افتتاحية العدد 253 - 254 - المشرف العام

في الذكرى التاسعة لرحيل القائد الرمز

الرئيس ياسر عرفات

المشرف العام

مع صدور هذا العدد من مجلة "شؤون فلسطينية" يكون الشعب الفلسطيني على موعد مع ذكرى ومناسبة هامتين الأولى ذكرى استشهاد الرئيس ياسر عرفات، والثانية الذكرى السنوية للاستقلال الفلسطيني. فهذه الذكرى، عزيزة على قلوبنا، رغم الألم والحسرة والمرارة التي نشعر بها. إنها الذكرى السنوية لرحيل شيخ الشهداء، الرئيس الخالد، ياسر عرفات. ونحن نستمد من إحياء هذه الذكرى العزم والعزيمة على تجديد الانتماء لفلسطين، والولاء لـ م.ت.ف. والالتفاف حول خليفته، الرئيس محمود عباس (أبو مازن).

وموضوع ياسر عرفات هو في الواقع موضوع شخصي لكل منا، ونعني بذلك لكل فرد من أفراد الشعب الفلسطيني ولجميع محبي الحرية والعدالة والسلام الذين كان ياسر عرفات مؤمنا بهم ولا ينفك يذكرهم في أحاديثه وكتاباته وخطاباته، لأنهم يشكلون بالنسبة له درعا تضامنيا مع نضال الشعب الفلسطيني العادل وحماية له على المستوى الدولي.

من الصعب علي  أن أرثي ياسر عرفات، لأنه لا يزال حيا بالنسبة لي. لكن الواقع يقول إن الرئيس ياسر عرفات رحل عنا بجسده ولن يعود. وعلينا أن نتعايش مع هذا الواقع رغم مرارته وصعوبته وفانتازيته. وإحياء سنويته على المستوى الوطني تجدد ذكرى القائد وتعطي الأمل للمستقبل.

لن أرثي ياسر عرفات لأنني لن استطيع. لقد كان بالنسبة لنا، في حبنا له، أكبر من الموت. وكنا دائما نتمنى أن نستشهد في حياته في إحدى معارك البطولة والفداء. التي خاضتها قوات الثورة الفلسطينية، قوات منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، ودفاعا عن شعبنا الفلسطيني، وعن حريته، وعن حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف ودفاعا عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل.

هو الذي علمنا أننا كلنا مشاريع شهادة. وكنا نتمنى دائما أن يتقبل هو العزاء بنا لقد كنا على ثقة أنه مادام هذا الطود الشامخ على رأس مسيرة شعبنا الفلسطيني. كان الأب الفاضل الذي سيهتم بأبنائنا وبأطفالنا من بعدنا. وهو الذي لن يغمض له جفن حتى يتمكن من تحرير آخر سجين لنا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهو الذي سيرعى جراح جرحانا البواسل، وينحني على تلك الجراح ليقبلها، وهو الذي سيمسح دموع أمهاتنا ونسائنا وأبنائنا. فله الصدر الحنون، والقلب الرؤوم واليد الطولى بالخير والدعم والإسناد والمساعدة.

كتبت المقالات الكثيرة في الرئيس ياسر عرفات. وصدرت دراسات وكتب عديدة. وقد تناولت بالتحليل حياته ومسيرته وإنجازاته واخفاقاته، من هذه الكتابات ما كان يستدر الدموع، ومنها ما كان واقعيا ومنها ما كان مغرضا، ومنها ما كان منصفا، ولكنها في مجملها لم تتحدث عن الإنسان في الإنسان ياسر عرفات.

لم تتحدث هذه الكتابات عن تلك اللمسة الإنسانية الحنونة التي تخفف الأوجاع وتمسح الألم، وتبدد التعب، وتعطي دفعة قوية إلى الأمام. هي تلك اللمسة التي تجعل من الإنسان إنسانا. وهي الصفة التي جعلت ياسر عرفات يسمو فوق الجميع لأن هذه الصفة هي التي جعلت منه بطلا وزعيما وقائدا وأبا وأخا للجميع مهما اختلفوا معه.

***

استطاع الرئيس ياسر عرفات بنضاله هو واخوانه، بالتفاف جماهير الثورة الفلسطينية من تحويل  الفلسطينيين من شعب لاجئ إلى شعب مقاتل ومناضل. وهو بذلك يعزز مواقعه في صفحة التاريخ، ليبرز كقائد وحيد للشعب الفلسطسني ولثواره. واستطاع الرئيس ياسر عرفات إعادة الشعب الفلسطيني إلى الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، بعد أن غيبه الاحتلال الإسرائيلي للجزء الأول من فلسطين عام 1948 والنكبة، عن أرضه ووطنه. وكان لهذا التلازم ضرورياته بين التحول الأول إلى شعب مقاتل وعودة هذا الشعب إلى الخارطة السياسية.

وقد ناضل ياسر عرفات عمره كله من أجل الدفاع عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل والذي كاد بسببه أن يعصف الخصوم بمنظمة التحرير الفلسطينية، عام 1984، كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. ومؤامرة الانقسام لم يكن مرورها سهلا بسبب التفاف الشعب الفلسطيني حول ممثله الشرعي الوحيد. وانتصر القرار الوطني الفلسطيني رغم سقوط الآلاف من الشهداء، والجرحى والأسرى في سجون إسرائيل وبعض الدول العربية.

واستطاع الرئيس ياسر عرفات بديبلوماسيته المرنة ونشاطه السياسي، وتأييد الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، من فتح العواصم المغلقة أمامه. فانتقل بالجمعية العامة للأمم المتحدة كلها من نيويورك إلى جنيف بسبب عنجهية وعدم تعاون الإدارة الأمريكية وقتئذ. فكان نصرا سياسيا وديبلوماسيا لياسر عرفات، كما للشعب الفلسطيني ومنظمته.

وتوالى تسجيل ياسر عرفات للنقاط على الساحة السياسية والديبلوماسية، إلى أن استطاع تسجيل هدف النصر على غلاة المتطرفين الإسرائيليين بالذهاب إلى أوسلو وواشنطن العاصمة لتوقيع اتفاق أوسلو الذي حصل بموجبه ياسر عرفات ومحمود عباس ويتسحاق رابين وشمعون بيرس على جائزة نوبل للسلام. وقد كانت أهم نقطتين في هذا الاتفاق هما الاعتراف بوحدة الأراضي الفلسطينية من قبل إسرائيل وبالتالي ضرورة الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967. أما النقطة الثانية فكانت اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني.

وأتى بعد ذلك النصر الأكبر لياسر عرفات وهو العودة، ومعه أكثر من مئة ألف مواطن، إلى أرض الوطن أرض الأحلام، أرض المقدسات، أرض الزيت والزيتون واللوز والتين والصبار.

لقد كان ياسر عرفات مصري الهوى كما كان يقول دائما وأبدا. وتحدى بذلك الجبال والوديان وما شابههما.

لعل استشهاد أبو عمار في الفترة نفسها التي يقع فيها إعلان الاستقلال، أي إعلان قيام دولة فلسطين في المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر العاصمة في 15/11/1988 له دلالاته ورمزيته ويشكل أكبر دليل على أن المناسبتين متلاصقتان لا يفصلهما فاصل ومرتبطتان بما سيلحقهما من اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة غير عضو مراقب فيها.

فسلام على الشهداء وسلام إلى الشهداء وسلام إلى الشهيد الخالد ياسر عرفات.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website