ياسر عبد ربه عدد 253 - 254

ضيف العدد

 

ضيف هذا العدد، ياسر عبد ربه، أمين سر اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف.، التقيناه، وكان هذا الحديث.

- يتساءل المواطن ما هي الدواعي التي دفعت بمنظمة التحرير لإعادة المفاوضات.

- لا بدّ من بعض البديهيات أو الأمور الأساسية في البداية. أنا أفضل الحديث عن عملية سياسية بدلاً من الحديث عن المفاوضات كشكل من أشكال العمل السياسي.

العملية السياسية لم تتوقف حتى في أسوء مراحلها. ظلّت هناك جهود ومحاولات من أطراف عديدة، ونحن كنّا شركاء فيها، من أجل الوصول إلى اتفاق على أسس للتسوية بكل جوانبها. دعوني أذكّر أنه في أشد مراحل الصراع، منذ أوسلو، خلال الانتفاضة الثانية، الجانب الأمريكي تقدّم بخطة خارطة الطريق. وكانت هناك لجنة دولية تحاول أن تضع ملامح للخروج من المأزق الحاد الذي كنّا فيه في تلك الفترة، والتي شهدت حصاراً مطولاً للرئيس عرفات وانتهت باستشهاده عملياً.

الآن نحن لا نستطيع أن نتحمّل مسؤولية تعطيل مسار العملية السياسية. هناك أطراف دولية، وأستطيع أن أقول إجماع عربي على هذا الأمر. ومن جانبنا، ومن حيث المبدأ، كنّا دائماً نحاول أن نجد أفضل الشروط لإطلاق عملية سياسية فيها حدّ أدنى من الجدية والمصداقية. في المقابل، يجب أن ننتهي من الخلاف حول مسألة جوهرية، وهي أنّ إسرائيل لا تريد حلاًّ سياسياً متكاملاً يغطي كلّ الجوانب المحددة بدءًا من إنهاء الاحتلال وحتى الحل العادل لقضية اللاجئين، مروراً بالقدس وبكلّ القضايا الأخرى ذات الصلة.

إسرائيل تريد حلولاً مجزوءة، حلولاً تسميها أحياناً انتقالية، لكي تحوّلها إلى حلول دائمة.

المنطقة المسمّاة "ج" كانت وفق الاتفاق هي صيغة انتقالية ولفترة محدودة للغاية، دون اعتبار أنها قد اقتُطعت من جسم الضفة الغربية. عند الإسرائيليين تحوّلت وكأنها أراضٍ أخرى لا صلة لها بالضفة الغربية، ليس فقط من الناحية الأمنية وإنما من كلّ النواحي بما فيها الاقتصادية والإدارية.

لهذا السبب ولأسباب أخرى، وهي أنّ تسارع وتيرة الاستيطان والتغيرات التي تجري على الأرض، جعلنا في سباق مع الزمن، فيما يتعلق بقضية التسوية السياسية. لأنه خلال فترة قد لا تتجاوز سنوات محدودة أمامنا، يمكن أن يصبح حلّ الدولتين أمراً غير واقعي وغير ممكن التطبيق، في ظلّ التمزيق الذي تشهده الضفة الغربية والقدس بفعل هذه النشاطات الاستيطانية.

محصلة هذا، كان لا بدّ من التعامل مع موضوع المفاوضات بطريقة مختلفة عمّا كنّا نتحدث عنه في السابق. ونحن الآن أمام موقف يجمع عليه كلّ الفرقاء، ربما باستثناء إسرائيل، بأن هذه قد تكون هي الفرصة الأخيرة المتاحة للوصول إلى تسوية على أساس حلّ الدولتين.

هذا لا يعني، كما يُشاع أو يجري الحديث عنه من قبل أطراف عديدة، بأنّ هناك رهاناً على المفاوضات، وأنّ هذه المفاوضات ستؤدي إلى تحقيق النتائج المطلوبة منها.

أستطيع أن أجزم أنه لا أحد، بالرغم من انخراطنا في العملية التفاوضية، يراهن على أنّ هذه المفاوضات تملك الفرصة بحدودها الدنيا في أن تحقق أياً من النتائج التي نتطلّع إليها. ولكن في العمل السياسي، أنت لا تستطيع أن تفرض أحكامك على الآخرين، أنت تسعى أحياناً كي تجعل الآخرين، عبر التجربة العملية، يقتنعون فعلياً بالرأي الذي تحمله. ولعلّنا نحن الآن في ظرف من هذا النوع. هذا أيضاً لا يعني أننا دخلنا في هذه العملية السياسية ونسعى إلى إفشالها. على العكس، نحن نريد أن نوفّر كلّ شروط وفرص النجاح لهذه العملية بدون أن نتخلى عن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.    

- شؤون فلسطينية: ما هو الجديد في تلك المفاوضات؟

- مرّت بضعة أشهر، حتى الآن من الصعب القول أنّ هناك أية بوادر جادة لإحداث اختراق في العملية السياسية. الموقف الإسرائيلي هو أسوء المواقف التي شهدناها بالقول وبالفعل، منذ انطلق مدريد أو أوسلو.

إسرائيل تريد أن تقتسم الضفة الغربية معنا. بحجج أمنية أحياناً أو بحجج الوجود الواقعي لكتل استيطانية، أو الجدار الذي أصبح من وجهة نظرهم أيضاً بمثابة ما يشبه خط الحدود تقريباً، مع ما يقتطعه خلفه من مساحات من الأرض تتجاوز 9 – 10% من مجموع الضفة الغربية، ما عدا القدس.

إذا كانت هذه هي الفرصة الأخيرة، فلا يستطيع أحد أن يجزم أيضاً أو أن يتوقع ماذا يمكن أن يأتي بعد تلك الفرصة الأخيرة. وإنما ما هو متعارف عليه، أننا سنكون في ساحة صراع مفتوح يطول أمده. هذا الصراع قد يأخذ أشكالاً مختلفة، وبالنسبة لنا في هذا الصراع، هناك عنوان واحد يصلح ما قبل المفاوضات وخلالها وما بعدها، حتى لو انهارت المفاوضات. وهذا العنوان قد يتلخص بكلمة وهي "الصمود" وتوفير شروط هذا الصمود على الأرض. والصمود بمختلف أشكاله.

لو أننا لم ندخل هذه العملية، سنجد الوضع على الشكل التالي: إسرائيل تستمر في الاستيطان، تتذرّع بأنها تمدّ يدها من أجل حلّ سياسي، العالم كله سيكون عنده موضوع واحد وهو أنّ على الفلسطينيين أن يتغلبوا على كلّ شكواهم وأحزانهم ومعاناتهم، وأن يأتوا إلى طاولة المفاوضات لامتحان إسرائيل ومدى جديتها في العملية السياسية. فكنّا نقيس وبكلّ صراحة، هل الابتعاد عن المفاوضات سوف يوقف النشاط الاستيطاني؟ هل سيشكّل هذا الابتعاد نقطة ضغط كافية لتحقيق هذا الهدف في الحد الأدنى؟ الحقيقة أثبتت أنّ ذلك غير قائم.

باختصار، في النهاية، هذا مسار نعرف أنه محفوف بمخاطر كثيرة، ونعرف أنه أحياناً قد يخدع قوى واسعة في العالم ويجعلها تعتمد فقط على ما يدور داخل المفاوضات، لتقييم الوضع بمجمله، وتعتبر أنّ كلّ ما يدور من استيطان وانتهاكات وأعمال قتل وتخريب، هي أمور طارئة وعابرة، والمهم هو الجلوس إلى الطاولة.

حصلنا على مقعد في الأمم المتحدة، ويمكن أن أقول أنّ العديد من الدول ما كان باستطاعتنا أن نحصل على تأييدها أو أن نصل إلى تصويتها إلى جانبنا، أوحتى امتناعها عن التصويت، لولا إبداء الاستعداد للدخول في العملية السياسية. فهناك ثمن يُدفع، وهذا الثمن هو ثمن إجباري لا نستطيع أن نهرب منه. وهناك بعض المكاسب بما فيها الحصول على تفهّم أوسع من المجتمع الدولي. الحصول على مواقع أفضل على الصعيد الدولي لصالح فلسطين ككيان وكدولة. وكذلك إمكانية التخاطب مع قوى داخل إسرائيل، بعضها قوى عقلانية، وتوصف بالاعتدال، ولكنها أيضاً وقعت في شرك نتنياهو الذي كان يكرّر الحديث عن استعداده للمفاوضات بدون شروط. فهذه هي المحصلة التي بموجبها كنّا مطالبين بأن نتعاطى مع المفاوضات في إطار التعاطي السياسي الأوسع الذي كنّا نريد الاحتفاظ به مع كلّ قوى الإقليم والقوى الدولية.

نقطة أخيرة أريد أن أشير إليها: العالم العربي والمنطقة بأسرها فُتحت فيها ملفات هائلة وكان من الممكن أن يصبح الملف الفلسطيني ملفاً ثانوياً. لا نستطيع إغفال هذا الأمر أو اعتباره وكأنه شأن طارئ وعابر. الصراع المفتوح في المنطقة وفي بلدان عديدة مرشح أن يطول أمده ومن أسوأ الخيارات بالنسبة لنا هي أن نأخذ موقفاً انتظارياً وموقف المتفرّج إلى حين أن ينجلي هذا الصراع أو أن يصل إلى نتائج. هذا صراع عميق ذو أبعاد اجتماعية وفكرية وحتى ثقافية. وبالتالي، إذا أردنا أن نستفيد من بعض الجوانب التي حصلت في عالمنا العربي اليوم، ذات الطابع الإيجابي مثلاً، التغيرات والتحولات التي جرت، وإذا أردنا أيضاً أن نتجنب تأثير الجوانب السلبية الضارة كنتيجة لهذا الصراع، فليس أمامنا إلا أن نعيد الحياة للعملية السياسية الفلسطينية – الإسرائيلية بالتوازي مع ما يدور في المنطقة.

- شؤون فلسطينية: على افتراض أنّ عملية المفاوضات الجارية انهارت، وعلى ضوء التطورات الإقليمية والدولية التي أشرت إليها، هل ترى أنّ هنالك إمكانية لعقد مؤتمر دولي؟

- أنا لا أعتقد أنه سيأتي يوم في الأمد القريب ويتم الإعلان فيه صراحة عن انهيار المفاوضات وتعطّلها. ربما يأتي يوم تدخل فيه المفاوضات في مأزق واضح للجميع، بمعنى استعصاء الوصول إلى حلّ وتسوية بسبب الموقف الإسرائيلي، هذا اسمه مأزق أو أزمة ولكنه ليس انهياراً تاماً للعملية السياسية.

أكثر ما أخشاه في تلك اللحظة أو حتى قبلها هما أمرين: الأمر الأول هو أن يقدّم الأمريكيون مشروع حلّ وسط. ومشروع الحلّ الوسط لن يكون على غرار خطة كلينتون، أو حتى التفاهمات التي تمت مع أولمرت، والتي تحدد بأنّ هناك دولتان وحدود الـ1967 معترف بها وتعديلات محدودة ومتبادلة على هذه الحدود، مع حلّ يجري التفاهم حوله لتحقيق أقصى ما يمكن من العدالة لقضية اللاجئين.

ما أخشاه أن تصبح عناصر الحل الوسط الأمريكي هي بين خطة كلينتون وبين الموقف الإسرائيلي. أي أنّ خطة كلينتون التي كانت تسوية بين الموقفين، تصبح وكأنها هي موقفنا الذي يجري التفاوض حوله للوصول إلى حلّ وسط بينه وبين الموقف الإسرائيلي الراهن. والمحصلة ستكون كارثية، لأن هذا، في الواقع، ما تريد أن تصل إليه إسرائيل.

عندما نشير نحن إلى مشروع أولمرت أو خطة كلينتون، نشير إليها باعتبارها الصيغة التي جاءت من جانب الأمريكيين للتوفيق بين الطرفين، وليس الصيغة التي نتبناها الآن كسقف لموقفنا.

الجانب الثاني الذي أخشاه هو أن يقترح طرف ما أن نصل إلى ما يسمى صيغة إعلان مبادئ، وهذا يعني إعادة إنتاج لكثير من الاتفاقات التي وُقّعت وجرى الاحتفال بالإعلان عنها في البيت الأبيض، وقد شاهدنا هذه الدراما أكثر من مرة في الماضي. إعلان المبادئ سوف يحتوي على تنازلات من قبلنا، وربما يحتوي على تنازلات أيضاً إسرائيلية في المقابل. ما سيحصل هو أنّ هذا الإعلان سيصبح مرجعية وقاعدة وأساساً لمفاوضات تفصيلية لاحقة حول كلّ بند من بنوده. إذا كان يتحدّث عن الحدود بخطوط رئيسية عامة سنكون مضطرين للتفاوض على تلك الحدود ورسمها بالتفصيل، كما الأمر بالنسبة للقدس وغيرها. فهذا يؤدي أولاً إلى تخفيض السقف الفلسطيني الذي كان يعتمد على الشرعية الدولية والقرارات ذات الصلة، ومن ناحية أخرى، يمكّن إسرائيل من أن تفعل ما فعلته في السابق، تأخذ ما هو ملائم لها في إعلان المبادئ أو أيّ إعلان سابق، وتقوم بتطبيقه على الأرض، وتمتنع أو تؤجل أو تقوم بتجزئة ما هو في صالحنا في إطار هذا الإعلان. أنا أخشى أن يكون هذان، واحد منهما أو كلاهما معاً، هما المخرج الذي يمكن أن تسعى له قوى دولية وخاصة الولايات المتحدة بالتفاهم مع إسرائيل في لحظة معينة، تحت ذريعة إنقاذ المفاوضات من الانهيار.

لا مجال الآن من وجهة نظري لإعلان مبادئ جديد، الذي يجب أن نسعى للوصول إليه في هذه المفاوضات هو اتفاق نهائي تفصيلي، بدون أن تؤجَّل أيّ قضية أو بدون أن تُعالَج أيّ قضية بأسلوب الغموض الذي كان يسمى أحياناً بنّاءً كما حصل في اتفاق أوسلو وفي العديد من الاتفاقات التي لحقت، وأن يشتمل هذا الاتفاق على جدول زمني مفصّل للتطبيق، وعلى ضمانات دولية لرعاية هذا التطبيق، لا تقتصر على توقيع الولايات المتحدة، كما حصل في الماضي، ولا حتى على الرباعية الدولية، بل على مصادقة مجلس الأمن الدولي وإشرافه المباشر على تنفيذ هذا المشروع. إذا لم نحصل على هذا، لن يفيدنا لا إعلان مبادئ ولا حلّ وسط مزعوم أمريكي، هو حلّ وسط بين المشروع الأمريكي والمشروع الإسرائيلي أكثر مما هو بين مشروعنا وبين المشروع الإسرائيلي.

أكبر النواقص في هذه المفاوضات هي أنّ مشاعر المجتمع السلبية أو غير المكترثة، هي الأمر الطاغي في علاقة هذا المجتمع مع هذه العملية، بالرغم من أنّ الكلّ يدرك أنّ هذه العملية سوف تقرر المصير الفلسطيني لأجيال مقبلة. ولهذا السبب نحن نجد اهتماماً واسعاً من قوى إقليمية ودولية بتفاصيل ما يجري، وحرص على متابعة هذا، أكثر مما نجده لدى المجتمع الفلسطيني بتشكيلاته المختلفة، سواء أحزابه أو قواه السياسية أو مؤسسات المجتمع المدني أو غيره. وربما صار من المطلوب الآن القيام بخطوة ما من أجل التداعي لعقد، ربما، لقاء وطني من فعاليات، من قوى، من ذوي خبرة، لإحاطة هذه العملية السياسية بأكبر قدر ممكن من الرقابة الاجتماعية. نحن لسوء حظنا لا يوجد لدينا مؤسسة رقابة تشريعية الآن، منذ الانقسام الذي حصل. وفي ظل غياب المؤسسة التشريعية، تغيب أيضاً أشكال من الرقابة المطلوبة، خصوصاً فيما يتعلق بالشأن الوطني الأساسي. حتى مؤسسات منظمة التحرير، أنا لا أستطيع أن أقول بأنّ المجلس المركزي، في وضعه الحالي، يمكن أن يصلح كأداة للرقابة، بالرغم من أنه لا ينبغي تجاهل دوره بالمطلق. ففي إطار منظمة التحرير، لا بدّ من إيجاد صيغة تستطيع أن تمارس هذه الرقابة من الداخل والخارج، والرقابة ليس بمفهومها السلبي فقط لتحديد الأخطاء وغيره، وإنما بمفهوم المشاركة الاجتماعية والوطنية الفلسطينية في إدارة هذه العملية.

 

 

 

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website