شفيق الحوت - الربان العنيد في رحلة التيه الفلسطينية -صقر ابو فخر- عدد 252

شفيق الحوت

الربان العنيد في رحلة التيه الفلسطينية

[*]صقر أبو فخر

في2/8/2009 هوى ذلك الذي كان كزهر الصبار رقة، وكأشواك الصبر إيلاماً، وهدأت جلبة هذه السنديانة الدهرية والشامخة والمتعالية، وانطفأت رعشة أوراقها الناعمة والمسننة معاً. هكذا مضى شفيق الحوت باسماً ومترعاً بالأمل والحلم، بعدما أمضى أيامه الصاخبة حاداً كالعوسج البري، ورقراقاً كمياه الينابيع، وغضوباً إذا اقتربت ويلات الزمان من فلسطين وقضيتها.

عاش شفيق الحوت في هذه الدنيا رباناً عنيداً في مقارعة أمواج التقلب ولجج الهزائم وهاويات الانهزام، وأمضى أيامه كما أراد ورغب حقاً؛ فقد كان يبادر دنياه بما ملكت يداه: القلم والقرطاس والقوس والتحدي. وشفيق الحوت لم يكن مجرد مناضل من طراز المناضلين المتسربلين دائماً بالعبوس "الثوري" الذين أورثونا العياء والسقم، بل كان طرازاً نضراً للفلسطيني المكافح الذي يستقبل الحياة بما يليق بها، كما يستقبل الموت وأسئلته الصعبة كما تقتضي الحال.

رحل شفيق الحوت بعدما ظل وجهه، حتى آخر شهقة، ضحوكاً وثغره باسماً. كان طرازاً نادراً قلما نعثر عليه في حياتنا التي منحها شفيق الحوت، في حضوره الغامر، ذخيرة من المحبة لا تُنسى أبداً. وسيرة شفيق الحوت ليست مجرد سيرة لإنسان فلسطيني واجه أقداره بعناد ونبل وشغف، فلمع اسمه كواحد من أبرز المناضلين في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بل إنها سيرة فلسطين نفسها، وسيرة الألم وسيرة القلب وسيرة الشرايين المسدودة، وسيرة الحنين إلى يافا التي ولد فيها في 13/1/1932 وغادرها في 23/4/1948 على ظهر السفينة اليونانية "دولوريس"، وخلّف في ثراها شقيقه جمال الذي استشهد مدافعاً عنها في 2/4/1948.

من يافا إلى بيروت

لم تغب يافا عن عينيه يوماً، وكأن السنوات التي فاقت الستين من الغياب القسري لم تبدّله قط، فهو ما برح ذلك الفتى الذي كان يلهو بين "شارع العالم" في حي المنشية وشارع حسن بك، و"يتعفرت" عند تلة بيدس، ويتجول بين ساحة الساعة وحي ارشيد، ويمر بالقرب من فرن خلف، وربما تسلل إلى مقهى الانشراح أو مقهى المدفع، أو إلى العجمي ليأكل الفول في مطعم فتح الله، والحلويات عند حمودة أو الشامي، أو ينعطف ليشرب القهوة في مقهى داود، ويتمشى في حي النزهة، أو يختلف إلى سينما الحمراء وسينما فاروق وسينما نبيل وسينما الرشيد، ويتلصص على ملهى البوسطة وملهى الظريفية وعلى صورة المطربة السورية سهام رفقي التي اشتهرت أغنيتها "يا أم العباية" أيما شهرة.

أكثر من ستين عاماً وكان لا يزال يتذكر رقم صندوق بريده (416)، ورقم جواز سفره (212023) الذي صادره ضابط إسرائيلي من منزله في بيروت سنة 1982؛ بيروت التي لجأ إليها (أو عاد إليها) ليقاسي المرارات والخيبات وآلام السجن والتهديد بالإبعاد مع أنه من أصول بيروتية عريقة، هذه المدينة التي منحته كثيراً من فضائلها، ومنعت عنه كثيراً من نِعَمها، لكنه ظل يجاهد، بقوة، حتى تمكن من استرجاع الجنسية اللبنانية في 25/8/1955. ومن غرائب المصادفات أن المؤرخ المعروف عجاج نويهض وهو والد الدكتورة بيان نويهض زوجة شفيق الحوت توفي في لبنان في سنة 1982 ولم يتمكن من استرجاع جنسيته اللبنانية. ومع أن هذه الجنسية لم تسعف شفيق الحوت بأي مكسب، إلا أنها وَقَتْهُ آلام الإبعاد والنفي (1).

في بيروت اشتغل في معمل للصابون، وسرعان ما أفلس المعمل، فعمل في مدينة الملاهي في محلة الروشة. وفيما بعد راح يتكسب من كتابة الأوراق الجامعية للطلاب الكسالى. ثم عمل في التدريس في ثانوية المقاصد وكان من طلابه الرئيس (فيما بعد) نبيه بري. ولعل أكثر المنعطفات تأثيراً في حياة شفيق الحوت، بعد مأساة النكبة، هي الصحافة، وبالتحديد مجلة "الحوادث" التي عرّفه إلى صاحبها سليم اللوزي صديقه صبحي أبو لغد، وهو من يافا أيضاً. وسليم اللوزي نفسه عاش شطراً من حياته في يافا. وفي "الحوادث" بدأت رحلته الجديدة مع السياسة ومع الناصرية والحياة المفعمة بالصخب والعمل والاندفاع إلى المستقبل، فكان يحار أين يسهر: مع محمد عبد الوهاب وأم كلثوم في بارك أوتيل شتورا، أو مع خالد العظم وناظم القدسي في غراند أوتيل صوفر، أو يتجادل مع ميشال عفلق وصلاح البيطار في فندق بلازا في بيروت، أم ينادم كمال ناصر وعبد المحسن أبو ميزر وجبران مجدلاني وفؤاد الركابي وطالب شبيب في مطعم فيصل. وفي معمعان هذه الحياة المترعة بالقلق والأمل كان يناضل في سبيل عودته إلى يافا، فأسس مع نفر من رفاقه "جبهة التحرير الفلسطينية ـ طريق العودة"، وساهم في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964. وفي 1/10/1964 كلفته اللجنة التنفيذية للمنظمة تمثيلها في بيروت، فاستقال من مجلة "الحوادث"، وبدأ عهد جديد في مسيرته السياسية التي تعرض فيها للاغتيال غير مرة، وأورثته انسداد الشرايين، ومنحته، في الوقت نفسه، تجربة ثرية قلما أُتيحت لأقرانه من رواد الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

عاش ليروي: بشير الجميل ومجزرة الكحالة

كثيراً ما خلط الباحثون "جبهة التحرير الفلسطينية" التي أسسها شفيق الحوت مع مجموعة من رفاقه في بيروت سنة 1963 بـِ"جبهة التحرير الفلسطينية" التي أسسها أحمد جبريل في دمشق سنة 1966، وبـِ"جبهة التحرير الوطني الفلسطينية" (ج.ت.ف.) التي أسسها أحمد السعدي في تلك الفترة. أما شفيق الحوت فيميط اللثام عن التاريخ الحقيقي لهذه الجبهة التي كان من أركانها خالد اليشرطي وعبد المحسن أبو ميزر (بعثيان) ونقولا الدر وسميرة عزام وإبراهيم أبو لغد ورجائي بصيلة وبهاء أبو لبن وراجي صهيون وسعيد بركة وعبد القادر الضاهر وغيرهم، وكيف انضمت إليها مجموعة أحمد السعدي (ج.ت.ف.)، فتمكنت هذه الجماعة الجديدة من ترشيح أحمد السعدي وأحمد صدقي الدجاني إلى عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية اللذين انتخبا لهذا الموقع.

إن إحدى روايات التجربة الفلسطينية في لبنان التي جرى تشويهها بصورة متعمدة ومتمادية هي ما أشيع عن أن أحد الحواجز في منطقة تل الزعتر كان أوقف بشير الجميل واعتقله لساعات (في إشارة إلى التجاوزات الفلسطينية آنذاك)، وكانت حجة الفلسطينيين أنهم وجدوا في صندوق سيارة بشير الجميل جماجم ملوثة بالدماء وبقايا النخاعات ... الخ. ولم يكن يوجد أحد غير شفيق ليسرد الرواية الصحيحة كما وقعت بالفعل فيقول: نشطت إحدى العصابات اللبنانية في ترويج المخدرات، وكان أفرادها يستعملون زي الفدائيين للتمويه. وفي إحدى المرات تصدى لهذه العصابات جهاز الكفاح المسلح (أي الشرطة العسكرية) ووقع بينهما اشتباك قتل خلاله النقيب الفلسطيني سعيد غوّاش. وفي اليوم التالي (26/3/1970) تحركت مجموعة فدائية غير مسلحة من 14 شخصاً من بيروت لترافق جثمان الشهيد إلى دمشق حيث تقيم عائلته. وفي طريق العودة، وعند "كوع الكحالة" المشهور، انهمر الرصاص على الموكب من السطوح ومن برج الكنيسة، فقتل الفدائيون جميعهم. وفي تلك الأثناء كان الصحافي جورج فرشخ (من زغرتا وله عدد من الكتب والأفلام الوثائقية وكان يعمل آنذاك في تلفزيون لبنان) ماراً مصادفة بتلك المنطقة في طريقه إلى زحلة، فصّور الحادثة. وعند تحميض الفيلم ظهر بشير الجميل وهو يطلق النار من برج الكنيسة. فحمل جورج فرشخ الفيلم إلى شفيق الحوت الذي نقله إلى أبو عمار. وبعد التشاور مع كمال جنبلاط عض ياسر عرفات على جروحه، وسكت على الجريمة. وبعد بضعة أيام أوقف الفدائيون بشير الجميل عند أحد حواجزهم بعدما عثروا في صندوق سيارته على بعض القبعات الحمر وهي ملطخة بالدم وبقايا الأدمغة، وهذه القبعات هي ما كان يعتمرها أفراد الكفاح المسلح. ومع ذلك ونتيجة لرغبة كمال جنبلاط، وحتى لا تتطور الأمور إلى أبعد من ذلك، أُطلق سراح بشير الجميل من غير أن يُحاكم، وهذا ما حدث حقاً (2).

أتاحت الصحافة لشفيق الحوت أن يلتقي أعلاماً قلما يتكررون في هذه المنطقة العربية، وزودته بذخيرة معرفية لا تضاهى. ففي سنة 1958 في "الحوادث" أول حوار له مع كمال جنبلاط بعد أحداث سنة 1958. وفي هذا الحوار قال جنبلاط "إن على مَن يريد إحداث التغيير في لبنان، قبل أي شيء، أن يؤمَّن ظهره في سورية، إذ يستحيل أن تتفرج سورية على ما يحدث وكأنه لا يعنيها باعتباره شأناً داخلياً". وبعد تسعة عشر عاماً، غداة اغتيال كمال جنبلاط، تساءل شفيق الحوت: كيف سمح كمال جنبلاط لنفسه أن ينسى هذه المقولة؟

مهما يكن الأمر، فالصحافة أتاحت له أن يلتقي جمال عبد الناصر ست مرات، كانت الأولى في دمشق في سنة 1959، والثانية في أثناء شهر العسل في سنة 1962. ويروي أبو هادر أنه في إحدى الزيارات وصل مع محمد حسنين هيكل إلى منشية البكري قبل موعد اللقاء مع عبد الناصر، واقترح هيكل أن يتمشيا قليلاً في أحد شوارع المنشية حتى يحين الموعد. وفي ذلك الشارع استوقف هيكل فتى يركب دراجة هوائية وخلفه يجري طفلان أصغر منه. وقال هيكل لشفيق الحوت. عارف مين دول؟ دول ولاد عبد الناصر والكبير ده يبقى خالد. كانوا بلا حراسة ولا مرافقين ... يلعبون في الشارع أمام منزل والدهم مثل أبناء الناس. نعم مثل أبناء الناس لا مثل أبناء الآلهة. ومن نكد الدنيا في هذه الأيام المنحوسة أن كل لص اغتنى بطريقة غير مشروعة جعل لكل واحد من أولاده "المهضومين" مرافقين للمدرسة والمطعم والمسبح والنادي، علاوة على كلاب حراسة في الشارع الذي يقيم فيه مع زوجته الكاعب. ومن طرائف ما يرويه شفيق الحوت عن تلك المرحلة أن أحمد الشقيري حينما اشتد خلافه مع شفيق الحوت في سنة 1967، أصدر قراراً ينص على نقله من بيروت إلى مكتب نيودلهي. ولم يكن ثمة أي وجود لمكتب نيودلهي على الإطلاق في ذلك الحين.

حزام ياسر عرفات

كتب شفيق الحوت مذكراته على مراحل، فنشر ذكرياته، أول مرة، في كتابه المعروف "عشرون عاماً في منظمة التحرير الفلسطينية" في سنة 1986، وألحقها بسيرته الشاملة في سنة 2007 الموسومة بعنوان "بين الوطن والمنفى: من يافا بدأ المشوار". وفي المرتين كان بطل هذه السيرة هو ياسر عرفات، أو على الأقل شريكاً في البطولة. وهذا أمر بدهي، لأن ياسر عرفات هو أبو "الوطنية الفلسطينية" الجديدة، وصانع الحركة الوطنية المعاصرة، وصاحب المشروع السياسي الوحيد لتجسيد الوطنية الفلسطينية في دولة مستقلة. وكان خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة إحدى المحطات الفائقة الأهمية في المسيرة الفلسطينية المتعرجة. وحتى اليوم لم تنجلِ تماماً أسماء الذين صاغوا هذا الخطاب التاريخي، وما زال الالتباس يسربل بعضها. لكن شفيق الحوت يُفصح عن هذا الأمر بوضوح تام على النحو التالي: وضع مسودة هذا الخطاب نبيل شعث، وراجعتِ النص لجنة مؤلفة من وليد الخالدي وصلاح الدباغ ومحمود درويش وشفيق الحوت، وترجمه إلى الإنكليزية ادوارد سعيد ورندة الخالدي. ومن طرائف هذا الخطاب كما يرويها شفيق الحوت أن وليد الخالدي بعد أن أنهت اللجنة مراجعة النص والتدقيق في مفرداته وعباراته، التفت إلى ياسر عرفات وقال له: بقي أمر واحد يا أبو عمار لا يستطيع أحد منا إضافته إلى الخطاب إلا أنت. وراح أبو عمار يُقلِّب الأوراق بين يديه باحثاً عن نقص ما فلم يجد. فالتفت إلى وليد الخالدي قائلاً: عن شو عم تحكي يا وليد؟ فرد عليه الخالدي: عن لحيتك. هل تعدنا بأن تحلقها قبل أن تلقي الخطاب؟ واستعانوا بالنساء الموجودات في منزل صلاح الدباغ لاقناع ياسر عرفات بحلاقة ذقنه. ويضيف شفيق الحوت أنه ومحمود درويش حرّكوا له أواخر الكلمات بخط أحمر واضح. ومع ذلك لم يترك ياسر عرفات خطأ لغوياً إلا ارتكبه. وكان هناك جدال في شأن دخول ياسر عرفات إلى مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة ومسدسه في حزامه. وعندما سأل أحد الصحافيين شفيق الحوت هل كان جراب المسدس فارغاً أم أن المسدس كان فيه حقاً، أجاب: لقد احتككت بياسر عرفات أكثر من مرة ولا أذكر أنني لمستُ شيئاً صلباً تحت حزامه. ويروي شفيق الحوت أنه كان عائداً مع أبو عمار في سيارة واحدة من دمشق إلى بيروت، وكان معهما صلاح الدباغ، فسأله أبو هادر: لما لم تتزوج حتى الآن يا أبو عمار؟ فقال: ما في نصيب. فأجاب شفيق الحوت: وماذا يمنعك عن الزواج؟ فأجاب: إنتو مش شايفين الهم إللي أنا فيه. فقال له شفيق: ولو يا أبو عمار، الرسول تزوج وكانت دعوته سماوية. فضحك أبو عمار وقال: والله يمكن أن تكون قضيتنا أصعب من نشر الإسلام في الجاهلية، ثم ان الرسول كان معه صحابة مثل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أما أنا فعندي أبو إياد وأبو الهول وأبو السعيد وأبو الحسن.

"هذا هو اسمي"!

هاجر جدّه سليم يوسف الحوت من بيروت إلى فلسطين في أوائل تسعينات القرن التاسع عشر هرباً من الخدمة في الجيش التركي، وأقام في يافا حيث ولد "أبو هادر" في 13/1/1932، فنشأ هذا الفتى بالقرب من بساتينها في "أرض البرتقال الحزين". ولا ريب في أن الشخصية الساحرة التي تمتع بها شفيق الحوت اكتسبت حضورها الآسر من المؤثرات الأولى التي عصفت بهذا الفتى في "الثانوية العامرية". فمن بين أساتذته استشهد زكي الدرهلي في سنة 1947، واستشهد أيضاً شفيق أبو غربية، ثم استشهد شقيقه جمال قبل أن تقله الباخرة "دولوريس" إلى ميناء بيروت. وهذه الأحداث كلها زرعت في نفسه بذرة التمرد على الظلم، وخميرة النضال في سبيل العدالة. وفي بيروت التي رفضت سلطاتها، آنذاك، أن تعيد إليه جنسيته اللبنانية إلا بعد لأي وعذاب، شق طريقه إلى النضال الاجتماعي والقومي؛ فكان قريباً من الشيوعيين في الجامعة الأميركية الذين كان يقودهم منصور أرملي، وهو من شفاعمرو، واعتقل شفيق غير مرة، وحُكم، يا للغرابة، بالإبعاد عن لبنان وهو أرض أجداده. ثم أصبح ناصرياً بعد تأميم قناة السويس في سنة 1956، بل أحد أبرز المدافعين عن جمال عبد الناصر وسياساته القومية.

أسس في سنة 1963 مع بعض رفاقه "جبهة التحرير الفلسطينية ـ طريق العودة"، ثم ساهم في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1964، وكان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي عُقد في القدس، وأعلن في 28/5/1964 قيام منظمة التحرير. وفي تلك السنة، وبصفته السياسية، زار كوبا مع فريد جبران وفضلو أبو حيدر، وهناك التقى غيفارا. وعين كذلك ممثلاً لمنظمة التحرير في لبنان، فخسرته الصحافة وكسبه النضال الوطني والقومي. وفي هذا الميدان كان شفيق الحوت علماً قلَّ نظيره، ومناضلاً حاز محبة الجميع واحترامهم وتقديرهم، فانتخب في سنة 1966 عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة.

شارك شفيق الحوت في صوغ خطاب ياسر عرفات الذي ألقاه في الأمم المتحدة سنة 1974، وكان في عداد الوفد الفلسطيني الذي رافق عرفات إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك. وكان يكتب زاوية يومية في جريدة "المحرر" ويوقعها باسم "ابن البلد". وعندما تعرضت المحرر لهجوم مسلح في سنة 1976؛ ذلك الهجوم الأرعن الذي استشهد فيه نايف شبلاق وإبراهيم عامر، كان شفيق موجوداً في الجريدة، لكنه نجا. وعلى هذا المنوال من الأحداث بقي في بيروت ولم يغادرها مع الفدائيين في سنة 1982، بل شرع في ترميم مقر مكتب المنظمة في بيروت كي يكون جاهزاً لخدمة أبناء شعبه. لكن اجتياح القوات الإسرائيلية بيروت الغربية بعد اغتيال بشير الجميل، ألجأه إلى التخفي والتنقل بين منزل وآخر، وكم وجد نفسه متشرداً في شوارع بيروت باحثاً عن مكان آمن خشية أن تصطاده المخابرات الإسرائيلية التي كانت تبحث عنه.

انتخب مجدداً عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1991، لكنه استقال لمعارضته اتفاق أوسلو في سنة 1993. وقد تعرض لانسداد شرايينه بينما كان يتناول الطعام في أحد مطاعم واشنطن في سنة 2000، فنقل إلى مستشفى جامعة جورج واشنطن، وأجريت له جراحة لاستبدال اربعة من شرايينه. وعندما فتح عينيه وجد ياسر عرفات فوق رأسه ومعه السيد محمود عباس (أبو مازن). وكان هذا اللقاء آخر لقاء له مع ياسر عرفات قبل رحيله في سنة 2004.

قبيل الرحيل

قبل أيام قليلة من وفاته، جلستُ إلى جانبه في منزله برفقة الأستاذ طلال سلمان، زميله القديم في الصحافة، وصديقه الدائم في حب جمال عبد الناصر. ضحكنا ملياً، وروينا النكات وتذكرنا الصداقات التي لا تنتهي. قال: حاولوا اغتيالي غير مرة وفشلوا، وتعرضت للموت مرات ومرات في خضم الحروب المتلاحقة في لبنان، وأربعة شرايين في قلبي سددتُها ونجوت. لكن هذا الزائر الجديد، أي السرطان، يغالبني اليوم ويأبى الانصراف... كانت حبيبات الدمع تلتمع تحت أهدابه. ولمحت في هذا الصفاء البعيد فلسطين كأنها لم تغب عن عينيه يوماً. وعندما نُقل إلى المستشفى بعد عدة أيام كنتُ أطمئن عنه في كل يوم، لكنني غالبت نفسي كي لا أزوره، فقد رفضت أن ارى هذا الطود الشامخ وقد بات تحت سيطرة الآلات الطبية في مرقده الأبيض.

ترك لنا شفيق الحوت في حياته كنزاً من المعرفة سطرها في ثمانية كتب أساسية هي: "اليسار والقومية العربية" (1959)، "حقائق على طريق التحرير" (1965)، "الفلسطيني بين التيه والدولة" (1976)،  "يوميات ابن البلد" (1979)، "لكي نحرث في الأرض" (1986)، "لحظات لها تاريخ" (1986)، "عشرون عاماً في منظمة التحرير الفلسطينية"" (1986)، "بين الوطن والمنفى: من يافا بدأ المشوار" (2007). وها هو شفيق الحوت ما زال، بعد مماته، يغمرنا بتجربة فريدة في العيش والنضال. فقد وُلد قبل إسرائيل، ورأى أهوال النكبة بأم عينه، وكان شاهداً على تاريخها الهمجي، وعلى جميع الحروب العربيةـ الإسرائيلية، وواكب دروب النضال الفلسطيني كلها، وكان أحد مؤسسي الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة التي خاضت معارك شتى كانت فيها انتصارات رائعة وهزائم مرة، وارتبط بالقومية العربية كما تجسدت بجمال عبد الناصر، وعرف رجالاً تاريخيين أمثال عبد الناصر وأحمد بن بيلا وسوكارنو وكاسترو وغيفارا وكثيرين غيرهم، وحمل فوق كتفيه نضالاً امتد أكثر من خمسين سنة. ومع ذلك بقي الأمل يدغدغ أحلامه.

حين كان يقترب من الثمانين كان يردد: "تعبت؟ هذا صحيح. سئمت؟ هذا أكيد. لكنني لم استسلم". كان مثل الروح الهائمة التي تفتش عن راحتها فوجدها مرة في جمال عبد الناصر حين بادر إلى تأميم قناة السويس في سنة 1956، ومرة في الوحدة السورية -المصرية في سنة 1958، ومرة في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1964، ومرة في معركة الكرامة في سنة 1968، لكنه كثيراً ما كان يفقد هذه الراحة ويعود إلى قلق الروح. هذا ما وقع له بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة 1982، ومع ذلك لم يسقط في حفرة اليأس، بل كان يخرج دوماً من دوامة البحث عن يقين مثلما خرج يوسف من الجب العميق، وبقي الأمل ديدنه حتى أراح راحلته ومضى إلى حيث لا يزور ولا يُزار.

 

الهوامش

[*] باحث وإعلامي فلسطيني، مقيم في بيروت.

(1) انظر: شفيق الحوت، عشرون عاماً في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت: دار الاستقلال للدراسات والنشر، 1986.

(2) راجع: شفيق الحوت، بين الوطن والمنفى، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2007.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website