة لتفكيرها.

أولاً: الولايات المتحدة والتحولات العربية

في ما عدا أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، مارست الولايات المتحدة سياسة العزلة عن العالم، وعزفت عن الانضمام إلى عصبة الأمم في بداية تأسيسها. وربما كان هدف العزلة النسبية، بعد الحرب العالمية الأولى، هو منع أوروبا من أن يكون لها الشأن الفاعل في أميركا اللاتينية. لكن، بعد الحرب العالمية الثانية، بل في أثنائها، راحت الولايات المتحدة تتمدد عبر المحيطين الأطلسي والهادئ، وحاولت غداة انهيار الدول الاستعمارية القديمة، ملء الفراغ وإعادة تشكيل العالم بحسب رؤيتها، فأنشأت مشروع مارشال والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقات "برايتون وودز" التي انتهى مفعولها في سنة 1971. وفي سياق الهيمنة الكونية ظهر مبدأ ترومان في سنة 1947، الذي ينص على إنشاء دولة الأمن القومي وركائزها: وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي ووكالة الأمن القومي والاستخبارات (CIA)، وسلاح الجو وسلاح البحرية، ومئات المؤسسات الثقافية والاقتصادية في العالم التي تمولها الوكالات الأميركية المختلفة مثل "منظمة حرية الثقافة" التي اندثرت بعد انكشاف علاقتها المباشرة بالاستخبارات الأميركية، فضلاً عن عشرات "المنتديات" التي تعقد في عواصم العالم المختلفة لتسويق أفكار وخطط مثل: إدارة الأزمات، والتسامح، وحل النزاعات... وغيرها. وفي هذه المنتديات يجري التقاط كثيرين ممن يمكن استخدامهم في "إثارة المنازعات" لا في حلها. وعلى سبيل المثال، عُقد في فندق "ريتز" في الدوحة "منتدى المستقبل" في شباط (فبراير) 2006، حضره الرئيس الأميركي بيل كلينتون وكوندوليزا رايس. وكانت خلاصة المنتدى أن الأوان قد حان ليسير العالم العربي في طريق التغيير الديمقراطي، والمطلوب هو تحفيز القوى الاجتماعية على التحرك نحو هذه الغاية. وتوزعت الأدوار بين القطريين والأميركيين، فتولى القطريون الاتصال بالإسلاميين، فيما تولى الأميركيون الاتصال بالشبان الناشطين وبالمجموعات المدنية الليبرالية وبمنظمات المجتمع المدني. وتم تأسيس مشروعين في هذا السياق: "مشروع النهضة" برئاسة جاسم السلطان (وهو إخواني قطري)، و"أكاديمية التغيير" برئاسة هشام مرسي (زوج ابنة يوسف القرضاوي). وفي هذه الأكاديمية يتم تدريب الشبان العرب على التغيير باستخدام وسائل حديثة كشبكات التواصل الاجتماعي والتظاهر السلمي وإدارة الاحتجاجات (2).

في 21/1/2010 نشر "معهد السلام الأميركي" (USIP)، وثيقة بعنوان "تعزيز الأمن والديمقراطية ودعمهما في الشرق الأوسط". وقد أوصت هذه الوثيقة بتقويض النظم العربية في سياق عملية سياسية ذات شقين: التحرر السياسي والإستراتيجي، والتحول الديمقراطي التدريجي. وقد تولى هذا المعهد تدريب آلاف العرب على استراتيجيات الكفاح غير المسلح وتكتيكات اللاعنف في دورات عُقدت في صربيا وإنكلترا والنمسا وبيروت واسطنبول وجورجيا وقطر، مستلهماً أفكار جين شارب عن اللاعنف، وتجربة منظمة "أوتبور". ومن بين الذين تلقوا هذه التدريبات أحمد ماهر، أحد قادة منظمة "6 إبريل" المصرية، وسليم عمامو الناشط البارز في مجموعة "أنونيموس" التونسية، واليمنية توكل كرمان التي فازت بجائزة نوبل للسلام. والمعروف أن منظمة "أوتبور" الصربية أسسها في تشرين الأول (أكتوبر) 1988، سرجيو بوبوفيتش، الذي قاد عملية إسقاط نظام ميلوسوفيتش، وأسس رديفاً آخر لها هو "معهد كانفاس" للتدريب على النضال السلمي الذي درّب عشرات السوريين في كوسوفو. وظهر في جورجيا، على غرار "أوتبور"، تيار "كمارا"، أي "كفاية"؛ ومنظمة "تكريز" التونسية، وكانت كلها تنفذ الطريقة الأميركية في إسقاط النظم، أي الضغط من الأسفل من خلال منظمات المجتمع المدني، وإثارة الرأي العام للاحتجاج على قمع الحريات واعتقال الناشطين، وترويج الشائعات، والضغط من الأعلى من خلال الجيش.

نجحت هذه الأفكار، بالتراكم التدريجي، في خلق ثقافة جديدة في العالم العربي. وهذا "الإنجيل الأميركي الجديد" الذي راح يعتنقه المثقفون العرب أفواجاً أفواجاً كان من بين آياته البينات أن "السيطرة الأميركية" صارت تحريراً من الطغيان، وأن الولايات المتحدة الأميركية تحمل معها مشروعاً للديمقراطية والتقدم، وأن السيطرة الأميركية أفضل من الدكتاتوريات العربية لأن الشعوب العربية غير قادرة على خلع المستبدين ولا مناص من التعاون مع أميركا؛ فالسيطرة الأميركية تفتح نوافذ للحرية، بينما الاستبداد أغلق جميع المنافذ. وتجلت هذه الأفكار في سيل من المقالات والدراسات التي غزت الصحف العربية وغمرتها بمصطلحاتها الناعمة التي عملت على تسخيف فكرة العروبة، وفكرة التحرر الوطني ولا سيما في فلسطين.

كانت العروبة قوة دمج في المجتمعات العربية المتعددة طائفياً مثل سورية والعراق، وكانت قوة سياسية في مصر عبد الناصر تهدف إلى توحيد العالم العربي ولو في الحد الأدنى، وإلى تأسيس نظام عربي للأمن الإقليمي، وهذا ما كان يخيف الدول الاستعمارية التقليدية (بريطانيا وفرنسا) والحديثة (أميركا). لذلك سعت هذه الدول بشكل دؤوب إلى نفي الهوية العربية عن بلادنا، وشاركتها في هذا المسعى جماعات إثنية عدة، وحاولت بعض القوى الكردية نزع كلمة "العربية" من اسم "الجمهورية العربية السورية". وفي هذا الميدان عُقد اجتماع في وزارة الخارجية الأميركية بين وفد كردي برئاسة شيركوه عباس (رئيس الجمعية الوطنية الكردية في سورية وكل من روبرت فورد (سفير أميركا في سورية)، وفريدريك هوف (شريك ريتشارد أرميتاج المنسق الخاص للشؤون السورية في وزارة الخارجية الأميركية)، والتقى الوفد، بعد ذلك، جيفري فيلتمان (مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط)، وطالب بتقسيم سورية، وإنشاء منطقة حكم ذاتي كردي في شمال سورية تنضم لاحقاً إلى كردستان العراق(3).

قصارى القول إن معظم العرب وقفوا إلى جانب أميركا ضد الاتحاد السوفياتي طوال حقبة الحرب الباردة، وحاربوا معها في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي (السعودية والقاعدة)، وحاربوا الشيوعية في البلدان العربية كرمى لعيني أميركا، ومولوا عمليات الاستخبارات الأميركية في نيكاراغوا وغيرها (عملية الكونترا التي مولتها السعودية)، وسهلوا لها ضرب العراق وابتلاع ليبيا، وأمّنوا لها دائماً البترول، واشتروا منها السلاح لا للدفاع عن حدود بلادهم الجغرافية، بل لتشغيل مصانع السلاح وتمويل الميزانيات، واعترفوا بإسرائيل وأعلنوا أنهم لن يحاربوها، وأقاموا علاقات مكشوفة وسرية بها، ومع ذلك فلم تقدم الولايات المتحدة أي شيء للعرب في فلسطين لقاء ذلك. وها هو باراك أوباما في زيارته إلى إسرائيل وفلسطين والأردن في 20/3/2013، يبيع الفلسطينيين الجوز الفارغ.

ثانياً: الجماعات الإسلامية والغرب

سيطرت "نظرية دالاس" على السياسة الخارجية الأميركية طوال المرحلة الأولى من حقبة الحرب الباردة. ويبدو أن عقابيلها ما برحت موجودة حتى اليوم، لتدل على آثارها الباقية. وتقوم نظرية دالاس على فكرة تبنّي الأديان لمواجهة الشيوعية. وفي ضوء هذا التفكير دعمت الولايات المتحدة، إبان الحرب الباردة، الأصوليات الدينية المسيحية في بولونيا والمجر، ثم مقاتلي الشيشان... الخ. وما لم يفهمه دالاس، وربما مَن أتى بعده أيضاً، أن الأصوليات والسلفيات الإسلامية، بما في ذلك الوهابية السعودية، ليست عدوة للشيوعية فحسب، بل معادية للغرب أيضاً. وهذا ما برهنت عنه في ما بعد هجمات السلفيين الجهاديين كالقاعدة على الأميركيين في عقر دارهم (نيويورك)، وفي خارجها (كينيا واليمن).  وقد وجد الأميركيون في جماعة الإخوان المسلمين معيناً لهم في مواجهة تلك السلفيات والأصوليات. وبتأثير من روبرت مالي (وهو يهودي مصري)، وهو عضو في "مجموعة الأزمات الدولية" ودينيس روس (وهو يهودي أسترالي كان منسقاً للمفاوضات في الشرق الأوسط). دعمت الولايات المتحدة فكرة إعادة الاتصال بالإخوان المسلمين وبالجماعات الإسلامية الأخرى، وتوصلت إلى استنتاج يقول إن مجموعات الإسلام السياسي، في ما عدا السلفيين الجهاديين، يمكن أن ينضموا إلى المؤسسات السياسية في بلادهم، وأن احتواءهم في داخل السلطة ممكن بالفعل، وهو أفضل من إبقائهم خارجها. والاتصالات الأميركية بالإخوان المسلمين ليست حديثة في أي حال، فقد بدأت في خمسينات القرن العشرين بين جيفرسون كافري (السفير الأميركي في القاهرة آنذاك) وسعيد رمضان الذي زار الولايات المتحدة في سنة 1953، وزار البيت الأبيض والتقى الرئيس آيزنهاور، وخضع لبرنامج ثقافي ضد الشيوعية كانت تموله وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). وكان لحسن البنا نفسه، وهو مؤسس الجماعة، محادثات مسهبة مع السفارة الأميركية في القاهرة بعد الحرب العالمية الثانية بحجة محاربة الشيوعية (4) . وفي السياق ذاته، تعاون الإسلاميون كلهم مع الولايات المتحدة في أثناء ما سُمي "الجهاد الأفغاني"، واخترقت المخابرات الباكستانية والأميركية والسعودية والإيرانية والصينية جميع فصائل "المجاهدين"، وكان عبد الله عزام، يدافع دائماً عن الموقف الأميركي، حتى اتهمه أسامة بن لادن وأيمن الظواهري بأنه عميل لوكالة المخابرات (CIA). وانفض الجميع عنه بعدما رفضوا الصلاة خلفه، وجرى عزله إلى حين اغتياله. واستخدم الأميركيون الشيخ يوسف القرضاوي، فأفتى بجواز القتال إلى جانب الأميركيين في أفغانستان، وبجواز الاستعانة بهم لإطاحة معمر القذافي(5).

كشف تقرير معهد هيودسون المقرب من البنتاغون في 15/8/2011، الذي وقّعه رئيس المعهد هيربرت لندن، أن الولايات المتحدة تسعى إلى وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في البلدان التي تشهد حركة احتجاجات واسعة، وأنها اتفقت مع الإخوان المسلمين في سورية على توفير الدعم التركي لتسهيل وصولهم إلى السلطة. وليس من المثير للغرابة أن الإسلاميين "المعادين للغرب" لم يتورعوا عن مناداة الحلف الأطلسي، بأعلى أصواتهم، كي يتدخل في ليبيا، وها هم ينادونه كي يتدخل في سورية. لعلهم يعتقدون أنهم قادرون على استخدام "الكفار" البعيدين لطرد الحكام الكفار القريبين. وهكذا صار التدخل الخارجي في شؤون الدول العربية أمراً مستساغاً بعدما ظلت فكرة الاستقلال عماد النظم السياسية التي ظهرت بعد الاستقلال في أربعينات القرن العشرين فصاعداً، والتي رسخها الرئيس جمال عبد الناصر في سياسته العامة وفي حركة عدم الانحياز إلى جانب الرئيس اليوغوسلافي تيتو، ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، فضلاً عن رئيس الوزراء الصيني شو إن لاي.

من سخرية الوقائع أن أحد أسباب معارضة الإسلاميين لحسني مبارك وزين العابدين بن علي هو أنهما كانا مواليَين للغرب، وللولايات المتحدة بصورة خاصة. واليوم يقدِّم الإسلاميون في مصر وتونس ولاءً فاقعاً للغرب في صفقة سياسية لم يجرؤ حتى مبارك وبن علي على إبرامها.

ثالثاً: أمن إسرائيل في القرن الحادي والعشرين

يوجز بنيامين ناتانياهو، في كلمة ألقاها أمام معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب في شباط (فبراير) 2003، التحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل في مطلع القرن الحادي والعشرين بثلاثة هي: السلاح النووي الإيراني؛ الصواريخ الذكية بعيدة المدى؛ الإرهاب وترسانات السلاح المتزايدة لدى العرب خصوصاً لدى حزب الله في لبنان. وعلى غراره شرح مدير معهد أبحاث الأمن القومي عاموس يادلين التهديدات المقلقة لإسرائيل فقال: في حال حققت إيران قفزة حاسمة في مشروعها النووي في جانبه العسكري، فسيترتب على ذلك اتخاذ قرار إسرائيلي – أميركي بتدمير هذا المشروع. وهذا القرار سيعني اندلاع القتال، في الوقت نفسه، ضد حزب الله وحلفائه الفلسطينيين لتدمير ترساناتهم من الأسلحة.

إن إسرائيل تراقب بلا ريب، ما يجري حولها في العالم العربي بدقة. والواضح أن الفوضى العربية كلما زادت وزاد التشقق معها، فإن الأمن القومي لإسرائيل يتعزز أكثر. وعاموس يادلين نفسه، الذي كان رئيساً للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) من سنة 2005 حتى سنة 2010، يقول إن "التحول الديمقراطي" في العالم العربي أمر إيجابي لإسرائيل، ولا سيما أن إسرائيل ما عادت لب المشكلة في الشرق الأوسط من وجهة نظر الأنظمة العربية، بل إن مشكلات الفقر والإرهاب والجماعات المنشقة وأمن الدول باتت هي المشكلات الرئيسة. ويضيف يادلين: "إن سقوط سورية سيعني تفكيك المحور الراديكالي الممتد من طهران إلى دمشق إلى حزب الله في لبنان فإلى غزة في فلسطين. وقد خرجت حماس من هذا المحور، وستكون خاتمة المطاف في دمشق. إن نظاماً سورياً لا يدعم حزب الله أو حماس سيكون فرصة عظيمة لإسرائيل. ولعل أكبر الفرص هي إطاحة الحكم في إيران لاحقاً".

إنه لأمر شديد الوضوح هو أن إسرائيل لا تخشى وصول الإسلاميين إلى الحكم في البلدان العربية المجاورة لها؛ فحتى التصلب الشكلي لحركة حماس هو أكثر مرونة من الاعتدال الظاهري لحركة فتح. وما تريده إسرائيل في هذه المرحلة، فوق حمايتها من المشروع النووي الإيراني (وهذا يعني تدميره) هو تعزيز استقلالها في مجال الطاقة، خصوصاً بعد الشروع في استخراج الغاز من المكامن البحرية أمام الشواطئ الفلسطينية. وإسرائيل، باقترابها من إنجاز خط نقل الغاز من إيلات على البحر الأحمر إلى عسقلان على البحر الأبيض المتوسط، ستحقق مجموعة من المزايا الإستراتيجية الفائقة الأهمية منها:

1- السيطرة على خط احتياط سيصبح بديلاً من قناة السويس وأنبوب "سومد" (Sumed) في أحوال ملائمة أو في أوضاع طارئة.

2- الاستعداد لأن تصبح إسرائيل محطة رئيسة لتصدير الغاز والنفط من الدول العربية إلى أوروبا.

3- إفقاد خطوط الجر الروسية من سيبيريا إلى أوروبا المزايا التفضيلية، وكذلك خطوط الجر الإيرانية إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.

4- الهيمنة على آبار النفط والغاز المحتملة في شرق المتوسط بالتعاون مع تركيا، وإعاقة لبنان وفلسطين وسورية عن  استغلال المكامن البحرية في شواطئها.

5- تحقيق الاستقلال المالي بعد ردح طويل من الاعتماد على المعونات الأميركية والألمانية والأوروبية.

6- إضفاء مزيد من الأهمية الإستراتيجية عليها.

رابعاً: فلسطين: الخلاصة المهيبة

لعل ما يثير الدهشة أحياناً أن تفاعلات "الربيع العربي" لم تصل إلى فلسطين إلا بصورة مجادلات سياسية وفكرية تعكس أهواء الناس أكثر مما تعكس تفكيراً جدياً في الاحتمالات الممكنة التي يمكن أن تتيحها التطورات العربية. ولم تتضح، حتى اليوم، الفضاءات الإستراتيجية الممكنة أمام الشعب الفلسطيني، لأن الواقع الراهن سديمي ومتسربل بالغموض وعدم اليقين. لهذا صارت السياسة العامة الفلسطينية، أَكانت سياسة السلطة أم سياسات الفصائل، سياسة انتظارية تترقب ما سينقشع عنه الوضع العربي. وهذا الموقف ناجم عن قرار إسرائيل إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه ما دام هذا الوضع لا يعيق الاستيطان ومصادرة الأرض وطرد الناس من ديارهم. ومن الصعب جداً على الفلسطينيين اليوم اختيار ما هو معروض عليهم، ولا سيما أن "الثورات العربية" لم تستقر على قوام محدد بعدُ، خصوصاً أن المعروض على الفلسطينيين ليس الاختيار بين حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة مثلاً، بل فرض "الدولة الموقتة" كعقد إذعان. والدولة الموقتة هي حل انتقالي طويل الأمد لا يتضمن الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، بل يتضمن انسحاب إسرائيل من بعض مناطق الضفة الغربية، وتمكين السلطة الفلسطينية من ممارسة صلاحياتها في جميع المناطق التي تنسحب إسرائيل منها، على أن تسري هدنة طويلة بين الطرفين، ويتم تأجيل قضايا الحل النهائي وترحيلها إلى المستقبل البعيد (القدس، اللاجئون، الحدود، السيادة، الأمن، المياه، الاستيطان... الخ). وبهذا المعنى فإن "الدولة الموقتة" هي حل إسرائيلي تماماً، وهي نابعة من تفكير المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها. وقد شرح إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، هذه المسألة أمام مؤتمر "إيباك" في واشنطن بالقول: "إن التوصل إلى سلام شامل مع الفلسطينيين أمر مستحيل. لذلك نقترح اتفاقاً موقتاً. وإذا لم ينجح هذا الاقتراح، فعلى إسرائيل اتخاذ خطوات من جانب واحد لمنع قيام دولة ثنائية القومية"، أي أن عليها رسم الحدود بطريقة تحقق لها ضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية(6).

ليست فكرة الدولة الواحدة الثنائية القومية أمراً ممكناً البتة، لكنها، في التفكير الفلسطيني، دعوة إلى التعبير عن قضية فلسطين وعن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بلغة حديثة، أي لغة المواطنة والمساواة والحرية والديمقراطية وعدم التمييز... الخ، وهنا بالذات تكمن جاذبيتها. وتبني الفلسطينيين لفكرة الدولة الواحدة، ديمقراطية علمانية أَكانت أم ثنائية القومية، يمثل اعترافاً فلسطينياً واضحاً بالجانب القومي للوجود اليهودي في فلسطين. وما دام الفلسطينيون يعترفون بهذا الوجود كوجود قومي بموجب منطوق الدولة الثنائية القومية، فإن من "حق" اليهود في إسرائيل، في هذه الحال، أن يختاروا الانفصال عن الفلسطينيين، وأن يصروا على دولة إسرائيلية يهودية تطبيقاً لشعار "حق تقرير المصير".

كان أول من عرض فكرة "الدولة الواحدة" هو خالد الحسن (أبو السعيد)، بحيث تتحول فلسطين التاريخية كلها إلى دولة واحدة للفلسطينيين واليهود معاً على قاعدة المواطنة والمساواة. وهذه الفكرة تحل فوراً مشكلة المستوطنات واللاجئين وحق العودة؛ فالمستوطنات تبقى في مكانها لأن من حق المواطن اليهودي في الدولة الواحدة أن يسكن أينما يشاء. وما دام حق العودة متاحاً لليهود، فسيكون متاحاً للفلسطينيين أيضاً؛ وهكذا يمكن حل مشكلة اللاجئين. أما القدس فهي عاصمة الدولة الواحدة.

أما الدولة الثنائية القومية، فكان أول مَن طوّرها الدكتور عزمي بشارة الذي عرض على الإسرائيليين فكرة الدولة الواحدة لجميع مواطنيها على قاعدة المواطنة المتساوية. أما في حال رفض المجتمع اليهودي هذا العرض (وقد رفضه فوراً)، فيجب، حينذاك، النضال في سبيل دولة واحدة ثنائية القومية بحيث تعترف الدولة الإسرائيلية بالفلسطينيين كمجموعة قومية لها الحق في تطوير هويتها ولغتها وثقافتها كيفما تريد، وأن تكون لها حقوق قومية وتمثيل سياسي بحسب وزنها، وأن تكون لها علاقاتها الخارجية الخاصة ولا سيما مع بقية الشعب الفلسطيني. غير أن فكرة الدولة الثنائية القومية لدى عزمي بشارة كانت خاصة بالأقلية العربية في داخل "دولة إسرائيل"، بينما كانت فكرة "الدولة الواحدة" لدى خالد الحسن تشمل فلسطين التاريخية كلها.

إن فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية تفترض أن إسرائيل ستُقدم على ضم الأراضي الفلسطينية بسكانها، وحل السلطة الفلسطينية. إن هذا الوضع يعني قيام دولة عنصرية على غرار جنوب أفريقيا، حيث المهاجرون يحكمون سكان البلاد الأصليين. حينذاك سيكون على الفلسطينيين النضال في سبيل اكتساب حقوق متساوية مع اليهود. وبهذا المعنى، فإن حل الدولة الواحدة أكثر عدالة من حل الدولتين، لكنه أكثر طوباوية؛ فما دام  ميزان القوى الراهن لا يتيح تحقيق حل الدولتين، فكيف سيتيح تحقيق حل الدولة الواحدة؟ إن حل الدولتين هو الخيار الواقعي والممكن حتى لو تحقق يوماً ما. ولمَ لا يتحقق؟ فها هو جنوب السودان صار دولة مستقلة.

باختصار شديد؟ يمكن إيجاز الخيارات المتاحة، ولو نظرياً، أمام الشعب الفلسطيني على النحو التالي:

1- حل الدولتين.

2- حل الدولة الواحدة.

3- الدولة الموقتة.

4- الخيار الأردني (الوطن البديل) والخيار المصري (عودة مصر إلى قطاع غزة).

5- بقاء الوضع على ما هو عليه.

إن حل الدولة الواحدة مستحيل. والدولة الموقتة من المحال قبول الفلسطينيين بها، والخيار الأردني (والمصري استطراداً) بما في ذلك الكونفدرالية مرفوضة فلسطينياً وأردنياً. أما حل الدولتين فقد قضت إسرائيل على مضمونه بالاستيطان الذي ازداد خلال سنة 2012 وحدها 250 في المئة، ولم تدعم الولايات المتحدة الأميركية جدياً هذا الحل، بل أهملت السعي إلى حل راسخ ومتين بين الفلسطينيين وإسرائيل نزولاً عند الرغبة الإسرائيلية. أما "الحل" الذي تسير إليه الأوضاع رغماً عن إرادة الفلسطينيين فهو الحل العنصري، أي أن أقلية مهاجرة تحكم الفلسطينيين المتناثرين في معازلهم، علماً أن هذه الأقلية اليهودية ما عادت أقلية لأنها طردت سكان البلاد الأصليين خارج البلاد، وتحولت أكثرية تفرض رؤيتها على الأقلية. والرؤية الإسرائيلية يمكن تفصيلها كالتالي:

1- إسرائيل دولة يهودية، وعلى الفلسطينيين والعرب الإعتراف بها كدولة يهودية.

2- حل مشكلة اللاجئين خارج حدود إسرائيل. 

3- الدولة الفلسطينية المقترحة يجب أن تكون منزوعة السلاح ولا سيادة لها على حدودها وأجوائها.

4- القدس موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل.

5- المستوطنات الأساسية جزء من دولة إسرائيل.

6- الحوض المقدس (الحرم القدسي وجواره)، تديره لجنة خماسية مؤلفة من إسرائيل والفلسطينيين والسعودية والأردن والولايات المتحدة الأميركية، ويمكن إضافة الفاتيكان عند الضرورة(7) .

هذه هي الرؤية الإسرائيلية للحل الذي سيُبنى عليه "السلام المقبل". بحسب التصور الإسرائيلي والواضح أن هناك بوناً شاسعاً جداً بين الرؤية الإسرائيلية والرؤية الفلسطينية، الأمر الذي يجعل المفاوضات بين الجانبين لا تصل إلى أي نتيجة؛ فما يعرضه الإسرائيليون لا يمكن أن يقبل به الفلسطينيون. وما يريده الفلسطينيون لا يمكن أن يمنحه الإسرائيليون لهم بالتفاوض إلا إذا تغير ميزان القوى لمصلحة الفلسطينيين.

هل يمكن أن تتغير موازين القوى حقاً؟ وأين تكمن مشكلة الفلسطينيين بعد 20 عاماً على اتفاق أوسلو، وبعد 18 عاماً من التفاوض المباشر والمر وعديم الجدوى؟ ربما كانت المشكلة أن منظمة التحرير بعد أوسلو جعلت التفاوض المباشر طريقاً وحيداً في سعيها إلى الدولة المستقلة، بينما طرحت الفصائل المقاتلة والمناوئة لاتفاق أوسلو (حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وآخرون)، المقاومة المسلحة أسلوباً وحيداً للوصول إلى الاستقلال الوطني. وبرهنت الوقائع عن بطلان هذا التقسيم؛ فالتفاوض والمقاومة عملية واحدة (Fight Fight,Talk Talk)، لكنها تحتاج إلى مرجعية واحدة تدير التفاوض والمقاومة معاً على الطريقة الفييتنامية. لكن المرجعية الفلسطينية انشطرت إلى اثنتين منذ صعود حركة حماس في أواخر ثمانينات القرن العشرين، وصار من المحال استثمار هذه المعادلة بصورة ناجحة، الأمر الذي جعل التضحيات الجبارة للشعب الفلسطيني ولا سيما في الانتفاضة الثانية سنة 2000 تتطاير هباء.

الصورة الراهنة في فلسطين تشير إلى أن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي مفتوح، والفلسطينيين ليسوا في طريقهم إلى حلول سياسية البتة، وليسوا قادرين اليوم على تحويل الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية إلى مشروع خاسر؛ والخسارة لا تتحقق فعلياً إلا باستخدام القوة. والقوة غير العنف، وهي تعني استخدام جميع الأوراق المتاحة: السياسية والقانونية والتظاهر والمقاطعة والعصيان المدني وتنظيم المناصرة الدولية واستخدام العنف المباشر حين يكون ذلك مجدياً. وفي هذا السياق لا بد من إعادة الاعتبار لبعض الأفكار البسيطة التي أهيل عليها ركام من الغبار الذي زحم الفضاء السياسي الفلسطيني وجعلها مهملة في زوايا النسيان. ومن هذه الأفكار البسيطة والبدهية، أن فلسطين قضية تحرر وطني في الأساس وليست خلافاً على الأرض مع الجيران. لذلك لا بد من تطوير برنامج سياسي للتحرر الوطني. ولا بد من ميثاق وطني جديد لمنظمة تحرير فلسطينية جديدة.

إن الخيار الوطني الفلسطيني في المرحلة الراهنة، وهي مرحلة سديمية حقاً، وانتظارية فعلاً حيث  الخيارات البعيدة المدى غير ممكنة في هذا الاضطراب العميم، هو السعي المشترك إلى ما يلي:

1- إعادة تكوين منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جديدة: ميثاق وطني جديد وبرنامج سياسي متفاعل مع الوقائع المستجدة، ومجلس وطني يعكس الإرادة الحرة للفلسطينيين بقدر الإمكان.

2- إعادة الاعتبار لقضية فلسطين كقضية تحرر وطني، لا كقضية خلاف بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل على قضايا الأمن والاستيطان وغيرها.

3- الخطاب السياسي الفلسطيني الجديد يجب أن يُدرج في ثناياه خطاب العدالة والقانون الدولي والشرعية الدولية وقراراتها، وليس خطاب الضحية، لأن خطاب الضحية والبطل قد برعت إسرائيل في استثماره حيث الضحية هي "الشعب اليهودي"، والبطل هو "الشعب اليهودي" أيضاً.

4- عدم التخلي عن خيار المقاومة المسلحة على الإطلاق، لأن أي حركة تحرر وطني لها الحق، بموجب قرارات الأمم المتحدة، في استخدام جميع الوسائل، بما في ذلك العنف، في سبيل الحرية والاستقلال. وحينما يتحقق الاستقلال يتوقف العنف.

5- إعادة النظر في تكوين السلطة الفلسطينية وهيكلها الإداري وصلاحيات مؤسساتها.

6- تطوير النضالات اليومية كالتظاهر والاعتصام والعصيان والمقاطعة والمناصرة الدولية، كي تتوسع وتصبح حركة شاملة في بقاع فلسطين المختلفة، وتنظيم صمود هذه التحركات اليومية.

7- تطوير سبل قوية لمواجهة الاستيطان والمستوطنين بما يمهد لتأسيس حركة مقاومة شاملة على أسس أكثر فاعلية وتأثيراً(8).

لعل في الإمكان إضافة نقاط كثيرة أخرى إلى هذه النقاط السبع، وما سردناه هنا إنما هو مجرد محاولة للتفكير والنقد واكتشاف مشكلاتنا وتطوير رؤية محددة إلى المستقبل، وهو مستقبل يكتنفه الغموض في أي حال.

 

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website